ولا [يجوز] (^١) إِلَّا من جائز التصرف؛ لأنه عقد على المال، فلا يصح إلا من جائز التصرف كالبيع.
ويشترط فيه مع ذلك في المقرض أهلية التبرع؛ فإنه فيه شائبة التبرع، ولو كان معاوضة محضة لاشترط في القرض الربوي التقابض في المجلس، ولجاز في غيره شرط الأجل لكنه بملاحظة التبرع؛ لم يجز حتى يكون المتبرع بالخيار في تبرعه. ولا يجوز من غير أهل التبرع إلا للضرورة كما سنذكره للولي في مال الطفل.
وأصل القرض لم يوضع للمعاوضة، وإنما وضع لتمليك المال بشرط الضمان فيثبت بدله عند الملك أو التصرف، قال الإمام: "هو معروف أثبته الشرع رخصة" (^٢).
وقال الغزالي: "كأنه أذن في الإتلاف بشرط الضمان" (^٣).
_________________
(١) في المطبوع من المهذب: "يصح".
(٢) نهاية المطلب (٥/ ٤٤٤).
(٣) الوسيط في المذهب (٣/ ٤٥٢).
[ ١ / ٦٢٥ ]
قال:
ولا ينعقد إلَّا بالإيجاب والقبول لا تمليك إذني؛ فلم يصحَّ من غير إيجاب وقبول، كالبيع والهبة.
هذا الذي أورده العراقيون ومعظم الأصحاب، وذكره المراوزة وجهًا أن القبول باللفظ ليس بشرط، وادعى الإمام (^١)؛ أنه ظاهر المذهب، وقرب هذا الخلاف من الخلاف في أن القرض، مما يملك بالقرض أو بالتصرف إن قلنا بالثاني أشبه الإباحة؛ فلا يفتقر إلى القبول.
وقال في "التتمة": "الإيجاب والقبول ليس بشرط" بل إذا قال: أقرضتني كذا أو أرسل إليه رسولًا، فبعث المال إليه صح القرض، وثبت حكمه، وهكذا لو قال رب المال: أقرضتك وسلم إليه فقبضه ثبت القرض، وحكاه في "الروضة" (^٢) عن صاحب "التتمة" مصرحًا: بأنه لا يشترط الإيجاب ولا القبول، وآخر كلام صاحب "التتمة" يقتضيه؛ لأنه قال: إنه تبرع.
والركن في التبرعات الفعل لا القول؛ ولهذا تتم الهدية بالتسليم من غير قبض لكن الصورتان اللتان ذكرهما صاحب "التتمة" اللفظ فيهما موجود من أحد الجانبين، وعلى كل تقدير فهو وجه ثالث في المسألة، وقول المصنف: تمليك، احتراز من العتق ومن الإباحة؛ كتقديم الطعام، وقوله: أدنى احتراز من الوقف على المساجد والمدارس.
* * *
_________________
(١) نهاية المطلب (٥/ ٤٥٥).
(٢) روضة الطالبين (٤/ ٣٢).
[ ١ / ٦٢٦ ]
قال:
ويصح بلفظ القرض والسلف؛ لأن الشرع ورد بهما، ويصح بما يؤدي معناه، وهو أن يقول: ملَّكْتك هذا على أن تردَّ عليَّ بدله.
أقرضتك وأسلفتك صريحان وقد وردا في الأحاديث، وتقدم أن السلف مشترك بين السلم والقرض.
وقيل: إن القرض لغة أهل العراق، والسلف لغة أهل الحجاز، ويعني هذا القائل أنه شاع في كل ناحية لفظة، وإلَّا فاللغتان ثابتتان في الحجازيين وغيرهم، ولا يشترط مع واحدة من هاتين اللفظتين قرينة ولا نية، وملكتك هذا على أن ترد بدله أو خذه بمثله، أو خذه واصرفه في حوائجك ورد بدله المشهور في مثلها في البيع.
وقيل: صرائح كذكر العوض معها. وقد جزموا هنا بانعقاد القرض بها، ومقتضى إلحاقه بالبيع والهبة أن يجري فيه الخلاف في انعقادهما بالكتابة مع النية، وبعضه ما سيأتي في كلام المصنف من الخلاف فيما إذا كتب إليه فإن الكتابة قرينة من الكناية، ولو قال: خذه وتصرف فيه لنفسك أو خذ هذا الطعام وازرعه لنفسك فهل يجعل قرضًا أو هبة؟ وجهان في "التتمة".
ولا يرد على قوله: خذه بمثله أنه متردد بين البيع والقرض؛ لأنا نقول: إذا كان بكناية فالنية لا بد منها، وهي مخصصة فلا يضر التردد. نعم: إن قيل: بأنه صريح كذكر العوض معه يقوي السؤال، ويتجه ألا يصح القرض به مع فقد النية والقرينة.
قال ابن الرفعة: "إلا أن يقال: إن البيع بمثل هذا لا يصح؛ لاحتمال تلف
[ ١ / ٦٢٧ ]
المبذول قبل إحضار المثل؛ فيؤدي إلى التنازع، كما في بعتك ملء هذا الكوز على وجه، أو يقال بأن الشيء بمثله من كل وجه لا يصح، كما هو وجه في بيع أحد الشريكين نصيبه بنصيب شريكه المساوي له" (^١).
قلت: وإطلاق الأصحاب الصحة فيما إذا قال: خذه بمثله كأنه تفريع على أن القرض يضمن مطلقًا بالمثل، أما إذا قلنا: المتقوم يضمن بالقيمة، فإذا قال: خذه بمثله، يحتمل: أن يقال بالصحة - أيضًا، وسنحكيه عن "شرح المهذب" لأبي إسحاق عند الكلام في قرض الخبز.
ويحتمل أن يقال: إن هذا شرط ينافي، مقتضاه، فيمتنع تصحيحه قرضًا، وبعد ذلك؛ إما أن يفسد، وإما أن يجعل بيعًا.
* * *
_________________
(١) كفاية النبيه (٩/ ٣٥٦) بمعناه.
[ ١ / ٦٢٨ ]
قال:
فإن قال: ملكتك ولم يذكر البدل؛ [فهو] (^١) هبة، وإن اختلفا فيه، فالقول قول الموهوب له؛ لأن الظاهر معه، فإن التمليك من غير ذكر عوض هبة في الظاهر.
التمليك بلا عوض في اللفظ ولا في النية هبة قطعًا، ومع ذكر العوض تقدم حكمه، ومع نية العوض من غير ذكره كناية فيما نوى به فكذلك.
قال المصنف: إن التمليك من غير ذكر عوض هبة في الظاهر؛ أي: وإن احتمل أنه غير هبة بالنية.
وقوله: "في أول الكلام؛ فهو هبة"؛ أي: في الظاهر والحكم.
وقوله: "وإن اختلفا فيه"؛ أي: في البدل هل أريد بذلك أو لا مع اتفاقهما على أنه لم يذكر في اللفظ؟ فالقول قول الموهوب له؛ أي: الذي جعل موهوبًا له في الحكم، ولو قال المخاطب: كان أحسن؛ لأن كونه موهوبًا له متنازع فيه.
وإنما شرحنا كلام المصنف على هذا، وجعلنا محل الاختلاف في نية العوض دون ذكره؛ ليصحَّ تعليله بعدم ذكره العوض، ولو أنهما اختلفا هل حصل ذكر العوض أو لا؟ فالقول قول المخاطب - أيضًا، ويكون هبة على ما جزم به الرافعي (^٢) وغيره، فإن قوله معتضد بالأصل. فإن الأصل عدم الذكر، ولا ظاهر هنا إلَّا الظهور المستفاد من الأصل، وكثير من المصنفين
_________________
(١) في المطبوع من المهذب: "كان".
(٢) فتح العزيز (٩/ ٣٥٣).
[ ١ / ٦٢٩ ]
أطلقوا المسألة، كما أطلقها الرافعي ولم يفرقوا بين الاختلافين.
قال في "الروضة": "وحكي وجه أن القول قول الدافع، وهو متجه" (^١)، ولك أن تقول: هذا الاختلاف في القرض والهبة فإذا قلنا: بأن المقرض لا يرجع في العين بعد ملكها بالقبض، فلم لا يحلف كُلٌّ منهما، أو يتحالفان كما في الاختلاف في البيع والهبة عند غير صاحب "التقريب"؟
وإذا حلف المقرض أنه ما وهب، وحلف المقترض أنه ما اقترض رجعت العين إلى صاحبها، وإن كنا نقول على وجه: أن المقرض لا يرجع في عين ما اقترضه بعد القبض والملك، وصار كالاختلاف في البيع والهبة.
أما إذا قلنا بالرجوع وهو الأصح؛ فالمقرض لا يدعي شيئًا غير العين؛ فبعد حلفه على نفي الهبة؛ لا فائدة في حلف الآخر على عدم القرض.
فرع
في "الروضة" (^٢) قال: وفي "التتمة" وجه أن الاقتصار على ملكته قرض كذا بخط المصنف وفي بعض النسخ هبة وهو غلط؛ لأن ذلك الوجه في الرافعي على أن هذا الوجه الذي في "الروضة" (^٣) لم أره في "التتمة"، فإن كان أخذه من الوجهين في خذه وتصرف فيه لنفسك فليس مثله؛ لأن ذلك اللفظ محتمل للقرض بخلاف ملكتك […] (^٤).
* * *
_________________
(١) روضة الطالبين (٤/ ٣٢).
(٢) انظر مصدره السابق.
(٣) انظر مصدره السابق.
(٤) بياض في الأصل ما يقارب ثلاث كلمات.
[ ١ / ٦٣٠ ]
قال:
وإن قال: أقرضتك ألفًا وقبل ألفًا وتفرقَا، ثم دفع إليه ألفًا، فإن لم يطل الفصل جاز؛ لأن الظاهر أنه قصد الإيجاب.
وإن طال الفصل، لم يجز حتى يعيد لفظ القرض؛ لأنه لا يمكن البناء على العقد مع طول الفصل.
هكذا جزم به ابن أبي عصرون في "المرشد"، وأبي إسحاق العراقي في "الشرح"، وصاحب "البيان" (^١)، والروياني (^٢) كلاهما نقلها عن المصنف، وهذا مبهم يقتضي أن القرض لا يجب إيراده على معين، بل يجوز أن يكون على موصوف ثم يعين وهو غريب، وأن تعيينه في المجلس أو بعده بحيث لا يطول الفصل وهو إغرب؛ إذ لا عهد به.
وقال يعقوب بن أبي عصرون: "إنه إذا فعل مثل ذلك في الهبة، جاز"، يعني: مع طول الفصل.
قال: والفرق بينهما أن القرض عقد جائز من الجانبين، فيحتاج إلى تصرف قويٍّ بخلاف الهبة، فإنه عقد لازم من الجانبين.
قلت: والمعروف أن الهبة لا تصح إلَّا في معين، وبتقدير صحتها، فهي لا تلزم إلَّا بالقبض، فهي قبل القبض كالقرض.
وقد اختلف الأصحاب في القراض، فقطع القاضي حسين، والإمام (^٣)
_________________
(١) البيان (٥/ ٤٥٧).
(٢) بحر المذهب (٥/ ٧٢).
(٣) نهاية المطلب (٥/ ٤٤٩).
[ ١ / ٦٣١ ]
بجوازه على موصوف، ثم يُعيَّن في المجلس كالصرف، وقطع صاحب "التهذيب" (^١) بالمنع.
وقول المصنف: "وقبل ألفا" لو قال: وقبل، كان أحسن حتى يكون المقبول هو الأول، وإن كان غير معين، وقوله: لأن الظاهر أنه قصد الإيجاب. رأيت في بعض النسخ الإبحار مصدر أبحر، أي: إبحار ما أوجب له، وفي بعضها الإيجاب مصدر أوجب وهو الأكثر ومعناه قصد الدفع عن الإيجاب [المتقدم] (^٢) وقوله: "حتى يعيد لفظ القرض"؛ أي: والقبول ولم أر من ذكر هذه المسألة غير المصنف وأتباعه.
* * *
_________________
(١) التهذيب (٤/ ٣٨٣).
(٢) في المخطوطة: "المتقد"، ولعل الصواب ما أثبتناه.
[ ١ / ٦٣٢ ]
قال: