قال الشيخ أبو حامد: رأس مال السلم لغة أهل العراق، والشافعي يسميه ثمن السلم، قال ذلك الشيخ أبو حامد.
فرع
أجمعوا على منع أن يجعل دينارًا له على رجل سلمًا في طعام إلى أجل معلوم، نقله ابن المنذر (^١)، وعلله القاضي حسين بأنه بيع دين بدين، وسيأتي في كلام المصنف.
فرع
قبض رأس المال في المجلس، ثم تلف في يده قبل التفرق، ففي بُطلان السلم وجهان في "البحر" (^٢).
قلت: وهما الخلاف في تلف المبيع بعد القبض في زمان الخيار.
_________________
(١) انظر حكاية الإجماع لابن المنذر في: الإجماع (ص: ١٣٥)، الإشراف (٦/ ١٠٨)، الأوسط (١٠/ ٣٠٣).
(٢) بحر المذهب (٥/ ١١٩).
[ ١ / ٥٤٢ ]
قال:
ويجوز أن يكون رأس المال في الذمة، ثم يعينه في المجلس، ويسلمه، ويجوز أن يكون معينًا.
هذا هو المشهور، ونقل الماوردي وجهًا عن أبي العباس بن صالح البصري وطائفة من البصريين: أنه لا يصح إلَّا أن يكون معينًا؛ فلا يجوز أن يسلم دنانير موصوفة في أثواب، ويقبضها في المجلس، وقد تقدم لنا في الصرف وجه مثله عن أبي عاصم العبادي، لكنه بعيد غريب في النقود، وإنما هو مشهور هناك في الطعام.
وفي كلام الإمام (^١) هنا ما يقتضي جريان الوجهين في العوض الموصوف من العروض والقطع بالجواز في النقود، كما جزموا في الصرف على الطريقة المشهورة في النقود، وترددوا في الطعام، وقوله: ويجوز أن يكون معينًا، أي ويقبضه في المجلس.
وإذا عين ما في الذمة في المجلس صار، كالمعين في العقد على الأصح، ولو كان له في ذمة الغير دراهم فقال: أسلمت إليك الدراهم التي في ذمتك في كذا حالًّا وأحضره وسلمه في المجلس، فوجهان أصحهما البطلان؛ لأن قبض المسلم فيه، وإن كان حالًّا ليس بشرط، فهو تبرع.
وأحكام البيع لا تبنى على التبرعات، كما لو باع طعامًا بطعام إلى أجل، ثم تبرع بالإحضار لم يجز، وأطلق المتولي الوجهين في أن تسليم المسلم فيه في المجلس وهو حالٌّ هل يغني عن تسليم رأس المال؟ والأصح:
_________________
(١) نهاية المطلب (٦/ ١٣).
[ ١ / ٥٤٣ ]
المنع، وسيأتي في شرح كلام المصنف في الباب الذي يلي هذا فائدة أبي العباس الذي نقل عنه الماوردي، رأيت النسخ مُختلفة فيه، ففي بعضها ابن صالح، وفي بعضها ابن رجاء.
* * *
[ ١ / ٥٤٤ ]
قال:
فإن كان في الذمة، نظرت: فإن كان من الأثمان حمل على نقد البلد، فإن كان في البلد نقود حمل على الغالب منها، وإن لم يكن في البلد نقد غالب وجب بيان نقد معلوم.
الحكم في ذلك وفي الثمن واحد، ولم يذكر الرافعي هذه المسألة، وزادها النووي في "الروضة" (^١)، وقد ذكرها الشيخ أبو حامد، وذكرها الإمام (^٢) في كتاب القاضي إلى القاضي.
ونقل ابن الرفعة (^٣) عن كتاب "أدب القضاء" لأبي علي الزبيلي، أنه حكى ذلك عن ابن أبي هريرة، وحكى عن أبي إسحاق أنه لابد من الوصف، وعن ابن سريج أنه يجب في المؤجل، ولا يجب في الحال، وهذان الوجهان غريبان، وبتقدير ثبوتهما لا يجريان في الثمن؛ لأن مأخذهما أن رأس مال السلم لابد من وصفه.
* * *
_________________
(١) روضة الطالبين (٤/ ٦).
(٢) نهاية المطلب (١٨/ ٤٩٩).
(٣) كفاية النبيه (٩/ ٣٢٦).
[ ١ / ٥٤٥ ]
قال:
وإن كان رأس المال عرضًا، وجب بيان الصفات التي تختلف بها الأثمان؛ لأنه عوض في الذمة غير معلوم بالعرف، فوجب بيان صفاته، كالمسلم فيه.
الكلام فيه كالكلام في المسلم فيه سواء.
* * *
[ ١ / ٥٤٦ ]
قال:
وإن كان رأس المال معينًا، ففيه قولان؛ أحدهما: يجب ذكر صفاته ومقداره؛ لأنه لا يؤمن أن ينفسخ السلم بانقطاع المسلم فيه، فإذا لم يعرف مقداره وصفته لم يعرف ما يرده.
والثاني: أنه لا يجب ذكر صفاته ومقداره؛ لأنه عوض في عقد لا يقتضي رد المثل، فوجب أن تغني المشاهدة عن ذكر صفاته ومقداره؛ كالمهر والثمن في البيع.
القولان منصوصان في "الأم" (^١)، وأحبهما إليه الأول، والأصح الثاني، وبه قال المزني وأبو يوسف ومحمد (^٢)، وممن صححه الشيخ أبو حامد والماوردي، والغزالي، والرافعي (^٣) وجميع الأصحاب لما ذكر المصنف، ولأنه لم ينيه عليه في الحديث كما نبه على المسلم فيه.
قال هؤلاء: وتوقع الفسخ موجود في الإجارة، ويجوز جعل الأجرة جزافًا إلا على طريق بعيدة، وفي البيع وفرقوا بين هذا وبين القرض، فإن القرض يقتضي بدلا غير مسمى، وإنما يعتبر بما يدفع إليه، فوجب معرفة قدره، وهنا الذي يقتضيه العقد هو المسلم فيه، وقد وصف.
والقول الأول هو الذي نقله المزني عن الشافعي (^٤) في هذا المكان، وهو
_________________
(١) الأم (٣/ ١٠١).
(٢) انظر: بدائع الصنائع (٥/ ٢٠٤)، تبيين الحقائق (٤/ ١١٧)، العناية شرح الهداية (٧/ ٩٧)، البحر الرائق (٦/ ١٧٧)، مجمع الأنهر (٣/ ١٤٥).
(٣) فتح العزيز (٩/ ٢١٩).
(٤) مختصر المزني (٨/ ١٨٤).
[ ١ / ٥٤٧ ]
اختيار أبي إسحاق المروزي، ولا فرق في ذلك بين النقود وغيرها، ولو كان رأس المال متقومًا وضبطت صفاته بالمعاينة، ففي اشتراط معرفة قيمته طريقان منهم من طرد القولين والأكثرون قطعوا بصحة السلم، ولا فرق في القولين بين السلم الحالِّ والمؤجل على المشهور.
ومنهم من خصص القولين بالمؤجل، وقطع في الحال بأن المعاينة كافية كما في البيع، وهو اختيار القاضي حسين، وعن كتاب القاضي ابن كج طريقة قاطعة في المؤجل بالمنع، ذكرها الرافعي (^١).
قال الرافعي: "وموضع القولين ما إذا تفرقا قبل العلم بالقدر والقيمة، أما إذا عَلِمَا ثم تفرقا، فلا خلاف في الصحة" (^٢)، وذكر الإمام: "أن المحققين قالوا: إن هذا الخلاف يقرب من الخلاف في الجمع بين سلم وبيع في صفقة واحدة من جهة تقدير بطرق الفسخ إلى أحد العقدين دون الثاني" (^٣).
ومذهب أبي حنيفة (^٤): أن رأس المال إن كان مكيلًا أو موزونًا وجب ضبط صفاته، وإن كان مذروعًا أو معدودًا فلا، ونقل عنه أنه إن كان مكيلًا أو موزونًا أو معدودًا لم يجب، وإلا وجب.
التفريع:
إن جوزنا أن يكون رأس المال جزافًا، فاتفق الفسخ وتنازعا في قدره؛ فالقول قول المسلم إليه مع يمينه؛ لأنه غارم نص عليه الشافعي (^٥) والأصحاب.
_________________
(١) فتح العزيز (٩/ ٢٢٠).
(٢) فتح العزيز (٩/ ٢١٩).
(٣) نهاية المطلب (٦/ ١٨) بتصرف يسير.
(٤) انظر: تبيين الحقائق (٤/ ١١١)، فتح القدير (٧/ ٧١)، البحر الرائق (٦/ ١٦٩).
(٥) الأم (٣/ ١٠١).
[ ١ / ٥٤٨ ]
وإن منعنا أن يكون جزافًا، لم يجز أن يسلم في شيئين مختلفين حتى يعين رأس مال كل واحد منهما وأجله؛ ليكون صفقة وقعت على بيعتين بثمنين حذرًا من أن يقع، وليس ثمن كل منهما معروفًا، نص عليه في "الأم" (^١).
وإطلاق ذلك يشمل الحال، فيخرج لنا منه قول أن السلم في جنسين بثمن واحد لا يجوز، وإن كان حالًّا، وكذلك إطلاق الماوردي يقتضيه، وجعل السلم في جنسين، والسلم إلى أجلين مبنيًّا على هذين القولين، وإذا منعناه وجب عليه رد رأس المال إن كان باقيًا، فإن تلف رد مثله إن كان مثليًّا، وقيمته إن كان متقومًا، ولا يجب المسلم فيه؛ لأن العقد باطل.
وهذا الموضع من كلام الأصحاب أحد ما يدل على أن المثل في العقد الفاسد يضمن بالمثل، وقد صرح الأصحاب هنا بذلك، فهو يرد ما قاله الماوردي هناك من إيجاب القيمة مطلقًا، ومتى حصل اختلاف، فالقول قول المسلم إليه؛ لأنه غارم.
* * *
_________________
(١) الأم (٣/ ١٠٠).
[ ١ / ٥٤٩ ]
قال:
وإن كان رأس المال مما لا يضبط، بالصفة، كالجواهر وغيرها، فهو على القولين.
إن قلنا: إنه يجب ذكر صفاته، لم يجز أن يجعل ذلك رأس المال؛ لأنه لا يمكن ذكر صفاته.
وإن قلنا: لا يجب، جاز أن يجعل ذلك رأس المال؛ لأنه معلوم بالمشاهدة [والله أعلم] (^١).
هذه طريقة الأكثرين، وجعلوا كل ما لا يجوز السلم فيه، كالجواهر، والجلود، والقسي، والنُّشاب، وغيرها على القولين في اشتراط رأس المال.
قال الإمام: وليس ذلك على هذا الإطلاق، بل الدرة الثمينة إذا عرفا قيمتها وبالغا في وصفها، وجب أن يجوز جعلها رأس مال؛ لأن سبب المنع فيها مع الإعزاز في الوصف سببه عزة الوجود، ولا معنى لاشتراط عموم الوجود في رأس المال (^٢)، ورأى تنزيل إطلاق الأولين على هذا، وأنه لا مخالفة.
* * *
_________________
(١) من المطبوع من المهذب.
(٢) نهاية المطلب (٦/ ١٩). بتصرف.
[ ١ / ٥٥٠ ]