وإذا تحالفا وجب فسخ البيع؛ لأنه لا يمكن [إمضاء] (^١) العقد مع التحالف، وهل ينفسخ بنفس التحالف أم لا؟! فيه وجهان: أحدهما: أنه ينفسخ بنفس التحالف، كما ينفسخ النكاح في اللعان بنفس التحالف، ولأن بالتحالف صار الثمن مجهولًا، والبيع لا يثبت مع جهالة العوض، فوجب أن ينفسخ.
والثاني: أنه لا ينفسخ إلَّا بالفسخ بعد التحالف، وهو المنصوص؛ لأن العقد في الباطن صحيح؛ لأنه وقع على ثمن معلوم، فلا ينفسخ بتحالفهما، ولأن البينة أقوى من اليمين، ثم لو أقام كل واحد منهما بينة على ما يدعيه لم ينفسخ البيع؛ فلأن [لا ينفسخ] (^٢) باليمين أولى، وفي الذي يفسخه وجهان:
أحدهما: أنه يفسخه الحاكم؛ لأنه مجتهد فيه، فافتقر إلى الحاكم، كفسخ النكاح بالعيب.
والثاني: [يفسخ] (^٣) بالمتعاقدين؛ لأنه فسخ لاستدراك الظلامة، فصح من [المتعاقدين] (^٤) كالرد بالعيب.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) في المخطوطة: "أيضًا" والمثبت من المطبوع من المهذب.
(٢) قوله: "لا ينفسخ" في المخطوطة: الفسخ. وما أثبتناه من المطبوع من المهذب.
(٣) في المطبوع من المهذب: "أنه ينفسخ".
(٤) في المطبوع من المهذب: "المتبايعين".
[ ١ / ١٠٦ ]
قوله: وجب فسخ؛ أي: الحكم بانفساخه، إما بنفس التحالف أو بإنشاء الفسخ على ما سيأتي من الوجهين، وإنما احتجنا أن يحمله [على ذلك عليّ] (^١) حتى يستقيم حكاية الوجهين بعده.
والدليل على وجوب ذلك: ما ذكره المصنف، وما سنذكره من علة الانفساخ ومن ألفاظ الحديث، ولذلك لم يختلف هنا في ذلك، وقد تقدم في مسألة اختلاط الثمار وجه بأنه لا فسخ ولا انفساخ، بل يفصل الخصومة بينهما بطريقها، ومثل ذلك لا يأتي ها هنا؛ لأن فصل الخصومة هنا بعد التحالف متعذر، ولما سيأتي من التعليل والحديث.
واعلم أنا إذا قلنا: لا ينفسخ العقد إلّا بالفسخ، فالحكم بالوجوب، إما أن يراد به الوجوب على الحاكم أو عليهما إن كان الأول، وقد طلبا ذلك أو لم يطلباه، ولكن داما على التنازع، فإنه صحيح، ويجب عليه حينئذ الفسخ نص الأصحاب عليه.
وإن أعرضا عن الخصومة واتفقا على شيء، فلا فسخ للحاكم، وحينئذ يتعذر الحكم بالوجوب عليه، أو يكون مشروطًا بعدم تراضيهما؛ لأنه إنما وجب بحقهما.
وإن أعرضا ولم يتفقا على شيء ولا فسخا، قال الإمام: "ففيه تردد" (^٢)، فإن قلنا: لا يفسخ، والحالة هذه كان كالحالة الأولى في أن سقوطه؛ لعدم مطالبة المستحق.
وإن قلنا: يفسخ استمر القول بالوجوب، وأما [إذا إن بدأ] (^٣) الوجوب عليهما فيبعد؛ لأنهما يجوز لهما الاتفاق وعدم الفسخ بلا نزاع، وغاية الأمر أن يقال: يجب عليهما إما التراضي وإما الفسخ، فالفسخ بعينه ليس
_________________
(١) كذا في المخطوطة.
(٢) نهاية المطلب (٥/ ٣٥٥).
(٣) كذا في المخطوطة.
[ ١ / ١٠٧ ]
بواجب، فقد بان لك ما في إطلاق المصنف لفظ الوجوب، ويجوز ألَّا يكون أراد به الوجوب الذي يأثم بتركه، بل ينوب المسوغ للفسخ.
وإما أنه ينفسخ بنفس التحالف أم لا، ففي تعليق أبي علي الطبري عن ابن أبي هريرة: أن ذلك على قولين، ويقرب منه إيراد الجُورِي، فإن كلامه يُشْعرُ بأنه فهم أن للشافعي قولين، والأكثرون حكوا ذلك وجهين، كما فعل المصنف، والأول: القائل بالانفساخ بنفس التحالف، نقل أبو سعد الهروي أنه قول المزني في "المنثور"، وأن الشافعي أشار إليه، وقال صاحب "التتمة": إن المزني أشار إليه في "مختصره" حيث قال: "فيصيران في معنى مَنْ لم يتبايعا" (^١).
قلت: والمزني قال ذلك في معرض التفسير لكلام الشافعي، وقد يتمسك بالإشارة إليه أيضًا بقول الشافعي الذي حكيناه عن الدَّعاوي، فإن حلفا معًا فالسلعة مردودة، وهذا المعنى في كلام الشافعي في مواضع، ويمكن تأويله على أنها جائزة الرد بالفسخ.
وذكر الإمام عن بعض الأصحاب أنه مُخَرَّج، وقال: "إنه منسوب إلى أبي بكر الفارسي" (^٢)، وهكذا في "الروضة" (^٣)، والذي في الرافعي (^٤)، أما إذا قلنا بالانفساخ بنفس التحالف، فهل ينفسخ في الحال أو يتبين ارتفاعه من أصله؟! فيه وجهان: أظهرهما: أولهما، ويحكى الثاني عن أبي بكر الفارسي، فيتلخص من ذلك ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه بنفس التحالف ينفسخ العقد من أصله وهو قول أبي بكر
_________________
(١) مختصر المزني (٨/ ١٨٥).
(٢) نهاية المطلب (٥/ ٣٥٢).
(٣) روضة الطالبين (٣/ ٥٨٣).
(٤) فتح العزيز (٩/ ١٨٧).
[ ١ / ١٠٨ ]
الفارسي، وهكذا هو في "النهاية" (^١) عنه.
والثاني: أنه من حينه، ومقتضى إيراد الرافعي (^٢) أن غير الفارسي قائل به، والإمام في "النهاية" (^٣) ذكره احتمالًا في التفريع على قول الفارسي، وأنه على بعده أمثل من استناد الانفساخ إلى الأصل.
والثالث: أنه لا ينفسخ، بل ينفسخ، وهو المنصوص عليه (^٤)، واعلم أن التردد في أن الفسخ هل من حينه أو من أصله؟! لا اختصاص له بهذا الموضع، وإنما ذكرته ليتبين غير الفارسي قائل بالانفساخ.
وقد نقل الهروي عن الشافعي أنه قال (^٥): إذا قال: بعت هذا منك بألف، فأنكر المشتري وحلف عليه، يقول القاضي للمشتري: قل: قد فسخت البيع، ويقول للبائع: قل: قد قبلت الفسخ، فإن لم يفعل، فإن [ذهب] (^٦) ذاهب إلى أنه يصير ملكًا للبائع بالجحود، والحلف كان مذهبًا، ثم قال الهروي: إن قوله: فإن ذهب ذاهب إلى آخره لنسبة قول من يقول: أن البيع ينفسخ بنفس التحالف، ويمكن أن يخرج في مسألة التحالف وجه من هذا النص: أن بعد التحالف إذا أبيا الرضا بأحد الثمنين ينفسخ العقد، ولا يقف على فسخ من جهتهما، ولا من جهة القاضي.
قلت: وهذا التخريج صحيح إن كان قول الشافعي: إن ذهب ذاهب إلى كذا كان مذهبًا قولًا للشافعي. والأصحاب كثيرًا ما يعتمدون ذلك. إذا عرف ذلك، فقد استدل للانفساخ بنفس التحالف بثلاثة أدلة:
_________________
(١) نهاية المطلب (٥/ ٣٥٢).
(٢) فتح العزيز (٩/ ١٨٧).
(٣) نهاية المطلب (٥/ ٣٥٢).
(٤) مختصر المزني (٨/ ١٨٥).
(٥) التهذيب (٣/ ٥٠٦).
(٦) ساقطة من المخطوطة، والمثبت من "كفاية النبيه" (٩/ ٣٠٨).
[ ١ / ١٠٩ ]
أحدها: قوله في الحديث: "وترادَّا" ولولا الانفساخ لما وجب الترادُّ.
الثاني: القياس على اللعان كما ذكر المصنف؛ لأنه عند الشافعي يمين.
الثالث: أن كلًّا منهما يثبت بيمينه ثمنًا، فإذا حلفا وتعارضا صار الثمن مجهولًا، وهذان ذكرهما المصنف، وبعضهم يعبر عن هذا الدليل الثالث بأنه إذا صدقنا كلًّا منهما بيمينه صار كأن البايع باع بألفين، والمشتري اشترى بألف عند الاختلاف بين الإيجاب والقبول لا يصح العقد، فإذا أفضى الأمر إلى هذا وتأكد بالأيمان، قدرنا صيغة العقد كانت على الاختلاف.
والجواب: عن الأول على تقدير صحته أن المراد: ترادَّا بالفسخ؛ جمعًا بين الأحاديث؛ لأن في بعضها إثبات الخيار، وعن الثاني: أن الانفساخ يقع بلعان الزوج، ولا يقع بيمين أحد المتبايعين، فلا يصح اعتبار أحدهما بالآخر، وإنما وقع بلعان الزوج؛ لأن يمينه قائمة مقام طلاقه، بخلاف ما نحن فيه.
وعن الثالث: أن ذلك باطل بما إذا حصل ذلك بالبينة من كل منهما، وإذ والصحيح المنصوص أنه لا ينفسخ إلَّا بالفسخ.
قال الشافعي في "المختصر": "فإذا حلفا معًا قيل للمشتري: أنت بالخيار" (^١)، وهذا نص.
وقال القاضي أبو حامد فيما حكاه القاضي أبو الطيب (^٢): إن هذا هو المنصوص للشافعي في كتبه الجديدة والقديمة لا أعرف له غير هذا؛ لأنه قال: إذا تحالفا فللبائع أن يأخذ بما حلف المشتري عليه، وللمشتري أن
_________________
(١) مختصر المزني (٨/ ١٨٥).
(٢) حكى هذا القول ابن الرفعة في كفاية النبيه (٩/ ٢٩٨) عن أبي حامد وقال إنه الصحيح.
[ ١ / ١١٠ ]
ياخذ بما حلف البائع عليه.
وقد أطبق الأصحاب على تصحيح هذا القول، إلَّا سلامة المقدسي شارح "المفتاح"، فإنه صحح الانفساخ بنفس التحالف، وكذلك يقتضيه كلام أبي الحسن بن خيران في "اللطيف".
واستدلوا له بحديث ذكروه، أن النبي ﷺ قال: "إذا اختلف المتبايعان تحالفا وللمبتاع الخيار"، ولا أعرف هذا الحديث، وإنما في الحديث إثبات الخيار للمشتري بعد حلف البائع، والتحالف لا يُعرف له ذكر في طرق الحديث، فأولى الاستدلال بالمعنى لكلٍّ من الوجهين كما فعل المصنف.
ومما استدل به لهذا القول من جهة المعنى: ما ذكره المصنف من القياس على البينة من طريق الأولى، ولأنَّ البيع وقع صحيحًا باتفاقهما، فلا ينفسخ إلَّا بالفسخ كسائر البيوع.
وقد ينقض هذه بمسألة اختلاط الثمار ونحوها حيث قلنا بالانفساح على قول، وكذلك في العبد إذا أبق، ولا جرم ظنَّ ابن الرفعة (^١) أن ذلك يجوز أن يكون مأخذ القائل بالانفساخ لا ما ذكر من الاستدلال له، وفيما قال نظر؛ لأن ذلك محله إذا كان قبل تمام القبض، والتحالف ها هنا قد يكون بعد القبض التام، والخلاف جارٍ فيه، وبالجملة؛ فالقول بالانفساخ بنفس التحالف مع علمنا بوقوع البيع الصحيح، وبقاء المبيع على صفته لا وجه له.
وقد أشار المصنف إلى هذا المعنى بقوله: لأن العقد في الباطن صحيح؛ لأنه وقع على ثمن معلوم، وفي ضمن ذلك رد لقول الأول أنه صار الثمن مجهولًا.
_________________
(١) كفاية النبيه (٩/ ٢٩٨).
[ ١ / ١١١ ]
التفريع:
إن قلنا: ينفسخ بنفس التحالف فتصادقا بعده، لم يعد البيع، بل لا بد من تجديد عقد، هكذا أطلقه الخراسانيون والرافعي (^١)، ومن العراقيين الشيخ أبو حامد، وجزموا به، وسيأتي عن العراقين إجراء الخلاف في أن الانفساخ بنفس التحالف هل ينقد باطنًا أو لا (^٢)؟
ويأتي عن المحاملي أن في الفسخ إذا قلنا: لا ينقد باطنًا أن لهما أن يتقارَّا على العقد، ومن مجموع هذين يأتي هنا خلاف في أنهما تصادقا، هل يحتاج إلى تجديد عقدٍ أو لا؟ ثم على المشهور هل ينفسخ في الحال أو تبين ارتفاعه من أصله؟! فيه وجهان؛ أصحهما الأول؛ لنفوذ تصرفات المشتري قبل الاختلاف، هكذا قالوه، وهو يقتضي أن نفوذ تصرفات المشتري متفق عليه.
وكذلك قال الإمام: "إنه لا خلاف أن المشتري لو كان تصرف تصرفًا مزيلًا للملك، ثم فرض الاختلاف من بعدُ، فلا يتبيَّن فساد العقد وارتفاعه" (^٣)، وقال أيضًا: "إنه لا خلاف أن الزوائد التي حدثت بعد العقد وقبل التخالف مقررةٌ على المشتري" (^٤).
لكن الإمام قال عقب ذلك: "إن الشيخ أبا علي ذكر في تفريع مذهب الفارسي: أنا نتبين فساد التصرفات التي جَرت قبل التحالف، قال: وهذا وفاء بحق التبين والاستناد، ومَصيرٌ إلى أنَّا نجعل كأَنَّ العقد لم يَجْرِ، وهذا يتضمن ارتدادَ الزوائد إلى البائع لا محالة. هكذا ذكر الشيخ أبو علي" (^٥).
_________________
(١) فتح العزيز (٩/ ١٨٧).
(٢) انظر: روضة الطالبين (٣/ ٥٨٣).
(٣) نهاية المطلب (٥/ ٣٥٢).
(٤) نهاية المطلب (٥/ ٣٥٢).
(٥) نهاية المطلب (٥/ ٣٥٢). بتصريف يسير.
[ ١ / ١١٢ ]
ثم استبعد الإمام ذلك، وقد قدمت بعض هذا التفريع عند تحرير مذهب الفارسي، وأنه قائل بارتفاعه من أصله وذلك النقل عنه مستفاد من كلام الشيخ أبي علي، هذا وحينئذ لا يصح الاستدلال عليه بنفوذ تصرفات المشتري؛ إذ لا يسلم ذلك، لكن يستدل لذلك بالدليل الدال على أن الفسوخ كلها لا دفع العقود من أصلها، بل من حينها.
وقد صرح صاحب "التتمة" بإثبات الخلاف في الزوائد الحاصلة بعد العقد، أما من العين كالولد، والنتاج، والثمرة، والبيض، واللبن، أولًا من العين؛ كالكسب والغلة، وقال: إن قلنا: نتبين أن لا عقد، فيجب رد الجميع على البائع، وإذا قلنا: يفسخ بعد التحالف، فالزوائد كلها للمشتري وجزم بنفوذ التصرفات.
وإن قلنا: يرتفع العقد من أصله قال: لأنا نجعل كأن العقد لم يكن بين المتعاقدين بيمينهما؛ لأن يمينهما حجة عليهما.
فأما فيما يتصل بحقٍّ ثالث، فلا يجعل ليمينهما حكم، وصار كرجل اشترى عبدًا وباعه من آخر، ثم إن المشتري الأول مع البائع الأول اتفقا على أن العقد حين الأصل يحكم بارتفاع العقد بينهما من الأصل حتى يجب على البائع رد الثمن على المشتري، وعلى المشتري ردِّ ما في يده من اكتسابه على البائع، ولكن لا يقبل قوله في حق المشتري الثاني حتى لا ينتزع العبد من يده، وهذا الذي قاله فيه نظر إذا قلنا بالانفساخ ظاهرًا وباطنًا، بخلاف الإقرار الذي هو حجة في الظاهر فُقد، ومن جملة التصرفات التي يمضيها الإجازة ولا النكاح والأجرة كالمهر ملك للمشتري.
قلت: أما عدم إبطال عقد الإجارة الماضي فظاهر، وأما الحكم ببقاء الإجارة، فسيأتي أنه كمن أجر داره ثم باعها. والله أعلم.
وإذا قلنا: أنه لا بد من إنشاء الفسخ، فمَن الذي يفسخه؟! فيه وجهان؛
[ ١ / ١١٣ ]
أحدهما: وهو اختيار القاضي أبي الطيب، وابن الصباغ، والقاضي حسين، وصاحب "التتمة" والروياني في "الحلية" وابن أبي عصرون، وهو الذي أورده الغزالي في "الخلاصة": أنه لا بد من الحاكم لفسخ النكاح بالعيب، هكذا قاسه المصنف وقاسه القاضي حسين والرافعي (^١) وغيرهما على العُنَّة وقاسه الماوردي عليهما معًا، وقاسه الشيخ أبو حامد على العُنَّة والإعسار بالنفقة (^٢).
وهذه المسائل الثلاث مختلف فيها أيضًا، ففسخ النكاح بالعيب فيه وجهان:
أحدهما: لا بد من الرفع إلى الحاكم، وهو اختيار الشيخ أبي حامد وابن الصباغ، ومال إليه الرافعي (^٣).
والثاني: ينفرد به الزوجان، وهو جواب الإمام، ورجحه مرجحون، وهذا الخلاف في استقلال الزوجين قبل المرافعة، وأما العُنَّة فلا بدَّ من الرفع إلى القاضي، فإذا رفعت إلى القاضي وجاء وقت الفسخ هل تستقل المرأة بالفسخ؟! فيه وجهان أقر بهما، وذكر في "التتمة" أنه المذهب: الاستقلال.
والثاني: أن الفسخ إلى القاضي فيفسخ بنفسه أو بأمرها بالفسخ، ويشبه أن يكون هذا الخلاف بعينه جاريًا في عيب النكاح بعد المرافعة.
وأما الإعسار بالنفقة فقيل: إنها تستقل به لخيار الرد بالعيب، والصحيح أنه لا بد من الرفع إلى القاضي.
ثم فيه وجهان؛ أصحهما: أن القاضي يفسخ بنفسه أو يأذن لها في الفسخ.
والثاني: أنها تستقل بالفسخ بعد ثبوت الإعسار عنده، هذا ما حكاه
_________________
(١) فتح العزيز (٩/ ١٨٨).
(٢) انظر: نهاية المطلب (٥/ ٣٥٣)، شرح مشكل الوسيط (٣/ ٤٧٤)، فتاوي ابن الصلاح (١/ ٢٨٢).
(٣) فتح العزيز (٩/ ١٨٨).
[ ١ / ١١٤ ]
الرافعي في المسائل الثلاث (^١).
وقد ظهر لك منه أن في العيب والعنة الأرجح عنده الاستقلال، وفي الإعسار الأرجح أنه لا بد من القاضي، ودلك يقدح في قياس الرافعي هنا على العُنَّة، ولا يتم القياس المذكور إلَّا من عند من يرى أنه لا يتعاطى الفسخ بالعنة وعيب النكاح إلَّا القاضي، وهو خلاف ما قال صاحب "التتمة" أنه المذهب، وسكت الرافعي عليه بعد حكايته.
وقال الإمام: "قال بعض أئمتنا: القاضي هو الذي يفسخ النكاح عند تحقق العُنَّة وجهًا واحدًا، والزوجة تتعاطي الفسخ بالإعسار بالنفقة، قال: ولستُ أرى بين العُنَّة والإعسار فرقًا، فإن الأمرين جميعًا متعلقان بالاجتهاد، فليخرَّج الأمر فيهما على التردد الذي ذكرناه في التحالف" (^٢).
والوجه الثاني: أن للمتعاقدين أن يفسخا، ولأحدهما أن ينفرد به كالرد بالعيب؛ لأن النقص دخل على كل منهما، فهما كمتبايعين وجد كل منهما بما حصل له عينًا.
وقال الغزالي (^٣) تبعًا للإمام (^٤): إنه الأقيس وقاسه على فسخ البائع بإفلاس المشتري، وصححه الغزالي في "البسيط" والجرجاني، وقال الرافعي: "أنه الأظهر" (^٥)، ورده ابن الصباغ بأنا لا نعلم أيهما يستدرك ظلامته؛ لأن أحدهما ظالم، وإنما يفسخه الحاكم؛ لتعذر إمضائه في الحكم.
قلت: وهذا أحسن، وتصحيح الفسخ إذا صدر من الظالم وحده بعيد، ثم
_________________
(١) فتح العزيز (٩/ ١٨٩).
(٢) نهاية المطلب (٥/ ٣٥٣).
(٣) الوسيط في المذهب (٣/ ٢١٣).
(٤) نهاية المطلب (٥/ ٣٥٣).
(٥) فتح العزيز (٩/ ١٨٩).
[ ١ / ١١٥ ]
إن كلام الرافعي يقتضي أن حقيقة هذا الوجه أن لكل منهما أن يفسخ مع أن للحاكم أن يفسخ أيضًا، فيكون الفسخ ثابتًا لكلٍّ من الثلاثة، وعلى هذا يكون للحاكم الفسخ بلا خلاف، وإنما الخلاف في ثبوته للمتعاقدين.
فعلى الوجه الأول: لا يثبت، وعلى الأصح: يثبت لهما أيضًا، ورأيت أكثر الكتب ساكتة عن ذلك، وفي قياسهم على الرد بالعيب ما يمنع منه.
ألا ترى إلى قول الماوردي: "أيهما فسخ صح اعتبارًا بفسخ العيوب الذي يكون موقوفًا على المتعاقدين دون غيرهما" (^١)، وألا ترى إلى قول الشيخ أبي حامد بعد حكاية الخلاف أنه حصل ثلاثة أوجه:
أحدها: أن الفسخ يقع بنفس التحالف.
والثاني: بالتحالف وفسخ الحاكم.
والثالث: بالتحالف وفسخ أحدهما.
وكذلك عبر الشيخ أبو (^٢) حامد ممن تبعه، ولم يذكروا الحاكم على هذا الوجه، ورأيت في "الإشراف" لأبي سعد الهروي ما يقتضي المنع منه، فإنه قال تفريعًا على أنهما يفسخان، أن معناه: أن القاضي يقول لهما: إما أن ترضيا بأحد الثمنين، وإما أن أحملكما على الفسخ بالإجبار. نظيره المُولِي إذا امتنع عن الفيئة أجبره القاضي على الطلاق بالحبس.
قلت: فهذا الكلام يدل على أن القاضي لا يتولى الفسخ بنفسه على هذا القول، وإلَّا لما احتاج إلى الإجبار، لكنه لما نظره بالمُولي اقتضى ذلك أنهما إذا امتنعا من الفسخ، وداما على التنازع للقاضي أن يفسخ؛ لأجل امتناعهما كما يطلق على المُولي إذا امتنع، ولا يكون له من الأول أن يفسخ، كما يفهمه كلام الرافعي (^٣) حتى لو فسخ قبل امتناعهما لم ينفذ،
_________________
(١) في المخطوطة: "أبي". والمثبت هو الصواب.
(٢) الحاوي الكبير (٥/ ٣٠٣).
(٣) فتح العزيز (٩/ ١٩٠).
[ ١ / ١١٦ ]
فتحرر أنه على هذا القول الفسخ حق لهما، لا يتعاطاه الحاكم إلا بامتناعهما، فحينئذ يتعاطاه كما في المُولي على الأصح أو يجبرهما عليه على قول، كنظره في "الإملاء"، وعلى الوجه الأول يتعاطاه الحاكم أو مَنْ يفوضه إليه، وليس لهما أن يتعاطياه بغير إذنه، فهذا أقرب إلى القياس، وإما أنَّا نفوض الأمر إلى خبرة (^١) الحاكم والمتبايعين من أراد منهم فسخ العقد فليس عهد بذلك، ولا ينحى في هذا قول الرافعي (^٢): أن الحاكم إنما يفسخ إذا استمر على النزاع؛ لأنه لا يلزم من ذلك امتناعهما بعد طلبه.
فرع
إذا قلنا بإنشاء الفسخ، فهل يرتفع العقد من حين الفسخ أو من أصله، والقياس أن يأتي فيه الخلاف كالرد بالعيب، فإن الخلاف فيه بعد القبض وقبله، وحينئذ يأتي من الكلام في الزوائد، ويتبع التصرفات بالقبض ما قدمناه في التفريع على الانفساخ بنفس التحالف، وإن كان الأصحاب لم يصرحوا بذلك هنا.
وقد كنا قدمنا في باب الرد بالعيب أنا لا نعلم خلافًا في عدم رد الزوائد إذا كان الرد بعد القبض، والذي حكيناه هنا عن الإمام (^٣) في تفريع الشيخ أبي عليٍّ على قول الفارسي.
وعن صاحب "التتمة" على قول الانفساخ يقتضي قوله: رد الزوائد، فإما أن يحمل ذلك على ما إذا جرى التحالف قبل القبض، وإما أن يلحق الخلاف هناك، ولا يتجه فرق بين الفسخ والانفساخ إن قيل بارتفاع العقد من أصله فيهما، فإنه يلزم منه رد الزوائد، وإن لم يصرحوا به.
فرع
حيث قلنا: للحاكم الفسخ، فذلك إذا التمسا الفسخ، او استمرَّا على النزاع، فإن القاضي لا يمكِّنهما من ذلك، بل يفسخ إما
_________________
(١) في المخطوطة: "حيزة".
(٢) فتح العزيز (٩/ ١٨٨).
(٣) نهاية المطلب (٥/ ٣٥٢).
[ ١ / ١١٧ ]
استبدادًا على الوجه الثاني القائل بأن الفسخ للحاكم، وإما بعد أمرهما وامتناعهما على الوجه الثالث القائل بأن الفسخ للمتبايعين، فإن الحاكم إذا أمرهما وامتنعا فسخ خلافًا لإطلاق الرافعي المقتضى؛ لأن الحاكم يفسخ عند استمرارهما على المنازعة من غير عرض الفسخ عليهما وامتناعهما منه.
والحاصل: أنا إذا قلنا: الفسخ للمتبايعين، فلا حق للحاكم فيه إلَّا إذا امتنعا منه، فيقوم عنهما كما في سائر الحقوق الواجبة، قال أبو سعد الهروي: وغلط من قال من أصحابنا: إن الفسخ من القاضي يقف على طلب المتبايعين أو أحدهما؛ لأن القاضي لا يتركهما يتماديان في الخصومة، بل يقول لهما: إما أن ترضيا بأحد الثمنين، وأما إن أفسخ بينكما، كالفسق بالشقاق بين الزوجين، وكمسألة المُولي لنا أما إذا أعرضا عن الخصومة ولم يتوافقا على شيء، ولكن زعم المشتري أنه ترك المبيع في يد البائع إن كان قبل القبض، وقال البائع: لست أطالب المشتري بالمزيد الذي ادعيته فاتركنا، ولا يفسخ العقد بيننا، ففيه تردد الإمام (^١)، والذي قاله الماوردي: "أنه لا يجوز للحاكم الفسخ إلا عن مسألتهما بعد عرض ذلك على كلٍّ منهما، كما يعرضه على الثاني بعد يمين الأول" (^٢).
قلت: ومن ذلك يتبين أن الحاكم لا يبتدر الفسخ بعد التحالف، وكذلك يقتضي كلام كثير من الأصحاب إذا فوضنا الفسخ إليهما إن ذلك مشروطًا بامتناعهما، فحينئذ يجوز لكل منهما، ولا للحاكم أن يبتدر الفسخ حتى يتحقق عدم الرضا منهما، فلو رضي أحدهما لم يجز الفسخ، ولا خلاف في ذلك، وإنما نبهت على ذلك؛ لأن عبارة بعض المختصرات توهم استقلال
_________________
(١) نهاية المطلب (٥/ ٣٥٢).
(٢) الحاوي الكبير (٥/ ٣٠٣). بتصرفٍ يسير.
[ ١ / ١١٨ ]
كل منهم بالفسخ، وذلك محمول على ما قلناه، وممن (^١) صرح باشتراط ذلك صاحب "التهذيب"؛ إذ قال: "ولكل واحد منهما انفراده إذا لم يوافقه صاحبه" (^٢)، وكلام الرافعي (^٣) وغيره أيضًا يقتضي ذلك، وإنما الذي تقدم التوقف فيه من كلام الرافعي إيهامه أن فسخ الحاكم يكون عند استمرارهما عند المنازعة من غير طلبهما للفسخ ولا امتناعهما منه، وينبغي أن يحمل كلامه على حالة الامتناع، وإن كانت عبارة "المنهاج" (^٤) و"الحاوي" (^٥) بعيدة عن هذا التأويل.
تنبيه:
تقدم من كلام ابن الصباغ ورده القول بأن لكل من المتبايعين الفسخ بأنا لا ندري المظلوم منهما، وهذا الكلام يقتضي أنه إن صدر الفسخ منهما جميعًا صح دون ما إذا صدر من أحدهما، وذلك يأتي منه وجه رابع غير الثلاثة المتقدمة لا يعرف أحدًا قال به إلَّا ما سنذكره في الانفساخ باطنًا، وقول الإمام (^٦) إنه إن صدر من المحق نفذ باطنًا وإلَّا فلَا، والأصحاب ها هنا في تفويض الفسخ إلى المتبايعين وجهوه بأن البائع لم يسلم له الثمن والمشتري لم يسلم له السلعة، فهما كمتبايعين وجد كل منهما عيبًا، وهذا الكلام من الأصحاب إن صح وجب أن يقال مثله في الانفساخ باطنًا سواء أصدر من المحق أم من غيره، وإلَّا يأتي التفصيل الذي سنحكيه عن الإمام،
_________________
(١) كتب هنا في المخطوطة: "اشترط" ثم ضرب عليها.
(٢) التهذيب (٣/ ٥٠٨).
(٣) فتح العزيز (٩/ ١٨٨).
(٤) المنهاج (ص: ١٠٨).
(٥) الحاوي الكبير (٥/ ٣٠٣).
(٦) نهاية المطلب (٥/ ٣٥٣).
[ ١ / ١١٩ ]
والأقرب عدم صحته؛ لأنا نقطع بأن الظالم منهما لم يثبت عليه شيء، ولو صدق وصل إلى حقه، فتشبيهه بمن وجد عيبًا ممتنع، فيجب أن يفوض إليه الفسخ باطنًا ولا ظاهرًا؛ لعدم تحقق موجبه، وأن ياتي وجه رابع كما اقتضاه كلام ابن الصباغ أنه لا ينفسخ إلَّا بفسخهما جميعًا؛ ليعرف فسخ المحق منهما أو فسخ الحاكم، ولم أر أحدًا ذكر هذا الوجه، ويجب القول به، ويبعد كل البعد أن يكون البائع بظلمه وجحده الحق مع تمكنه من الوصول إلى الثمن الذي وقع به العقد يتسلط على الفسخ، وقد رأيت الشاشي ﵀ في "الحلية" نقل الخلاف في أن الفسخ للحاكم أو للمتبايعين، ثم قال: وحكى الشيخ أبو حامد وجهًا آخر أن لكل واحد منهما أن ينفرد بفسخه.
قلت: وهذا الكلام يقتضي إثبات الوجه الرابع الذي أشرت إليه، وأنه فهم من قولهم الفسخ للمتبايعين اجتماعهما على الفسخ ومغايرته لما حكاه الشيخ أبو حامد، وهو إن كان متجهًا في المعنى لكني متوقف في إثباته نقلًا، فإن الشاشي ﵀ أخذ ذلك من ابن الصباغ، وابن الصباغ حكى القول بأن الفسخ للحاكم لم يقل ما حكاه الشيخ أبو حامد، ولم ينقل غير ذلك، والشيخ أبو حامد حكى ذلك في "تعليقته" كذلك، وغيره من الأصحاب؛ منهم من يطلق أن الفسخ للمتبايعين.
ومنهم من يبين أن المراد لكل منهما كما بينه الشيخ أبو [حامد] (^١)، ولم أر أحدًا جمع بينهما، كما فعله الشاشي.
فيحتمل: أن تكون العبارتان راجعتين إلى معنى واحد، كما ذكرناه ولا يكونان وجهين، كما ظنه الشاشي.
ويحتمل: أن يكونا وجهين متغايرين كما ظنه، وهو متجه في المعنى بعيد في الحكاية.
_________________
(١) ما بين المعقوفين ساقط من المخطوطة، وأثبتناه من سياق الكلام.
[ ١ / ١٢٠ ]
قال المصنف ﵀:
فصْل