حيث قلنا: يجبر في الحال، ولا يجبر في المؤجل فاختلفا، فقال المسلم إليه: هو حال، وأراد الإجبار، وقال المستحق: هو مؤجل فعن "البحر" (^١) في آخر كتاب الضمان أن والده قال: يحتمل وجهين بناء على ما إذا عقب الإقرار بالتأجيل.
هذا الذي قاله في "البحر" ظاهر فيما إذا كان اختلافهما في ثبوت الدين مطلقًا من غير تشبه إلى عقد.
أما لو اتفقا على الأجل واختلفا في حلوله فهل يجري الاحتمالان اللذان ذكرهما الروياني، أم يجزم بأن قول المستحق؛ لأن الأصل بقاء الأجل.
اختار ابن الرفعة الثاني (^٢)، ونسبه إلى باب اختلاف المسلف والمسلف من "الأم"، والذي في "الأم" (^٣) في هذا الباب إنما هو بالعكس إذا ادعى المستحق انقضاء الأجل ولا إشكال في ذلك، أما في مسألة الروياني (^٤) فلا يبعد جريان الاحتمالين فيها لما ذكر، على أن الشيخ أبا حامد أطلق أنهما إن اتفقا في الأجل واختلفا في مضيه فالقول قول من يدعي بقاءه للأصل.
ولو اختلفا في صدور العقد هكذا فالظاهر أنها من صور التحالف؛ لأنهما اختلفا في الأجل، قال ابن الرفعة (^٥): إلا أن يقال: إنما يكون التحالف إذا ادعى المسلم إليه التأجيل، والمسلم الحلول؛ لأن الأجل يقابله قسط من الثمن وما نحن فيه عكسه.
_________________
(١) بحر المذهب (٥/ ٥٠٧).
(٢) كفاية النبيه (٩/ ٧١).
(٣) الأم (٣/ ١٣٨).
(٤) انظر مصدره السابق.
(٥) كفاية النبيه (٩/ ٧١).
[ ١ / ٥٧٥ ]
فرع
لو جاء بالمسلم فيه وخلى بينه وبين المسلم ووضعه بين يديه فإن قلنا: لا يحصل القبض بذلك في البيع فها هنا أولى، وإن قلنا: يحصل هناك فهاهنا وجهان، والفرق أن الملك هناك ثابت في المعين فأشبه الغاصب والمستعير، وهاهنا يريد أن يجعله ملكًا فأشبه المستقرض إذا أتى بمال القرض ووضعه بين يدي المقرض لا يخرج عن ضمانه.
فرع
من له الأجل إذا قال: أسقطت الأجل، هل يسقط في حق المستحق حتى يجوز له المطالبة في الحال؟ فيه وجهان في "الوسيط" (^١) وغيره؛ أحدهما: لا لوصف الصحة.
والثاني: يسقط؛ لأنه متميز عن الحق إذ الحق عليه، والأجل له.
ومحل الوجهين في سقوطه في حق من عليه الحق، أما صاحب الحق فلا يسقط في حقه حتى لا يلزمه القبول إن كان له غرض في التأخير، كذا قاله القاضي حسين في باب النهي عن بيع وسلف.
* * *
_________________
(١) الوسيط في المذهب (٣/ ٤٤٩).
[ ١ / ٥٧٦ ]
قال:
وإن سأله المسلم أن يقدمه قبل المحل فقال: أنقص من الدين حتى أقدمه ففعل لم يجز؛ لأنه بيع أجل، والأجل لا يفرد بالبيع، ولأن هذا في معنى الربا في الجاهلية فإنه كان في الجاهلية يقول من عليه الدين: زدني في الأجل أزدك في الدين.
أما كون ربا الجاهلية ما ذكر فصحيح؛ قاله الشافعي (^١)، ورواه مالك في "الموطأ" (^٢) عن زيد بن أسلم، قال: كَانَ الرِّبَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، أَنْ يَكُونَ لِلرَّجُلِ عَلَى الرَّجُلِ الْحَقُّ، إِلَى أَجَلٍ. فَإِذَا حَلَّ الْحَقُّ، قَالَ لَهُ غَرِيمُهُ: أَتَقْضِي أَمْ تُرْبِي؟ فَإِنْ قَضَاهُ، أَخَذَ. وَإِلَّا زَادَهُ فِي حَقِّهِ. وَأَخَّرَ عَنْهُ فِي الْأَجَلِ.
وروي معنى ذلك عن مجاهد، ولا خلاف الأمة أن هذا حرام (^٣)، وأما ما ذكره المصنف أنه في معناه؛ فلأنه نقصان في مقابلة نقصان الأجل فهو كالزيادة في مقابلة زيادة الأجل، ومراد المصنف إذا جرى ذلك على سبيل الشرط.
وقد روي في ذلك آثار صحيحة وحديث ضعيف منها: المقداد بن الأسود قال: أَسْلَفْتُ رَجُلًا مِائَةَ دِينَارٍ ثُمَّ خَرَجَ سَهْمِي فِي بَعْثٍ بَعَثَهُ
_________________
(١) الأم (٣/ ١١٩).
(٢) الموطأ (٢٤٨٠).
(٣) انظر حكاية الإجماع في: مجموع الفتاوى لابن تيمية (٢٩/ ٤١٨ - ٤١٩) (٢٩/ ٤٧٠) (٢٠/ ٣٤٩)، أحكام القرآن للجصاص (١/ ٥٦٦)، تفسير القرطبي (٣/ ٣٤٨)، الحاوي (٥/ ٧٦)، البيان والتحصيل (١٠/ ٥٦٥).
[ ١ / ٥٧٧ ]
رَسُولُ اللهِ ﷺ؛ فَقُلْتُ لَهُ: عَجِّلْ لِي تِسْعِينَ دِينَارًا وَأَحُطُّ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ، فَقَالَ: نَعَمْ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: "أَكَلْتَ رِبًا يَا مِقْدَادُ وَأَطْعَمْتَهُ". رواه البيهقي (^١) بسند ضعيف.
وصح عَنْ أَبِي صَالِحٍ، مَوْلَى السَّفّاح واسمه: عبيد؛ أَنَّهُ قَالَ: بِعْتُ بَزًّا مِنْ أَهْلِ السُّوقِ، إِلَى أَجَلٍ ثُمَّ أَرَدْتُ الْخُرُوجَ إِلَى الْكُوفَةِ. فَعَرَضُوا عَلَيَّ أَنْ أَضَعَ عَنْهُمْ وَيَنْقُدُونِي، فَسَأَلْتُ عَنْ ذلِكَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، فَقَالَ: لَا آمُرُكَ أَنْ تَأْكُلَ هذَا، وَلَا تُؤْكِلَهُ. رواه مالك في "الموطأ" (^٢).
وصح عَنِ ابْنَ عُمَرَ أَنَّه سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ يَكُونُ لَهُ الدَّيْنُ عَلَى رَجُلٍ إِلَى أَجَلٍ، فَيَضَع صَاحِبُهُ وَيُعَجِّلُ لَهُ الْآخَرُ، قَالَ: فَكَرِهَ ابْنُ عُمَرَ ذَلِكَ، وَنَهَى عَنْهُ (^٣).
وصح عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ: أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ، قُلْتُ: لِرَجُل عَلَيَّ دَيْنٌ، فَقَالَ لي: عَجِّلْ لِي وَأَضَعُ عَنْكَ، فَنَهَانِي عَنْهُ، وَقَالَ: نَهَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ -يَعْنِي عُمَرَ- أَنْ نَبِيعَ الْعَيْنَ بِالدَّيْنِ (^٤).
أما إذا كان ذلك بغير شرط، ويوب البيهقي (^٥) عليه: باب من عجل له أدنى من حقه قبل محله فوضع عنه طيبة به أنفسهما، وروى فيه أثرًا صحيحًا عن ابن عباس أنه كان لا يري بأسًا أن يقول: أُعَجِّلُ لَكَ وَتَضَعُ عَنِّي (^٦).
وحديثًا عن ابن عباس قال: لَمَّا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِإِخْرَاجِ بَنِي النَّضِيرِ مِنَ الْمَدِينَةِ جَاءَهُ نَاسٌ مِنْهُمْ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ أَمَرْتَ بِإخْرَاجِهِمْ،
_________________
(١) في الكبرى (٦/ ٢٨) (برقم: ١٠٩٢٤).
(٢) الموطأ (٢٤٧٨).
(٣) في الكبرى (٦/ ٢٨) (برقم: ١٠٩٢٢).
(٤) عبد الرزاق في مصنفه (٨/ ٧٢) (١٤٣٥٩).
(٥) (٦/ ٢٧).
(٦) في الكبرى (٦/ ٢٨) (برقم: ١٠٩١٨).
[ ١ / ٥٧٨ ]
وَلَهُمْ عَلَى النَّاسِ دُيُونٌ لَمْ تَحِلَّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "ضَعُوا وَتَعَجَّلُوا"، أَوْ قَالَ: "وَتَعَاجَلُوا".
اختلف الناس في هذا الحديث؛ فالبيهقي (^١) وغيره ضعفوه، والحاكم قال: "إنه صحيح الإسناد" (^٢).
إذا علمت ذلك، وأن كلام المصنف محمول على ما إذا كان بالشرط فإن صدر ذلك على وجه العقد فلا إشكال في فساده، ولذلك إذا أبرأه فأبراه المستحق من بعض الحق على شرط التعجيل والحكم بفساد ذلك يقتضي فساد الإبراء بالشروط الفاسدة.
وكذلك إن عجل له بعضًا بشرط أن يبرئه من الباقي، كان إقباضًا فاسدًا؛ فيسترده.
قال الشافعي في الصرف إذا كان له عليه ذهبٌ إلى أجل: "أقبضتك قبل الأجل على أن لا يأخذ أنقص فلا جبر فيه" (^٣).
وقال فيه أيضًا في المسلم فيه: "ولا جبر في أن يعجله على أن يضع عنه، ولا في أن يعجله على أن يزيده المسلف؛ لأن هذا بيع يحدثانه غير البيع الأول" (^٤).
وأما إذا قال من عليه الحق: أنقص عني كذا حتى أقدم لك فأبرأه من ذلك المقدار، فكلام المصنف يقتضي الفساد، ويكون كما لو صرح بالشرط، وكان ذلك لقرينة السؤال.
ويحتمل أن يقال: إن هذا التماس ووعد فإذا حصل الإبراء مطلقًا صح،
_________________
(١) في الكبرى (٦/ ٢٨) (برقم: ١٠٩٢٠)
(٢) المستدرك على الصحيحين (٢/ ٦١).
(٣) الأم (٣/ ٣٣).
(٤) الأم (٣/ ٣٧).
[ ١ / ٥٧٩ ]
وغاية ما فيه أن السائل غَرَّه بكلامه، والذي يؤيد هذا الاحتمال أن الشافعي قال في "الأم": "لو أسلفه في طعام إلى أجل، فلما حل الأجل، قال له: بعني طعامًا بنقد أو إلى أجل حتى أقضيك منه؛ فإن وقع العقد على ذلك لم يجز، وإن باعه على غير شرط فلا بأس بذلك" (^١)، والقابض بالخيار إن شاء وَفَّى له، [و] (^٢) إن شاء لم يف.
ولو اشترى منه من غير شرط، وبينهما أن يقبضه منه صح البيع، فلم يجعل الشافعي ﵀ هذه الصيغة شرطًا فيتعين تأويل كلام المصنف على ذلك.
ولو قضاه أكثر مما يستحقه أو أجود بشرط أن يبيعه منه لم يصح القبض، نص عليه، ويجب رده أو رد الزيادة، ويأخذ قدر حقه من جنسه.
* * *
_________________
(١) الأم (٣/ ٧٤).
(٢) زيادة ليست في المخطوطة، ليستقيم بها المعنى.
[ ١ / ٥٨٠ ]
قال: