ثم قال: مع ذلك إنه إن باين العسل والسمن فكذلك لا يفسد في الزمان، ولا يتغير قال: عصير سنة كذا وكذا لا يجزئه غير ذلك، معنى إنه إن كان يختلف بالحداثة والعتق ولا يتغير على ممر الزمان، اشترط فيه ذلك هذان الأمران، وإن لم يختلف لا يشترط شيء، هذا مقتضى كلامه بخلاف السمن والعسل، فإنه يشترط فيهما الحداثة والعتق من غير تفصيل.
فرع: التمر يذكر فيه بعد الجنس والقدر ستة أشياء: النوع كالمعقلي، والبلد كالبغدادي، واللون، وصغر الحبات وكبرها، وكونه جديدا أو عتيقا، قال الشافعي في "الأم": "أو غير جديد، ولا عتيق" (^١)، وسيأتي عنه مثل ذلك في الواسطة بين الجودة والرداءة، هذه الخمسة متفق عليها.
والسادس ذكره الماوردي: أن يذكر ما جف على نخله، أو جفف بعد حداده، فإن الأول أنقى، والثاني أصفى، وينبغي أن يقول في العتيق: عتيق عام أو عامين، فلو أطلق فالنص الجواز، وينزل على العتيق، وهذا قول البغداديين.
وذهب عامة البصريين إلى أنه لا يصح، وحملوا النص على تمر الحجاز الذي يتفاوت جميع عتيقه في الرداءة، ولا يجوز السلم المكنوز في القواصر والجلال لأنه لا يمكن أن يستوفى على صفته المشروطة بعد كنازه، قاله الماوردي.
وفي جواز اشتراط نزع النوى وجهان في "البحر" (^٢)؛ أحدهما: الصحة لنزع العظم.
والثاني: لا لتسارع الفساد، والزبيب كالتمر، والرطب كالتمر إلا الجديد
_________________
(١) الأم (٣/ ٩٥).
(٢) بحر المذهب (٤/ ٤٣٢).
[ ١ / ٤٩٢ ]
والعتيق فلا يشترط، وقال في "الوسيط" (^١): يجب أيضًا، وهو خلاف ما عليه الأصحاب، ويسقط أيضًا وقت الجذاذ.
والعنب كالرطب، قال الماوردي: وكذا سائر الفواكه رطبها ويابسها.
فرع: الحنطة وسائر الحبوب كالتمر، وصرح الشافعي والأصحاب فيها أيضًا لصغر الحبات وكبرها، وإن كانت ما جرت عادة الناس اليوم بذكره، فينبغي أن يتنبه لذلك، وشرط في "الأم" (^٢) وجوب ذلك أن يكون مختلفًا، وهو صحيح.
وقال في "البويطي": "يصف القمح أبيض مدورًا، أو أسمر مدورًا، أو طويلًا، ثم قال: وإن ترك من هذا شيئًا؛ فالسلف فاسد" (^٣) قال الماوردي (^٤): فإن الصغير أكثر في الزراعة، والكبير أنقى بعد الطحن لونًا. وقال في "الأم": "الحدارة والرقة" (^٥).
وجعلها الماوردي (^٦) شرطًا آخر غير الصغر والكبر، وفسر الحدارة بأن تكون هزيلة ضامرة الجنب.
وقال في "الأم": "يصف الحنطة من صرام عامها، أو من صرام عام أول" (^٧).
_________________
(١) الوسيط في المذهب (٣/ ٥٣).
(٢) الأم (٣/ ١٠٤).
(٣) مختصر البويطي (ص: ٦٠٩).
(٤) الحاوي الكبير (٥/ ٤٠٣).
(٥) الأم (٣/ ١٠٤).
(٦) الحاوي الكبير (٥/ ٤٠٣).
(٧) الأم (٣/ ١٠٣).
[ ١ / ٤٩٣ ]
ثم قال: "وإن ترك من هذا شيئًا لم يجز" (^١)؛ لكنه في "مختصر المزني" "وأن يصف ذلك بحصاد عام مسمى أصح" (^٢)؛ فهذا النص يدل على عدم وجوبه، قالوا هنا: ولا يحتاج مع إضافتها إلى البلد أن يذكر النوع، واشترط الماوردي تبعًا للشافعي والشيخ أبي حامد أن يقول: مجلوبة أو مولدة، فإن المجلوبة خير من المولدة التي تغترب بالبرية، ولا يجوز السلم في حنطة مبلولة، نص عليه. والذرة يذكر فيها ما يذكر في الحنطة.
فرع: الصوف يذكر بلده ولونه وطوله وقصره، وخريفي أو ربيعي، فإن الخريفي أحسن؛ لأنه من الربيع من ذكر أو إناث، من صغارها أو كبارها، والأكثرون استغنوا بذلك عن ذكر النعومة والخشونة، ومقتضى كلام الماوردي أنها تشترط أيضًا.
ونص الشافعي (^٣) أن ذكر كونه نقيًّا أو مغسولًا شرط، وأوله الأصحاب على الاحتياط.
ومنهم من قال: إن شرط الغسل واجب، ولا نزاع أن شرط الغسل جاز إلا أن يعيبه الغسل، ولا يقبل إلا نقيا من السول والبعر وهو موزون، والشعر والوبر كالصوف، إلا أن الماوردي لم يشترط في الوبر ذكر النعومة والخشونة إذ لا يختلف.
فرع: "القطن يبين بلده، ولونه، وكبره، لحمه، وقلته، والخشونة، والنعومة، وكونه عتيقًا، أو جديدًا إن اختلف الغرض، والمطلق
_________________
(١) الأم (٣/ ١٠٣).
(٢) مختصر المزني (٨/ ١٨٩).
(٣) الأم (٣/ ١٢٧).
[ ١ / ٤٩٤ ]
محمول على الخام"، هكذا قال الرافعي (^١).
وقال الشافعي: "إن كان يكون نديًّا سُمّي (^٢) جافًّا، ومطلقه محمول على ما فيه الحب كالنوى في التمر" (^٣)، هكذا قاله الرافعي (^٤)، واقتضاه نص الشافعي.
فإن شرط كونه حليجًا جاز، وقال الماوردي: إنه يشترط كونه لقط رطبًا أو يابسًا، وكونه طويل الشعرة أو قصيرها، وكونه حليجًا أو منقًّا أو باقيًا في حبه، وكونه لقط في أول السنة عند شدة الحر أو في آخرها وقت البرد إلا أن يكون في بلد لا يختلف فيها بذلك.
واختار الروياني (^٥) ما ذكره الماوردي من كونه لابد من اشتراط كونه حليجًا أو مع الحب، ونسب ما ذكره الرافعي (^٦) إلى اختيار الشيخ أبي حامد، وليس الأمر كما ذكره؛ لِمَا أعلمتك من نص الشافعي.
ويجوز السلم في حب القطن، ولا يجوز في القطن في الجوز قبل الشقق، أما بعده ففي "التهذيب" (^٧): أنه يجوز، وقال في "التتمة": ظاهر المذهب أنه لا يجوز لاستتاره، وهو الذي أَطلق العراقيون حكايته عن النص، ولا مجال لقول بيع الغائب في السلم.
فرع: الإبريسم يبين لونه وبلده، وغلظه ولا يشترط النعومة؛ لأنه لا يكون إلا كذلك، قال الماوردي: ويبين طول الشعرة أو قصرها،
_________________
(١) فتح العزيز (٩/ ٣١١).
(٢) في المخطوطة: "سما"، ولعل الصواب ما أثبتناه.
(٣) الأم (٣/ ١٢٨). بتصريف يسير.
(٤) فتح العزيز (٩/ ٣١١). بمعناه.
(٥) بحر المذهب (٥/ ١٥٦).
(٦) فتح العزيز (٩/ ٣١١).
(٧) التهذيب (٣/ ٥٨٠).
[ ١ / ٤٩٥ ]
ولا يسلم في عمل صانع بعينه.
ولا يجوز السلم في القز، وفيه الدود حيًّا ولا ميتًا؛ لأنه يمنع معرفة وزن القز، وبعد خروج الدود يجوز بعد ذكر البلد والصغر، أو الكبر واللون، وأمَّا سلخ القز، قال الماوردي: وهو ما طير منه فوق الإبريسم فيجوز السلم فيه، ويحتاج إلى البلد واللون.
فرع: الغزل يذكر فيه ما يذكر في القطن والرقة والغلظ، قال الماوردي: ويبين هل هو من غزل الشتاء أو الصيف، وهل هو بالمغزل أو بغيره، ويجوز السلم في غزل الكتان، ويجوز شرط كونه مصبوغًا، ويجب بيان الصبغ، وقد تقدم.
فرع: قال الماوردي: لا يجوز السلم في الكتان على خشنة، فإن دق وصار مسرجًا جاز، ويصف بلده ولونه وطوله والنعومة والدقة والحداثة.
فرع: الثياب يذكر جنسها من إبريسم، أو قطن، أو كتان، والنوع والبلد الذي نسج فيه إن اختلف الغرض به، وقد يغني النوع عنه، وعن الجنس أيضًا، ولا يغني هو عنهما إذا كان ما يعمل فيه مختلفًا، ويبين الطول والعرض، والخشونة والنعومة، والغلظ أو الرقة، والصفاقة أو الرقة أو التوسط، ولم يكتب الشافعي بالصفاقة حتى يضيف إليها الرقة؛ لأن الصفيق قد يكون غليظًا، ويجوز في المقصور، والمطلق يحمل على الخام.
قال الشيخ أبو حامد: فإن أحضر المقصور كان أولى.
قلت: إلا أن يختلف الغرض به فلا يجب القبول ولا يجوز أن يذكر نسج
[ ١ / ٤٩٦ ]
رجل بعينه، قال الماوردي: إلا أن يكون استعمالًا من النسج ينسب إلى رجل بعينه إضافة تعريف، وليس من نسجه فيجوز، ولا يجوز في الملبوس نص عليه الشافعي (^١) والأصحاب لعدم انضباطه.
وأطلق الشافعي أن المغسول لا يجوز السلم فيه، قيده الأصحاب بالمغسول بعد اللبس، أما المغسول الجديد فيجوز.
قال الماوردي: ولا يجوز في الثياب المنقوشة كالسقلاطورة والحلل الديباج لأن ضبط نقشها يتعذر.
وقال الروياني مع ذلك: "يجوز في الإبراد والعنابي والحبرة وعصب الثمن؛ لأن تخطيطها مضبوط، ويصف تخطيطه في ضيقه وسعته" (^٢).
ويجوز في اللبد والأكسية، ولا يجوز في الزلال المنقوشة، ولا يجوز في الجباب والقلانس؛ لما فيها من الحشو والأجناس المختلفة.
قال الصيمري: ويجوز في القُمص والسراويلات إذا ضبطت طولًا وعرضًا، وسعة وضيقًا، وتابعه الروياني (^٣).
فرع: الخشب أنواع، فمنه الحطب يذكر نوعه وغلظه ودقته، أو توسطه وأنه من نفس الشجرة أو من أغصانها، ووزنه، ولا يجب التعرض للرطوبة والجفاف، والمطلق محمول على الجاف، ويجب قبول المعوج والمستقيم.
ومنه ما يطلب للبناء كالجذوع، فيذكر النوع والطول، والغلظ والرقة، ولا يشترط الوزن على الصحيح، وشرطه الشيخ أبو محمد، ولو ذكره جاز
_________________
(١) الأم (٣/ ١٢٥).
(٢) بحر المذهب (٥/ ١٤٣).
(٣) المصدر السابق (٥/ ١٤٤).
[ ١ / ٤٩٧ ]
بخلاف الثياب حيث اختلفوا فيها؛ لأن الخشب يمكن نحته حتى يعود إلى القدر المشروط، ولا يجوز السلم في المخروط لاختلاف أعلاه وأسفله، هكذا قالوه، وينبغي أن يكون فيه الخلاف في الأواني المختلفة.
ومنه ما يطلب لنصب السكاكين والدواة وما أشبه ذلك من الخشب اللطيف، فيحتاج فيه إلى الوزن والدقة والغلظ، قاله الماوردي.
ومنه ما يطلب للغراس فيسلم فيه بالعدد، ويذكر النوع والطول والغلظ.
ومنه ما يطلب ليتخذ منه القسي والسهام فيذكر فيه النوع والدقة والغلظ، ونص الشافعي أنه يتعرض لكونه سهليًّا أو جبليًّا، ويُعين الأرض وعرض رأسه وما بين الطرفين من الغلظ وكونه مستوي النبتة، ومنهم من قال بذكر اللون أيضًا فيه، وفي خشب البناء.
فرع: الجديد يذكر نوعه، وذكر أو أنثى ولونه وخشونته أو لينه، والنحاس يُذكر نوعه من شبه وغيره، والرصاص نوعه من قلعي وغيره، ولونهما وخشونتهما ولونهما، والوزن فيهما، وفي الحديد، وإن كانت معادنهما يختلف ذكرها.
ومنع بعض الأصحاب من السلم في الصفر، وقال: إنه أخلاط يجمع ويسبك، وذهب سائر الأصحاب إلى جوازه؛ لأنه وإن كان أخلاطا فهي مقدرة إن زيد فيها أو نقص فسد، وهكذا اختلفوا في جوهر الزجاج؛ لأنه أخلاط مجموعة.
قلت: وهذا بعيد؛ لأنه قد صار شيئًا واحدًا لا يُعد مختلطًا، وإذا أسلم في الدراهم والدنانير لا يحتاج إلا إلى السَّكة والضرب، فإن لم يذكر أنها مضروبة لزمه فضة خالصة أو ذهب مسبوك.
[ ١ / ٤٩٨ ]
فرع: كل ما شرط ينزل على أقل الدرجات، وحيث اشترطنا ذكر البلد فيما تقدم فالمراد به البلد الكبير الذي لا يكون ذكره وتعيينه مُفسدًا للعقد.
فرع: قسم الماوردي البقول على ثلاثة أقسام: قسم المقصود منه شيآن، كالخس والفجل يقصد اللب والورق؛ فالسلم فيه باطلا لاختلافه.
وقسم المقصود منه شيء واحد وكله مقصود فيجوز وزنًا.
وقسم يتصل به ما ليس بمقصود، كالجوز والسلجم، فلا يجوز إلا بعد قطع ورقه، وأما الباذنجان بأقماعه فيحتمل أن لا يجوز إلا بعد قطع أقماعه، ويحتمل أن يجوز قبله.
فرع: يجوز السَّلم في قصب السكر بالوزن، ويشترط قطع أعلاه الذي لا حلاوة فيه، هكذا قال الشافعي (^١)، قال المزني: وأنا أقول: "وقطع مجامع عروقه من أسفله" (^٢).
واختلف الأصحاب في اشتراط ما ذكره المزني على وجهين.
فرع: الرداءة والجودة في جميع ما ذكر هل يجب التعرض لها؟ أمَّا الجودة فلا خلاف أن ذكرها لا يضر، وهل يشترط، بمعنى أنه لابد من ذكرها، أو ذكر ضدها، حكى الماوردي فيه خلافًا، وأكثر العراقيين على اشتراطه جزمًا، وهو المنصوص في مواضع من "الأم" (^٣) نصًّا صريحًا،
_________________
(١) الأم (٣/ ١٣٠).
(٢) لم أجد هذا الكلام في مختصر المزني، ووجدته بنصه في الأم (٣/ ١٣٠).
(٣) انظر: الأم (٣/ ٩٥) و(٣/ ١١٧) و(٣/ ١٢٧).
[ ١ / ٤٩٩ ]
اشترط أن يذكر جيدًا، أو رديئًا، أو وسطًا.
وتبعه الماوردي على إثبات الوسط بين الجيد والرديء، ونقل الرافعي "عن غير العراقيين أنها لا تشترط، ويحمل المطلق على الجيد، قال: وهو الأصح" (^١)، وما صححه صحيح إن فسرت الجودة بالسلامة من العيوب، وإن فسرت بزيادة على ذلك لم يصح، بل لابد من التعرض لها كما اقتضاه النص، وأما الرداءة فهل يجوز ذكرها أو لا؟ الحق أن يقال: إن رداءة النوع يجوز ذكرها قطعا، بل يجب، وأن رداءة العيب فيها خلاف.
والأصح أنه لا يجوز ذكرها، ولا خلاف أن ذكرها بعينها ليس بشرط، ومقتضى كلام الرافعي عكس هذا أن رداءة العيب لا تجوز قطعًا، وأن في رداءة النوع خلافًا، وأن الأكثرين على الجواز، وقال النووي (^٢): إن الإمام قال بالبطلان.
والذي رأيته في "النهاية" (^٣) الجواز في رداءة النوع، والمنع من رداءة الوصف، وإنما رجحت ما قلته على ما قاله الرافعي؛ لأن في "البويطي" (^٤) أنه يصف بالجودة والوسط، ولا يجوز أن يشترط رديء؛ لأنه لا يقع على حدة.
وقد قيل: يجوز السلم -السلف- في الرديء، هذا لفظه في "البويطي" (^٥)، فوجب أن يكون له في جواز اشتراط الرديء قولان، والمراد بهذا الرديء: رداءة العيب لأمرين، أحدهما: قوله: لا يقع على حدة.
_________________
(١) فتح العزيز (٩/ ٣٢١). بتصريف يسير.
(٢) روضة الطالبين (٤/ ٢٨).
(٣) نهاية المطلب (٦/ ٤٠).
(٤) مختصر البويطي (ص: ٦١٣ - ٣١٤).
(٥) نفس المصدر.
[ ١ / ٥٠٠ ]
والثاني: أن رداءة النوع مثلوها بالجعرور ومصران الفأرة، وشبهها في التمر.
والشافعي قد ذكر أنه يذكر الصنف، ويذكر منه الجيد أو الرديء، ولا نزاع في أن التعرض للنوع واجب، فكيف يقال: إن رداءة النوع لا يجب ذكرها، ومن ضرورة إهمالها النوع، وهذا لا يخفى على متأمل:
وليس معنى قولنا: إن رداءة النوع يجب ذكرها إلا أنه يذكر النوع المعروف بالرداءة لا أنه يذكره، ثم يذكر كونه جيدًا أو رديئًا، فإن ذلك هو رداءة الوصف، وفي هذا موافقة للرافعي (^١) في بعض ما قاله في المعنى، وإن خالفه في العبارة فيقطع بأنه لابد من ذكر النوع جيدًا كان؛ كالصيجاني، والبرني، أو رديئًا كالجعرور، ومصران الفأرة، ويجوز محل الخلاف في رداءة الوصف التي لا تُوقف على حدها، والأصح أنه لا يجوز ذكرها للجهل، وهو الذي اقتضى تقديمه في "البويطي" (^٢) ترجيحه.
نعم، هاهنا نظر آخر، وهو أنه يمكن أن يقال: إن رداءة الوصف غير رداءة العيب، كما أشرنا إليه في أن الجودة قد يقال: إنها أزيد من السلامة من العيوب، فإذا فسرت الرداءة بانتفاء ذلك الوصف، وإن لم يكن معيبًا أمكن أن ينزل عليه الخلاف المذكور في "البويطي"، ويجزم في المعيب بالبطلان.
وحينئذ تصير الرداءة على ثلاثة أقسام: رداءة النوع، وذكرها شرط قطعًا بذكر ذلك النوع، ورداءة العيب، وذكرها مفسد، ورداءة الوصف، وهي محل الخلاف، فإن صح ذلك كان الأصح في رداءة الوصف أيضًا الاشتراط على خلاف ما صححه الرافعي لاختلاف الغرض به.
ويوافق ذلك قول الشيخ أبي حامد في الجيد والرديء: مشترط ليس
_________________
(١) فتح العزيز (٩/ ٣٢١).
(٢) المصدر السابق.
[ ١ / ٥٠١ ]
المراد به العيب، وإنما المراد به الدون، وعلى هذا يكون ذكر واحد من الجودة أو الرداءة شرطًا بعد ذكر النوع، وهو إطلاق العراقيين فليتأمل ذلك.
وتجويز الشافعي اشتراط الوسط بين الجيد والرديء يقتضي أن من ذلك. ما لا يصدق عليه جيد ولا رديء، فإن كان كذلك فمن ضرورة ذكره عدم ذكر الجيد والرديء، ويكون الشرط واحد من الثالثة.
فرع
العيب الذي لا ينضبط كلام الشافعي والأصحاب جازم بأنه لا يجوز شرطه وقد علمت ما ذكرناه في رداءة العيب، والعيب المنضبط يجوز شرطه كقطع اليد والعمى والعور ونحوه.
فرع
لو أطلق شرط الرداءة من غير تعيين، قال أبو إسحاق العراقي: قال الأصحاب: يجوز، ويحمل على رداءة النوع إذ هو المتعارف.
قلت: ولا يصح ذلك؛ لأن تعيين النوع شرط.
* * *
[ ١ / ٥٠٢ ]
قال:
ويرجع فيما لا يعلم من ذلك إلى نفسين من أهل الخبرة.
الأوصاف تكون مشهورة، وقد تكون غريبة كما في بعض أنواع العطر، ولابد من معرفة المتعاقدين بها، فلو جهلاها أو أحدهما لم يصح، والأصح المنصوص أنه لابد مع معرفتها من معرفة غيرهما ليرجع إليه عند التنازع.
وقيل: يكفي معرفتهما والنص محمول على الاحتياط.
فإن قلنا بالصحيح فهل يعتبر فيها الاستفاضة أو يكفي معرفة عدلين سواهما؟ فيه وجهان، أصحهما الثاني، وهو الذي نص عليه في "الأم" (^١) في باب متاع الصياد له، ويجري الوجهان فيما إذا لم يعرف المكتال إلا عدلان، وقد تقدم بيانه.
إذا عرفت ذلك فينبغي أن يحمل قول المصنف على أنه يرجع إلى عدلين عند التنازع فيما يحضره المسلم إليه، هل هو بذلك الوصف أو لا حيث يكون الوصف خفيًّا يقبل النزاع، وليس المراد بالاكتفاء بمعرفتهما حالة العقد ليوافق قوله ما ذكره الأصحاب.
* * *
_________________
(١) الأم (٣/ ١١٦).
[ ١ / ٥٠٣ ]
قال:
وإن شرط الأجود لم يصح العقد؛ لأنه ما من جيد إلا ويجوز أن يكون فوقه ما هو أجود منه؛ فيطالب به فلا يقدر عليه.
تقدم الخلاف في اشتراط ذكر الجودة، وسواء اشترطناها أم لا فاشتراط الأجود لا يجوز، هذا هو الصحيح المنصوص الذي قطع به الأكثرون لما ذكره المصنف، ولأنه غير معلوم فكأنه شرط شيئًا مجهولًا؛ لأن الأجود عند الإطلاق يقتضي أعلى درجات الجودة؛ فأي شيء أتى به ينازعه المسلم في أنه هو الأعلى؛ لأنه لا يكتفي منه بدونه، بخلاف الجيد فإن له ما صدق عليه اسم الجودة، ويكن الإتيان به بحيث لا يقبل المنازعة.
وحكى الشيخ أبو حامد: أن من أصحابنا من خرج قولًا أنه جائز؛ فاجتمع في المسألة طريقان، أحدهما: القطع بالمنع، وهي المذهب.
والثانية: على قولين وهي ضعيفة، واعلم أن الأجود هنا المراد به في الصفات لا في الأنواع لم يجز أيضًا؛ لأن تعيين النوع لابد منه.
ولكن العلة المذكورة من كونه لا جيد إلا ويجوز أن يكون فوقه ما أجود منه لا يأتي هنا؛ لأن الأنواع قد تكون معلومة ويعرف ما هو الأعلى منها؛ فلا يقبل النزاع، لكن لابد من تعيين النوع فلذلك يفسد، وهذا قلته تفقهًا لا نقلًا.
* * *
[ ١ / ٥٠٤ ]
قال:
وإن شرط الأردأ، ففيه قولان، أحدهما: لا يصح؛ لأنه ما من رديء إلا ويجوز أن يكون دونه ما هو أردأ منه [فيصير كالأجود.
والثاني: أنه يصح؛ لأنه إن كان ما يحضره هو الأردأ فهو الذي أسلم فيه، وإن كان دونه أردأ منه] (^١) فقد تبرع بما أحضر فوجب قبوله فلا يتعذر التسليم.
الخلاف في ذلك قولان، ويقال: وجهان: المنصوص في "المختصر" (^٢) و"الأم" (^٣) المنع كما في الجودة؛ فيفسد العقد، وعلله الشافعي في "الأم" بأن الأردأ لا يوقف عليه، وصححه الجوري والروياني (^٤)، وقال الشافعي في "الأم": "الرديء قد يكون بالعرق وبالسوس وبالقدم؛ فلا يوقف على حده" (^٥).
وأصحهما عند جماعة منهم الرافعي (^٦)، والنووي (^٧): الجواز، ونص عليه في "الأم" (^٨) في باب السلف في الزيت، قال: إنه يكرهه، ولا يفسد به العقد، وعلله بما ذكره المصنف، والتحقيق إن عللنا المنع في الأجود
_________________
(١) ما بين المعقوفتين ساقط من المخطوطة نقل نظر من الناسخ. وأثبتناه من المهذب.
(٢) مختصر المزني (٨/ ١٨٩).
(٣) الأم (٣/ ٩٦).
(٤) بحر المذهب (٥/ ١٣٣).
(٥) الأم (٣/ ٧٣).
(٦) فتح العزيز (٩/ ٣٢٠).
(٧) روضة الطالبين (٤/ ٢٨).
(٨) الأم (٣/ ١٠٩).
[ ١ / ٥٠٥ ]
بالنزاع، وامتناع المسلم من القبول فيصح؛ لأن امتناعه من الرديء وطلب الأردأ تعنت، وإن عللنا بالجهل فلا يصح؛ لأن الأدنى ليست له رتبة معلومة، وصار كالأجود.
والذي يظهر أن هذا الخلاف جار سواء منعنا اشتراط الرديء أو جوزناه، فإنا إن منعناه فلعدم الوقوف عليه يتنازعان أن الذي أحضره غيره أصلح أم لا؟ كما اقتضاه كلام الشافعي، وهذا النزاع مفقود في الأردأ لعلة الوجه الثاني، وإن جوزنا اشتراط الرداءة فقد يمنع اشتراط الأردأ للجهل به.
ويظهر أيضًا أن هذا لما هو في رداءة الوصف أو العيب إن تمايزنا بينهما، أما رداءة النوع فإذا شرط أردأ الأنواع يتجه أن يقال: لا يصح؛ لأن تعيين النوع لابد منه كما قلناه في الأجود، وجعل أبو إسحاق العراقي القولين في شرط الأردأ من حيث النوعية، وأظن ذلك تفقها منه، ووهمًا، وكيف يقال: إنه إذا أتى بالأجود من حيث النوعية يجب القبول، والأكثرون على عدم وجوب أخذ النوع عن النوع أو على منعه.
* * *
[ ١ / ٥٠٦ ]
قال:
وإن أسلم في ثوب بالصفات التي يختلف بها الثمن، وشرط أن يكون وزنه قدرًا معلومًا، ففيه وجهان، أحدهما لا يصح، وهو قول الشيخ أبي حامد الأسفراييني ﵀؛ لأنه لا يتفق ثوب على هذه الصفات مع الوزن المشروط إلَّا نادرًا؛ فيصير كالسلم في جارية وولدها، وكالسلم فيما لا يعم وجوده. والثاني: أنه يجوز؛ لأن الشافعي - رحمة الله عليه - نص على أنه إذا أسلم في آنية وشرط وزنًا معلومًا جاز، فكذلك ها هنا.
قول الشيخ أبي حامد جزم به الرافعي (^١)، والثاني رأيته منصوصًا في (الأم) (^٢) في الآنية من المرمر، ذكره في باب السلف في الحجارة، والصفات التي يجب ذكرها في الثياب سيأتي.
وفصل الماوردي، فقال: إن أمكن نسجها في ذلك الطول والعرض بذلك الغزل من وزن معروف فلا يتعداه؛ جاز ويكون أولى من الإخلال به، وإن كان يتعذر على صناعه لم يجز، وكان السلم باطلًا، قال: وقد نص الشافعي على هذا في "الأم" (^٣).
* * *
_________________
(١) فتح العزيز (٩/ ٢٥٨).
(٢) الأم (٣/ ١٢٩).
(٣) المصدر السابق (٣/ ٩٥).
[ ١ / ٥٠٧ ]
قال: