قول المصنف: لأن يموت الراهن محل الدين إلى آخره:
شرح هذا الفرق: أن في صورة موت الراهن إن لم يكن دين لغير المرتهن فدينه يتعلق بجميع التركة وحده، ويجب قضاؤه منها في الحال، وإن كان هناك دين لغير المرتهن فقد تعلق حق ذلك الغير بعين الرهن؛ كتعلق حق المرتهن؛ لكونه قبل القبض، فلا يحصل بتسليم الوارث العرض فيما قبض، فلا حاجة إلى بقاء الرهن على التقدير وفي صورة موت المرتهن الدين باقٍ بحاله، وصفته والتوثقة حق للمرتهن وورثته محتاجون إليها، كحاجة مورثهم فانتقلت إليهم كسائر حقوقه.
قال الرافعي: "لك أن تستخرج الخلاف في ظرف موت الراهن من أن التركة التي تتعلق بها الديون حكمها حكم المرهون أم لا.
إن قلنا: نعم، فقد أخذ جميع التركة حكم المرهون ولُغي العقد السابق.
وإن قلنا: لا بقى الرهن؛ لظهور فائدته، ويجوز أن يعكس، فيقال: إن
[ ٢ / ١١٨ ]
قلنا: يأخذ حكم الرهن، بقي الرهن لتأكده.
وإن قلنا: لا، لغي العقد السابق؛ كيلا يتضرر الورثة" (^١). انتهى.
فقوله: "إن قلنا: نعم، فقد أخذ جميع التركة حكم المرهون"؛ أي: المرهون المقبوض ولغي العقد السابق، أي: سواء كان هناك دين آخر أم لا؛ تنزيلًا لما عرض منزلة الرهن والإقباض فإن هناك دينًا آخر، فهو مبطل للرهن الذي سبق بغير قبض، وكأنه رهن وأقبض من جميعهم، وإن لم يكن دين آخر، فكأنه رهن وأقبض منه، ولم يبق في السابق فائدة.
وقوله: "وإن قلنا: لا"؛ بقي الرهن لظهور فائدته، يعني إذا سلمه الورثة برضاهم، والفائدة: منعهم من التصرف، ولو لم يبق الرهن لما امتنع تصرفهم على قول الخيانة.
وقوله: ويجوز أن يعكس فيقال: إن قلنا: يأخذ حكم الرهن بقي الرهن لتأكده، هذا قد يتم إذا لم يكن دين آخر، وإن كان دين آخر، فيتم بالنسبة إلى حصة المرتهن، أما بالنسبة إلى غيره فلا؛ لأنه كرهن وإقباض من غير المرتهن، فيبطل به ما سبق من الرهن غير المقبوض.
وقوله: "وإن قلنا: لا"، لغي العقد السابق كيلا يتضرر الورثة، أي ببقاء الرهن، فيمتنع عليهم التصرف وقال ابن الرفعة: لو قيل بتخصيص الخلاف بحالة وجود غريم غير المرتهن والجزم بعدم البطلان إذا لم يكن غريم غيره لم يبعد؛ لأن النص الذي حكاه الأصحاب مقرون بحالة وجود الغرماء، لكني لم أر من خصه بهذه الحالة، قال الشيخ أبو حامد: إذا قلنا: لا تنفسخ بموت الراهن، فإن لم يكن دين آخر، فعلى الورثة تسليم الدين إليه في الحال، فلا معنى للرهن إلا أن يرضي بتأخر حقه، فيكون لهم أن يعطوه
_________________
(١) فتح العزيز (٤/ ٤٧٩).
[ ٢ / ١١٩ ]
ذلك الرهن إلى إيفاء الحق وإن كان هناك ديون غيره، فعلى الورثة أن يقتسموا ذلك على جميعهم، فلا معنى للرهن إلا أن يرضي الورثة، والغرماء بتخصيص المرتهن بعين الرهن، فحينئذٍ يسلم إليه ويوفي حقه منه، هذا فائدة الاختلاف؛ لأن على قول من يقول: انفسخ الرهن لا يجوز تسليمه بالعقد المتقدم.
فرع
لو مات الواهب أو الموهوب له قبل قبض الهبة فقد ذكر الأصحاب وجهين أو قولين (^١)؛ أصحهما: عدم الانفساخ، وظني أنهما القولان المذكوران هنا، ونشهد له ما تقدم من نص الشافعي، وتسويته بين البابين، ولا يأتي ما سبق من الفرق بين الراهن والمرتهن.
تنبيه
بين الرهن اللازم في حال الحياة والرهن المحكوم به يجعل التركة كالمرهون فرق، وهو أنه في الأول رهن بجميع الدين حتى لا ينفك إلا بقضاء جميعه، وفي الثاني رهن بما يلزم الورثة أداؤه، وهو الأقل من الدين وقيمة التركة، فإن الدين ليس في ذمتهم؛ ولهذا لو بذلوا قيمة التركة أجيبوا، لأنه ليس عليهم شيء آخر، والراهن لو فعل ذلك لا نجيبه، بل نلزمه بوفاء الدين مما بذله، ومن عين الرهن جميعًا، وبهذا يتبين لك قوة تقرير النصين والفرق بين موت الراهن والمرتهن، وأنه لا فائدة في بقاء الرهن بعد موت الراهن؛ لأن ذلك الحكم الذي كان يقتضيه قد زال، سواء كان مال آخر غيره أم لا، وسواء كان دين آخر أم لا؛ لأنه إن لم يكن دين آخر، فالواجب على الورثة أقل الأمرين من الدين أو قيمة جميع التركة بقي
_________________
(١) انظر: الحاوي الكبير (٧/ ٥٥٢)، نهاية المطلب (٨/ ٤١٠).
[ ٢ / ١٢٠ ]
الرهن أو زال، ولا يجاب المرتهن إلى تبقية العين مرهونة، ومنع الورثة التصرف فيها بعد بذلهم القيمة؛ إذ لا حق عليهم غيرها بخلاف المورث، وإن كان دين آخر، فالكلام في مجموع الديون كالكلام في الدين الواحد.
وبهذا يتبين أن قول الرافعي، وقد يعكس، فيقال: إن قلنا بأخذ حكم الرهن بقي الرهن لتأكده ليس بجيد؛ لأن حكم الرهن هنا مختلف لما بيناه، فلا يؤكد الثاني الأول بل يرفعه سواء كان ثَمَّ دين آخر أم لا، وقد قدمنا أن كلام الرافعي قد يتم إذا لم يكن دين آخر، وهذا الذي قلناه الآن أولى، فإن قلت: هذا يلزم منه إذا مات الراهن بعد القبض أن يتغير حكم الرهن، وقد جزم الأصحاب ببقائه.
قلت: جزم الأصحاب ببقائه بمعنى: أن أصل الرهن باق لازم، وأما أن جميع أحكامه باقية، فلا وتحقيق القول فيه أنه إن لم يكن هناك تركة غيره، فالمرتهن يتعلق به حتى يُوفي أقل الأمرين من قيمته، وما هو رهن عليه لا شيء للمرتهن على الورثة غير ذلك، والتعلق الذي كان بالدين بالغًا ما بلغ قد انقطع، وإنما يظهر أثر لزوم الرهن بالنسبة إلى غريم آخر إن كان مات المرتهن يقدم عليه ولا يزاحمه، وإن كان هناك تركة غير الرهن، فإن كان هناك غريم آخر شاركه المرتهن في التعليق ببقية التركة مع انفراده بالرهن، فلو بذل الوارث هنا للمرتهن قيمة الرهن لم ينفك رهنه حتى يبذل له الأقل من جميع دينه من القدر الذي يخصه من بقية التركة إذا وزعت عليه، وعلى الغرماء مضافًا إلى قيمة الرهن وإن لم يكن هناك غريم آخر فدين المرتهن متعلق بالرهن خصوصًا وبالتركة عمومًا حتى يقضي أقل الأمرين من دينه وقيمة جميع التركة، فقد ظهر في الأحوال كلها أن الحكم قد يختلف بموت الراهن بعد القبض في التعلق، وهذا تحرير بالغ لا شك فيه، وإطلاق
[ ٢ / ١٢١ ]
الأصحاب بقاء الرهن صحيح لا ينافيه وينزل عليه، فتغير حكم الرهن اللازم مما قبله، لست أفرُّ منه، بل هو حق، ولا ينافي إطلاق القول ببقاء الرهن، فإن قلت: أكثر الأصحاب على طريقة القولين، وأن الرهن لا ينفسخ بموت الراهن، فكيف يقوى خلافه؛ قلت: بحسب ما ظهر من الدليل والمذهب، فإنه مهما ظهر معنى يشهد لتقرير النصوص لا يعدل إلى التخريج، وممن ذكر طريقة تقرير النصين، وأنه ينفسخ بموت الراهن دون المرتهن، الجرجاني في "الشافي" لم يذكر غيرها.
واعلم أن الشافعي قال في "الأم": "وإذا مات الراهن، فالرهن بحاله لا ينتقض بموته ولا بموتهما ولا بموت أحدهما" (^١). انتهى. وهذا محمول على ما بعد القبض وقصدت التنبيه عليه؛ لئلا يغتر به، ونظن أنه فيما قبل القبض.
* * *
_________________
(١) الأم (٣/ ١٥٠).
[ ٢ / ١٢٢ ]
قال: