وإن اختلف المتبايعان في قدر المبيع تحالفا لما ذكرناه في الثمن.
لا فرق في جريان التحالف بين أن يكون الاختلاف في الثمن، أو في المثمن، وإنما الفقهاء جرت عادتهم بفرض الكلام في الثمن، كما فعل المصنف أولًا.، ثم بعد ذلك بيّن أن الاختلاف في المبيع مثله، وإطلاق الحديث يشمله والمعنى يقتضيه كالثمن، فلذلك قال المصنف لما ذكرناه في الثمن؛ أي: من الحديث، والمعنى جميعًا، وقد يجري الاختلاف في قدر المبيع مثله والثمن معًا، فمثال اختلافهما في قدر المبيع وحده أن يقول البائع: بعتك هذا العبد بمائة، ويقول المشتري هذا العبد وهذا الثوب بمائة.
ومثال اختلافهما في قدر المبيع والثمن أن يقول: بعتك هذا العبد بمائة، ويقول المشتري: اشتريته وهذه الجارية بمائتين، والحكم بالتحالف فيهما، فلو قال المشتري: بعني هذه الأرض على أنها عشرة أذرع بمائة، فقال: بعتكها بمائة على أنها خمسة، فإذا هي عشرة لم يكن من صور التحالف على مذهب الشافعي؛ لأن مقتضى دعوى البائع فساد العقد ذكره ابن أبي الدم في "أدب القضاء".
[ ١ / ١٩٦ ]
قال المصنف ﵀:
وإن اختلفا في عين المبيع بأن قال البائع: بعتك هذا العبد بألف، وقال المشتري: بل اشتريت هذه الجارية بألف، ففيه وجهان:
أحدهما: يتحالفان؛ لأن كل واحد منهما يدعي عقدًا ينكره الآخر، فأشبه إذا اختلفا في قدر المبيع.
والثاني: أنهما لا يتحالفان، بل يحلف البائع أنه ما باعه الجارية، ويحلف المشتري أنه ما اشترى العبد.
وهو اختيار الشيخ أبي حامد الأسفراييني؛ لأنهما اختلفا في أصل العقد في العبد والجارية، فكان القول فيه قول من ينكر، كما لو ادعى أحدهما على الآخر عبدًا والآخر جارية من غير عقد.
إن اختلفا في عين المبيع واتفقا على الثمن، فإن كان الثمن معينًا تحالفا قولًا واحدًا، بأن يقول البائع: بعتك داري هذه بهذا الألف، فيقول المشتري: بل اشتريت هذه الجارية بهذا الألف، مشيرًا إلى تلك الألف بعينها.
وقال أبو حنيفة (^١): وإن كان الثمن في الذمة، فوجهان:
أحدهما: أنهما يتحالفان، وهو اختيار القاضي أبي الطيب، وابن الصباغ.
وقال صاحب "التتمة": إنه المذهب.
_________________
(١) انظر: العناية شرح الهداية (٨/ ٢١٧)، فتح القدير للكمال ابن الهمام (٨/ ٢١٧).
[ ١ / ١٩٧ ]
وقال ابن أبي عصرون: إنه الأصح، وفي "البحر": إنه المذهب.
قال الرافعي: "وهو قول ابن الحداد" (^١).
والثاني: لا يتحالفان، وهو قول الشيخ أبي حامد، وتبعه المحاملي، والمصنف في "التنبيه" (^٢)، والماوردي (^٣)، والجرجاني، والبندنيجي، وسليم، على ما حكي عنهما، وهو مقتضى كلام القاضي حسين.
قال الرافعي: "واختاره الإمام" (^٤)، وصاحب "التهذيب" (^٥) وتبعه ابن الرفعة (^٦) على ذلك، وعندي في هذه الحكاية توقف، سأنبه عليه.
ولم يذكر الشيخ أبو حامد غيره واستدل له في فرع في "التعليقة" بأن التحالف إذا اتفقا على العقد وعلى عين المبيع، واختلفا في الصفة، وها هنا كل واحد منهما يدعي عقدًا (^٧) غير العقد الذي يدعيه صاحبه.
قال القاضي أبو الطيب: قلنا ما ذكره أبو بكر بن الحداد في كتاب الصداق ونص هذه المسألة، وقال: يتحالفان، فقال: إذا اختلف الزوجان، فقال: أمهرتك أباكِ، وقالت: بل أمهرتني أمي تحالفا، قال: وكذلكِ إذا قال: أمهرتك أباكِ ونصف أمِك، فقالت: بل أمهرتك أبي وأمي، تحالفا، ولا يختلف أصحابنا في ذلك، فسقط كلام أبي (^٨) حامد الأسفراييني، وهذا الكلام يقتضي أن ابن الحداد لم ينص على مسألة البيع بعينها، بل على مسألة الصداق.
_________________
(١) فتح العزيز (٩/ ١٥٦).
(٢) التنبيه (ص: ٨٧).
(٣) الحاوي الكبير (٧/ ٢٤٨).
(٤) فتح العزيز (٩/ ١٥٦).
(٥) التهذيب (٣/ ٥٠٧).
(٦) كفاية النبيه (٩/ ٢٩٠).
(٧) في المخطوطة: "عقد"، والصواب ما أثبتناه.
(٨) في المخطوطة: "أبو" والصواب ما أثبتناه.
[ ١ / ١٩٨ ]
وقاس أبو الطيب البيع عليه، وقال ابن الصباغ: إنه لا فرق بين المسألتين، وقد حكى الإمام، والغزالي، والرافعي الخلاف في مسألة الصداق أيضًا، وقال الغزالي: الأصح منهما التحالف.
وقال الرافعي: "فها هما الوجهان المذكوران في البيع" (^١)، فعلى هذا لا حجة في التمسك بها؛ لثبوت الخلاف في المسألتين، وعلى ما قاله القاضي أبو الطيب من أن الأصحاب لم يختلفوا في مسألة الصداق يمكن أن يفرق بين المسألتين على خلاف ما قال ابن الصباغ بأن البضع معين اتفقا على ورود النكاح عليه، واختلفا في العوض المقابل له، فالصداق إن نزل منزلة الثمن كان ذلك كالاختلاف في الثمن مع الاتفاق على غير المبيع، وإن جعل كالمبيع كان كالاختلاف في عينه، والثمن معين، وقد قدمنا أنهما يتحالفان قولًا واحدًا، فليس ذلك نظير المسألة، ولا حاجة في ذلك إلى التمسك بنص ابن الحداد، فإن الشافعي ذكر من صور الاختلاف في الصداق الموجب للتحالف أن يقول: "نكحتك على عبد، فتقول: بل نكحتني على دار بعينها" (^٢).
وهي مثل الصورة التي ذكرها ابن الحداد، وكلاهما فرد من أفراد الاختلاف في الصداق، وهو موجب التحالف على ما نص عليه الشافعي، كالاختلاف في الثمن، وإنما الكلام في الاختلاف في المبيع.
وقد عرف ابن الصباغ ورود هذا السؤال عليه، وأجاب عنه بأنهما إذا اختلفا في العوض بثمن واحد، فقد أثبتا أحد العوضين، واختلفا في الآخر، ولا فرق بين أن يكون الاختلاف في الثمن أو في المثمن، ولك أن تنتصر للشيخ أبي حامد بأن الثمن الواحد في الذمة، وما في الذمة مبهم لا يحصل
_________________
(١) فتح العزيز، ط العلمية (٨/ ٣٤١). بمعناه.
(٢) الأم (٥/ ٧٧).
[ ١ / ١٩٩ ]
التوارد، وإنما يقال فيه: إنه واحد من جهة مسمى الألف، فيحتمل أن يكون أحد الألفين غير الآخر بخلاف المعين، فإنهما اتفقا على ورود العقد على عينه.
واختلفا فيما سوى ذلك من زيادة أو صفة ثمن أو غيرها، وادعى صاحب "التتمة" أنه لا فرق بين الاختلاف في مسألتنا، والاختلاف في الثمن؛ لأن بيعه بألف غير بيعه بخمسمائة.
واعلم أن عمدة الشيخ أبي حامد في عدم التحالف أنهما عقدان، وابن الصباغ يمنعه ذلك ويحاول تقرير أنهما عقد واحد اختلفا في صفته، كقوله: بعتك هذا العبد بألف، فيقول: بل بعتنيه مع هذه الجارية بألف.
وصاحب "التتمة" يسلم أنهما عقدان، ويقول بالتحالف محتجًّا بأن الاختلاف في الصفقة يقتضي المغايرة، فالبعد حاصل في كل موضع فلم يضر، فصاحب "التتمة" يوافق ابن الصباغ في الحكم ويخالفه في المدرك.
وما قال صاحب "التتمة" يشهد له ما تقدم من كلام أصحابنا مع الحنفية في تقرير أن التحالف على وفق القياس، وكون كل منهما يدعي غير الذي يدعيه الآخر، ولأجل ذلك قال صاحب "التتمة" فيما إذا اختلفا في البيع والهبة أنهما يتحالفان.
وما قاله ابن الصباغ لا يتمشى إلّا بتقرير أن الألف في الذمة كالألف المعينة، وفيه بُعد.
وقد فرض ابن الصباغ، وابن أبي عصرون المسألة فيما إذا كان البائع قد قبض الألف، ولم يذكر ذلك غيرهما، وكان ابن الصباغ أراد بذلك أن يجعلهما قد اتفقا على ملك البائع لعينها، وهذا يدفعه أن الاعتبار بحالة العقد، فالتحقيق أن ما قاله القاضي أبو الطيب وابن الصباغ لا يرد على الشيخ أبي حامد.
[ ١ / ٢٠٠ ]
وأما ما قاله صاحب "التتمة"، فإن سلم له أن الاختلاف في البيع والهبة يوجب التحالف يرجح ما قاله، وإلا يرجح قول الشيخ أبي حامد، وسأستوعب مآخذ الكلام. تحقيق ذلك بعد أن أفرغ من نقل كلام الأصحاب ونقل الإمام ما قاله الشيخ أبو حامد عن العراقيين.
وقال: "إن في طريقة المراوزة ما يدل على التحالف" (^١)،، ثم قال: "وللعراقيين أن يقولوا: الألف الذي يدعيه أحدهما غير الألف الذي يعترف به الثاني، ويتصور التزام ألفين من جهتين، فالتعيين لا يتحقق في الألف، وليس كالعين يتعين ملكًا.
قال: وهذا الذي ذكروه مع ما ذكره المراوزة يلتفت على أصلٍ، سيأتي في الدعاوى، وهو أن رجلًا لو اعترف بألف لإنسان عن جهة ضمان، فأنكر المقر له الضمان، وادعى عليه ألفًا عن جهة أخرى أنكرها المقر، ففي وجوب الألف على المقر خلاف مشهور، ولو اعترف رجل بالملك في عين لإنسان عن جهة، فأنكر المقر له تلك الجهة، وادعى الملك بجهة أخرى، فلا خلاف في وجوب تسليم العين إلى المقر له، فهذا مضطرب الفريقين، والمسألة محتملة" (^٢) هذا كلام الإمام ﵀.
ونقل الرافعي (^٣) عن الإمام وصاحب "التهذيب" أنهما اختارا ما قاله الشيخ أبو حامد، ولم يتبين لي من كلام الإمام اختيار، وإنما في أول كلامه أني [أميل] (^٤) إليه، وفي آخره التوقف، ومراد الإمام بالاعتراف بالملك في العين إذا قال: بعتك هذه العين وبرئت من ثمنها، فقال: بل وهبتنيها وقبضتها، وهذا المأخذ الذي رد الإمام المسألة إليه من الالتفات على
_________________
(١) نهاية المطلب (٥/ ٣٣٣).
(٢) نهاية المطلب (٥/ ٣٣٣ - ٣٣٤).
(٣) فتح العزيز (٩/ ١٥٦).
(٤) في المخطوطة: "ميل".
[ ١ / ٢٠١ ]
الخلاف في إلحاق ما في الذمة بالمعين تبعه عليه الغزالي، وحكى الخلاف في لزوم الألف للمقر في مواضع.
وقال في "البسيط" في كتاب الإقرار في آخر الركن الثالث منه عند الكلام فيمن اشترى من اعترف بحريته: أن الظاهر أن الألف تسلم إليه، ولا ينظر إلى الجهة.
وهكذا في "الروضة" (^١) قبل الباب الرابع في الإقرار بالنسب من كلام الرافعي، ولكني لم أرها في نسختي من "الشرح".
وكذلك قال الإمام في ذلك الموضع أيضًا: "إن الأصح ثبوته واطراد النزاع في الجهة" (^٢)، وحكى الرافعي الوجهين في كتاب الإقرار، وقال: "إنهم ربما بنوا عليهما ما إذا شهد شاهد أنه أقر بألف من ثمن مبيع، وشهد الثاني على إقراره بألف من قرض" (^٣)، ولم يصحح في ذلك الموضع في مسألة الإقرار شيئًا، لكنه في مسألة الشهادة التي بناها عليها.
قال: إن الظاهر عدم الثبوت، فعلى ما قاله الإمام والغزالي من الصحيح الثبوت يكون مقتضى هذا جعل الألف في الذمة كالمعينة في الخارج، فعلى هذا يتحالفان في مسألتنا هنا؛ لأن المشتري يقر بالألف ثمنًا للجارية، والبائع يدعيها ثمنًا للعبد، فيلزمه لاتفاقهما عليها، وإن اختلفا في الجهة على الظاهر، فإذا اختلفا في مقابلها مع الاتفاق عليها وجب التحالف؛ جريًا على البناء الذي قاله الإمام، وأن الأصح لزوم الألف.
وعلى الوجه الآخر القائل بأنه لا يلزم المقر شيء عند اختلافهما في الجهة؛ لأن المقر أقر بشيء كذبه المقر له فيه، والمقر له ادعى شيئًا أنكره
_________________
(١) روضة الطالبين (٤/ ٣٩٠).
(٢) نهاية المطلب (٥/ ٣٣٣).
(٣) فتح العزيز (١١/ ١٥٧). بتصريف يسير.
[ ١ / ٢٠٢ ]
المقر، فلا يثبت شيء، فعلى هذا لا يجري التحالف في مسألتنا للتغاير بين الألفين، فيؤخذ من كلام الإمام والغزالي في باب اختلاف المتبايعين.
وفي باب الإقرار أن الأصح عندهما التحالف في مسألتنا كما اختاره القاضي أبو الطيب، وابن الصباغ، وصاحب "التتمة"، وكما صححه الغزالي في نظيرها في الصداق بخلاف ما قاله الرافعي (^١) أن الإمام (^٢) اختار عدم التحالف، ومع ذلك لا أستجيز أن أنقل عن الإمام أنه اختار التحالف؛ لتوقفه في المسألة كما تقدم، ولكن من لازم كلامه في البابين يلزمه ذلك، وإلا يتناقض كلامه، أو يكون مراده أن الخلاف يلتفت على ذلك الأصل، وإن لم يكن الصحيح كالصحيح فقد بان لك أنا إذا نظرنا إلى المأخذ الذي ذكره الإمام يرجح القول بالتحالف، وبه يصح المأخذ الذي ادعاه ابن الصباغ.
وأما المأخذ الذي يجيء إليه صاحب "التتمة" من إثبات التحالف مع تسليم أنهما عقدان، فقد تقدم أن في كلام الأصحاب ما يشهد له، لكن يلزم إحرازه في سائر صور الاختلاف، وعند هذا أقول: إن الاختلاف على مراتب أخصها أن يتفقا على عقد خاص ومعقود عليه معين، ويختلفا فيما وراء ذلك، كما إذا اتفقا على بيع ومبيع معين واختلفا في ثمنه، أو في زيادة مع المبيع، أو اتفقا على بيع وثمن معين، واختلفا في عين المبيع، فهاتان الصورتان موضع الجزم بالتحالف؛ لأن في كلتا الصورتين اتفقا على شيء مشخص ورد العقد الخاص عليه، وانتقل من ملك أحدهما إلى ملك الآخر.
وأعمها بالنسبة إلى غرضنا أن يحصل الاتفاق على البيع ويختلفا في المعقود عليه المعين من الطرفين، كما إذا قال: بعتك هذا العبد بهذه الجارية، فقال: بل بعتني هذه الدار بهذا البستان، فها هنا لا تحالف قطعًا
_________________
(١) فتح العزيز (٩/ ١٥٦).
(٢) نهاية المطلب (٥/ ٣٣٣).
[ ١ / ٢٠٣ ]
ولا مبالاة باتفاقهما على مسمى البيع؛ إذ لا اتفاق على استحقاق شيء معين، ولهذا المعنى لا يلزم صاحب "التتمة" القول بالتحالف هنا، وبين هاتين المرتبتين صورتان:
إحداها: أن يحصل الاتفاق على المعقود عليه دون خصوص العقد، كما إذا قال: بعتك هذه الجارية فقال: بل وهبتنيها، فلا تحالف على المشهور الذي ادعى الغزالي في "البسيط" الاتفاق عليه، وفيه وجه حكاه الغزالي في موضع آخر وغيره.
وقال صاحب "التتمة": إنه الصحيح التحالف. والتحقيق فيه: أنا إن قلنا: التحالف على خلاف القياس كما اختاره الإمام، فلا تحالف؛ لعدم اندراجهما تحت قوله في الحديث: "إِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ" (^١).
وإن قلنا: التحالف على وفق القياس، كما اختاره أكثر الأصحاب ومنهم صاحب "التتمة"، فيحتمل أن يقال به في مسألة الاختلاف في البيع والهبة، كما قاله صاحب "التتمة"؛ جريًا على مقتضى المذهب، وإن كان الأصح عند الأكثرين خلافه، ويحتمل أن يقال: القياس لا يقتضي الجمع بين النفي والإثبات كما قدمته في أصل الباب، بل إنما يقتضي حلف كل منهما على النفي.
وأنا أميل إلى ذلك في أصل الباب كما تقدم، وحيث قيل به فالفارق بينه وبين هذه الصورة ما بيناه هنا من التقارب بين الرتبتين، ولو كان مطلق الاختلاف يوجب التحالف لأوجبه في المرتبة التي هي أعم، فعلمنا بذلك اشتراط التوافق، وهو مفقود ها هنا.
الصورة الثانية: أن يتفقا على بيع وثمن في الذمة، ويختلفا في عين
_________________
(١) أخرجه البيهقي في الكبرى (١٠٥٩١). وأخرجه أحمد (١/ ٤٦٦)، والنسائي (٤٦٤٩)، والدارقطني (٢٨٥٦ - ٢٨٥٧)، والحاكم (٢/ ٥٥).
[ ١ / ٢٠٤ ]
المبيع، وهي مسألتنا التي نحن فيها، فإن ألحقنا ما في الذمة بالمعين التحقت بالمرتبة الأولى التي هي أخص المراتب، وثبت التحالف فيها، وإن لم يلحق ما في الذمة بالمعين صارت كالصورة الأولى بين المرتبتين، وهي مسألة الاختلاف في البيع والهبة، فإن هناك حصل الاتفاق على المعقود عليه، ومطلق العقد والاختلاف في خصوصه.
وفي مسألتنا حصل الاتفاق على خصوص العقد، ومطلق الثمن في الذمة الذي هو الألف، والاختلاف في عين المبيع، فهما سواء على هذا التقدير.
نعم بينهما على هذا التقدير فرق لطيف من جهة أن الاختلاف في البيع والهبة حصل الاتفاق على انتقال الملك واستحقاق إزالة يد البائع، وها هنا لم يحصل هذا المعنى.
فمن هذا الوجه مسألة الاختلاف في البيع والهبة أولى بالتحالف من مسألتنا، لكن من حيث الجملة وكون ما في الذمة واحدًا إما بالشخص أو النوع، واتفاقهما على خصوص البيع واندراجهما تحت الحديث مسألتنا أولى بالتحالف من مسألة الاختلاف في البيع والهبة؛ ولذلك قال بالتحالف هنا من لم يقل به في الاختلاف في البيع والهبة، وهم أكثر من نقلنا عنهم التحالف هنا.
وقد ظهر بذلك أن الذي يأتي على مقتضى المذهب إثبات التحالف في مسألتنا كما قاله القاضي أبو الطيب بناء على المأخذ الذي ذكره الإمام (^١)، لكني أنا عندي في أصل التحالف والجمع بين النفي والإثبات وقفه، فلذلك لم أقل به هنا، بل يحلف كل واحد على نفي ما يدعي عليه وفق قياس الخصومات، ومن هذه المرتبة عكس هذه الصورة أن يتفقا على مبيع في الذمة، ويختلفا في الثمن، وذلك يأتي في السلم إذا اختلفا في جنس
_________________
(١) نهاية المطلب (٥/ ٣٣١).
[ ١ / ٢٠٥ ]
المسلم فيه، كقوله: أسلمت في كُرِّ حنطة، فيقول: بل في كُرِّ شعير، فقد جزم صاحب "التتمة" بالتحالف، وهو ظاهر على طريقته.
وأما على طريقة الأصحاب فقد يقال: إن ما في الذمة إذا لم يثبت له حكم المعين، فينبغي عدم التحالف في السلم سواء أكان رأس المال الذي اتفقا عليه معينًا، فإنه يصير مثل اختلافهما في بيع العبد أو الجارية بألف في الذمة، أو كان رأس المال في الذمة، فإنه ينتفي التحالف بطريق أولى؛ لانتفاء المعين من الطرفين.
وهذا يثير لنا إشكالًا على الشيخ أبي حامد وموافقته في مسألتنا، فإنه يلزمهم أن يثبتوا التحالف في السلم.
وقد قدمت في أول الباب عن نص الشافعي: "أن المشتري إذا قال: أسلفتك مائة دينار في مائتي صاع حنطة، وقال البائع: أسلفتني مائة دينار في مائة صاع حنطة أنهما يتحالفان" (^١).
والظاهر أنه لا فرق بين الاختلاف في القدر، والاختلاف في الجنس، فأما إذا لم يثبت لما في الذمة حكم المعين لم يلزم أن تكون المائة داخلة في المائتين، فعين هذا النص شاهد للقاضي أبي الطيب ومن وافقه، ولا نعرف خلافًا بين الأصحاب في إثبات التحالف في السلم.
والشيخ أبو حامد من جملة المصرحين بإثبات التحالف فيه، فلو كان ما في الذمة لا يثبت له حكم المعين ويخرجه ذلك عن التحالف، كيف كان يثبت التحالف في السلم إذا اختلفا في رأس المال فيه، إلا أن يحمل نص الشافعي على أن المائة دينار التي هي رأس المال كانت معينة، وهو بعيد، أو يقال: إن رأس المال لا من قبضه في المجلس، وبذلك يصير كالمعين في العقد، وذلك بمثابة الاتفاق على ثمن معين والاختلاف في عين البيع.
_________________
(١) الأم (٣/ ١٣٨). بتصريف يسير.
[ ١ / ٢٠٦ ]
وقد تقدم أن ذلك يوجب التحالف قطعًا، وإنما يقوى الإشكال فيما إذا اختلفا في جنس رأس المال أو وصفه، كقوله: أسلمت إليك مائة دينار، فيقول: بل مائة درهم أو صحاحًا، فيقول: بل مكسرة، فها هنا الإبهام حاصل في الثمن والمثمن، فإذا لم يعط حكم المعين يلزم أَلَّا يثبت التحالف، فإن كان القائلون بمنع التحالف في مسألة العبد والجارية يمنعونه أيضًا هنا اندفع الإلزام عنهم، وإلَّا فالإشكال متوجه عليهم وعلى الإمام والغزالي أشد حيث صرَّحا بتخريج هذه المسألة على الأصل المذكور، وقد رأيت في "مختصر البويطي" في مثال السلف: "أنه إن ادعى أحدهما أن البيع إنما كان بشيء، وخالفه الآخر، مثل قوله: أسلفتني دينارًا أو ثوبا في كذا، وقال هذا: بل ديناران، القول قول البائع مع يمينه ويفسخ السلف؛ لأنهما يجتمعان (^١) على أصل واحد" (^٢)، فإن كان مقتضى هذا أنهما إذا اختلفا في عين رأس المال اتفاقهما على المسلم فيه، لم يتحالفا كان سببها باختلافهما في عين المبيع، ومضاء لما قاله أبو حامد.
نعم هذا الإشكال إنما يلزم الإمام والغزالي في تخريجهما التحالف هنا على الأصل المذكور، وحينئذٍ يلزمهما إثبات خلاف في السلم إذا اختلفا في جنس رأس المال أو وصفه، فليتأمل ذلك.
وقد تحصلنا على صور:
الأولى: الاتفاق على مبيع معين، والاختلاف في زيادة معه أو في ثمنه المعين، أو الذي في الذمة؛ قدرًا أو جنسًا أو وصفًا يوجب التحالف قطعًا.
الثانية: الاتفاق على ثمن معين، والاختلاف في زيادة معه، أو في المبيع جنسًا أو قدرًا يوجب التحالف قطعًا كالأول.
_________________
(١) في المخطوطة: "يجتمعا" والصواب ما أثبتناه.
(٢) مختصر البويطي (ص: ٦٢١).
[ ١ / ٢٠٧ ]
الثالثة: الاختلاف في عين المبيع والثمن معًا من غير موارد على شيء، فلا تحالف قطعًا.
الرابعة: الاتفاق على عوض والاختلاف في كيفية انتقاله بالبيع أو الهبة لا تحالف [فيه على الصحيح] (^١).
الخامسة: الاتفاق على بيع وثمن في الذمة والاختلاف في عين المبيع، وهي مسألتنا فيها وجهان، وفي التصحيح نظر، تقدم التنبيه عليه.
السادسة: الاتفاق على مبيع في الذمة والاختلاف في قدره يوجب التحالف بنص الشافعي.
السابعة: الاتفاق على مبيع في الذمة والاختلاف في جنسه يوجب التحالف على ما صرح به صاحب "التتمة".
الثامنة: الاتفاق على مبيع في الذمة والاختلاف في ثمنه المعين أو الموصوف لا أعرف فيها نقلًا إلا ما قدمته عن البويطي إن كان كما حملته ولكن الأسبق إلى الفهم جريان التحالف، والقياس أن يكون كالخامسة التي هي مسألتنا كما تقدم.
التفريع:
إذا قلنا بقول أبي حامد؛ حلف البائع أنه ما باع الجارية وتبقي الجارية على ملكه كما كانت، وجاز له التصرف فيها ظاهرًا، ويحلف المشتري أنه ما اشترى العبد، فإذا حلف، كان العبد في يد المشتري لم يجز للبائع مطالبته به؛ لأنه لا يدعيه، وإن كان في يد البائع لم يجز له التصرف فيه؛ لأنه معترف بأنه للمشتري، وأن ثمنه في ذمته، ويجوز له أن يبيعه بقدر الثمن على طريق الظفر.
_________________
(١) مكرر في المخطوطة.
[ ١ / ٢٠٨ ]
هكذا قاله القاضي أبو الطيب على قول أبي حامد، وظاهر كلامه أنه نقل عنه، واستشكله ابن الرفعة (^١) من جهة أنه إذا كان في يد البائع غير مقبوض وبيع المبيع قبل قبضه ممتنع، فكيف ينوب البائع أو الحاكم عن المشتري في بيع شيء هو ممنوع منه، والبيع بطريق الظفر إنما هو بطريق النيابة كنيابة الحاكم عن الممتنع، ولا يمكن أن يتملك البائع عليه أيضًا بقدر حقه بناء على الصحيح أنه لا يجوز بيع المبيع من البائع قبل القبض، ولا يجوز أن يقبض للمشتري من نفسه.
قلت: وهذا الإشكال وارد أيضًا فيما إذا تحالفا قبل القبض حيث يقول بالتحالف واختصاص الفسخ بالظاهر، فقد تقدم أن حكم الصادق حكم من ظفر بمال من ظلمه، فيعود هذا الإشكال هناك.
وطريق الجواب أن يفرض العبد قد عاد إلى يد البائع بعد أن قبضه المشتري بطريق من الطرق التي لا يزيل الملك، أو أن البائع يرفع الأمر إلى الحاكم، فيقبضه حتى يخرج عن ضمان البائع كما سيأتي إذا أقام بينة ثم إذا قبضه الحاكم. وقد ثبت امتناعه عن ثمنه فيباع بطريق الظفر، ويكون إطلاق القاضي أبي الطيب محمولًا على أنه يفعل ذلك بطريقه، وهو ما أبديته، وبذلك يندفع الإشكال.
وأيضًا فسيأتي في أواخر الباب عن الشيخ أبي حامد وغيره، أن المشتري لو غاب قبل قبض المبيع باعه الحاكم في الثمن بشرطه، فكأنهم اغتفروا ذلك في بيع الحاكم.
ثم قال ابن الرفعة: والذي نص عليه الشافعي فيما حكاه صاحب "الإشراف": "أن القاضي يتلطف بالمشتري ويقول له: قل: فسخت البيع إن
_________________
(١) كفاية النبيه (٩/ ٣٠٧).
[ ١ / ٢٠٩ ]
كنت اشتريته، ويقول للبائع: قل: قبلت الفسخ" (^١).
قلت: وصاحب "الإشراف" نقل هذا مطلقًا عن الشافعي فيما إذا قال البائع: بعت هذا منك بكذا، فأنكر المشتري وحلف عليه، "قال في "الإشراف": وهذا فيه إشكال؛ لأن الفسخ معلق بالصفة وتعليق الفسخ بالصفة لا يجوز" (^٢).
واعترض ابن الرفعة (^٣) بأن في تعليق البيع في نظير هذه المسألة فيما إذا قال: وكلتك في ابتياع هذه الجارية بعشرة، فقال: بل بعشرين، فقال: إن كنت أذنت لك في ابتياعها بعشرين، فقد بعتكها بعشرين وأصحهما الصحة، فالنص إذن عليه وليس كما لو قال: "إن كان مورثي قد مات فقد بعتك ما له" (^٤)؛ لأنه انضم إلى التعليق الجهالة بالحال.
"ثم قال الشافعي: أنه إذا امتنع أن يقول ذلك، فإن ذهب ذاهب إلى أنه يصير ملكًا للبائع بالجحود والحلف كان مذهبًا.
وأثبت صاحب "الإشراف" هذا قولًا" (^٥) ومقتضاه: أن يأتي في مسألتنا تفريعًا على قول أبي حامد وجه أنه يرجع الملك في العبد إلى البائع بحلف المشتري، ولا يحتاج إلى أن يجعله كمن ظفر بمال غريمه، والذي قاله الرافعي أنه لا يتعلق بيمينهما فسخ، ولا انفساخ وهو موافق لما قاله القاضي أبو الطيب، فإن ثبت ما قاله صاحب "الإشراف" كان في المسألة وجهان: أحدهما: أنه ينفسخ العقد بالحلف.
_________________
(١) كفاية النبيه (٩/ ٣٠٧).
(٢) المصدر السابق.
(٣) المصدر السابق.
(٤) المصدر السابق (٩/ ٢٤).
(٥) المصدر السابق (٩/ ٣٠٨).
[ ١ / ٢١٠ ]
والثاني: يكون حكمه حكم من ظفر بمال غريمه، ولعله الأصح.
هذا كله تفريع على قول أبي حامد، وأن كلًّا منهما لا يجمع في يمينه بين النفي والإثبات.
أما إذا قلنا: يتحالفان ويجمع كل منهما بين النفي والإثبات فلا يخفى الحكم من أن الفسخ أو الانفساخ يرد على الألف، فيرجع إلى المشتري، ويرجع العبد والجارية إلى ملك البائع، ثم الكلام في الفسخ باطنًا أو ظاهرًا خاصة على ما تقدم، ويعود على بعض الأوجه الكلام في الظفر.
وما قدمناه الآن فيه فروع:
قال: بعتك هذا بألف، فقال: بل وهبتنيه، فقد تقدم أن الأصح أن كلًّا منهما يحلف على نفي ما يدعي عليه.
وقال صاحب "التتمة": يتحالفان، وعن صاحب "التقريب" رواية قول: إن القول قول مدعي الهبة؛ لأنه مالك باتفاقهما وصاحبه مدع عليه بالثمن، والأصل براءة ذمته منه، فحصل في المسألة ثلاثة أوجه.
وقد نقل بعضهم عن الفوراني القول بالتحالف، وهو كذلك في كتابه، لكنه فسره بالحلف، فلم يقل به، كما قاله صاحب "التتمة"، وإذا فرعنا على الأصح فحلفا، فعلى مدعي الهبة رده بزوائده، وسكت الأصحاب هنا عن أخذه بطريق، وينبغي إذا كان مدعي البيع محقًّا أن يكون حكمه حكم من ظفر بمال غريمه، ويعود فيه ما تقدم.
وقال الإمام: "إن هذ حكم الظاهر، والثابت باطنًا ما هو صدق في علم الله تعالى، [ووراء ذلك] (^١) نظر، وهو أن صاحب اليد اعترف لصاحبه وادعى انتقال الملك إليه بطريق انتفت في ظاهر الحكم" (^٢)، فهو كمن وافق
_________________
(١) في المخطوطة: "ووراه"، ولعل الصواب ما أثبتناه. نهاية المطلب (٥/ ٣٦٥).
(٢) نهاية المطلب (٥/ ٣٦٥). باختصار.
[ ١ / ٢١١ ]
على الإقرار بحق وخالف في الجهة، وهو أصل من أصول الأقارير.
ولو قال: بعتك هذا بألف، فقال: بل رهنتنيه حلف كل واحد على نفي ما يدعيه صاحبه، ورد الألف واسترد العين، هكذا قالوه، ويأتي فيه ما قدمناه من حكم الظفر.
"ولو قال: وهبتكه بألف استقرضته، فقال: بعتنيه بألف، فالقول قول المالك مع يمينه، وترد الألف ولا يمين على الآخر، ولا يكون رهنًا؛ لأنه لا يدعيه، قاله في "التهذيب" (^١) ونقله الرافعي عنه" (^٢)، وفي رد الألف إلى مدعي الشراء، وهو ينكر استحقاقها نظر وذكرها المصنف في باب الرهن.
فرع
قد ذكرنا مسائل مجزومًا بالتحالف فيها، وأخرى مختلفًا فيها، وأخرى مجزومًا فيها بعدم التحالف، وكلها ذكرها الرافعي في قسم أن يختلفا مع الاتفاق على عقد صحيح.
ثم ذكر القسم الثاني المقابل لذلك، أن يختلفا من غير اتفاق على عقد صحيح (^٣)، فإذا أدرجنا المسائل المتقدمة كلها في القسم الأول كما يشعر به كلامه كان المراد الاتفاق على مطلق العقد الصحيح سواء اختلفا في نوعه؛ كالبيع، والهبة، والرهن، أو في المعقود عليه كالاختلاف في عين المبيع، وهو كلام صحيح لكنه لا يستفاد منه ضابط التحالف، وهو لم يلتزمه في "الشرح".
وأشار في "المحرر" (^٤) إلى أن ضابطه أن يختلفا في كيفية البيع بعد
_________________
(١) التهذيب (٣/ ٥٠٧).
(٢) فتح العزيز (٩/ ١٦٢).
(٣) المصدر السابق.
(٤) المحرر (ص: ١٥٥).
[ ١ / ٢١٢ ]
الاتفاق على صحته، فإذا حملناه على مطلق البيع دخل فيه اختلافهما في عين المبيع، وإن كان هو لم يذكره في التمثيل، بل يدخل فيه ما إذا اختلفا في عين المبيع وعين الثمن، ولم يتواردا على شيء، وذلك لا يتحالفان فيه خلاف نعلمه.
وضبطه الغزالي "بأن يتفقا على بيع ومبيع معين، ويقع الاختلاف فيما وراءه مما يقع وصفًا للمبيع المتفق عليه" (^١)، وهذا يخرج الاختلاف في عين المبيع، فهو ماشٍ على الشيخ أبي حامد.
ولكنا قد قدمنا عنه أنه خرج تلك المسألة على مسألة الإقرار، وأن الأصح فيها عنده اللزوم، وأنه صحح في نظيرها من الصداق التحالف، فما ذكره هنا من الضابط يخالف ذلك، وإن لم يلزمه في الصداق لما قدمناه من الفرق لزمه في تخريجه على مسألة الإقرار، وتصحيحه فيها.
وقد نقل القاضي حسين عن أصحابنا اختلافًا في حد ما يثبت به التحالف على ثلاثة أوجه أخرى:
أحدها: ونقله صاحب "التتمة" عنه أنه كان يقوله: أن يدعي كل منهما عقدًا صحيحًا لا على الوجه الذي يدعيه صاحبه، ولو قدرنا ذلك الاختلاف موجودًا حالة العقد امتنع انعقاده، وهذا يقتضي التحالف إذا اختلفا في عين المبيع.
وقد اقتضى كلامه أولًا أنهما لا يتحالفان، ويقتضي أنه [إذا] (^٢) ادعى كل منهما مبيعًا وثمنًا غير الذي ادعاه الآخر يتحالفان، ولم يقل به أحد.
الثاني: أن يتنازعا على وجه تسمع بينة كل منهما، ولو أقاما جميعًا البينة
_________________
(١) الوسيط في المذهب (٣/ ٢٠٦).
(٢) في المخطوطة: "أنه ادعى"، ولعل الصواب ما أثبتناه.
[ ١ / ٢١٣ ]
تعارضت بينتاهما، وهذا يقتضي أنهما إذا اختلفا في البيع والهبة يتحالفان.
الثالث: أن يختلفا في مقصود (^١) في العقد، أو مشروط فيه لو أقام كل واحد منهما عليه البينة سمعت، وهذا يقتضي التحالف إذا اختلفا في عين المبيع.
فهذه خمسة حدود أقربها ما قاله الغزالي (^٢)، ولا يرد عليه غير ما تقدم على طريقته، وكل منها لا يخلو عن مناقشة، ولا سبيل إلى ضابط لا يرد عليه شيء، إلا أن يذكر ضابطًا للمتفق على التحالف فيه، وإلا فكل أحد يذكر ضابطًا على مختاره يخالفه الآخر فيه، وسيأتي مسائل في شروط العقد إذا حصل الاختلاف فيها، وينبغي أن يفسر المبيع في ضابط الغزالي (^٣) بما يشمل المبيع والثمن، فإن الثمن إذا كان معينًا تحالفًا بلا خلاف، وإن اختلفا في المبيع، وإن أريد العبارة الناصة على ذلك، فيقال: أن يتفقا على بيع وعوض معين ويقع الاختلاف فيما وراءه، فهذا الضابط ماشٍ على طريقة الشيخ أبي حامد وصاحب "التنبية"، وأما الغزالي فيرد عليه فيه ما تقدم.
فرع
قال: بعتك هذه الجارية، فقال: بل زوجتنيها، قال المصنف في "التنبيه" (^٤)، والجرجاني، والإمام (^٥)، والغزالي (^٦): أنه يحلف كل منهما على نفي ما يدعي عليه، وليس ذلك من التنازع في صفة العقد حتى يخرج على التحالف، وإذا نكل الذي يتوجه عليه يمين النفي حلف صاحبه
_________________
(١) كتب في هامش المخطوط في نسخه: ملفوظ.
(٢) الوسيط في المذهب (٣/ ٢٠٦).
(٣) المصدر السابق.
(٤) التنبيه (ص: ٩٧).
(٥) نهاية المطلب (٧/ ٨٤).
(٦) الوسيط في المذهب (٣/ ٢٠٦).
[ ١ / ٢١٤ ]
اليمين المردودة على الإثبات على قياس الخصومات.
وعن صاحب "التقريب" أنه ذكر على هذا استدراكًا، فقال: لا تعرض اليمين على من يدعي البيع؛ لاعترافه بزوال ملكه، ومقصود العرض أن ينكل فيحلف العارض، ويمين الرد تنزل منزلة الإقرار من المدعى عليه. وها هنا لو أقر المدعى عليه بالتزويج لم يقبل؛ لأنه أقر بزوال ملكه، فيكون ذلك إقرارًا في ملك الغير.
نعم، إن قلنا: اليمين المردودة كالبينة اتجه عرض اليمين عليه.
قال الغزالي في "البسيط": وما ذكره متجه، وعليه استدراك وهو البناء على أصل آخر، وهو أن من ادعى مالًا لغيره فأنكره المقر له فيقبل رجوع المقر له، وفي رجوع المقر خلاف، فإذا قبلناه فيقبل ها هنا إقراره بالتزويج، ويكون رجوعًا، والحق لا يعدوها.
قلت: والأصح صحة الرجوع في حال إنكار المقر له، فعلى هذا يصح إقراره بالتزويج، وبه يظهر صحة كلام الأصحاب على المذهب، وفي كل من الاستدراكين فائدة، والأصح عند الغزالي أنه لا يصح الرجوع، فالاستدراك عليه متجه.
* * *
[ ١ / ٢١٥ ]
قال المصنف ﵀:
فإن أقام البائع بينة أنه باعه العبد، وجب على المشتري الثمن، فإن كان العبد في يد المشتري أقر في يده، وإن كان في يد البائع، ففيه وجهان:
أحدهما: يجبر المشتري على قبضه؛ لأن البينة [قد] (^١) شهدت له بالملك.
والثاني: لا يجبر؛ لأن البينة شهدت له بما لا يدعيه، فلم يسلم إليه، فعلى هذا يسلم إلى الحاكم ليحفظه.
تبع المصنف في ذلك القاضي أبا الطيب، فإنه ذكر المسألة كذلك تصويرًا ونقلًا بعد أن ردَّ على الشيخ أبي حامد في قوله بعدم التحالف، واقتصر كما يراه على ما إذا أقام البائع البينة.
وأما الشيخ أبو حامد، فإنه قال: إن لم يكن معهما بينة، فالقول قول كل منهما فيما يدعى عليه، فيحلف [وتسلم الجارية إلى المشتري] (^٢)، وأما العبد فإن كان في يد المشتري أقر في يده، وإن كان في يد البائع أقر في يده، وقد تقدم هذا عنه.
قال: وإن أقام كل منهما بينة قضى بالجارية للمشتري، ووجب عليه تسليمها إليه، وأما العبد فإن كان في يد المشتري أقر في يده، وإن كان في يد البائع نفي إجبار على قبضه الوجهان اللذان حكاهما المصنف، والرافعي (^٣) رحمهما الله سلكا (^٤) ما سلكه الشيخ أبو حامد، فحكى
_________________
(١) ما بين المعقوفين أثبتناه من المطبوع من المهذب.
(٢) في المخطوطة: "وتسلم إلى الجارية إلى"، ولعل الصواب ما أثبتناه. بحر المذهب (٥/ ١٥).
(٣) فتح العزيز (٩/ ١٦٣).
(٤) في المخطوطة "سلك" ولعل الصواب ما أثبتناه.
[ ١ / ٢١٦ ]
الوجهين في حالة إقامة كل منهما البينة، وكذلك الماوردي (^١)، وصرح بأنهما لا يتعارضان؛ لأن كل بينة منهما تثبت عقدًا لا يقتضي نفي غيره، فيصير المشتري ملزمًا لابتياع الجارية بألف، وله أن يتصرف فيها كيف شاء، وملزومًا بابتياع العبد بألف، وكذلك الشيخ أبو حامد صرح بعدم التعارض.
وهذا الذي قاله الشيخ أبو حامد، والماوردي (^٢)، والرافعي (^٣) من الحكم بوجوب تسليم الجارية عند قيام البينتين، وإنما يسمعان ويحكم بمقتضاهما لكل منهما بما ادعاه من غير تعارض كلام المصنف، والقاضي أبو الطيب ساكت عنه.
ولك أن تقول: أما الذي قاله المصنف والقاضي أبو الطيب، فلا شك فيه، وأما الذي قاله الشيخ أبو حامد والماوردي (^٤) والرافعي (^٥) فهو من أبي حامد والماوردي تفريع على رأيهما في أنه لا تحالف؛ لأنهما عقدان، أما من يقول بالتحالف فقياس قوله أن يحكم بتعارض البينتين وقد صرح الماوردي وغيره من الأصحاب بالتحالف عند اختلاف البينتين في مقدار الثمن لتعارضهما.
وذكر الرافعي وغيره من الأصحاب في كتاب الدعاوى: "إذا قال المكري: أكريتك هذا البيت من الدار شهر كذا بعشرة، وقال المكتري: بل أكريت جميع الدار بالعشرة أو بعشرة" (^٦) (^٧)، "أو ادعى أحدهما الكراء
_________________
(١) الحاوي الكبير (٥/ ٣٠٦).
(٢) المصدر السابق.
(٣) فتح العزيز (٩/ ١٦٣).
(٤) الحاوي الكبير (٥/ ٣٠٦).
(٥) كرر هنا كلمة، "والرافعي"، وهي زيادة.
(٦) كرر هنا كلمة، "أو بعشرة"، وهي زيادة.
(٧) فتح العزيز، ط العلمية (١٣/ ٢٤٩).
[ ١ / ٢١٧ ]
بعشرة والآخر بعشرين، وأقام كل واحد منهما البينة، فقولان أو وجهان:
أحدهما: أن البينة المشتملة على الزيادة أولى، كما لو شهدت بينة بألف وبينة بألفين ثبت الألفان.
قال الرافعي: "وأصحهما وهو المنصوص أن البينتين متعارضتان، والزيادة المرجحة هي المشعرة بمزيد علم ووضوح حال، والزيادة فيما نحن فيه إنما هي زيادة في المشهود به، ويفارق بينة الألف والألفين، فإنهما لا يتنافيان؛ لأن التي تشهد بالألف لا تنفي الألف الأخرى، وها هنا العقد واحد، وكل كيفية تنافي الكيفية الأخرى فتثبت التعارض" (^١) هذا كلام الرافعي في كتاب الدعاوى.
ولا مزية في أن من يقول في مسألتنا هذه بالتحالف؛ كالقاضي أبي الطيب وغيره يقول بالتعارض كالمسألة التي ذكرناها عن الدعاوى، وكالاختلاف في مقدار الثمن فيما ذكره الرافعي هنا من الحكم إذا قامت البينتان يجب أن يكون مفرعًا على قول الشيخ أبي حامد، وينبغي أن يحكي في المسألة طريقان: إحداهما هذا، وهو على طريقة أبي حامد.
والثانية: أنهما يتحالفان، وهي على طريقة أبي الطيب، ولا جرم لم يفرض أبو الطيب المسألة فيما إذا أقام البائع البينة وحده ومنعه المصنف، ولما كان رأي الشيخ أبي حامد عدم التحالف، وأنهما عقدان حكم بموجب البينتين، وأن لا تعارض، فكل منهما جار على أصله، لكنا قدمنا أن في جميع صور الاختلاف الصادر عقد واحد، وإنما الاختلاف تارة في نوعه، وتارة فيما ورد، وتارة في صفته، فهو واحد باعتبار، ومتعدد باعتبار.
فعند قيام البينتين إما أن يُحكم بالتعارض في الجميع وهو الحق، أو لا يحكم بالتعارض في الجميع مع الإمكان، حتى إذا قامت بينتان عند
_________________
(١) فتح العزيز ط العلمية (١٣/ ٢٥٠).
[ ١ / ٢١٨ ]
الاختلاف في قدر الثمن يحكم بالزائد، وهو خلاف ما صرح به الأصحاب هنا، وفي كتاب الدعاوى، وعلى الجملة، فالقول بالتعارض مناسب للقول بالتحالف، وعدمه مناسب لعدم، ومتابعة الرافعي للشيخ أبي حامد فيه، ربما يقال: أنه تقتضي موافقته في القول بعدم التحالف، وإن لم يتعرض في "الشرح" لترجيح فيه، ونحن قد قدمنا أن الذي يُقوي على مقتضى المذهب التحالف يُقوي هنا التعارض، وقد يفرض ذلك على وجه يقطع بالتعارض فيه بأن يصنف كل من البينتين ذلك إلى عقد متحد بالزمان والمكان، كما إذا قالت إحدى البينتين: يشهد بأن البيع الذي جرى بينهما في الوقت الفلاني جرى على العبد، فتقول البينة الأخرى: إنما جرى على الجارية، فهذا معارض قطعًا، وليس ثُمَّ ما يمنع من سماع هذه الشهادة.
وجزم المصنف بأنه إن كان العبد في يد المشتري أقر في يده، وكذلك غيره من الأصحاب، ولا يقال: إن المشتري مُقر بأنه ملك البائع فيأتي فيه الخلاف فيمن أقر لشخص بشيء وكذبه يقر في يد المقر على الأصح.
وقيل: يحفظه الحاكم. وقيل: يسلم للمقر له، فإنا نفرق بأن تكذيب البائع ها هنا قد تأكد بالبينة، فلا يمكن أن يجبر على أخذه، وهذا يظهر فيما فرضه المصنف، وهو إذا قامت البينة من جهة البائع فقط، أما إذا كانت من جهتهما، كما فرضه الشيخ أبو حامد، والرافعي (^١) ففيه نظر، والذي قاله الشيخ أبو حامد أن البائع لا يجبر على أخذه منه وسكت عن كونه يقر في يده أو يحفظه الحاكم، فقد يطرد الوجه المذكور فيه في مسألة الإقرار.
وقد يفرق بأن الملك هنا لا يعدوهما، ومقتضى البينتين مؤكد لذلك، وأما في مسألة الإقرار، فإنه يبقى كالمال الضائع، فلذلك يحفظه الحاكم على وجه، فإنه خرج عن المقر ظاهرًا لمقتضى إقراره، وعن المقر له
_________________
(١) فتح العزيز ط العلمية (١٣/ ٢٥٠).
[ ١ / ٢١٩ ]
بمقتضى تنكيبه، فيصير مجهول المالك، فيحفظ حتى لو فرضنا أن المقر له زعم أنه للمقر، وصار كل منهما يدعي أنه للآخر، فقد يقال: إنه يصير كمسألتنا هذه، ولا ينزع ممن هو في يده جزمًا، ولا أعرف في ذلك نقلًا.
وقوله في تعليل الوجه الأول: إن البينة شهدت له بالملك هذا مع كون القبض مبرمًا للبائع عن عهدته ظاهر، أما لو تجرد المعنى الأول، كما إذا ادعى البائع أن المشتري قبضه، ثم عاد إلى يده، فيحتمل أن يقال: أنه لا يجبر ها هنا؛ لأنه منكر لملكه ولا غرض للبائع في قبضه، ويحتمل أن يقال: إن للبائع غرضًا في إزالة يده عن ملك الغير.
والثاني: لا يجبر، هذا الوجه هو الذي جزم به ابن أبي عصرون في "المرشد" فهو الصحيح لذلك، ولأن دليله أقوى، وعلى المصنف تقتضي أنه لا يجوز تسليمه إليه وهو كذلك إلا أن يرجع فيدعيه، وقوله: "فعلى هذا يسلم إلى الحاكم ليحفظه". هذا التعليل من المصنف يشمل ما إذا زعم البائع أنه في يده لم يقبضه المشتري، وما إذا زعم أنه قبضه، ثم أعاده إليه، والماوردي (^١) عَلَّله ببراءة البائع من ضمانه.
وقد قدمت الآن بحثًا في ذلك، فإن صح أنه يجاب البائع إلى إزالة يده عن ملك الغير مطلقًا، وهو الأوْلى كان تعليل المصنف أولى.
نعم! تكون العلة أيضًا براءة البائع عنه، وإن لم يكن بطريق العهدة، وأما نفس الحفظ، فليس هو العلة.
ثم قال الرافعي: "وينفق عليه من كسبه، فإن لم يكن له كسب ورأى الحظ في بيعه وحفظ ثمنه فعل" (^٢)، وهذا يقتضي أنه إذا كان له كسب لا يباع، والذي قاله الشيخ أبو حامد أن الحاكم إذا أخذه ينظر، فإن كانت
_________________
(١) الحاوي الكبير (٥/ ٣٠٥).
(٢) فتح العزيز (٩/ ١٥٧).
[ ١ / ٢٢٠ ]
المصلحة في بيعه وإمساك الثمن فعل، وإن كانت المصلحة في أن يتركه يكتسب وينفق عليه من كسبه فعل، وهذا أحسن مما قاله الرافعي، فإن كلام الرافعي يقتضي أنه إذا كان له كسب لا يباع، وإن كان الأصلح في بيعه.
والماوردي وافق أبا حامد وقال: "إن للحاكم أن يفعل أحظ الأمرين من بيعه ووضع ثمنه في بيت المال؛ ليعترف (^١) به المشتري فيأخذه أو يؤاجره أو يأذن له في الكسب وينفق عليه من أجرته أو كسبه، ثم يكون فاضل أجرته وكسبه في بيت المال؛ ليعترف (^٢) به المشتري فيأخذه معها" (^٣)، وهذا فيه موافقة لأبي حامد، وقول الماوردي هنا في بيت المال لا يريد به إلا المكان الذي يحفظ فيه القاضي الأموال.
ويؤخذ من كلام المصنف القطع بأنه لا يقر في يد البائع وهو كذلك، وتوجيهه يؤخذ مما تقدم أنه تأكد صدقه بالبينة، وذلك ظاهر في فرض المصنف.
وأما إذا قامت البينة منهما كما فرضه الشيخ أبو حامد والرافعي (^٤)، فقد أطلقوا ذلك أيضًا، وصرح الروياني (^٥) بأنه لا خلاف فيه؛ لأنه معترف بأنه ملك لغيره ولا حق له فيه، ولك أن تقول: إن هذا التعليل يرد عليه قولهم: إنه يقر في يد المشتري إذا كان في يده مع أنه معترف بأنه لا حق له فيه، والجانبان في ذلك متساويان.
نعم، إذا فرض ذلك قبل القبض، فقد تعلل ذلك بإبراء البائع من عهدته، لكن مقتضى هذا أن ذلك يكون من حق البائع حتى إذا لم يطلبه يترك.
_________________
(١) ، (^٢) في المخطوطة: "ليعرف"، والمثبت من الحاوي الكبير (٥/ ٣٠٦).
(٢) الحاوي الكبير (٥/ ٣٠٦).
(٣) فتح العزيز (٩/ ١٥٧).
(٤) بحر المذهب (٥/ ١٥).
[ ١ / ٢٢١ ]
وقول الروياني: "إنه لا يترك في يده بلا خلاف" (^١) ظاهره يقتضي أنه لا يجوز إبقاؤه في يده، والتحقيق أنه لا فرق بين البائع والمشتري في جواز تركه في يد مَنْ كان في يده، وأما إذا أراد إخراجه، فيفرق بين البائع والمشتري في جواز تركه في يد مَن كان في يده، وأما إذا أراد إخراجه، فيفرق بين البائع والمشتري بما تقدم من كون البائع له غرض في براءته من العهدة، ومتى فرض انتفاء هذا الغرض بأن قال: بعتكه وأقبضته، ثم عاد إليَّ، فالوجه أنه يترك في يده كما في نظيره إذا كان في يد المشتري، كما في مسألة الإقرار، ومحاولة الفرق في هذه المسائل الثلاث فيها غموض، وهذا كله إذا قامت البينة منهما كما فرضه أبو حامد، والماوردي (^٢)، والروياني (^٣)، والرافعي (^٤).
فرع
إذا كان العبد في يد المشتري وبقَّيناه في يده، فله أن يتصرف فيه بما شاء من بيع إلَّا الوطء لو كان جارية، فإنه يحرم عليه؛ لإقراره بتحريم ذلك عليه، وعليه النفقة، قاله الشيخ أبو حامد والماوردي (^٥)، ولك أن تقول: كيف يصح بيعه وهو مقر بأنه ليس ملكه؟! وهذا الإشكال عند قيام البينتين قوي لتساوي الجانبين واعترافه بعدم الملك، فينبغي أن يمتنع عليه جميع التصرفات إلَّا أن يرجع.
وأما على ما فرضه المصنف من قيام بينة البائع وحده فقد يقال: إن مقتضاها الحكم للمشتري بالملك ظاهرًا، فيجوز له التصرفات كلها ظاهرًا
_________________
(١) بحر المذهب (٥/ ١٥).
(٢) الحاوي الكبير (٥/ ٣٠٦).
(٣) بحر المذهب (٥/ ١٥).
(٤) فتح العزيز (٩/ ١٥٧).
(٥) الحاوي الكبير (٥/ ٣٠٦).
[ ١ / ٢٢٢ ]
إلَّا الوطء، فيمنعه منه؛ لاعترافه بما يقتضي تحريمه و[خطر] (^١) الأبضاع، وفيه نظر، فينبغي أن يتأمل ذلك، وقياسه أن يأتي مثله فيمن أقر لشخص بجارية وهو ينكرها، وقلنا: تقرّ في يده:
فرع
اقتصر الماوردي (^٢) على أن فاضل الأجرة والكسب يكون محفوظًا حتى يعترف به المشتري، فيأخذه مع الكسب والأجرة كما تقدم عنه، وزاد الروياني (^٣) على ذلك، فقال: ولو مات وطلب ورثته دفعه إليهم، فإن أراد أنه مات بعد اعترافه فصحيح، وإن أراد قبل اعترافه فمشكل؛ لأن مورثهم معترف بأنه لا حق له فيه، ولم يرجع عنه، إلَّا أن يقال: ينتقل حق الرجوع للورثة، كما كان للمورث، ولا يبعد ذلك، وقياسه أن يأتي في مسألة الإقرار مثله.
وفي كلام الشيخ أبي حامد ما يوافق الروياني، ويقتضي أن حق الرجوع ينقل للوارث كما كان للمورث.
* * *
_________________
(١) في المخطوطة: "وخطى"، ولعل ما أثبتناه هو الصواب.
(٢) الحاوي الكبير (٥/ ٣٠٦).
(٣) بحر المذهب (٥/ ١٥).
[ ١ / ٢٢٣ ]
قال المصنف ﵀:
فصل