قال:
[فصل
ألفاظ السلم]
وينعقد بلفظ السلم، والسلف (^١)، وفي لفظ البيع وجهان؛ من أصحابنا مَنْ قال: لا ينعقد بلفظ البيع، وإذا عقد بلفظ [البيع] (^٢) كان بيعًا، ولا يشترط فيه قبض العوض في المجلس؛ لأن السلم غير البيع، فلا ينعقد بلفظه. ومنهم من قال: ينعقد؛ لأنه نوع بيع يقتضي القبض في المجلس.
انعقاده بلفظ السلم والسلف لا خلاف فيه لما تقدم من كلام الأزهري (^٣) وغيره من أهل اللغة الذي أقره الشرع، ولم يخالفه.
وأما بلفظ البيع كقوله: اشتريت منك ثوبًا، أو طعامًا صفته كذا بهذه الدراهم، أو يقول المسلم إليه: بعتك ثوبًا أو طعامًا صفته كذا بهذه الدراهم، فلا خلاف في صحة هذا العقد.
وهل يكون بيعًا أو سلمًا حتى يشترط فيه قبض رأس المال في المجلس؟
_________________
(١) زيد هنا: (السلف) وهي زيادة بدون فائدة.
(٢) ما بين المعقوفين غير موجود في المخطوطة، وقد أثبتناه من متن المصنف؛ ليستقيم المعنى. انظر: المهذب (٣/ ١٦١).
(٣) الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي (ص: ١٤٥).
[ ١ / ٣٧٨ ]
فيه وجهان - كما ذكر المصنف - أصحهما عند العراقيين والروياني (^١) والجرجاني: الثاني، وعليه يدل نص الشافعي في "الأم" (^٢) في باب الخيار في السلف، وحكاه الشيخ أبو حامد (^٣) وغيره عن نصه في "الإملاء"؛ لأن السلم أخص من البيع، فلم يتعارض فيه اللفظ والمعنى، ولا منافاة بينهما.
والأول: قال الرافعي: "إنه الأصح عند صاحب "التهذيب" وغيره" (^٤).
وصححه في "المحرر" (^٥)، والنووي في "الروضة" (^٦)، والفارقي في كلامه على "المهذب"، وهو قول أبي إسحاق، وليس لهذا القول حجة إلَّا أحد أمرين:
إما أن يرى أن البيع مختص بالأعيان، وحينئذٍ إذا استعمل في الدين تعارض اللفظ والمعنى، ولكن هذا فاسد؛ لأنه لو اختص اسم البيع بالمعين لكان ينبغي أن يبطل إذا أضافه إلى الذمة على قول، ولا قائل به، وعلى هذا لا يكاد يظهر بينه وبين الصرف فرق.
وإما أن أن يرى بيع الموصوف في الذمة، ويُسَمَّى سلمًا إِلَّا إذا عبر عنه بلفظ السلم، وهو بعيد؛ لأن الألفاظ لا اعتبار بها، ثم يرد على البغوي أنه وافق على اعتبار المعنى في الإجارة الواردة على الذمة، فاشترط القبض في المجلس، وإن كان بلفظ الإجارة، وقد أجاب بعضهم عنه بكثرة الغرر في الإجارة؛ لأن المنافع جُوِّز العقد عليها للحاجة بخلاف الأعيان، والأكثرون خَرَّجُوا هذا الخلاف على أن النظر إلى اللفظ، أو إلى المعنى، وذلك في
_________________
(١) بحر المذهب للروياني (٥/ ١١٠).
(٢) الأم (٣/ ١٣٦).
(٣) الوجيز (ص: ١٥٤).
(٤) فتح العزيز (٩/ ٢٢٤).
(٥) (ص: ١٥٤).
(٦) روضة الطالبين (٤/ ٦).
[ ١ / ٣٧٩ ]
مسائل منها هذه.
ومنها: إذا باع معينًا بلفظ السلم لم ينعقد سلمًا قطعًا، وهل ينعقد بيعًا اعتبارًا بالمعنى، أو يبطل اعتبارًا باللفظ؟ فيه وجهان؛ عند جميع الأصحاب الثاني، والتعارض هنا ظاهر.
ومنها: إذا باع بلا ثمن، بطل نظرًا إلى اللفظ. وقيل: يصح هبة نظرًا إلى المعنى.
ومنها: هبة الدين ممن عليه معناها الإبراء، فهل يفتقر إلى القبول لأجل اللفظ؟! وجهان.
ومنها: إجارة العين بلفظ البيع، كقوله: بعتك منفعتها، وفيه وجهان؛ أصحهما: عند العراقيين الصحة، وهو جارٍ على قولهم هنا بانعقاده سلمًا (^١).
والأصح عند جماعة منهم الرافعي (^٢): المنع (^٣).
وحجتهم: أن البيع مختص بالأعيان، فإذا أرادوا ما سوي المنفعة؛ فللنظر فيه مجال، وإن أرادوا أنه لا يشمل الدين أيضًا ففاسد؛ لما سبق.
ومنها: المسألة المتقدمة إذا وردت الإجارة واردة على الذمة، هل يشترط قبض الأجرة في المجلس نظرًا إلى معناها أو لا؟! نظر إلى لفظها وجهان؛ أصحهما عند العراقيين، والشيخ أبي علي، والبغوي (^٤)، اعتبار
_________________
(١) قال الدميري في النجم الوهاج (٥/ ٣٢٠): وهو قول ابن سريج، واختاره الشيخ وقواه في المهمات. اهـ.
(٢) فتح العزيز (١٠/ ٣٢٦).
(٣) قال ولي الدين العراقي في تحرير الفتاوى (٢/ ٢٥٩): الأصح: بطلانه، وصرح به النووي في المنهاج (ص: ١٥٩) فقال: والأصح انعقادها بقوله: آجرتك منفعتها، ومنعها بقوله: بعتك منفعتها.
(٤) التهذيب (٤/ ٤٣١).
[ ١ / ٣٨٠ ]
المعنى (^١).
وأقول: إن هذه ومسألة الكتاب لا تعارض بين اللفظ والمعنى فيهما، فإن المعنى اقتضى القبض، واللفظ لا يوجبه ولا ينفيه، فالأصح فيهما النظر إلى المعنى خلافًا لمن اعتبر اللفظ فيهما، وهو بعض الأصحاب، أو فرق بينهما، وهو البغوي (^٢)، وكذلك اعترض عليه الرافعي، وقال: "إن ما صير إليه من الإجارة لا يلائم ما صار إليه في السلم" (^٣).
وضابط ترجيح البطلان: "أن يكون آخر اللفظ رافعًا كالبيع بلا ثمن، أو يستعمل اللفظ فيما لا يوجد فيه تمام معناه كالبيع بلفظ السلم والصحة فيما تكون الصيغة منتظمة صحيحة الدلالة على المقصود كالسلم بلفظ البيع" (^٤)، هكذا نبه الرافعي عليه في الإجارة وهو حسن.
فرع
لو قال: اشتريت منك هذا العبد بثوب صفته كذا، نقل الشيخ أبو حامد (^٥) عن "الإملاء"، أنه لا يصح أن يتفرقا حتى يقبض العبد؛ لأن هذا سلم بعينه، ومن هذا النص نقلوا عن "الإملاء" أنه ينعقد سلمًا كما تقدم، لكن هو تلك الصور المتقدمة، حيث يرد الشراء على ما في الذمة ظاهرًا.
أما في هذه الصورة، إذا ورد الشراء على المعين، وجُعِلَ الموصوف ثمنًا، فينبغي القطع بأنه بيع، لكن القاضي حسين خرجه على أن الثمن ماذا؟
_________________
(١) انظر: بحر المذهب (٤/ ١٤)، البيان (٧/ ٣٣٥)، روضة الطالبين (٥/ ١٧٤).
(٢) التهذيب (٤/ ٤٣١).
(٣) فتح العزيز (١٢/ ٢٠٦).
(٤) فتح العزيز (١٢/ ٢٠٨). بمعناه.
(٥) الإرشاد إلى سبيل الرشاد (ص: ٢٠٧).
[ ١ / ٣٨١ ]
فإن قلنا: إنه ما اتصلت به [باء الثمنية] (^١) كان هذا بيعًا، وإن قلنا: الثمن النقد كان هذا سلمًا.
وهذا مأخذ آخر للمسألة غير مراعاة اللفظ والمعنى، والماوردي حكى الخلاف فيما إذا قال: "بعتك هذا الدينار بقفيز حنطة في الذمة، هل يكون بيعًا أو سلمًا؛ نظرًا إلى اللفظ أو المعنى؟ " (^٢)، وهو مشكل أيضًا؛ لأن المبيع الدينار وهو معين، إلَّا أن يراعى ما قاله القاضي، ويجعل الثمن النقد مطلقًا.
ويخرج لك من هذا: أنه ليس لنا بيع لفظًا ومعنى متفق عليه، إلَّا إذا باع معينًا بنقد، وما سوى ذلك أنه يتردد في بيع أو سلم.
وفي مسألة الماوردي (^٣) يأتي وجه آخر بفساد العقد لتغير النظم إذا قلنا: لا ثمن إلَّا النقد، فإنه جعل الثمن غير نقد، وهو وجه ضعيف.
واعلم أن بين طريقة القاضي حسين وطريقة غيره تباينًا، فإن القاضي يقول: إذا ورد العقد بلفظ الشراء، فإن كانت الحنطة في الذمة والدراهم رأس مال.
فإن قلنا: الثمن النقد فهو سلم، وإلَّا فهو بيع، وإن كانت الدراهم في الذمة ورأس المال عرض. فإن قلنا: الثمن كان بيعًا وإلَّا كان سلمًا، والبغوي (^٤) والرافعي (^٥) في طائفة يقولون: هو بيع مطلقًا اعتبارًا بلفظه.
والعراقيون يقولون: هو سلم اعتبارًا بمعناه، فالتفصيل الذي ذكره القاضي مخالف للعراقيين عند جميع الأصحاب.
_________________
(١) في المخطوطة: "بالتمويه".
(٢) ، (^٣) الحاوي الكبير (٥/ ٣٨٩).
(٣) التهذيب (٤/ ٥٣٠).
(٤) فتح العزيز (٩/ ٢٢٤).
[ ١ / ٣٨٢ ]