إذا باعه سلعة (^١) بثمن في الذمة، ثم اختلفا، فقال البائع: لا أسلم المبيع حتى أقبض الثمن، وقال المشتري: لا أسلم المبيع حتى أقبض المبيع، فقد اختلف أصحابنا فيه؛ فمنهم من قال: فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: يجبر البائع على إحضار المبيع، والمشتري على إحضار الثمن، ثم يسلم كل واحد ماله دفعة واحدة؛ لأن التسليم واجب على كل واحد منهما، فإذا امتنعا أجبرا، كما لو كان لأحدهما على الآخر دراهم وللآخر [عليه] (^٢) دنانير.
والثاني: لا يجبر واحد منهما، بل من سلم منكما ما عليه أجبر الآخر على تسليم ما عليه؛ لأن على كل واحد منهما حقًّا في مقابلة حق له، فإذا تمانعا لم يجبر واحد منهما، كما لو نكل المدعى عليه، فردت اليمين على المدعي فنكل.
والثالث: أنه يجبر البائع على تسليم المبيع، ثم يجبر المشتري وهو الصحيح؛ لأن حق المشتري يتعلق بعين، وحق البائع في الذمة، فقدم ما تعلق بالعين، كأرش الجناية مع غيره من الديون؛ ولأن البائع يتصرف في الثمن في الذمة، فوجب أن يجبر البائع على التسليم؛ ليتصرف المشتري في المبيع.
_________________
(١) في المخطوطة: "سعلة".
(٢) من المطبوع من المهذب.
[ ١ / ٢٦٤ ]
ومن أصحابنا من قال: المسألة على قول واحد وهو أنه يجبر البائع على تسليم المبيع كما ذكرناه، وما سواه من الأقوال ذكره الشافعي - رحمة الله عليه - عن غيره، ولم يختره.
قال الشافعي ﵀ في باب الاستبراء، وهو في آخر الجزء السادس من "الأم" بعد أن تكلم في أنه ليس للبائع حبس الجارية المبيعة؛ لأجل الاستبراء، "وإذا اشترى الرجل من [الرجل] (^١) الجارية، أو ما اشترى من السلع، فلم يشترط المشتري الثمن إلى الأجل، وقال البائع: لا أسلم إليك السلعة حتى تدفع إليَّ الثمن، وقال المشتري: لا أدفع إليك الثمن حتى تسلم إليَّ السلعة، فإن بعض المشرقيين قال: يُجْبِرُ القاضي كل واحد منهما؛ البائع على أن يُحضر السلعة، والمشتري على أن يحضر الثمن، ثم يسلم السلعة إلى المشتري، والثمن إلى البائع لا يبالي بأيهما بدأ إذا كان ذلك حاضرًا، وقال غيره منهم: لا أجبر كل واحد منهما على إحضار شيء، ولكن أقول: أيكما شاء أن نقضي له بحقه على صاحبه، فليدفع إليه ما عليه من قِبَل أنه لا يجب على واحد منكما دفع ما عليه إلا بقبض ماله.
وقال آخرون: أَنْصِبُ لهما عدلًا، فأجبر كل واحد منهما على الدفع إلى العدل، فإذا صار الثمن والسلعة في يديه، أمرناه أن يدفع الثمن إلى البائع، والسلعة إلى المشتري.
قال الشافعي ﵁: لا يجوز فيها إلَّا القول الثاني من أَلَّا يجبر واحد منهما، أو قول آخر؛ وهو أن يجبر البائع على دفع السلعة إلى المشتري بحضرته ثم ينظر، فإن كان له مال أجبر على دفعه من ساعته، فإن غاب ماله
_________________
(١) في المخطوطة: "الرجل من الجارية"، ولعل الصواب ما أثبتناه.
[ ١ / ٢٦٥ ]
وقفت السلعة، وأشهد على أنه وقفها للمشتري، فإن وجد له مالًا دفعه إلى البائع، وأشهد عليه إطلاق الوقف عن الجارية، ودفع المال إلى البائع، وإن لم يكن له مال، فالسلعة عَيْنُ مال البائع وجده عند مفلس، فهو أحق به إن شاء أخذه، وإنما أشهدنا على الوقف؛ لأنه إن أحدث بعد إشهادنا على وقف ماله في ماله شيئًا لم يجز.
وإنما منعنا من القول الذي [حكينا] (^١) أنه لا يجوز عندنا غيره، أو هذا القول، وأخذنا بهذا القول دونه؛ لأنه لا يجوز للحاكم عندنا أن يكون رجل يقر بأن هذه الجارية قد خرجت من ملكه ببيع إلى مالك، ثم يكون له حبسها، وكيف يجوز أن يكون له حبسها، وقد أعلمنا أن ملكها لغيره، ولا يجوز أن يكون رجل قد أوجب على نفسه ثمنًا، وماله حاضر ولا نأخذه منه، ولا يجوز لرب الجارية أن يطأها، ولا يبيعها، ولا يعتقها، وقد باعها من غيره، ولا يجوز للسلطان أن يدع الناس يدافعون الحقوق، وهو يقدر على أخذها منهم" (^٢).
هذا آخر كلام الشافعي في ذلك.
وذكر المزني هذه المسألة في باب اختلاف المتبايعين، هذا واختصر، فقال: "ولو لم يختلفا، وقال كل واحد منهما: لا أدفع حتى أقبض، فالذي أحب الشافعي من أقاويل وصفها أن يأمر البائع بدفع السلعة، ويجبر المشتري على دفع الثمن من ساعته، فإن غاب ماله أشهد على وقف ماله، وأشهد على وقف السلعة، فإذا دفع أطلق عنه الوقف، وإن لم يكن له مال، فهذا مفلس، والبائع أحق بسلعته، ولا يدع الناس يتمانعون الحقوق، وهو يقدر على أخذها منهم" (^٣).
_________________
(١) في المخطوطة: حكمنا، ولعل الصواب ما أثبتناه.
(٢) الأم (٥/ ١٠٦).
(٣) مختصر المزني (٨/ ١٨٥).
[ ١ / ٢٦٦ ]
ونقل الشيخ أبو حامد في حكايتهم لكلام الشافعي المذكور في باب الاستبراء القول الثالث، وهو اختيارهما على التسليم من عدل، عن سعيد بن سالم القداح، وكذلك الماوردي (^١) والمحاملي، ولم أر أنا ذلك في كلام الشافعي، ولعله في نسخة أخرى من "الأم" أو في موضع آخر.
ثم ادعى أبو حامد والمحاملي أن القول المذكور هو الأول بعينه؛ لأن الحاكم كالعدل، فهي في الصورة ثلاثة أقوال، وفي الحقيقة قولان، وسبقهما إلى ذلك أبو إسحاق المروزي، وسيأتي الكلام في ذلك، وأما هنا فلا حاجة بنا إليه؛ لأن كلًّا منهما لم يجزه، ونحن لا نثبت إلَّا ما اختاره لنفسه.
قال الماوردي: "وامتنع سائر أصحابنا من جعلها واحدًا، وجعلوا كل واحد منهما مخالفًا لصاحبه؛ لأن الدفع والتسليم في القول الأول إلى الحاكم، فكان بحكمه، وها هنا الحكم منه في نصب الأمين والأمر بالتسليم فاختلفا" (^٢).
قلت: وهذا فيه نظر، فإن مقتضاه أن القولين مشتركان في الإجبار، لكن على الأول يُجبرهما على الدفع إلى الحاكم، وعلى الثاني يجبرهما على الدفع إلى العدل، فيقول: إن كان العدل نائبًا عن الحاكم فَيَدُهُ كَيَدِهِ، فلا يكون بينه وبين الأول مغايرة في المعنى، كما قال الشيخ أبو حامد.
وإن كان العدل يقيمة الحاكم نائبًا عنهما، فيبعده أمران:
أحدهما: أنه يصير التسليم إليه كتسليم كل منهما لصاحبه، وتعود المشاححة فيه، فلا فرق في إجبار واحد منهما بين تسليمه إلى صاحبه وتسليمه إلى العدل.
_________________
(١) الحاوي (٥/ ٣٠٨).
(٢) الحاوي (٥/ ٣٠٨) بتصرف يسير.
[ ١ / ٢٦٧ ]
الثاني: أن كلام الشافعي يتضمن أن العدل يؤمر بعد ذلك بالدفع إليهما، ولو كان نائبًا عنهما لكان القبض قد يحمل بيده، ويبقى؛ المالان لهما في يد نائبهما يأخذانه متى شاءا لكنا مع هذا نستبعد أن يكون القولان قولًا واحدًا؛ لقول الشافعي، وقال آخرون: فإن ظاهره يقتضي المغايرة، فالوجه أن يقول: أن القول الأول ليس فيه أن الحاكم يقبض، بل يأمرهما بالإحضار ويبدأ بأيهما شاء، وهذا تخيير الحاكم في البداءة بعد إحضار العوضين.
والقول الثالث: لا يجوز ذلك بل يقيم العدل تسوية لهما من كل وجه، ويجبرهما معًا على الدفع إليه، ومما يدلُّك على أن الحاكم ليس بقابض تأمل كلام الشافعي.
وقد صرح الماوردي على القول الأول بأنهما "لو أحضرا ذلك إلى الحاكم فتلف في مجلسه كان من ضمان صاحبه، فإن كان التالف هو المبيع أو الثمن المعين في العقد انفسخ البيع" (^١)، وإن كان الثمن الذي أحضره عما في الذمة لم ينفسخ، وعلى المشتري أن يأتي ببدله، فهذا صريح في أن الحاكم ليس بقابض.
وأما من يقول بالتسليم إلى العدل، فهل […] (^٢) أن يقبض العدل يستقر العدل حتى لو تلف بعد ذلك لا ينفسخ العقد أولًا، ويكون كما لو تلف بعد الإحضار إلى مجلس القاضي فيه نظر […] (^٣). الثاني: فسواء أجعلناهما قولين أم قولًا واحدًا، فالشافعي غير قائل به، وقال: إنه إنما يقول بأحد
_________________
(١) قوله: "أو الثمن المعين في العقد انفسخ البيع مكانه في "الحاوي" (٥/ ٣٠٨): فيبطل البيع لتلفه قبل القبض، وإن كان الثمن هو التالف، لم يبطل البيع، وعلى المشتري أن يأتي يبدله إلا أن يكون الثمن معينًا فيبطل البيع أيضًا بتلفه. اهـ.
(٢) هنا بياض قدر كلمة في المخطوطة.
(٣) هنا بياض قدر كلمة في المخطوطة.
[ ١ / ٢٦٨ ]
قولين، الثاني، وهو عدم الإجبار أو قول آخر لم يحكه عمَّن تقدم، وهو إجبار البائع، وجعل الماوردي القول بإجبار البائع من جملة ما حكاه الشافعي، وقال: "إن الشافعي حكى للناس في ذلك أربعة مذاهب" (^١).
قلت: ولفظ الشافعي في "الأم" قد حكيت بعضه، ولم أفهم منه غير ما تقدم، وهو أن الثلاثة محكية عن غيره، والرابع ذكره غير منسوب إلى قائل، وصرح بأنه لا يقول إلَّا بأحد قولين؛ إما بالثاني، وإما بالرابع الذي قلنا: إنه لم يحكه، ثم اختار من هذين القولين إجبار البائع الذي قلنا: إنه لم يحكه، وصرح بأنه لا يقول بالثاني، وهو عدم إجبارهما معًا، وبين المانع له من القول به، وهو ترك الناس يتمانعون الحقوق، هذا مقتضى كلام الشافعي ﵁.
وقد تعرض أيضًا للمسألة في الجزء التاسع قبل باب بيع الغائب قال: "وإذا اشترى الرجل الشيء ولم يسم أجلًا، فهو بنقد ولا ألزمه أن يدفع الثمن حتى يدفع إليه ما اشترى" (^٢). انتهى.
وهذا اللفظ يحتمل أن يكون مراده أنهما لا يجبران، بل من بدا منهما أجبر الآخر، ويحتمل أن يكون المراد أنه يجبر البائع، فلا يجبر المشتري على البدأة حتى يبدأ البائع بما واجب (^٣) عليه، ولما كان كلامه في باب الاستبراء دليلًا على إجبار البائع تعين حمل هذا اللفظ عليه جمعًا بين الكلامين، فقد تلخص أن مضمون كلام الشافعيين كله البدأة بإجبار البائع فقط، ولا جرم كان ذلك ظاهر المذهب.
وأما كلام المزني في "المختصر"، فاختلف الأصحاب فيه فمنهم من حمله على ذلك، وأن المراد إجبار البائع.
_________________
(١) الحاوي (٥/ ٣٠٧).
(٢) الأم (٣/ ٤٠).
(٣) كذا في المخطوطة.
[ ١ / ٢٦٩ ]
ومنهم من حمله على أن المراد إجبارهما، ولا شك أنه محتمل لذلك، إلا أنه ظاهر في الأول، وحيث اقترن به ما قدمناه من مدلول كلام الشافعي في "الأم" تعين حمل المزني عليه، وأن المراد إجبار البائع ليس إلَّا، وهذه طريقة من يقول بإجبار البائع وهي الطريقة الثانية في كلام المصنف، وهي الصحيحة مذهبًا وحجاجًا، أما مذهبًا فلما تقدم من كلام الشافعي، وأما حجاجًا؛ فلما ذكره المصنف في توجيه القول الثالث من العلتين:
الأولى: أن حق المشتري يتعلق بالعين، والمتعلق بالعين متعلق مقدم على المتعلق بالذمة، وهذا يشير إلى أن جانب المشتري أقوى.
والثانية: لا تحتاج إلى بيان القوة، ولكن نقول: إنهما وإن تساويا في الاستحقاق، فالبائع قد استأثر بالتصرف في الثمن بالاعتياض عنه والحوالة به فينبغي إجباره على تسليم المبيع؛ ليتصرف فيه المشتري، ويحصل بذلك العدل بين الجانبين.
وأيضًا؛ فإنه يترتب على تسليم المبيع استقرار العقد بخلاف الثمن؛ لاحتمال تلف المبيع بعد قبض الثمن، فكان في البدأة بتسليم المبيع فائدة ليست في البدأة بالثمن.
والتعليلان الآخران مستقيمان مطلقًا، وممن قال بهذه الطريقة الشيخ أبو حامد، وجماعة على ما نقله الروياني (^١) على أنني لم أر في "تعليقة أبي حامد" إلَّا ترديد القول بين أَلَّا يكون للشافعي إلا قول واحد كهذه الطريقة، أو قولان كالطريقة التي سنحكيها إن شاء الله تعالى.
الطريقة الثانية: التي أوردها المصنف: أولًا: إثبات ثلاثة أقوال كما ذكرها المصنف، وهي التي أوردها أكثر العراقيين أن في المسألة ثلاثة أقوال، وقد
_________________
(١) بحر المذهب (٥/ ١٩).
[ ١ / ٢٧٠ ]
تجد بالحاوي (^١) (^٢) وغيره ما يقتضي نسبة هذه الطريقة إلى أبي إسحاق، وفيه توقف سأنبه عليه إن شاء الله.
وهاتان الطريقتان أوردهما القاضي أبو الطيب هكذا والعبدري، والقول بأنه يسلم دفعة واحدة على قول الإجبار، كذلك صرح به القاضي أبو الطيب والعبدري، كما ذكره المصنف، ويقرب منه قول الروياني في "الحلية"، ثم يسلم إليهما على سواء، ويقرب منه كلام صاحب "التتمة"، كما سنذكره.
والطريقة الرابعة: وهي مقتضى إيراد الماوردي (^٣) أن في المسألة أربعة أقوال: اثنان منها هما الثاني والثالث في كلام المصنف، وبهما عدم الإجبار، أو إجبار البائع.
والثالث: إجبارهما على الإحضار، فإذا حضر المبيع والثمن إلى الحاكم لم يبال بأيهما بدأ.
والرابع: أن الحاكم ينصب لهما عدلًا ويأمر كلًّا منهما بتسليم ما في يده إليه، فإذا صار الجميع عنده سلم المبيع إلى المشتري والثمن إلى البائع.
وزعم الماوردي (^٤) أن الشافعي حكى هذه الأربعة للناس، وأن أصحابنا خرجوها أربعة أقوال، وهي كما قال في كلام الشافعي غير أن إجبار البائع قاله غير منسوب لغيره، فيما وقفت عليه، وقد تقدم التنبيه على ذلك، والثلاثة حكاها عن غيره.
وقد تقدم عن أبي إسحاق أنه جعل القول الأول والثالث في كلام الشافعي قولًا واحدًا، وجعل في المسألة ثلاثة أقوال، والماوردي ذكر عن أكثر الأصحاب أنهم خالفوه وجعلوهما قولين، فلذلك أثبتها أربعة.
_________________
(١) في المخطوط: نجد بالحاوي.
(٢) الحاوي (٥/ ٣٠٨).
(٣) المصدر السابق.
(٤) المصدر السابق (٥/ ٣٠٧).
[ ١ / ٢٧١ ]
وقد تضمن كلام الماوردي (^١) أن الأصحاب خرجوها أقوالًا، ومقتضى ذلك إثبات قولين زائدين ما حكاه المصنف أحدهما تخيير الحاكم بعد الإحضار إليه، وهو القول الأول في كلام الشافعي، وإثبات التخيير فيه ظاهر من كلام الشافعي ظهورًا قويًّا كما تقدم، والثاني إلى عدل وهو الثالث في كلام الشافعي، والقول الذي حكاه المصنف من أنه يجبرهما على الإحضار ويسلم دفعة واحدة، لم يتضمنه كلام الشافعي صريحًا، ولا كلام الماوردي وأبي إسحاق، فيحصل من اجتماع الطرق الثلاث خمسة أقوال؛ نعم الأصحاب اختلفوا في معنى قول الشافعي: إنه يلزمهما بالتسليم إلى عدل ما معناه، وسأتكلم على ذلك إن شاء الله.
الطريقة الثالثة: وهي مقتضى ما نقل عن أبي إسحاق المروزي، ونسبها الشيخ أبو حامد إلى الأصحاب أن في المسألة ثلاثة أقوال؛ اثنان منها هما الثاني والثالث في كلام المصنف، والآخر إجبارهما على تسليم المبيع والثمن إلى عدل، ثم [يُسلم] (^٢) إلى كل واحد منهما حقه لا يبالي بأيهما بدأ، وهذا هو القول الثالث مما حكاه الشافعي.
وعند أبي إسحاق أنه مع الأول قول واحد، وإن تغايرا في الصورة؛ لأنه لا فرق بين الحاكم وبين العدل المنصوب من جهته كما تقدم ذلك عن الشيخ أبي حامد، لكن الشيخ أبو حامد لا يوافقه في كونها ثلاثة أقوال كما سأبين.
وهذه الطريقة التي ذكرت عن أبي إسحاق تقتضي إثبات قول بأن الحاكم يتخير بعد إحضار المبيع، والتخيير في كلام الشافعي ظاهر ظهورًا قويًّا، وإن كان الرافعي وأكثر الأصحاب المتأخرين لم يحكوه، فإذا ضم إلى ما حكاه المصنف صارت أربعة أقوال، ثم إن أبا إسحاق اختار من الأقوال الثلاثة
_________________
(١) الحاوي (٥/ ٣٠٧).
(٢) في المخطوطه: سلم، ولعل الصواب ما أثبتناه.
[ ١ / ٢٧٢ ]
القول بإجبارهما.
وكذلك اختاره القاضي الروياني، قال في "الحلية": وهذا هو الاختيار خاصة في هذا الزمان.
الطريقة الخامسة: أوردها ابن داود في "شرح المختصر" والقاضي حسين في "تعليقه" (^١)، وهي أنه حكاية الأقوال الثلاثة كما قال أبو إسحاق المروزي وزيادة رابعٍ، قالا: إنه مخرج، وهو أنه يجبر المشتري تخريجًا من الصداق، فإنه أجبر الزوج على البدأة بتسليم الصداق، وادعى هذا القائل أن الزوج في مقام المشتري، وجرى على ذلك صاحب "التهذيب" (^٢)، كما يدل عليه لفظ الشافعي من أنه لا يبالي بأيهما بدأ، وإمام الحرمين (^٣)، لكن لم يبين على القول بإجبارهما كيفية ذلك، هل هو أن يسلما معًا كما قال المصنف والقاضي أبو الطيب، أو يتخير الحاكم بعد الإحضار، كما هو في كلام الشافعي، وأبي إسحاق، والقاضي حسين، والبغوي (^٤)، وكذلك صاحب "التتمة" جرى على ما قاله القاضي حسين من غير بيان، لكن في لفظه ما يقتضي التسوية، وهي إلى كلام المصنف أقرب، وممن حكى هذه الطريقة قبل القاضي حسين أبو الحسن الجوري، ولم يذكر أن إجبار المشتري مخرج، بل أطلق أن في المسألة أربعة أقوال.
وادعى إمام الحرمين (^٥) أن هذه الطريقة المشهورة في المذهب، ومراده طريقة إجراء الخلاف المقابلة للطريقة الجارية بإجبار البائع، وإذا ضممت هذا القول المخرج إلى ما تقدم اجتمع ستة أقوال، إن كان التسليم إلى
_________________
(١) البيان (٩/ ٣٩٣).
(٢) التهذيب (٥/ ٥٢١).
(٣) نهاية المطلب (٥/ ٣٦٦).
(٤) انظر المراجع السابقة.
(٥) نهاية المطلب (٥/ ٣٦٦).
[ ١ / ٢٧٣ ]
الحاكم والتسليم إلى العدل متغايرين، وسأتكلم على ذلك إن شاء الله.
الطريقة السادسة: أن في المسألة قولين وهما: عدم الإجبار أو إجبار البائع؛ لأن الشافعي قال: ولا يجوز إلا الثاني أو يجبر البائع، حكاها المَحَاملي، والروياني (^١) وضعفاها.
وقد تقدم أن الشيخ أبا حامد ردد القول بينها وبين الطريقة الأولى، وقد حكى ابن الرفعة في "شرح الوسيط" طريقة قاطعة بإجبارهما، ولم أرها لغيره وليتنبه الأمور؛ أحدها: تلخيص جميع ما تقدم أن المسألة على قول واحد، وهو إجبار البائع.
وقيل: قولين، وهو ذلك مع عدم الإجبار.
وقيل: ثلاثة بزيادة إجبارهما، وذلك مشترك بين الطريقة الثانية والثالثة.
وقيل: الرابعة، وذلك مُشترك بين الطريقة الرابعة، وبين الطريقة الخامسة التي فيها إجبار المشتري، ولا مزيد على هذه الأربعة؛ لأنها الأقسام الممكنة، لكن القول بإجبارهما اختلفت حكايته، فقيل: يُسلمان دفعة واحدة، أي يقع تسليم البائع للمشتري وتسليم المشتري للبائع في زمن واحد.
وهذا هو الذي يُفهم من كلام المصنف وشيخه.
وقيل: يُجبران على الإحضار إلى الحاكم، ثم هو يتخير.
وقيل: يسلمان إلى عدل أو عدلين.
الثاني: أن أبا إسحاق المروزي، والشيخ أبا حامد متفقان أن القول الأول كلام الشافعي، وهو إجبارهما على الإحضار إلى الحاكم، ثم لا يبالي بأيهما بدأ.
_________________
(١) بحر المذهب (٥/ ١٩).
[ ١ / ٢٧٤ ]
والقول الثالث في كلامه، وهو التسليم إلى عدل هما قول واحد ثم اختلفا، فأبو إسحاق يُثبت الأقوال التي حكاها الشافعي أقوالًا في المذهب، وهي ثلاثة في زعمه، وأبو حامد لا يثبت ما حكاه عن غيره، وإنما يثبت ما اختاره لنفسه، وهو إما قول واحد أو قولان.
الثالث: في الفرق بين القول الأول والثالث في كلام الشافعي على القول بتغايرهما.
قال الماوردي: بعد أن نسب إلى أبي إسحاق "أنهما قول واحد: إن سائر أصحابنا امتنعوا من ذلك وجعلوا كُلًّا منهما مخالفًا للآخر، قال: لأن الدفع والتسليم في القول الأول إلى الحاكم، فكان بحكمه، وفي الثالث الحكم منه في نصبه العدل، والأمر بالتسليم إليه، فاختلفا" (^١).
وقال ابن الرفعة: "أن هذا الفرق لا غِنَى فيه، وأن التحقيق في الفرق بينهما كما يقتضيه لفظ الشافعي، أما على إجبارهما بالتأويل الأول لا يبالي بأيهما بدأ، ونقول: لو تلف المال في يد الحاكم كان من ضمان من دفعه، كما صرح به الماوردي (^٢) على القول بالتسليم إلى العدل يقول: يبدأ العدل بتسليم المبيع، وادعى أن ذلك مغاير لإجبار البائع من جهة أنه على القول الثالث يكون للبائع بالثمن المقبوض بيد العدل حق اختصاص.
بل قد يقال: أنه يقدم به على الغرماء لو طرأ عليه، فليس كالمال يعزله الملتقط بدلًا عما يأكله من الطعام بقبض القاضي له.
وإن قلنا: لا يجوز للقاضي قبض أموال الغائب في الذمة، فإنه يثبت لصاحب الطعام به اختصاص عند فلس الملتقط، وإن لم يملكه.
_________________
(١) الحاوي (٥/ ٣٠٨). بتصرف.
(٢) المصدر السابق.
[ ١ / ٢٧٥ ]
ولو تلف الثمن في يد العدل فقياس إلحاقه بالقيمة المعزولة أن يكون في ضمان البائع، وإن لم يملكه، كما قالوا في القيمة المعزولة، والذي يظهر أنه من ضمان المشتري، وكذا المبيع لو تلف في يد العدل يكون من ضمان البائع، ولا جائز أن يقال: العدل نائب عنهما، فيستقر العقد بقبضه؛ لأنه لو كان لذلك لم يتعين البدأة بالدفع إلى المشتري، وهو بمقتضى ظاهر اللفظ متعين". انتهى كلام ابن الرفعة.
وليس في كلام الشافعي ما يقتضي ما قال، فإن الشافعي كما قال كما حكيته فيما تقدم، وحكاه هو أيضًا إيابًا من العدل أن يدفع الثمن إلى البائع والسلعة إلى المشتري، فمن أين له في كلام الشافعي أن العدل يبدأ بتسليم المبيع، والواو لا تقتضي الترتيب، ولو اقتضت الترتيب لاقتضت ضد ما ادعاه، وما الفرق بين الحاكم حتى يقال بأن الحاكم يتخير، والعدل لا يتخير، وإذا عرف ذلك فنقول: إطلاق حكاية الشافعي في القول الأول يحتمل ثلاثة معانٍ:
أحدها: أن الحاكم إذا حضرت السلعة والثمن إلى مجلسه يتخير في الأول لأحدهما بالتسليم إلى الآخر.
والثاني: أن يقبض بنفسه، ويكون بذلك يستقر العقد ويحتمل قبضه قائمًا مقام قبضهما.
والثالث: أن يقبض بنفسه ولا يستقر العقد بذلك، بل يكون قائمًا مقامها في الإقباض لا في القبض.
وكلام الماوردي ينفي الاحتمال الأول؛ لأنه صرح في آخر كلامه بأن التسليم إلى الحاكم ما ينفي الاحتمال الأول، وقال في التفريع على ذلك: "إنه لو أحضرا ذلك إلى الحاكم، فتلف في مجلسه كان من ضمان صاحبه، إن كان التالف هو المبيع بطل البيع، وإن كان هو الثمن، فعلى المشترى أن
[ ١ / ٢٧٦ ]
يأتي ببدله، إلا أن يكون الثمن معينًا فيبطل البيع أيضًا بتلفه" (^١). انتهى.
فهذا يقتضي أن العقد لم يستقر بذلك، وهذا الكلام من الماوردي لم يصرح هنا بأن الحاكم قبض، بل قال: "تلف في مجلسه"، لكن نقول على ذلك القول: إن الحاكم هو القابض عرف أن مراده التلف في مجلسه بعد قبضه، وهذا الكلام من الماوردي يحتمل لأن يكون تلف في مجلس الحاكم بعد قبضه أو قبل قبضه، فإن كان مراده أنه بعد قبضه، فيدل منه على تعين الاحتمال الثالث، وإلَّا فالاحتمال الثاني قائم.
وأما القول الثالث: وهو التسليم إلى العدل، فهو يحتمل أمرين وهما الاحتمال الثاني والثالث اللذان ذكر ناهما في التسليم إلى الحاكم، والأقرب في الحاكم الاحتمال الثالث، وأن العقد لا يستقر بقبضه بل يده طريق في الدفع، والأقرب في العدل الاحتمال الثاني، وأنه منصوب نائبًا عنهما في القبض، وبذلك يحصل الاختلاف بين القولين، والله أعلم بالمراد، فإن الأمرين محتملان.
والأقرب أن القولين في المعنى يعودان إلى قول واحد، كما قال أبو إسحاق، والشيخ أبو حامد، وأن المقصود بذلك أن يحصل العوضان في مكان يؤمن عليهما ويكون كل منهما إذا سلم لا يخشى على مقابله، وهذه الطريق تحصل بِأَن يَصِلا إلى يد الحاكم أو عدل، فكل من القائلين ذكر طريقًا، وعلى كِلَا الطريقين لا يحصل القبض واستقرار العقد، إلا بوصول كل منهما إلى حقه، والتلف في يد الحاكم أو العدل كالتلف قبل القبض، ولعل الشافعي إنما سكت في العدل عن كونه لا يبالي بأيهما بدأ؛ لذكره ذلك في الحاكم، فاستغنى عن إعادته، وإنما قال بذلك ولم يوجب التسليم إليهما معًا؛ لأنه قد أمن الفوات فليس في التقديم ضرر.
_________________
(١) الحاوي (٥/ ٣٠٨).
[ ١ / ٢٧٧ ]
وهذا الزمن اللطيف لا يحصل به تأخير الحق عن مستحقه، وهو لا يشاحح الحاكم والعدل في ذلك، وإنما يشاحح خصمه.
وقد عرف لما ذكرناه أن محل التخيير إذا قلنا به بعد قبض الحاكم أو العدل، وليس للحاكم أن يتخير في إجبار أحدهما على التسليم إلى الآخر إذا حضر العوضين إلى مجلسه ولم يقبضهما؛ لأن الذي يبدأ به إذا قبض ماله ومقابله في يده، فقد تبادر في تلك اللحظة فيتلفهما جميعًا، فيفوت غرض الآخر بخلاف الحاكم والعدل، فإن ذلك مأمون فيهما.
وممن صرح بأنه إذا تلف في يد العدل يكون كالتلف في يد الدافع؛ الجرجاني في كتاب التفليس.
الرابع: أن بما تقدم يُعلم أن في المسألة خمسة أقوال: عدم الإجبار، إجبار البائع، إجبارهما على التسليم إلى الحاكم ثم يتخير، وهذه الثلاثة منصوصة إجبارهما على أن يُسلم كل منهما إلى صاحبه دفعة واحدة، ولا يدل النص عليه إجبار المشتري وهو مخرج، وأما إجبارهما على التسليم إلى عدل، فقد اخترنا موافقة الشيخ أبي حامد على أنه ليس معتبرًا للحاكم إلَّا في الصورة، فلا فائدة في عده.
الخامس: أن قول المصنف: "ثم يسلم إلى كل واحد منهما ماله دفعة واحدة إن كان مراده الحاكم، وأنه بعد إحضارهما يسلم ذلك دفعة واحدة"، فهذا مخالف مخالفة ظاهرة لما قاله الشافعي، وإن كان المراد أن كلًّا منهما يسلم لصاحبه دفعة واحدة، فهو غير ما قاله الشافعي، وإن كان المراد أن العدل يسلم ذلك دفعة واحدة.
فليس في الكلام ما يدل عليه، وأن في كلام الشافعي وأيضًا يكون مخالفًا لمن يرى التسوية بين العدل والحاكم، لكن هذا القول، وإن لم يكن في كلام الشافعي ولا أكثر الأصحاب، فإنه متجه لاستواء الجانبين في
[ ١ / ٢٧٨ ]
الاستحقاق؛ ولئلَّا يترتب على سبق أحدهما ولو بلحظة فساد يتصرف قبل أن يحجر عليه أو غير ذلك.
وقياس المصنف على ما لو كان لأحدهما دراهم وللآخر دنانير يقتضي أن هذا الحكم مستقر في المسألة المذكورة.
والظاهر أن هذا الخلاف لا يجري فيه؛ لأن الجانبين مستويان من كل الوجوه، ولا كذلك هنا؛ لما سبق، وقد فرق بأن الملك هناك تام، وأما هنا فلا يتم إلَّا بالقبض، وأصل ثبوته بالاختيار، فقد يقال: إن تمامه يتوقف على الاختيار، هكذا ذكر بعضهم هذا الفرق، وفيه نظر، فإنه يقتضي أن المشتري إذا سلم الثمن يجوز للبائع تأخير المبيع، ولا قائل به.
السادس: أن الشافعي ردد القول بين عدم الاختيار وبين إجبار البائع، ثم اختار إجبار البائع، ولم يلو على إجبارهما أصلًا، ومقتضى ذلك أن قول عدم الإجبار عنده أرجح من القول بإجبارهما، وأنت إذا وقفت على ما تقدم ونظرت فيما ذكره المصنف من التعليل وجدت أرجح الأقول إجبار البائع، ثم إجبارهما.
وأما القول بعد الإجبار فمنحط عنهما، وقياسه على النكول غير ظاهر؛ لأن المدعي إذا نكل لم يترتب على نكوله أكثر من وقوف الحق الذي يدعيه، وهو متمكن من الوصول إليه بيمينه ولا يثبت إلَّا بها، وها هنا حق كل منهما ثابت وليس موقوفًا على تسليم الآخر، لكنه قد يكون عند الشافعي شيء لم يظهر لنا.
السابع: في شرط جريان هذا الخلاف، وله شروط:
أحدها: [أن يكون] (^١) الثمن في الذمة.
_________________
(١) في المخطوطة: "يكن"، والصواب ما أثبتناه.
[ ١ / ٢٧٩ ]
وقد صدر الشيخ به كلامه، فلو كان معينًا، فقد ذكره في آخر الفصل.
الثاني: أن يكون حالًا، فلو كان مؤجلًا، لم يجر الخلاف بلا خلاف، بل يجبر البائع على التسليم ولا يملك مطالبة المشتري، وإن كان غريبًا يرهن ولا كفيل؛ لأنه المفرط، فلو حل الأجل قبل التنازع؛ ففي "التهذيب" (^١) أن الخلاف لا يجري نظرًا إلى حالة العقد، وفي نظيره من الصداق وجهان، والقياس جريانهما هنا.
وقد حكاهما الروياني (^٢)، وقال: إن الظاهر المذهب أن البائع ليس له حق الحبس في هذه الحالة.
الثالث: أن يقع التنازع بعد لزوم العقد؛ لأن الدعوى في زمن الخيار غير ملزمة، هكذا قاله ابن الرفعة.
الرابع: أن يكون كلٌّ منهما عاقدًا لنفسه، ولم يتعلق بالمبيع حق الغير كالمرتهن وغرماء المفلس، فإن الأصحاب قالوا في الحاكم إذا باع مال المفلس: ثلاث طرق، قال ابن العطار: يبدأ بالمشتري قطعا. وقيل: يجيء مع ذلك أنهما يجبران.
وحكى الماوردي (^٣)؛ أنه يجيء أيضًا إجبار البائع، واتفقوا على إسقاط القول بأنهما لا يجبران؛ لأن الحال لا يحتمل التأخير فلو وجدت النيابة من غير تعلق، فقد قال ابن الرفعة: إنه إن كان نائبًا عن البائع لم يأت إلَّا قول إجبارهما، وقول إجبار المشتري.
وإن كان نائبًا عن المشتري، لم يأت إلَّا قول إجبارهما، وقول إجبار البائع وإن كانا نائبين تعين القول بإجبارهما.
_________________
(١) التهذيب (٥/ ٥٢٠).
(٢) بحر المذهب (٥/ ١٩).
(٣) الحاوي (٥/ ٣٠٨).
[ ١ / ٢٨٠ ]
كما حكاه الإمام في كتاب التفليس، وقال: "إن مقتضى ما حكاه الماوردي من إجبار البائع في الفلس أن يأتي فيما إذا كان البائع نائبًا عن الغير، وأن يأتي قول إجبار المشتري فيما إذا [كان] (^١) نائبًا في الشراء، وإن [كان] (^٢) نائبًا جميعًا فيما إذا كانا نائبين ولا يعدم إلَّا عدم الإجبار" (^٣).
الرابع: أن يكون المبيع عند العقد في يد المشتري، والثمن المعين في يد البائع، فلو كان كذلك فالمشهور أنه لا حق للآخر في التعلق به، ووجهه المتولي بأنه لما باع منه مع كون المال في يده، فقد رضي بدوام يده، هذا إذا كان في يده بحكم الأمانة، فلو كان بحكم الغصب ونحوه فعلته أن البيع جهة ضمان، والمال في يده مضمون فسقط ضمان القيمة ويقدر ضمان الثمن.
وفي "الحاوي" وجه أنه لا بد من النقل والتحويل وإذن البائع إذ كان له حق الحبس، قال ابن الرفعة فعلى هذا لو وقع التنازع جرت الأقوال.
الخامس: ذكر الرافعي أمرًا مهمًّا، "وهو أن طائفة توهمت أن الخلاف في البدأة خلاف في أن للبائع حق الحبس.
فإن قلنا: البدأة بالبائع، فليس له حبس المبيع إلى استيفاء الثمن وإلَّا فله، ونازع الأكثرون فيه، وقالوا: هذا الخلاف مفروض فيما إذا تنازعا في مجرد البدأة، وكان كل واحد منهما يبذل ما عليه ولا يخاف فوت ما عند صاحبه، أما إذا لم يبذل البائع المبيع وأراد حبسه؛ خوفًا من تعذر تحصيل الثمن فله ذلك بلا خلاف، وكذلك المشتري له حق حبس الثمن؛ خوفًا من تعذر تحصيل المبيع. نص عليه الشيخ أبو حامد والماوردي" (^٤).
_________________
(١) ، (^٢) زيادة يقتضيها السياق.
(٢) نهاية المطلب (٦/ ٣٩٣). بمعناه.
(٣) فتح العزيز (٨/ ٤٧٩ - ٤٨٣).
[ ١ / ٢٨١ ]
قلت: وهذا حسن حين قال الماوردي: "أنه لو تأخر تسليم المبيع لعذر أو غير عذر لم يلزم المشتري تعجيل الثمن، ولو أعطى المشتري البائع بالثمن رهنًا أو ضمينًا، لم يلزمه تسليم المبيع؛ بخلاف ما إذا احتال به أو اعتاض عنه أو أبرأ منه (^١) " (^٢).
وللإمام وطائفة يرون أن الخلاف في البدأة خلاف في حق الحبس.
ويلائمه ذكر الشافعي والأصحاب أحوال الثمن في الغيبة والإعسار؛ تفريعًا على الإجبار، إلا أن يقال: بأن المراد إذا طرأت هذه الأحوال بعد الإجبار، ومقتضى كلام القاضي حسين، أن البائع يجبر على تسليم المبيع إذا كان الثمن حاضرًا في البلد، وإن كان غائبا عن المجلس، ولا يجبر عليه إذا كان الثمن غائبًا عن البلد لو كان المشتري مفلسًا، فأما ما ذكره (^٣) في حالة الغيبة والإفلاس، فموافق لما قاله الرافعي (^٤): عن الأكثرين وهو الحق، فإن إجبار البائع على التسليم ثم تمكينه من الفسخ بالغيبة أو الإعسار لا معني له، فلا شك في إثبات حق الحبس للبائع ها هنا، وإن خالف الإمام (^٥) أو غيره في ذلك، فمخالفتهم بعيدة.
وأما ما اقتضاه كلامه من الإجبار على تسليم المبيع في حالة حضور الثمن في البلد وغيبته عن المجلس، فهو مخالف لما اقتضاه كلام الماوردي والرافعي (^٦)، وفي الترجيح بينهما نظر، والقلب إلى ما قاله الماوردي والرافعي أميل وفي معنى ذلك ما إذا كان المال الحاضر معه في المجلس
_________________
(١) كرر هنا في المخطوطة قوله: "أو أبرأ منه" وهي زيادة بدون فائدة.
(٢) الحاوي (٥/ ٣٠٧). بتصرف يسير.
(٣) كرر هنا في المخطوطة قوله: "ذكره" وهي زيادة بدون فائدة.
(٤) فتح العزيز (٨/ ٤٨٣).
(٥) نهاية المطلب (٥/ ٣٧١).
(٦) انظر مصادرهم السابقة.
[ ١ / ٢٨٢ ]
ليس من جنس الثمن؛ حتى يحتاج إلى تأخر بسبب بيع أو اعتياض، وإنما يظهر إجبار البائع إذا كان الثمن بيوعه ووصفه حاضرًا في المجلس، وما في معناه بحيث لا يتوقع تأخره، وهل يستكسب المبيع في يد البائع بحق المشتري؛ كما يستكسب المرهون في يد المرتهن بحق الراهن، فيه وجهان في "النهاية" (^١).
ولو باع ثوبًا بدينار في الذمة وقبض دينارًا عنه وسلم الثوب، ثم خرج الدينار زيوفًا رده، وهل يعود حق الجنس، فيه وجهان يثبتان على جواز الاستبدال في مسألة الصرف (^٢).
فروع:
لو تبرع البائع بالتسليم، لم يكن له رده إلى جنسه؛ قاله الرافعي، [قال] (^٣) الرافعي: "وكذا لو أعاره من المشتري في أصح الوجهين، ولو أودعه إياه فله ذلك" (^٤).
وفي "النهاية" في باب الرهن: "والحميل (^٥) في بطلان حق الحبس وجهان […] (^٦) على العارية، ثم […] (^٧) من يجعل الإعارة أولى بالبطلان؛ لأنه يبعد أن يحفظ المالك ملكه لغيره.
وقيل: الإيداع أولى بألَّا يبطل؛ لأنه ليس فيه تسليط (^٨).
_________________
(١) نهاية المطلب (٦/ ٢٤٥).
(٢) كفاية النبيه (٩/ ٣١٩).
(٣) في المخطوطة: "قاله".
(٤) فتح العزيز (٨/ ٤٨٥ - ٤٨٦).
(٥) بدت لنا هكذا قراءتها من المخطوطة. ومكان هذه الكلمة في النهاية: ولو أودع البائع المبيع عند المشتري.
(٦) هنا في المخطوطة بياض قدر كلمة.
(٧) هنا في المخطوطة بياض قدر كلمة.
(٨) نهاية المطلب (٦/ ٢٣٩ - ٢٤٠).
[ ١ / ٢٨٣ ]
وإذا قلنا: إن حق الحبس لا يبطل فتلفه في يد المشتري، كتلفه في يد البائع قاله القاضي أبو الطيب في أواخر كتاب الشفعة (^١).
ولو صالح من الثمن على مال لم يسقط حق الجنس بذلك، وقال المشتري: بل سلمته إليَّ، فمن المصدق منهما؟ فيه وجهان في "النهاية" في كتاب الرهن (^٢).
فرع
حكم الاختلاف الجاري بين المكري والمكتري في البدأة بالتسليم، حكم البائع والمشتري هكذا أطلقوه هنا، وهو في إجارة العين ظاهر، وأما الإجارة على الذمة فكلامهم في المسابقة، وأنه لا يجب تسليم العوض فيها بمجرد العقد، بخلاف الإجارة يشعر بالبدأة بتسليم الأجرة قبل العمل، وفي ذلك مخالفة لإطلاقهم هنا؛ لأن الأجرة بمنزلة الثمن، فيأتي فيها الخلاف، بل قد يقال: إن محل الخلاف إنما هو فيما إذا لم يخش الفوت.
وإذا كانت الإجارة على عمل، فكل منهما إذا سلم قد يخشى الفوت.
وجواب هذا: أن المعتبر في التسليم في الإجارة على الذمة تسليم العين التي يستوفى منها، هكذا يقتضيه كلام الروياني في باب السلم (^٣) فيما إذا جعل رأس المال منفعة، وحينئذٍ فالعين المستوفى منها بمنزلة المبيع والأجرة بمنزلة الثمن، فتجري فيه الأقوال.
أما مال المسابقة، فقيل: كالأجرة. وقيل: لا يجب إلا بتمام العمل،
_________________
(١) نقله عنه -أيضًا- شيخ الإسلام زكريا في أسنى المطالب (٩٢٦) (٢/ ٩٠)، وشهاب الدين الرملي في حاشيته على أسنى المطالب (٢/ ٩٠)، والخطيب الشربيني في مغني المحتاج (٢/ ٧٦)، وابن حجر الهيتمي في نهاية المحتاج (٤/ ١٠٦).
(٢) نهاية المطلب (٦/ ٢٣٩).
(٣) بحر المذهب (٥/ ١٧١).
[ ١ / ٢٨٤ ]
وكلام الرافعي يقتضي ترجيحه (^١)، وعلى هذا يفرق بينه وبين الأجرة، وكذا الاختلاف بين المسلم والمسلم إليه، فلو اختلفا في الأجل أو قدره تحالفا، ولو اختلفا في انقضائه أو ابتدائه، فالقول قول مَنْ عليه الحق قاله الروياني (^٢)، وقد تقدم ذلك.
* * *
_________________
(١) فتح العزيز (١٠/ ٣٦٩).
(٢) بحر المذهب (٥/ ١٧٢).
[ ١ / ٢٨٥ ]
قال المصنف ﵀:
فعلى هذا ينظر فيه، فإن كان المشتري موسرًا، نظرتَ: فإن كان ماله حاضرًا أجبر على تسليمه في الحال.
إجباره على التسليم؛ لأنه قد يسلم المبيع، وتسليم الثمن واجب عليه، ولم يبق له مانع، فيجبر على تسليمه؛ لتندفع الخصومة.
قال الماوردي: "وفي هذه الحالة يكون المشتري ممنوعًا من التصرف في المبيع وسائر أمواله؛ حتى يدفع الثمن إلى البائع، ثم يطلق تصرفه فيه" (^٢)، وهذا الذي قاله الماوردي: من ثبوت الحجر في هذه الحالة، سكت الرافعي والأكثرون عنه فلم يذكروه، والمراد بكونه ممنوعًا: أن الحاكم ينشئ الحجر عليه.
وقال ابن الرفعة: "فلو أصر على الامتناع، فهل يثبت للبائع فسخ البيع؟! فيه وجهان؛ أصحهما في "الإشراف": أنه لا يثبت، وجعله الإمام في الفلس ظاهر المذهب" (^٣).
قلت: والإمام والهروي في "الإشراف" حكياه كما قال، لكن لم يصرحا بما إذا كان ماله حاضرًا في المجلس، كما هو فرض مسألتنا، بل أطلقا ذلك فيما إذا كان موسرًا متغيبًا، وبيَّن الإمام أن ذلك فيما عسر تخطيطه منه، وإذا كان كذلك كان لجريان الخلاف في الفسخ وجه، أما فيما هو حاضر
_________________
(١) لفظ الجلالة (الله) ساقطٌ من المخطوطة.
(٢) الحاوي (٥/ ٣٠٨). بتصريف يسير.
(٣) كفاية النبيه (٩/ ٣١٤).
[ ١ / ٢٨٦ ]
وتخليصه منه بالقهر ممكن، فلا وجه له، فإن فرض عسر التخليص مع الحضور، كما إذا كان للمشتري قوة لا يقدر الحاكم بأعوانه على انتزاعه من يده جرى الخلاف، فليحمل كلام ابن الرفعة على ذلك.
وقول المصنف: "ماله"؛ أي حبس الثمن، وهو أحسن من قوله في "التنبيه": "فإن كان الثمن حاضرًا" (^١)؛ لأن فرض المسألة أن الثمن في الذمة، فتناول بجنس الثمن، وكلامه هنا لا يحتاج إلى ذلك، لكن إذا كان ماله الحاضر من غير جنس الثمن، فهو يقول كما لو كان من جنس الثمن، فيستوفى منه بطريقة؛ إما بأن يباع ويستوفى منه ثمنه، أو باعتياض، أو يجعله كما لو كان الثمن في داره؛ حتى يحجر عليه، للاحتياج إلى مضي زمان في ذلك، كالمضي إلى الدار والدكان لم أر فيه نقلًا، لكن كلام المصنف يدل على الأول، وكذلك ما تقدم من كلام الشافعي أنه إن كان له مال أجبر على دفعه من ساعته.
واعلم أن كلام المصنف وكذلك غيره من العراقيين وصاحب "التهذيب" يقتضي أن هذه الأحكام المذكورة في الإجبار والحجر والفسخ وجميع ما سيأتي، إذا سلم البائع بإجبار الحاكم؛ تفريعًا على المذهب في القول بالإجبار.
أما لو تبرع البائع به وقلنا: إنه لا يجبر، فكلام الإمام والرافعي يقتضي أن الحكم كذلك، وفيه نظر؛ لأنه إذا سلم باختياره كيف يتمكن من الفسخ بعد ذلك، وكيف يحجر الحاكم لأجله؟! وهو لا يفعل ذلك في غيره من الديون، وسيأتي فيما إذا كان معسرًا ما يؤيد هذا المعنى.
وحيث قلنا: يجب على البائع البدأة، أو قلنا: لا يجب، ولكن تبرع به فيجبر المشتري على القبول ليخلص من ضمانه، ولا يمهل حتى يتمكن من
_________________
(١) التنبية (ص: ٩٧).
[ ١ / ٢٨٧ ]
تسليم الثمن، فإن لم يقبضه قبضه القاضي عنه.
وقيل: يبرئ القاضي البائع عن ضمانه، فتصير يده يد أمانة، حتى لو تلف في يده لم ينفسخ البيع، وعبر الغزالي عن هذا بأنه: "يرفع الأمر إلى القاضي حتى يودعه عنده" (^١)؛ أي: يبرئه، فيصير وديعة عنده بأمر الحاكم هكذا أوَّله ابن أبي الدم.
وفي "البسيط": أن القاضي يقبضه ثم يودعه عنده، فإنه أولى الناس به، وعلى هذا يكون وجهًا آخر، وكأنه نزّل القول بالإبراء على هذا المعنى، وإن لم يجد قاضيًا، وامتنع المشتري من قبضه أثم، وبقي (^٢) في ضمان البائع. وقيل: يقبضه البائع بنفسه عن نفسه للضرورة، كما في الظفر، ولم يطرد هذا الوجه في الدَّيْن ولا الوجه القائل بإبراء القاضي، ومع ذلك رد هذا الوجه بأن فيه قبضًا لغيره مما تجب يده.
وفي مثل هذا لا يجوز اتحاد القابض والمقبض بخلاف مسألة الظفر، فإنه قابض لنفسه من مال غيره الذي ليس تحت يده، وإن لزم منه اتحاد القابض والمقبض، لكنه في هذا النوع غير ممتنع بخلاف الأول، وفيما ذكروه هنا دليل على عرض المبيع على المشترى، والامتناع من قبضه لا يصيرُه أمانة.
وظاهر ذلك مخالف لما صححه الرافعي (^٣) وغيره، أن وضعه بين يدي المشتري كاف؛ إذ لو كان ذلك كافيًا لكان طريقًا للخلاص، وسيأتي بعد كراسة كلام في ذلك، ولم يحصل به بيان الضرورة التي ذكروها هنا إذا اكتفينا بذلك في القبض، ولا كان لإجبار القاضي معنًى إذا حصل القبض بالوضع، وصورة المسألة التي صحح الرافعي حصول القبض فيها "أن يأتي
_________________
(١) الوسيط في المذهب (٣/ ١٥٧).
(٢) في المخطوطة زيادة: "من".
(٣) فتح العزيز (٨/ ٤٤٦).
[ ١ / ٢٨٨ ]
البائع بالمبيع ويضعه بين يديه، فيقول المشتري: لا أريده" (^١)، وهذا امتناع كما فرضوه هنا.
أما إذا قال المشتري: ضعه فوضعه، فقد جزم بحصول القبض، ويحتمل: أن يوفق بين الكلامين بأن يكون الامتناع ها هنا مع عدم الإتيان بالمبيع، بل طالبه البائع بقبضه، فامتنع، وقد لا يتأتى له وضعه بين يديه، وحينئذٍ لا يحصل القبض، ويحتاج إلى الحاكم، ومن المعلوم أن إجبار المشتري على تسليم الثمن إنما يكون بعد لزوم العقد.
_________________
(١) فتح العزيز (٨/ ٤٤٦). بمعناه.
[ ١ / ٢٨٩ ]
قال:
وإن كان في داره أو دكانه، حجر عليه في المبيع، وفي سائر [ماله] (^١) إلى أن يدفع الثمن؛ لأنه إذا لم يحجر عليه لم نأمن أن يتصرف فيه فيضر [بالبائع] (^٢).
هذا الحجر قد تقدم من كلام الشافعي عن "الأم" و"المختصر"، واختلف الأصحاب في حقيقة هذا الحجر على وجهين؛ أصحهما وبه قطع الجمهور وهو الأوفق لكلام الشافعي: أنه نوع آخر مخالف لحجر الفلس لا يشترط فيه ضيق المال عن الوفاء، ولا يتسلط بسببه البائع على الرجوع في عين ماله، ولذلك يسمى الحجر الغريب.
وسبب إثباته: صيانة حق البائع؛ لئلا يتصرف المشتري في المبيع ويتلف سائر أمواله، فلا يجد ما يوفي منه الثمن، فحجر عليه في المبيع، كما اقتضاه نصه في "الأم" (^٣)، وفي سائر ماله كما اقتضاه نصه في "المختصر" (^٤)، وعلى هذا فالأكثرون على إثباته في حال وجود المال في البلد، وحملوا قول الشافعي: غاب ماله على الغيبة في المجلس.
ونقل الغزالي عن ابن سريج أنه إنما يحجر في حال الغيبة عن البلد، أما في البلد فلا حجر، وادعى الغزالي أن هذا هو الصحيح (^٥)، وليس كما قال، بل هذا النقل لا يكاد يعرف والمنقول عن ابن سريج في "النهاية" (^٦) إذا
_________________
(١) في المطبوع من المهذب: "أمواله".
(٢) من المطبوع من المهذب.
(٣) الأم للشافعي (٣/ ٢٢٣).
(٤) مختصر المزني (٨/ ٢٠٣).
(٥) الوسيط في المذهب (٣/ ١٥٨).
(٦) نهاية المطلب (٥/ ٣٧١).
[ ١ / ٢٩٠ ]
كان المال في البلد إنه يحجر، ويستمر في يد المشتري إلى أن يأتي بالثمن، فلا خلاف بينه وبين الأصحاب في هذه الحالة على ما حكاه الإمام.
والوجه الثاني: وهو محكي في طريقة الخراسانيين أن هذا الحجر ملحق بحجر الفلس، ونزل بهذا القائل نص الشافعي على الحجر بالفلس، وأبطل الناقلون لهذا الوجه هذا التأويل، ورتبوه لمخالفته كلام الشافعي، وما هو المقصود من هذا الحجر، فعلى هذا الوجه يشترط أن يضيق المال عن الوفاء، وهل يدخل المبيع مع سائر الأموال في الاحتساب؟! فيه وجهان كما هما مذكوران في باب التفليس، أصحهما الدخول. وبه قال البغوي (^١)، وسيأتي فيما إذا كان معسرًا زيادة في هذا المعنى وجبت، وإن شرط الحجر على هذا الوجه، فمقتضى نقل الإمام والغزالي: أنه لا يحجر عليه في المبيع ولا في غيره.
وقال البغوي: "يحجر عليه في المبيع ولا يحجر في سائر ماله، وحيث حجر عليه في جميع ماله على هذا الوجه، فهو حجر فلس، مقتضاه أن للبائع أن يفسخ البيع ويرجع في عين ماله" (^٢)، وإن لم يصرحوا به في التفريع؛؛ لضعف هذا الوجه.
فروع:
هل يحتاج الحاكم في ضرب هذا الحجر إلى سؤال البائع، إن قلنا: بأنه حجر فلس؛ احتاج إليه قاله الإمام (^٣)، وإن قلنا بالمذهب فلا، كما هو المفهوم من فحوى كلام الشافعي والأصحاب.
قال: الروياني: "فيحتمل: أن يكون المراد إذا طلب.
_________________
(١) التهذيب (١/ ٢٧). بمعناه.
(٢) التهذيب (١/ ٢٧) بمعناه.
(٣) نهاية المطلب (٦/ ٣٩٩).
[ ١ / ٢٩١ ]
ويحتمل: أن يحجر هنا من غير طلب لمعنيين؛ أحدهما: أن الخصومة وقعت عند الحاكم واطلع عليها، فله أن [يسد] (^١) على الخصمين طريق المخاصمة في المستقبل.
والثاني: أنه لما أجبر البائع على التسليم نظر (^٢) إلى المشتري، يجب أن ينظر إلى البائع ما أمكنه، وإن لم يسأله، ولا إشكال أنه لا يثبت إلا بإنشاء الحاكم" (^٣).
وهل يحتاج في رفعه إلى فك الحاكم، أو بتسليم الثمن ينفك، ظاهر كلام الشافعي والشيخ أبي حامد والماوردي (^٤) الأول.
فرع
قال الغزالي: "اتفقوا على أنه لا حجر عند إمكان الفسخ بالفلس، فإنه لا حاجة إلى الحجر" (^٥)، واعترضه الرافعي (^٦) بأنا إذا مكنا البائع من الفسخ بسبب الغيبة، فاختار الصبر إلى الإحضار حجر عليه، ولك أن تقول سيأتي نزاع في ذلك.
ولو سلمناه ففي الحجر -حينئذ- فائدة، وهي منعه من التصرف ولم يكن ممنوعًا قبل ذلك، أما المفلس المحجور عليه بالفلس، فلا فائدة في إنشاء حجر آخر عليه، وهذا الذي يظهر إنه مراد الغزالي، وإن كان مفلسًا غير محجور عليه، وأمكن البائع أن يطلب من الحاكم الحجر عليه بالفلس ليرجع في عين ماله، فهل يمتنع بسبب ذلك إنشاء الحجر الغريب عليه؟ الظاهر أنه لا يمتنع ويصبر كما ذكره الرافعي في حالة الغيبة بل أولى، والله أعلم.
_________________
(١) غير واضحة في المخطوطة، والمثبت من بحر المذهب (٥/ ٢١).
(٢) وردت في المخطوطة: "نظرا"، ولعل الصواب ما أثبتناه.
(٣) بحر المذهب (٥/ ٢١). بتصريف.
(٤) الحاوي الكبير (٦/ ٣٦٣).
(٥) الوسيط في المذهب (٣/ ١٥٧).
(٦) فتح العزيز (٨/ ٤٧٨).
[ ١ / ٢٩٢ ]
تنبيه:
قول المصنف: "في داره أو دكانه". مثال لما إذا كان معه في البلد، كما قاله في "التنبيه" (^١)، وفي كلامه هنا زيادة تنبيه على تيسر حصوله له حتى لو كان في البلد، وهو عاجز عنه؛ كان حكمه حكم الغائب فيما نظنه.
قال: وإن كان غائبًا على مسافة تُقصر فيها الصلاة، فللبائع أن يفسخ البيع ويرجع إلى عين ماله؛ لأن عليه ضررًا في تأخير الثمن، فجاز له الرجوع إلى عين ماله، كما لو أفلس المشتري.
الحالة الثانية: أن يكون مال المشتري على مسافة بعيدة وهي مفسرة عند أكثر الأصحاب، كما فرضه المصنف، وعند الماوردي (^٢) بثلاثة أيام، وجعل فيما دونها وفوق يوم ووليلة وهي مسافة القصر وجهين:
أحدهما: أنها في حكم الحضر.
والثاني: في حكم الثلاثة الأيام.
ومجموع ما قاله الأصحاب في المسافة البعيدة ثلاثة أوجه:
أصحها عند الأكثرين: أن للبائع الفسخ، كما ذكره المصنف وبه جزم القاضي أبو الطيب والماوردي (^٣) والبندنيجي والقاضي حسين.
وعلى هذا قال الرافعي: "إن فسخ فذاك، وإن صبر إلى الإحضار فالحجر على ما سبق" (^٤) وتقدم التوفيق بينه وبين ما قاله الغزالي، لكن في "البسيط" عن العراقيين أنه إنما يحجر عليه عندهم حيث لا فسخ؛ إذ لا فائدة للحجر عند جواز الفسخ، وظاهر ذلك امتناع الحجر في هذه الصورة.
_________________
(١) التنبية (ص: ٩٧).
(٢) الحاوي الكبير (٥/ ٣٠٩).
(٣) الحاوي الكبير (٥/ ٣٠٨).
(٤) فتح العزيز (٨/ ٤٧٢).
[ ١ / ٢٩٣ ]
ويؤيده أن الماوردي قال في المسافة المتوسطة: "إذا ألحقناها بالبعيدة وجعلناه كالمفلس، يخير البائع بين الرجوع والصبر، فإن صبر أطلق تصرف المشتري في المبيع وغيره" (^١)، والمفهوم من فحوى كلام الأصحاب أن هذا الفسخ لا يحتاج إلى تسليط الحاكم عليه.
والثاني: وهو الأصح عند صاحب "التهذيب" (^٢)، ويشمله كلام المصنف في "التنبيه" (^٣) أنه لا فسخ، ولكن تباع السلعة ويوفى من ثمنها حق البائع، فإن فضل شيء فهو للمشتري، وشبهه صاحب "التهذيب" (^٤) بمن ظفر بغير جنس حقه، وهذان الوجهان مشهوران في طريقة العراقيين وغيرهم.
والثالث: حكاه الإمام عن ابن سريج في "الوسيط" (^٥) أنه الصحيح، أنه يرد المبيع إلى البائع، ويحجر على المشتري ويمهل إلى الإحضار، ولا يفسخ إلَّا إذا امتنع الوصول إلى الثمن بعينه شاسعة يعد مثلها امتناعًا. واحتج الرافعي (^٦) له بأن الشافعي لم يذكر في حالة الغيبة إلا الحجر، وخص الرجوع بحالة الإفلاس، لكن القاضي حسين حمل الغيبة في كلام الشافعي على الغيبة في البلد عن المجلس وهو بعيد؛ لمخالفته إطلاق الغيبة، ولئلا يكون الشافعي لم يستوعب الأقسام، إذا عرفت ذلك علمت أن الأوجه الثلاثة متفقة على أن للغيبة البعيدة أثرًا مخالفًا لحكم الحضر، فأثرها على الوجه الأول: الفسخ، وعلى الثاني: البيع، وعلى الثالث: الرد إلى يد البائع، فإن ابن سريج في الحضور، يقول: ببقاء السلعة في يد
_________________
(١) الحاوي الكبير (٥/ ٣٠٩).
(٢) التهذيب (٣/ ٥١٢).
(٣) التنبية (ص: ٩٧).
(٤) التهذيب (٣/ ٥١٢).
(٥) الوسيط في المذهب (٣/ ١٥٨).
(٦) فتح العزيز (٨/ ٤٧٧).
[ ١ / ٢٩٤ ]
المشتري مع الحجر كما تقدم، وهل نقول: مع الفسخ أو البيع بالحجر إلى أن يفسخ أو يباع؟ المفهوم من كلام كثير من الأصحاب كالمصنف وغيره (^١): المنع، ويؤيده ما تقدم عن "البسيط".
ومقتضى كلام الإمام أن الحجر في الأقسام كلها؛ ولذلك اعترض ابن الرفعة (^٢) على صاحب "التنبيه" (^٣) في قوله: وإن كان غائبًا بيعت السلعة في الثمن، فلم يذكر الحجر، والأقرب الأول، فإنه لا فائدة في ضرب الحجر مع القدرة على الفسخ أو البيع.
نعم؛ ما ذكره الرافعي قد يقرب القول به إذا بذل البائع حقه من الفسخ على أن يحجر عليه يمكن أن يجاب إليه، وبمثله يمكن أن يقال في البيع على الوجه الآخر.
وجريان هذه الأوجه الثلاثة على قولنا: بأن الحجر المذكور في هذا الباب غير حجر الفلس ظاهرًا، أما القائلون بأن ذلك هو حجر الفلس، قد يقال: إنه لا فرق عندهم بين حالتي الغيبة والحضور إن اجتمعت شروط حجر الفلس، حجر وإلَّا فلا، ويلزم من ذلك أن يخرج وجه رابع بالإمهال وعدم الحجر إذا كان ماله الغائب وافيًا كما في حالة الحضور، لكن في هذا يوقف؛ لأن القاضي الحسين من جملة القائلين: بإلحاق ذلك بحجر الفلس، ومع ذلك جزم هنا بالفسخ في حالة الغيبة؛ لحمله الغيبة في كلام الشافعي على الغيبة في البلد، فثبوت الفسخ بالإعسار عنده عام، وهو الذي تعرض الشافعي له في الحضر على زعمه، وثبوت الفسخ في هذه الصورة؛ لإلحاقه بالفلس في التعذر.
_________________
(١) في المخطوطة: "غير"، ولعل الصواب ما أثبتناه.
(٢) التنبيه (ص: ٩٧).
(٣) كفاية النبيه (٩/ ٢٢٤).
[ ١ / ٢٩٥ ]
فشرط تخريج الوجه المذكور أن يعرفه لنا قائل: بأن هذا الحجر حجر فلس مطلقًا في الغيبة والحضور، كما يقتضيه كلام الغزالي، ويكون ذلك القائل يقول في حال الغيبة: بأنه لا فسخ ولا بيع وهذا لم يتحقق.
* * *
[ ١ / ٢٩٦ ]
قال:
وإن كان على مسافة لا تقصر فيها الصلاة، ففيه وجهان:
أحدهما: ليس له أن يختار عين ماله؛ لأنه في حكم الحاضر.
والثاني: له أن يختار عين [ماله] (^١)؛ لأنه يخاف عليه الهلاك فيما قرب، كما يخاف عليه بعد (^٢).
قطع الماوردي (^٣) بإلحاق هذه الغيبة بالحضر، وإنما تردد في الزائد عليها [إلا ثلاث] (^٤)، والأكثرون جعلوها محل التردد وحكوا فيها الوجهين، والأول هو الأصح عند النووي (^٥)، وجزم به الرافعي في "المحرر" (^٦)، ويقتضي إلحاقها بالحضر على الأصح أن يعود فيها جميع ما تقدم في تلك، فعلى الأصح: يحجر عليه إلى أن يحضر المال، ويدفع الثمن.
وقد صرحوا بذلك هنا - أيضًا - وعلى هذا قال البندنيجي: إن حضر قبل الثلاث فذاك، وإن تأخر أكثر من ثلاث كان البائع أحق بعين ماله، وهو غريب.
_________________
(١) سقطت من المخطوطة، وأثبتناها من المطبوع من المهذب.
(٢) في المطبوع من المهذب ورد هذا النص: "وإن كان غائبًا منه على مسافة يقصر فيها الصلاة، فللبائع أن يفسخ البيع، ويرجع إلى عين ماله؛ لأن عليه ضررًا في تأخير الثمن، فجاز له الرجوع إلى عين ماله، كما لو أفلس المشتري وإن كان على مسافة لا تقصر فيها الصلاة، ففيه وجهان، أحدهما: ليس له أن يختار عين ماله؛ لأنه في حكم الحاضر. والثاني: له أن يختار عين ماله؛ لأنه يخاف عليه الهلاك فيما قرب، كما يخاف عليه فيما بعد". (٣/ ١٥٦، ١٥٧).
(٣) الحاوي الكبير (٥/ ٣٠٩).
(٤) في المخطوطة: "إلى ثلاثا"، والمثبت هو الصواب.
(٥) روضة الطالبين (٣/ ٥٢٥).
(٦) المحرر (ص: ١٧١).
[ ١ / ٢٩٧ ]
والثاني: أصح عند ابن أبي عصرون، وأطلقوا الوجهين من غير تفصيل فيما دون مسافة القصر، وذلك يشمل مسافة العدوى ودونها.
وفي "شرح التنبيه" للشيخ تَاج الدِّينِ الفَزَارِيّ أن مسافة العدوى ودونها في حكم البلد، ولم أر ذلك لغيره، ولما كان المصنف فيما تقدم جازمًا بالفسخ في حالة الغيبة البعيدة، لا جرم لم يذكر هنا على الوجه الثاني غيره؛ إلحاقًا لذلك بالغيبة البعيدة، ويأتي فيه الوجه الآخر المذكور هناك الذي اقتصر عليه في "التنبيه"، وهو بيع السلعة وتوفية الثمن من ثمنها، وبه صرح الماوردي (^١) المسافة في المتوسطة عنده، وإن لم يذكره في الغيبة البعيدة عنده، فمجموع الأوجه التي تأتي هنا، ثلاثة كما هي في الغيبة البعيدة.
لكن الأصح هنا القول: بالحجر، كما يقوله ابن سريج، فهو والأصحاب هنا متفقون [على] (^٢) الصحيح في القول بالحجر، لكنه يقول برد العين إلى البائع، وهم لا يقولون به فيما يظهر من كلامهم، بل يبقى في يد المشتري، فإنه قد سقط حق الحبس بالتسليم، ويؤيد ما قاله ابن سريج (^٣): أن الزوج إذا سلم الصداق، فامتنعت من غير عذر وقلنا: يجبر الزوج فإن له الاسترداد، قال الإمام: "وحاصل كلام ابن سريج يؤول إلى أنَّا إذا عرفنا غيبة المال، لم نوجب على البائع البدأة بالتسليم؛ إذ لا فائدة في التسليم والاسترداد" (^٤).
قلت: وهذا من الإمام بناءً على اختياره في أن حق الحبس للبائع لا يثبت مع القول بإجباره، وقد تقدم عن الأكثرين خلافه، وأن البائع لا يجبر على
_________________
(١) الحاوي الكبير (٥/ ٣٠٩).
(٢) مكرر في المخطوطة.
(٣) نقله عنه الإمام الجويني نهاية المطلب (٥/ ٣٧١)، ونقل عن الجويني ابن الرفعة في كفاية النبيه (٩/ ٣١٦)، والاسنوي في الهداية إلى أوهام الكفاية (٢٠/ ٣٧٢).
(٤) نهاية المطلب (٥/ ٣٧١).
[ ١ / ٢٩٨ ]
التسليم عند غيبة المال، وإن لم يقولوا بما قاله ابن سريج هنا. والله أعلم.
نعم؛ قول ابن سريج يؤول مع ذلك إلى أن التسليم بالإجبار إذا تبيَّنا فوات شرطه لا يبطل به حق الحبس، ويؤيده ما ذكرناه في استرداد الصداق، ويحتاج الأصحاب إلى الفرق؛ ولعله لأنه لا طريق لنا هناك غير الاسترداد.
* * *
[ ١ / ٢٩٩ ]
قال:
وإن كان المشتري معسرًا ففيه وجهان:
أحدهما: تُباع السلعة، ويقضي دينه من ثمنها.
والمنصوص: أنه يرجع إلى عين ماله؛ لأنه تعذر الثمن بالإعسار، فثبت له الرجوع إلى عين ماله، كما لو أفلس بالثمن.
مراده بالنص قول الشافعي في "المختصر" (^١): فإن لم يكن له مال، فهذا مفلس، والبائع أحق بسلعته، وصاحب الوجه الأول يتأول ذلك على أن المراد أحق بسلعته، فلا يجبر على تسليمها إلى المشتري، وهو تأويل بعيد يرده قوله في "الأم": "فالسلعة عين مال البائع وجَدَه عند مُفْلِسٍ، فهو أحق به" (^٢)، فهذا اللفظ صريح في أن العين في يد المشتري، فلذلك أطبق الجمهور على أن الصحيح الرجوع، ومنهم البغوي (^٣) وكأنه جعل الإعسار عينًا بخلاف غيبة المال، حيث قال فيه بالبيع. وكذلك ابن سريج وافق على الفسخ ها هنا.
والمراد بالمعسر هنا: أن يكون له مال غير المبيع؛ لأن المفلس المحجور عليه لا يتردد معه في جواز الرجوع، وفي "التعليقة الكبرى" لأبي حامد، لما قسم المشتري إلى واجد، وغيره، قال: يريد بقولنا غير واجد: أنه محجور عليه بالفلس، وصاحب "البحر" (^٤) تبعه على ذلك، وحكى الخلاف في
_________________
(١) مختصر المزني (٨/ ٢٠٠).
(٢) الأم (٥/ ١٠٦).
(٣) التهذيب (٣/ ٥١٢).
(٤) بحر المذهب (٥/ ٢٠).
[ ١ / ٣٠٠ ]
المفلس المحجور عليه.
وكلام الشافعي والأصحاب يدل على أن المراد: من لا مال له غير المبيع ولا يشترط في هذا الفسخ [ذلك] (^١) حجر الحاكم، بل ينزل التعذر بالإعسار هنا منزلة التعذر بالحجر على المفلس، ثم وقد يطلب الفرق، ويقال: لم يوقف الفسخ هناك على الحجر، ولم يتوقف هنا؟ وجوابه ما يقدم من فرض المسألة فيما إذا سلم بإجبار الحاكم؛ وحينئذٍ يظهر الفرق، وإذا كنا نقول في حال غيبة المال بالفسخ، فلأن نقول به ها هنا أولى.
وذكر الأصحاب أنَّ من هنا تولد الخلاف في احتساب أعيان الأموال في المفلس.
وقيل: يتخرج على هذين الوجهين على الوجه الأول يحتسب، وعلى النص لا يحتسب.
وقيل: يحتسب قطعًا، والفرق أن المفلس مسلط على التصرف في المبيع؛ لأن البائع سلمه إليه باختياره ورضي بذمته، ولا كذلك هنا، فإنه غير متسلط على التصرف، وكذلك حجر عليه بعد القبض والتسليم، هكذا قاله القاضي أبو الطيب.
وفي كلام الشيخ أبي حامد (^٢) شيء منه، وهو يدل على أن فرض المسألة فيما إذا أجبره الحاكم على التسليم دون ما إذا تبرع به بخلاف ما اقتضاه كلام الإمام والرافعي فيما تقدم (^٣)، ويدل على أن المشتري غير متسلط على التصرف في المبيع قبل إنشاء الحاكم الحجر عليه؛ ليتحقق الفرق المذكور بينه وبين المفلس، وفيه كمال الاحتياط للبائع حتى لا يسبق المشتري بإعتاق
_________________
(١) هكذا في المخطوطة.
(٢) الوسيط في المذهب (٣/ ١٥٦).
(٣) انظر مراجعهم السابقة.
[ ١ / ٣٠١ ]
أو غيره من التصرفات قبل حجر القاضي إن وافق الأصحاب على ذلك.
فرع
عبارة القاضي [أبي] (^١) الطيب والرافعي (^٢) وغيرهما (^٣) على الوجه الأول أنه يقضي من ثمنه حق البائع، وعبارة المصنف: دينه، فيحتمل أن يريد دين المشتري؛ لأنه أقرب مذكور، فنشأ لنا ذلك مسألة وهي: ما إذا كان على المشتري دين آخر غير الثمن، هل يقدم البائع بحقه؛ لأن له تعلقًا بهذه العين في الجملة، أو يُخاصص كغيره من الديون، لم أر من صرح بذلك، وظاهر عبارة الرافعي وغيره يشهد للأول.
وظاهر عبارة المصنف يشهد للثاني، إلا أن يريد دينه المعهود وهو الثمن، وهذه المسألة فَرْعٌ، على وجهِ ضعيفٍ، فليس طلبه بالمهم.
فرع
إذا هرب المشتري قبل قبض المبيع، فإن كان محجورًا عليه، فالبائع أحق بعين ماله، وإلا فإن كان له مال، وفى الحاكم الثمن منه. وإن لم يكن له مال؛ قال الشيخ أبو حامد والروياني (^٤): باع الحاكم المبيع ووفى منه الثمن هكذا قال، وينبغي أن يكون هذا مفرعًا على الوجه الضعيف، وأنه على الأصح يرجع في عين ماله لما تقدم، وإن لم يكن محجورًا، ولا فرق بين أن تكون غيبته معروفة أو منقطعة.
ووافقنا أبو حنيفة في المنقطعة أنه يبيع عليه، وألزمه الشيخ أبو حامد بهذه المسألة في القضاء على الغائب.
_________________
(١) في المخطوطة: "أبو" وما أثبتناه، هو الصواب.
(٢) فتح العزيز (٨/ ٤٧٣ - ٤٧٤).
(٣) انظر: روضة الطالبين (٣/ ٥٢٥).
(٤) بحر المذهب (٥/ ٢١).
[ ١ / ٣٠٢ ]
قال:
"وإن كان الثمن معينًا، ففيه قولان: أحدهما: يجبران.
والثاني: لا يجبر واحد منهما، ويسقط القول الثالث أنه يجبر البائع؛ لأن الثمن المعين كالمبيع في تعلق الحق بالعين والمنع من التصرف قبل القبض.
أشار المصنف في هذا التعليل إلى أنه لا نظر إلى تسميته ثمنًا من جهة كونه نقدًا أو مصحوبًا بـ "الباء"؛ لأن أحكامه وأحكام المبيع فيما ذكر سواء، فلا يمكن ترجيح أخد العاقدين على الآخر؛ فلذلك سقط القول الثالث الذي هو الصحيح، وسقط - أيضًا - القول الرابع المخرج الذي لم يحكه المصنف، وهو إجبار المشتري، وكذلك قال أكثر الأصحاب ممن حكى الأقوال الثلاثة التي حكاها المصنف كالمحاملي وغيره.
وممن حكى الأقوال الأربعة كالقاضي حسين وغيره، وقال الرافعي: "أنه إذا كان الثمن معينًا يسقط القول الثالث، وهو في كلامه إجبار المشتري، وإن كان عرضًا؛ يعرض سقط الرابع - أيضًا - وهو إجبار البائع ويبقى قولان" (^١)، فمقتضى كلامه أنه إذا كان الثمن نقدًا معينًا يجري فيه إجبار البائع ولا وجه لذلك، فإن استند إلى تسميته ثمنًا، لزمه في العرض إذا اتصلت به "الباء" فإنه يسمى ثمنًا، والحق أن التسمية لا اعتبار بها لما أشار المصنف واعتبره من المعنى، وأنه لا يأتي إلَّا قولان.
نعم؛ حكى الماوردي (^٢) قولًا بـ "الباء" هو راجع إلى قول الإجبار على ما
_________________
(١) فتح العزيز (٨/ ٤٦٥).
(٢) فتح العزيز (٨/ ٤٦٥).
[ ١ / ٣٠٣ ]
تقدم في أول المسألة؛ وهي أن الحاكم يأمرهما بالتسليم إلى عدل؛ ليسلم إليهما، وهذا ليس مخالفًا لما تقدم، وليس في المسألة إلَّا قولان: أنهما يجبران أو لا يجبران.
قال (^١) الرافعي: "ويشبه أن يكون الأول أظهر معنى أنهما يجبران، وبه قال أحمد، وهو الذي أورده في "الشامل" (^٢)، واقتصر ابن أبي عصرون في "المرشد" على الثاني.
فرع
بادر المشتري وسلم الثمن أجبر البائع على تسليم المبيع، فلو كان عبدًا وأبق، وقلنا: لا يبطل البيع، وهو الأصح، فليس للمشتري استرداد الثمن، لكن له الخيار بالاباق، فإن فسخ استرد، وإن أجاز ثم أراد الفسخ فله ذلك.
وقيل: له الاسترداد من غير فسخ.
وقيل: إن أبق بعد التسليم، فليس له الاسترداد، وإن أبق قبله ولم يعلم استرد؛ لأنه تبين أن التسليم غير مستحق.
قال الغزالي: "ولو علم إباقه لم يلزمه التسليم قولًا واحدًا" (^٣)، ولو جحد البائع العين قبل القبض، فللمشتري الفسخ للتعذر.
* * *
_________________
(١) كرر هنا في المخطوط لفظة: "قال" وهي زيادة بدون فائدة.
(٢) فتح العزيز (٨/ ٤٦٦).
(٣) الوسيط في المذهب (٣/ ١٥٧).
[ ١ / ٣٠٤ ]
قال: