وإن أسلم في مؤجل وجب بيان أجل معلوم لحديث ابن عباس ﵁: [أن] (^١) النبي ﷺ قال: "أَسْلِفُوا فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ" (^٢). ولأن الثمن يختلف باختلافه فوجب بيانه؛ كالكيل والوزن وسائر الصفات.
هذا صحيح، ولا خلاف لو أجل لمجيء المطر لم يصح، وكذا بقدوم الحاج، وما أشبهه، أو أن يقول: إلى شهر كذا فإن لم يتهيأ فإلى شهر كذا، ويشترط مع علم الأجل أن يكون إلى وقت يتيسر فيه المُسَلَّمُ فيه على ما تقدم بيانه.
* * *
_________________
(١) من المطبوع من المهذب.
(٢) أخرجه البخاري (٢٢٤٠)، ومسلم (١٦٠٤).
[ ١ / ٥٠٨ ]
قال:
والأجل المعلوم ما يعرفه الناس؛ كشهور العرب، وشهور الفرس، وشهور الروم، وأعياد المسلمين والنيروز والمهرجان.
شهور العرب التي أولها المحرم، قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ وأجمعوا على جواز التأجيل بها (^١).
وشرط التأجيل بها على ما قال الماوردي، والفوراني: أن يكون المتعاقدان (^٢) عارفين بذلك.
فإن لم يكونا عارفين، لم يصحَّ قولًا واحدًا، وشهور الفرس كإسفندار، وشهور الروم؛ كتموز وحزيران.
فإن كان العاقدان جاهلين بها لم يجز التأجيل بها، وإن كانا عالمين بها فالمشهور الجواز.
وفي "الحاوي" عن البصريين المنع، وجعله كالخلاف في الفصح ونحوه، وأعياد المسلمين الفطر والأضحى، والتأجيل بهما جائز، وكذلك بعرفة وعاشوراء؛ لأنها معروفة مضبوطة، لكن في العيد إذا أطلق يكون لربيع وجمادى عند الإطلاق، فيجري فيه الخلاف إلا أن يكون بين العيدين فينصرف إلى عيد النحر؛ لأنه الذي يليه حج.
والنيروز معروف، والمهرجان والتأجيل بهما مختلف فيه؛ فالأصح الصحة، وبه قال البغداديون من أصحابنا، وهو الذي أورده ابن الصباغ
_________________
(١) انظر حكاية الإجماع: الإجماع لابن المنذر (ص: ١٣٤)، الأوسط لابن المنذر (١٠/ ٢٨٠).
(٢) في المخطوطة: "المتعاقدين"، والصواب ما أثبتناه.
[ ١ / ٥٠٩ ]
والبندنيجي وسليم، والمصنف وغيرهم، واختاره الإمام (^١) والغزالي (^٢).
وعن البصريين منعه، وفي كلام "المختصر" (^٣) لهم متعلق غير سالم من نزاع.
وعلله الإمام (^٤) بأنهما مطلقان على الوقتين الذي تنتهي الشمس فيهما إلى أوائل برجي الحمل والميزان، وقد يتفق ذلك ليلا ثم ينحبس سير الشمس كل سنة قدر ربع يوم وليلة […] (^٥).
والصحيح الجواز، وليس كما يختص به أهل الكتاب من أعيادهم، والمعروف في هذه البلاد أن إليه [ورّادًا وفي يوم من يوم] (^٦)، وذلك قبل انتهاء الشمس إلى برج الميزان بأيام والبيع إلى الصدر وهو يوم النفر من منى جائز، نص عليه في "الأم" (^٧).
* * *
_________________
(١) نهاية المطلب (٦/ ٣١).
(٢) الوسيط في المذهب (٣/ ٤٢٦).
(٣) مختصر المزني (٨/ ١٨٩).
(٤) نهاية المطلب (٦/ ٣١).
(٥) هنا بياض قدر كلمتين.
(٦) كذا في المخطوطة.
(٧) الأم (٣/ ٩٧).
[ ١ / ٥١٠ ]
قال:
فإن أسلم إلى الحصاد، أو إلى العطاء، أو إلى عبد اليهود والنصارى، لم يصح؛ لأن ذلك غير معلوم؛ لأنه (^١) يتقدم ويتأخر.
التأجيل بالحصاد مفسد سواء كان إلى نفس الحصاد أم إلى وقت الحصاد؛ لأن الوقت يتقدم ويتأخر، وهذا مطرد في تأجيل السلم والثمن، وفي صحة تأجيل الضمان بوقت الحصاد وجه، وعن مالك (^٢)، وأحمد (^٣) وأبي ثور: جواز التأجيل بالحصاد، والتأجيل بالعطاء مفسد إذا أريد حصوله (^٤).
وممن قال بذلك ابن عباس، وأبو حنيفة (^٥)؛ لأنه لا يدري متى حصل، فقد يؤخره السلطان عن حينه. وعن ابن عمر: أنه كان يبتاع إلى العطاء. وقال ابن أبي ليلى: يصح العقد والمال حال، "وقد ذهب ابن خزيمة فيما حكاه الرافعي (^٦) عن ابن كج عنه إلى جواز التأجيل بالميسرة؛ لما روى النسائي (^٧)
_________________
(١) في المخطوطة: "لا" وما أثبتناه من المهذب.
(٢) انظر: الكافي (٢/ ٦٩٢)، الذخيرة (٥/ ٢٥٤)، التاج والإكليل (٦/ ٥٠٠)، حاشية الخرشي (٥/ ٢١٠).
(٣) انظر: الإنصاف (٥/ ٧٨) شرح الزركشي (٢/ ١٠١)، المبدع (٤/ ١٨٣)، كشاف القناع (٣/ ٣٠٣).
(٤) انظر: الأم (٣/ ٩٦)، البيان (٥/ ٤٢٨)، فتح العزيز (٩/ ٢٣٠).
(٥) انظر: المبسوط (١٢/ ١٢٤)، تبيين الحقائق (٤/ ١١٥).
(٦) فتح العزيز (٩/ ٢٣٢).
(٧) النسائي (٧/ ٢٩٤).
[ ١ / ٥١١ ]
عن عائشة؛ "أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ إِلَى يَهُودِيٍّ أَنِ ابْعَثْ إِلَيَّ بِثَوْبَيْنِ إِلَى الْمَيْسَرَةِ".
وأجابوا عنه بجوابين، أحدهما: لعل الوقت كان معلومًا.
والثاني: أنه من رواية حربي بن عمارة، وقد قال أحمد: فيه غفلة، إلَّا أنه صدوق.
قال ابن المنذر: ولم يتابع عليه، فأخاف أن يكون من غفلاته. وعد النووي قول ابن خزيمة هذا من الوجوه الشاذة.
أما التأجيل بوقت العطاء، فجائز إذا كان معلومًا؛ فإنه وقت لا يتقدم ولا يتأخر، وعيد اليهود الذي يمثل الفقهاء به كثيرًا الفطير، وعيد النصارى الفصح بالصاد، وفي كلام الشافعي بالسين، وهو عيدهم يأكلون فيه اللحم، والتأجيل به نص الشافعي (^١) على فساده؛ لأنه مجهول؛ فإن لهم فيه حسابًا ينسبون فيه أيامًا، ويتقدم ويتأخر، ولا يمكن قبول شهادة النصارى فيه.
وقال الأصحاب: إن علمها المسلمون دونهم فوجهان؛ أصحهما: وبه قال البغداديون: الجواز.
والثاني: وهو قول البصريين: المنع، قال الإمام (^٢): ولا وجه له إلَّا التأقيت بأعياد الكفار، وإن لم يعرفها المسلمون إلَّا منهم اتفق الأصحاب على المنع، واستدرك ابن الصباغ ما إذا كانوا عددًا كثيرًا في البلاد الكبار بحيث يستحيل تواطؤهم على الكذب.
ولا فرق في جميع ما ذكر بين الفصح للنصارى والفطر لليهود، وسائر أعياد المسلمين أهل الملك، وإذا قلنا: لا يجوز التأجيل بهذه الأعياد، ففي
_________________
(١) الأم (٣/ ٩٦).
(٢) نهاية المطلب (٦/ ٣٢).
[ ١ / ٥١٢ ]
تأجيل الضمان بها قولان عن ابن سريج، وهما في "الحاوي" في بابه.
ولو قال: إلى الصيف أو إلى الشتاء لم يجز؛ إلا أن يريد الوقت، ولما تكلم الرافعي في التأجيل بالفصح والنيروز قال: "إنه لو عرفها المتعاقدان دون غيرهما كفى في الأصح" (^١).
وقيل: لابد من معرفة عدلين سواهما، ولو عرفها الناس ولم يعرفها المتعاقدان كفى عند الأكثرين، هكذا قال.
والذي قاله الفوراني والماوردي: أنه إن لم يكن معلومًا عندهما لم يجز؛ وإن كان معلومًا عندهما، فالأصح الجواز، وفرق الرافعي على ما ذكره بين صفات وبين المسلم فيه حيث يشترط علم المتعاقدين، وكذا علم غيرهما على الأصح؛ فإن الجهالة هنا راجعة إلى الأصل؛ فاحتمل فيها ما لم يحتمل في الأوصاف.
* * *
_________________
(١) فتح العزيز (٩/ ٢٣٣).
[ ١ / ٥١٣ ]
قال:
وإن جعله إلى شهر ربيع أو جمادى صح، وحمل على الأول منهما، ومن أصحابنا من قال: لا يصح حتى يبين، والمذهب الأول؛ لأنه نص على أنه إذا جعل إلى النفر [حمل على النفر] (^١) الأول.
إن قيد بالأول أو بالثاني صح في الجميع، ولا إشكال، وإن أطلق وهي مسألة الكتاب، فالوجهان في ربيع وجمادى مشهوران في الطرق، ونقلهما الخراسانيون عن صاحب "التقريب" في النفر أيضًا.
والصحيح الصحة، والحمل على الأول في المسألتين عند أكثر الأصحاب، وبه جزم ابن الصباغ إلَّا أن الأرغياني (^٢) اختار الفساد في مسألة النفر، وهو غاية البعد.
وقد يقول المنتصر للوجه الضعيف في ربيع بأن الاسم صادق على الأول، والثاني بالاشتراط، فهو متردد بينهما، والنفر صادق على الأول والثاني بالتواطؤ فلا يلزم من نص الشافعي في الثاني أن يطرد في الأول، فإن المتواطئ يكفي فيه المسمى، والمشترك متردد لا دلالة له على واحدة بعينه، ألا يمكن هنا القول بحمله على الجميع، كما يقوله الشافعي.
هذا غاية ما يمكن في الفرق، وفيه نظر.
_________________
(١) من المطبوع من المهذب.
(٢) هو: محمد بن عبد الله بن أحمد الأرغياني، أبو نصر، فقيه شافعيّ؛ من أهل أرغيان (من نواحي نيسابور) انتقل إلى نيسابور وتوفي بها سنة: (٥٢٨ هـ = ١١٣٤ م). تتلمذ لإمام الحرمين، وصنف "الفتاوى" في مجلدين ضخمين، ويقال لها: "فتاوى الأرغياني". انظر: طبقات الشافعية الكبرى للسبكي (٦/ ١٠٨)، طبقات الشافعيين لابن كثير (ص: ٥٧٧).
[ ١ / ٥١٤ ]
قال الرافعي: "ولا يحتاج إلى تعيين السنة إذا حملنا المذكور على الأول" (^١).
قلت: وعلى الوجه الآخر إذا قيده يحتمل أيضًا ألا يحتاج إلى تعيين السنة، ويحتمل أن يحتاج، وهو قياسه، وحينئذ يطرد ذلك في جميع الشهور، ولو قيد النفر بالأول أو الثاني ارتفع الإشكال، وفي "الحاوي": أن التأجيل بالنفر الأول أو الثاني يصح لأهل مكة؛ لأنهم يعرفون أن الأول الثاني عشر من ذي الحجة، والثاني الثالث عشر، وفي جوازه لغيرهم وجهان.
ولو أجل بالقر وهو الحادي عشر أو بالجلاء وهو الثالث عشر لم يجز لغير أهل مكة لجهلهم به، وفي جوازه لأهل مكة وجهان، وجه المنع أنه لا يعرفه إلَّا خواصهم، قال الرافعي: "وهذا غير فقيه؛ لأنا إذا اعتبرنا علم المتعاقدين فلا فرق، وإلا فهي مشهورة في كل ناحية عند الفقهاء وغيرهم" (^٢).
وأجاب النووي بأن مراده لغيرهم غير الفقهاء والحجاج ومن في معناهم ممن يعرفه، قال: وهذا الوجه الذي ذكره في "الحاوي" قوي، ودعوى الإمام الرافعي شهرته عند غير الفقهاء ففي معناهم لا تقبل، ربما لا يعرف السفر كثير من الفقهاء" (^٣).
الماوردي موافق للأصحاب في الصحة، وأما تردده في جوازه لغير العارف به، فهو كالتردد في أنه هل يشترط معرفة المتعاقدين بالأجل، والصحيح لا.
* * *
_________________
(١) فتح العزيز (٩/ ٢٣٤).
(٢) فتح العزيز (٩/ ٢٣٥).
(٣) روضة الطالبين (٤/ ٩).
[ ١ / ٥١٥ ]
قال:
وإن قال: إلى يوم كذا، كان المحل إذا طلع الفجر، وإن قال: إلى شهر كذا كان المحل إذا غربت الشمس من الليلة التي يرى فيها الهلال.
في اليوم خلاف شاذ أنه من طلوع الشمس، ولكنه ليس في المذهب بل لبعض العلماء وقد أطبق أصحابنا على الحلول بأول جزء منه لتحقق الاسم به، وربما يقال بانتهاء ليلته وانسلاخ الشهر الذي قبله، قال الرافعي: والمقصود واحد (^١).
قلت: وقد فرق الماوردي بين التأجيل برمضان وسلخ شعبان وإن كان الحلول فيهما بغروب الشمس، فقال: إن غروب الشمس فيما إذا كان الأجل سلخ شعبان يكون مقارنا للحلول، وفي قوله: إلى رمضان يكون متقدمًا عليه.
وأما ما قاله الماوردي صحيح، والمعتبر الفجر الثاني، ولا فرق في ذلك بين أن يقول: إلى يوم الجمعة، أو يوم النَّيروز، أو يوم العيد في الكل يحل بطلوع الفجر.
واعلم أنا وإن حكمنا بالحلول، فالمطالبة إنما تتوجه عند إمكان الأداء كما قاله الماوردي، وهذا في هذا الموضع وفي غيره، ولو قال: إلى نهار كذا ذكر الماوردي هنا وجهين؛ أحدهما: أنه من طلوع الفجر.
والثاني: من طلوع الشمس، لكن المشهور أن النهار من طلوع الفجر وأكثرهم لا يحكي فيه خلافًا، وقد ذكروا ذلك في الطلاق وغيره، وعن أبي
_________________
(١) فتح العزيز (٩/ ٢٣٨).
[ ١ / ٥١٦ ]
حنيفة (^١) أنه إذا قال: إلى يوم كذا دخل اليوم في العشاء، ولم يحل إلَّا بغروب الشمس منه، ووافق في الشهر أنه لا يدخل.
* * *
_________________
(١) انظر: المبسوط (١٢/ ١٢٤)، تبيين الحقائق (٤/ ١١٥).
[ ١ / ٥١٧ ]
قال:
وإن قال: محله يوم كذا، أو شهر كذا أو سنة كذا، ففيه وجهان، قال أبو علي ابن أبي هريرة: يجوز، ويحمل على أوله كما لو قال لامرأته: أنت طالق في يوم كذا، أو في شهر كذا، أو في سنة كذا، فإن الطلاق يقع في أولها. والثاني: لا يجوز، وهو الصحيح؛ لأن ذلك يقع على جميع أجزاء اليوم، والشهر، والسنة، فإذا لم يُبَيَّنْ كان مجهولًا، ويخالف الطلاق، فإنه يجوز إلى أجهل مجهول، فإذا صح تعلق بأوله بخلاف السلم.
الذي صححه المصنف صححه جمهور الأصحاب وفرقوا بالفرق المذكور، قالوا فكأنه قال: في وقت من الأوقات يوم كذا ولا شك أن السلم لا يصح بذلك بخلاف الطلاق، وأورد ابن الصباغ أنه لو كان مجهولًا لوقع الطلاق في الجزء الأخير دون الأول، قال الرافعي: "وهذا حسن، والفرق مشكل" (^١).
قلت: وقد أجاب إسماعيل الحضرمي بجواب حسن، فقال: ما كان مراد الأصحاب أن الطلاق إذا قبل التعليق بالمجهول كقدوم زيد قبله بالعام ثم يتعلق بأوله، وأما السلم فلا يدخل بقدوم زيد، فكذا لا يدخل بالعام.
قال ابن الصباغ: وقد نص الشافعي على ما قال الأصحاب في المكاتب إذا كاتبه على عشر سنين يؤدي في كل سنة كذا وكذا لم يجز حتى يبين أولها وآخرها، والذي ذكره المصنف عن ابن أبي هريرة أنه يحمل على الأول ذكره ابن الصباغ.
_________________
(١) انظر: فتح العزيز (٩/ ٢٣٩).
[ ١ / ٥١٨ ]
ومقتضى كلام الماوردي أنه يصح، ولا يحمل على الأول فيكون ذلك وجهًا ثالثًا غير ما في الكتاب، وفي الطلاق وجه، أقول: إنه لا يقع إلا في آخر اليوم، ولكن المشهور ما سبق، والقول الأول مذهب أبي حنيفة.
وجمهور الأصحاب سووا في ذلك بين اليوم والشهر والسنة.
وحكى الطبري في "العدة" وجهًا أنه يصح في يوم كذا دون الشهر، وجعل صاحب "الحاوي" ذلك على مراتب، فجزم في السنة بالبطلان، وحكى في الشهر وجهين، والأصح عنده البطلان كالسنة، وفي اليوم وجهين والأصح عنده الصحة لقرب طرفيه. قال النووي: "والأصح المعتمد ما قدمناه" (^١).
فرع
لو قال: إلى أول شهر كذا أو آخره قال الرافعي: "فعن عامة الأصحاب بطلانه؛ لأن اسم الأول والأخير يقع على جميع النصف فهو مجهول، وقد قال الإمام وصاحب "التهذيب": وجب أن يصح ويحمل على الجزء الأول من كل نصف على قياس مسألة النفر، ولأن اليوم يحمل على أوله، وإن كان اسم اليوم عبارة عن جميع الأجزاء، وبالقياس على الطلاق" (^٢).
ولأن التأجيل إلى الشهر يحمل على أوله، وإن كان اسم النوع عبارة عن جميع الأجزاء، وبالقياس على الطلاق، ولأن التأجيل إلى الشهر يحمل على أوله فإذا صرح بالأول كان آكد، وقال الإمام: وإذا لم يكن لصاحب المذهب نص، ورجع الكلام إلى تغاير الألفاظ، اتسع المقال، وارتفع الحرج، ولست أرى مثل هذا مخالفة في المذهب، فإن المحذور خلاف نص المذهب" (^٣).
_________________
(١) روضة الطالبين (٤/ ١٠).
(٢) فتح العزيز (٩/ ٢٣٩).
(٣) نهاية المطلب (٦/ ٣١).
[ ١ / ٥١٩ ]
قلت: وما ذكره الإمام عن الأصحاب لم أره إلّا في طريقة الخراسانيين، والذي أبداه من البحث واختاره هو الصحيح، وهو الذي ذكره هو في الأول والآخر، وذكره الفوراني والقاضي حسين، والبغوي (^١) في الآخر.
والذي أبداه الإمام من البحث واختاره هو الذي يدل عليه نصه في "البويطي"، فإنه قال: ويسمى أول الشهر، أو كذا وكذا يوما يمضي من الشهر (^٢)، وكذلك قال الشيخ أبو حامد وسوى بين إلى شهر رمضان وإلى غرته وإلى هلاله وإلى أوله وقال إنه إذا قال: إلى أول يوم من الشهر الفلاني، فالمحل أول جزء من أول يوم من الشهر، وكذلك الماوردي سوى بين الشهر والأول والغرة، بل جعل الأول والغرة هما الأصل، وشبه الشهر بهما.
وعجب كونه خفي هذا النقل عن أولئك الأئمة، حتى إن الإمام وصاحب "التهذيب" لم يذكراه إلَّا بحثًا.
فرع
قال: عقب شهر، كذا فهو فاسد نص عليه، وكذلك عجزه، ذكره الماوردي وعللهما بأنه يتناول ما بعد النصف.
قلت: وقد فرقت العرب بين عَقِب الشهر بفتح العين وكسر القاف، وبين عُقْب الشهر بضم العين وإسكان القاف؛ فالثاني آخره، والأول إذا بقيت منه بقية، فينبغي أن يحمل كلام الشافعي والماوردي على الأول، ومن قال من الأصحاب: إنه لا يصح التأجيل بآخر الشهر يصح له أن يقرأها بالوجهين، لكنه لا يوافق قول الماوردي عجز.
* * *
_________________
(١) التهذيب (٣/ ٥٧١).
(٢) مختصر البويطي (ص: ٦٠٩).
[ ١ / ٥٢٠ ]
قال:
وإذا ذكر شهورًا مطلقة حُمل على شهور الأهلة؛ لأن الشهور في عرف الشرع شهور الأهلة، فحمل العقد عليها.
الأجل المعلوم على قسمين، أحدهما: أن يعلم بتعيين وقت المحل، كقوله: إلى وقت كذا، وهو الذي تقدم الكلام فيه، ولا فرق فيه بين أن يكون مقدار مدة الأجل معلومة أو لا؛ قاله الماوردي، ولابد أن يكون الذي بقي شهرًا أو أقل أو أكثر.
القسم الثاني: ما هو معلوم بتقدير مدة الأجل، سواء تعين وقت المحل أم لا؛ لقوله: ثلاثة أشهر وشبهها وهو هذا القسم الذي تكلم فيه الآن، فإذا ذكر الشهور وأطلق حمل على شهور الأهلة، لا خلاف فيه، وكذا إطلاق السنين محمول على الهلالية، فإن قُيد بالفارسية أو الرومية أو الشمسية تقيد.
ولو قال: بالعدد، فهي ثلاثمائة وستون يومًا، وكلام المصنف يقتضي أن يكون إطلاق الشهر على الهلالي حقيقة شرعية، وغيره قال: إنها الشهور الإسلامية، قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾.
قال الشافعي: "لم يجعل لأهل الإسلام علمًا إلا بها" (^١).
* * *
_________________
(١) الأم (٣/ ٩٦). بتصرف يسير.
[ ١ / ٥٢١ ]
قال:
وإن كان في أثناء الشهر، اعتبر الشهر بالعدد، وجعل الباقي بالأهلة (^١).
إن جرى العقد في أول الشهر اعتبر الجميع بالأهلة تامة كانت أو ناقصة، وإن كان في أثناء الشهر عد الباقي منه بالأيام واعتبرت الشهور بعده بالأهلة ثم يتمم المنكسر بالعدد ثلاثين، هذا هو المذهب، وفيه وجه أنه إذا انكسر الشهر انكسر الجميع؛ فيعتبر الكل بالعدد، ويحكى عن أبي حنيفة.
وضرب الإمام مثلًا للتأجيل ثلاثة أشهر مع الانكسار، فقال: عقد، وقد بقي من صفر لحظة ونقص الربيعان وجمادي، فيحسب الربيعان بالأهلة، ويضم جمادى إلى اللحظة من صفر، ويكمل من جمادى بيوم إلَّا لحظة، ثم قال الإمام: كنت أود أن يكتفي في هذه الصورة بالأشهر الثلاثة فإنها جرت عربية كوامل" (^٢).
قال الرافعي: "وما عناه الإمام هو الذي نقله صاحب "التتمة" وغيره، وقطعوا بحلول الأجل بالسلاح جمادى الأول، وقالوا: إنما يراعى العدد وإذا عقد في غير اليوم الآخر، قال الرافعي: وهو الصواب" (^٣).
قلت: وفي كتاب إسماعيل الحضرمي أنه إذا كان العقد قبل آخر الشهر بنصف يوم وكان الشهر الثالث بعد شهر العقد، ناقصًا، فهل يُكتفى به؟ فيه وجهان خرجهما بعض أصحابنا بخراسان، ونقل فيه أيضًا عن المصنف
_________________
(١) في المطبوع من المهذب: "فإن كان العقد في الليلة التي رُئيَ فيها الهلال، اعتبر الجميع بالأهلة، وإن كان العقد في أثناء الشهر، اعتبر شهرًا بالعدد، وجعل الباقي بالأهلة".
(٢) نهاية المطلب (٦/ ٢٩). بتصرف يسير.
(٣) فتح العزيز (٩/ ٢٣٧). بتصرف.
[ ١ / ٥٢٢ ]
والشيخ أبي حامد أنه إن كان العقد في الليلة التي رأى فيها الهلال اعتبر الجميع بالأهلة.
ثم قال: إن أرادوا به احتواش الليلة بالعقد فيعتد، وإن أرادوا أن تمام العقد حصل مقارنًا لأول جزء من الليلة فهو صحيح، وكذلك قال ابن أبي عصرون كما نقل عن الشيخ أبي حامد، وكذلك القاضي حسين، وقال فيه: إذا أجل شهرًا واحدًا ينكسر الشهر فيه بكل حال؛ لأن المعتد يتقدمه شهر أو يتأخره لا محالة فيكمل ثلاثين وإذا أجل إلى شهرين أو ثلاثة أكمل المنكسر والبقية بالهلال، ومراد إسماعيل الحضرمي ببعض الخراسانيين صاحب "التتمة" وتقييده بنصف يوم إنما قاله صاحب "التتمة" على جهة المثال.
فرع
قال: إلى عشرة أيام، قال صاحب "التهذيب": "يكمل اليوم الأول بالحادي عشر، فإذا انتهى إلى الوقت الذي عقد فيه حل الأجل" (^١).
فرع
يصح أن يقول: إلى آخر الشهر، وإن كان لا يعلم هل يجيء ناقصًا أو تامًّا، ويصح أن يقول: إلى الظهر أو العصر.
* * *
_________________
(١) التهذيب (٣/ ٥٧١).
[ ١ / ٥٢٣ ]
قال:
وإن أسلم في حال وشرط أنه حال، صح العقد، وإن أطلق ففيه وجهان، أحدهما: لا يصح؛ لأنه أحد محل السلم، فوجب بيانه كالمؤجل.
والثاني: [أنه] (^١) يصح ويكون حالًا؛ لأن ما جاز حالًا ومؤجلًا حمل إطلاقه على الحال كالثمن في [البيع] (^٢).
الثاني هو الصحيح عند الجمهور، وقد سبق بيان الماوردي للخلاف على أن الأصل في السلم الحلول أو التأجيل، أو هما سواء، والقول بالفساد مبني على أن الأصل فيه الأجل، ولأن المعتد فيه التأجيل، وهو الذي اختاره الغزالي في "الوجيز" (^٣)، ونسبه فيه، وفي "الخلاصة" إلى النص استنادًا إلى لفظ (^٤) في "المختصر" غير صريح، ولم يوجد في نص صريح بل في "الأم": "وإن لم يكن له أجل كان حالًا" (^٥)، وهذا دليل على أنه عند الإطلاق يحمل على الحلول، وقد حكى بعض الأصحاب الخلاف قولين، ومحل هذا الخلاف إذا كان المسلم فيه موجودًا، أما إذا كان معدومًا، فلا يصح.
_________________
(١) من المطبوع من المهذب.
(٢) في المطبوع من المهذب: "المبيع".
(٣) التهذيب (ص: ١٥٤).
(٤) كرر هنا كلمة "لفظ".
(٥) الأم (٣/ ٩٥).
[ ١ / ٥٢٤ ]
فرع
لو شرط المطالبة متى شاء، فهو على الحلول في أول أوقات الإمكان؛ لأنها لفظة قد ألفها الناس، ولولا ذلك لكانت مجهولة، ولو شرط متى شاء من ليل أو نهار، ففيه وجهان:
أحدهما: أن السلم باطل.
والثاني: أنه صحيح، ويحمل على زمان الإمكان للعرف، حكاه الماوردي.
* * *
[ ١ / ٥٢٥ ]
قال:
وإن عقد السلم حالًّا ثم جعله مؤجلًا، أو مؤجلًا فجعله حالًّا، أو زاد في أجله، أو نقص، نظرتَ: فإن كان ذلك بعد التفرق لم يلحق بالعقد؛ لأن العقد استقر؛ فلا يتغير، وإن كان قبل التفرق لحق بالعقد، وقال أبو علي الطبري: إن قلنا: إن المبيع انتقل بنفس العقد لم يلحق به، والصحيح هو الأول، وقد ذكرناه في الزيادة في الثمن.
لا خلاف عندنا أنه لا يلحق بعد التفرق واللزوم، والخلاف قبل التفرق كما ذكر المصنف، وقد تقدم في باب المرابحة عن صاحب "التتمة" والإمام (^١) أنه لا يلحق، وإن قلنا: المبيع لم ينتقل، ولكن هذا القول لا يكاد العراقيون يعرفونه.
وقد نصَّ الشافعي على تأجيل الحال، وعكسه كما ذكر المصنف، وذلك يرد على ما تقدم في باب بيع المرابحة عن القاضي حسين من أنه إذا أسقط الأجل ينبغي الحكم بالفساد، وكذلك إذا عقد مطلقًا، وقلنا بجوازه على الصحيح يجوز تأجيله في المجلس، وإن قلنا بفساده أو كان قد شرط أجلًا مجهولًا؛ فلا في الأصح.
وفيه وجه محكيٌّ عن صاحب "التقريب" أن الأجل المجهول إذا حذف في المجلس انحذف، وصار العقد صحيحًا، واختلفوا في جريان هذا الوجه في الخيار والرهن الفاسدين وغيرهما، قال الإمام: "والأصح تخصيصه
_________________
(١) نهاية المطلب (٦/ ١١).
[ ١ / ٥٢٦ ]
بالأجل" (^١)؛ لأن بين الأجل والمجلس مناسبة لا توجد في غيره، وهي عدم ملك البائع المطالبة بالثمن.
واختلفوا أيضًا هل يلحق خيار الشرط في البياعات بخيار المجلس في هذا المعنى، والأصح أنه لا يلحق به، وعليه يدل نصه في "الأم" (^٢) باب الآجال والسلف؛ لكونه قد يكون ذكره في السلم؛ لأنه ليس فيه خيار شرط، فلا يلزم طرده في بيع الأعيان.
وقد تقدم في الحط والزيادة أن خيار الشرط، كخيار المجلس على الأصح، ولا يلزم من التسوية بينهما هناك عن صحة العقد التسوية بينهما هنا عند الفساد، فلذلك كان الأصح هنا أن خيار الشرط لا يلحق بخيار المجلس إذا قلنا بجواز حذف الشروط الفاسدة فيه.
* * *
_________________
(١) نهاية المطلب (٦/ ٢٣).
(٢) الأم (٣/ ٣٠).
[ ١ / ٥٢٧ ]
قال: