ويجوز استقراض الجارية لمن لا يحل له وطؤها، ولا يجوز لمن يملك وطأها، وقال المزني: يجوز؛ لأنه عقد يملك به المال، فجاز أن يملك به من يحل له وطؤها؛ كالبيع والهبة، والمنصوص هو الأول؛ لأنه عقد إرفاق جائز من الطرفين؛ فلا يستباح به الوطء كالعارية.
ويخالف البيع والهبة؛ فإن الملك فيهما تام؛ لأنه لو أراد كل واحد منهما أن ينفرد بالفسخ لم يملك، والملك في القرض غير تام؛ لأنه يجوز لكل واحد منهما أن ينفرد بالفسخ، فلو جوزناه فيمن يحل وطؤها أدى إلى أن يكون الوطء في ملك غير تام، وذلك لا يجوز.
قال الشافعي في "الأم" في باب بيع العروض: "وإنما كرهت استسلاف الولائد؛ لأن من استسلف أَمَةً كان له أن يردَّها بعينها، فإذا كان له أن يردها بعينها وجعلته مالكًا لها بالسلف جعلته يطؤها ويردها، وقد حاط الله جل ثناؤه، ورسوله ﷺ، والمسلمون الفروج فجعل المرأة لا تُنكح، والنكاح حلال إلَّا بولي وشهود.
ونهى رسول الله ﷺ أن يخلو بها رجل في حضر أو سفر، ولم يحرم ذلك
[ ١ / ٦٦١ ]
في شيء مما خلق الله غيرها، وجعل الأموال مرهونة ومبيعة بغير بينة، ولم يجعل المرأة هكذا، حتى حاطها فيما أحل الله لها بالولي والشهود؛ ففرقنا بين حكم الفروج وغيرها بما فرق الله ورسوله، ثم المسلمون بينها" (^١).
وهذا النص من الشافعي ﵁ منطوقه: منع القرض في الجارية التي تحل للمستقرض، ومفهومه: جوازه في التي لا تحل له؛ إما بسبب، أو رضاع، أو مصاهرة، أو بأن تكون المستقرضة امرأة، وهذا هو الصحيح من المذهب في الطرفين، وبه قطع القاضي أبو الطيب، وادعى في كلٍّ من الطرفين أنه لا يختلف المذهب فيه، وهو قول البغداديين من الأصحاب.
وقال المزني، وداود وابن جرير: يجوز مطلقًا، وهو القياس عند الإمام (^٢)، والغزالي (^٣)، ونقلاه عن نصه، والأكثرون إنما نقلوه وجهًا عن بعض، وقد وقع في تعليق القاضي أنه أظهر، وأن المنع قول، ولعل ذلك انقلب على الناسخ.
وأنكر الماوردي (^٤) أن يكون ذلك قولًا ثانيًا، وادعى أن منصوصات الشافعي كلها دالة على التحريم، وغيره من العراقيين يقول: إن نصوصه قديمًا وجديدًا على ذلك.
وقال البصريون من أصحابنا: إنه يمتنع مطلقًا في المحرم وغيرها، سواء كان المقترض رجلًا أم امرأة؛ لأنهن يصرن جنسًا لا يجوز قرضه، قال الروياني: "وهذا ضعيف غريب" (^٥)، ولم يحك القاضي حسين، والإمام،
_________________
(١) الأم (٣/ ٣٧).
(٢) نهاية المطلب (٥/ ٤٤٩).
(٣) الوسيط في المذهب (٣/ ٤٥٢).
(٤) الحاوي الكبير (٥/ ٣٥٣).
(٥) بحر المذهب (٥/ ٧٠).
[ ١ / ٦٦٢ ]
والغزالي، والرافعي، وكثير من الأصحاب هذا الوجه؛ بل جزموا بالجواز في المحرم مصرحين بأنه لا خلاف فيها، وجعلوا الخلاف فيمن يملك وطأها، قال الرافعي: قال الأصحاب: "وهما مبنيان على أن القرض لم يملك، وفي كيفية البناء طريقان.
قال قائلون: إن قلنا بالقبض، جاز، وإلَّا فلا، لما في إثبات اليد من غير مالك من خوف الوطء، وعن الشيخ أبي علي إن قلنا بالقبض، لم يجز؛ لأنه إذا ملكها ربما يطؤها، ثم يردها، فيكون في صورة إعارة الجواري للوطء.
وإن قلنا: لا يملك بالقبض، فيجوز، وفيما حكى عن نصه في الجديد رمز إلى هذه الطريقة" (^١).
قلت: وما حكيته عن نصه في "الأم" (^٢) صريح في رد الطريقة الأولى، وشاهد؛ لأنا إذا قلنا: يملك بالقبض لا يجوز، أما إذا قلنا: يملك بالتصرف بلا دليل فيه للقول بالجواز عليه، والذي يتجه أن يقال: إنا إذا قلنا: يملك بالتصرف.
فإن قلنا: التصرف المعتبر ما يستدعي الملك، أو ما يتعلق بالرقبة فالحكم بالتحريم مستمر؛ لأنه قد يؤجرها أو يرهنها، ثم بعد انقضاء الرهن والإجارة يطؤها، ويستردها المقرض، فيكون المعنى المحذور قائمًا.
وإن قلنا: التصرف المعتبر ما يزيل الملك، فيحتمل أن يقال بالجواز، ويحتمل أن يقال بالمنع؛ لإثبات اليد من غير مالك، وهو محذور ولا شك أن القول بالجواز مخالف لنص الشافعي؛ فلأجل ذلك يضعف مأخذه.
وحكى صاحب "البيان": "أن الطبري حكى عن بعض أصحابنا الخراسانيين:
_________________
(١) فتح العزيز (٩/ ٣٥٩ - ٣٦١).
(٢) الأم (٣/ ٣٧).
[ ١ / ٦٦٣ ]
أنه يجوز قرضها، ولا يحل للمستقرض وطؤها" (^١)، وقد رأيته في "العدة"، وهو غريب، وقد وافقنَا مالك (^٢) ﵀ على منع قرض الجواري.
قال في "الموطأ": "الأمر المجتمع عليه عندنا، أنه من استسلف شيئًا من الحيوان بحلية وصفة معروفة، فإنه لا بأس بذلك، وعليه أن يرد مثله، إلَّا ما كان من الولائد؛ فإنه يُخاف في ذلك الذريعة إلى إحلال ما لا يحل، ولا يصلح، وتفسير ما كره من ذلك أن يستسلف الرجل الجارية، فيصيبها ما بدا له، ثم يردها إلى صاحبها بعينها؛ فهذا لا يصلح، ولم يزل أهل العلم ببلدنا ينهون عن ذلك، ولا يرخصون فيه لأحد" (^٣).
هذا كلام مالك ﵀، وهو ظاهر على قولنا بالذرائع، أما الشافعي ﵀ فإنه لا يقول بها؛ ولذلك ألزمه المزني القول بالجواز، لكنه في "الأم" في باب الاختلاف في أن يكون الحيوان نسيئة بعد أن بحث وقرر السلم في الحيوان قال: "قال محمد بن الحسن: فإن صاحبنا قال: إنه يدخل عليكم خصلة تتركون فيها أصل قولكم، أنكم لم تجيزوا استسلاف الولائد خاصة، وأجزتم بيعهن بدين، والسلف فيهن.
قال: قلت: أرأيت لو تركنا قولنا في خصلة واحدة، ولزمناه في كل شيء أكنا معذورين، قال: لا. قلت: لأن ذلك خطأ؟! قال: نعم. قلت: فمن أخطأ قليلًا أمثلُ حالًا أم من أخطأ كثيرًا؟
قال: بل من أخطأ قليلًا، ولا عذر له. قلت: فأنت تقر بخطأ كثير، وتأبى أن تنتقل عنه، ونحن لم نخطئ أصل قولنا إنما فرقنا بينه، أرأيت إذا اشتريت
_________________
(١) البيان (٥/ ٤٦٢).
(٢) انظر: حاشية الخرشي (٥/ ٢٢٩)، مواهب الجليل (٦/ ٥٢٩)، حاشية الدسوقي (٣/ ٢٢٢).
(٣) موطأ مالك (٤/ ٩٨٤ - ٩٨٥).
[ ١ / ٦٦٤ ]
جارية موصوفة لم أملك عليك إلَّا الصفة، وإذا أسلفتك جارية لي آخذها منك بعد قبضها فلك أن تطأ جارية متى شئت أخذتها فبذلك المعنى فرقت بينها.
قال: فلم لم يَجز أن يسلفها؛ فإن وطئها لم يردها، ورد مثلها؟ قلت: أيجوز أن أسلفك شيئًا ثم تمنعني منه، ولم يفت. قال: لا. قلت: فكيف تجيز إن وطئها ألَّا يكون لي عليها سبيل، ولو جاز لم يصح فيه قول؛ لأني إذا سلطته على إسلافها، فقد أبحت فرجها للذي سلفها؛ فإن لم يطأها حتى يأخذها السيد أبحته، للسيد فكان الفرج حلالًا لرجل ثم حرم عليه بلا إخراج له من ملكه ولا تمليكه رقبة الجارية غيره، ولا طلاق، وفرق الكتاب والسنة بين آيات البهائم وبين النساء.
قال: أفتقول بالذريعة؟! قلت: لا، ولا معنى للذريعة إنما المعنى في الاستدلال بالخبر اللازم أو قياس عليه أو [المعقول] (^١) " (^٢).
هذا تلخيص كلام الشافعي، وقد قاس الأصحاب ذلك على الوطء في زمان الخيار، وادَّعَوْا أن ملك المقبوض ضعيف لتسلط كل منهما على الفسخ.
وإذا لم يفد القرض حل الوطء، وهو من أعظم الانتفاعات المقصودة لم يصح؛ لأنه يصير كالفاسد، وأجابوا عن وطء الابن الجارية الموهوبة، فإنه ليس قادرًا على ردها، بل الأب فقط، وهاهنا كل منهما قادر على الرد وعن جعلها رأس مال في جارية إذا جوزناه بأن ملكه تام يبيح الوطء وعن شراء الجارية المحرم، فإن تحريمها من جهة الشرع لا من جهة ضعف الملك.
وعن منع المكاتب من وطء جاريته، بأن ذلك لحقِّ السيد، حتى إذا زال
_________________
(١) في المخطوطة: "المفعول" والمثبت من "الأم" (٣/ ١٢٤).
(٢) الأم (٣/ ١٢٣ - ١٢٤). باختصار.
[ ١ / ٦٦٥ ]
حق السيد جاز، فليس المنع هنا إلَّا لضعف الملك، فلا ينبغي أن يصحح المقضي إليه، وبعد ذلك في المسألة إشكال على من لا يقول بسد الذرائع إلَّا أن يقوم دليل على المنع، وفي كلام الإمام (^١) أنه ورد في ذلك آثار عن الصحابة تبعها الشافعي، فإن صح ذلك فجيد، ولكن لم أقف عليه.
فرع
الخنثى كالمرأة في استقراض الجارية؛ قاله النووي في "شرح مسلم" (^٢) وفيه نظر قد يصير واضحًا فيطؤها، فيردها.
تنبيه:
احترز المصنف بقوله: "يملك به المال" من استئجار الجارية للوطء.
وبقوله: "عقد إرفاق" من البيع.
وبقوله: "جائز من الطرفين" من النكاح.
* * *
_________________
(١) نهاية المطلب (٥/ ٤٥٠).
(٢) شرح النووي على مسلم (١١/ ٣٧).
[ ١ / ٦٦٦ ]
قال:
وإن أسلم جارية في جارية، ففيه وجهان، قال أبو إسحاق: لا يجوز؛ لأنا لا نأمن أن يطأها، ثم يردها عن التي يستحقها عليه، فيصير كمن أقرض جارية ووطئها ثم ردها.
ومن أصحابنا من قال: يجوز، وهو المذهب؛ لأن كل عقد صح في العبد بالعبد، صح في الجارية بالجارية كالبيع.
صحح الجرجاني المنع.
وصحح المتولي، والرافعي (^١)، وغيرهما: الجواز موافقة للمصنف، وقاسوه على إسلام صغار الإبل في كبارها، ومقتضى كلامهم وكلام المصنف أن ذلك مجزوم به، وبذلك صرح المحاملي في "التجريد"، قال: فإن أسلم البعير في البعير، والشاة في الشاة جائز بلا خلاف، لكنا حكينا في الباب المتقدم عن الروياني (^٢) وجهًا بالمنع مطلقًا حتى يختلف رأس المال مع المُسَلَّمِ فيه.
وقد نقلوا عن أبي إسحاق أنه احتج بأمرين:
أحدهما: ما ذكره المصنف.
والثاني: أنه يصير الثمن والمثمن واحدًا، فأما العلة الثانية فإنها تقتضي طرد الوجه كما نقله الروياني، ولكنه بعيد ضعيف لا دليل عليه، وأما العلة الأولى وهي القياس على القرض فهو قوي، لكن الأصحاب ردوا ذلك
_________________
(١) فتح العزيز (٩/ ٢٩٣).
(٢) بحر المذهب (٥/ ١٧١).
[ ١ / ٦٦٧ ]
بالجارية المبيعة إذا ردت بعيب، وقد وطئت وهي ثيب وفيه نظر؛ لأن بعد الاطلاع على العيب لا يمكنه من الوطء مع الرد.
والمحذور الذي لحظه الشافعي أن يطأ في حالة يجوز الرد فيها، لكن في القرض كل منهما متمكن من الرد، وفي السلم المتمكن هو المسلم إليه فقط؛ لأن له أن يوفي من غيرها، فهو عكس الولد الموهوب له.
فإن كان المانع له هو جواز الرد من الطرفين، جاز السلم، ولم يشكل الوطء فيه ولا في الموهوبة.
وإن كان المحذور يُمكن الواطئ من الرد فهو حاصل في السلم؛ فيقوى قول أبي إسحاق، وإن كان المحذور يمكن غير الواطئ أشكل بالهبة.
ولم يترجح عندي شيء من ذلك، والترجيح في هذه المسألة يتوقف على تحرير هذا المأخذ.
والمصنف أطلق إسلام الجارية في الجارية، والرافعي (^١) وغيره فرضوها في إسلام جارية صغيرة في جارية كبيرة.
وقال ابن الصباغ: إنه لا فرق بين الصغيرة والكبيرة، والأمر كما قال؛ ولذلك أطلق المصنف.
نعم، لابد أن يكون الذي جعلها رأس مال يصفه المسلم فيه أو يؤول إلى ذلك، مثل أن يسلم في جارية مضبوطة الصفات بنت سبع في جارية يصفها بنت تسع إلى سنتين؛ فإذا حل كانت هذه الجارية بصفة المسلم فلو لم يكن كذلك كما لو أسلم زنجية في تركية، أو تركية بوصف في تركية بوصف آخر، فلا يمتنع، ولذلك قال الفراقي: [إن] (^٢) كلام المصنف يحتاج إلى تقييد.
_________________
(١) فتح العزيز (٩/ ٢٩٤).
(٢) وردت في المخطوطة: "أو"، ولعل الصواب ما أثبتناه.
[ ١ / ٦٦٨ ]
نعم، التي جعلها رأس المال أجود في الوصف أو في النوع، وقلنا: بالإجبار على قبولها، فقد يقال: يطرد المنع لوجود المعنى.
* * *
[ ١ / ٦٦٩ ]
قال: