ولا يصح الرهن إلا من جائز التصرف في المال؛ لأنه عقد على المال، فلا (^١) يصح إلا من جائز التصرف في المال كالبيع.
خرج بذلك الصبي، والمجنون، والمحجور عليه، فلا يصح رهنهم، وبقي شرط آخر لم يذكره هنا، وهو أن يكون من أهل التبرع، أو يكون رهنه على سبيل المصلحة والاحتياط، فلا يرهن الولي مال المحجور عليه، ولا يرتهن له إلا لضرورة أو غبطة ظاهرة.
وقولنا: على سبيل المصلحة والاحتياط، هي شاملة للضرورة وللغبطة الظاهرة، فإن كلًّا من الضرورة والغبطة مصلحة.
قال الأصحاب: لو اشترى الولي للطفل ما يساوي مائتين بمائة نسيئة، ورهن به ما يساوي مائة من ماله، جاز؛ لأنه إن لم يعرض تلف ففيه غبطة ظاهرة، وإن تلف المرهون كان في الذي اشتراه ما يجبره، فلو لم يرض البائع إلا برهن يزيد على مائة، فلا يجوز (^٢)، وعن الشيخ أبي محمد في
_________________
(١) في المطبوع من المهذب: "فلم".
(٢) كفاية النبيه (١٠/ ٢٢)، ونهاية المطلب (٦/ ٨٤)، النجم الوهاج (٤/ ٢٩٦)، بنحوه.
[ ٢ / ١٤ ]
العقار خاصة، الميل إلى تجويزه لكونه لا يتلف (^١).
قال الإمام: "وهو منقاس، لكنه خلاف المذهب، وإذا جوزنا البيع بالنسبة" (^٢).
قال صاحب "الحاوي": "إنما يجوز إذا كان المشتري ثقة موسرًا، ويكون الأجل قصيرًا، واختلف أصحابنا في تحديد الأجل الذي لا يجوز له الزيادة عليه، فحده بعضهم بالسنة، وامتنع سائرهم من تحديده، واعتبروا فيه عرف الناس، ويشترط أن يكون الرهن يفي بالثمن أو أكثر، وأن يشهد على المشتري، فإن أخل بشيء مما تقدم سوى الإشهاد، بطل البيع والرهن، وإن ترك الإشهاد، ففي بطلان البيع والرهن وجهان" (^٣).
قال صاحب "المستظهري": المذهب أن الأجل لا يتقدر بالسنة، ويرجع فيه إلى العرف على حسب المال. انتهى.
وإذا كان الزمان زمان نهب أو حريق، وخاف الولي على مال الطفل والمحجور عليه، فله أن يشتري له عقارًا، ورهن بالثمن شيئًا من ماله إذا لم يتهيأ أداؤه في الحال، ولم يبع صاحب العقار عقاره إلا برهن؛ لأن الإيداع في مثل هذه الحالة جائز ممن لا يمتد النهب إلى يده فهذا أولى، ولو استقرض له شيئًا والحالة هذه ورهن به.
قال الصيدلاني: لم يجز؛ لأنه يخاف التلف على ما يستقرضه خوفه على ما يرهنه (^٤).
_________________
(١) روضة الطالبين (٤/ ٦٢).
(٢) انظر: كفاية النبيه (١٠/ ٢٢).
(٣) الحاوي الكبير (٦/ ٢٤).
(٤) انظر: كفاية النبيه (١٠/ ٢٢).
[ ٢ / ١٥ ]
قال الرافعي: "وأنت بسبيل من أن تقول: إذا لم تجد مَن يأخذه وديعة، ووجد مَن يأخذه رهنًا، وكان المرهون أكثر قيمة من القرض، وجب أن يجوز له الرهن" (^١) - أي: حفظًا لذلك القدر الزائد من قيمة المرهون.
فإن صورة المسألة: إذا كان يأمن على المرهون في يد المرتهن ولا يأمن على ما يستقرضه، والحاجة داعية إلى ذلك للامتناع من أخذه وديعة.
نعم، يحتمل أن يقال: إذا لم يكن على مَن يأخذه وديعة ضرر في قبوله، ينبغي أن يجب عليه صيانة لمال اليتيم، ويصير ذلك من فروض الكفايات، وحينئذٍ يتجه أن يقال: لا يصح الرهن، كما أطلقه الصيدلاني، فإن صح ما قاله الرافعي مطلقًا، فينتفي إذا كان على اليتيم دين، وحصل نهب يخاف معه على ماله، ولم يمكن إعطاؤه في الدين، وأمكن حفظه في يد صاحب الدين، ولم يَرْضَ بأخذه وديعة أن يجوز رهنه عنده رهن تبرع، أعني: غير مشروط في عقد، ولو كان ما يستقرضه لا يخشى على تلفه، وما يرهنه يخشى عليه لو لم يرهنه، فلا شك أن الرهن جائز.
وكلام الصيدلاني محمول على ما إذا كان الخوف عليهما، ولو استقرض الولي لحاجته إلى نفقة، أو كسوة، أو وفاء دين، أو إصلاح ضياعه ومرمتها ارتقابًا لارتفاع غلاته، أو لحلول ماله من الدين المؤجل، أو لنفاق متاعه الكاسد، ورهن على ذلك، جائز، فإن لم يرتقب شيئًا من ذلك، فبيع ما يقدر رهنه أولى من الاستقراض.
وحكى ابن كجٍّ: أنه لا يجوز رهن مال الطفل بحال من الأحوال (^٢)، وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الحجر بقية حكم ارتهان الولي، ولا فرق بين الطفل، والمجنون، والمحجور عليه بالسفه، ولا بين الأب، والجد،
_________________
(١) فتح العزيز (٤/ ٤٦٩).
(٢) انظر: فتح العزيز (٤/ ٤٧١).
[ ٢ / ١٦ ]
والوصي، والحاكم، وأمينه، كلهم في ذلك سواء، إلا أن غير الأب والجد لا يتولى الطرفين، وهما يتوليانه حيث يجوز لهما الرهن أو الارتهان.
وحكى الجوري: أن الجد لا يقوم مقام الأب في ذلك، واختاره، وإذا تولى الأب أو الجد الطرفين، فكيفية القبض كما في رهن الوديعة من المودع، وقصد الأب هنا نازل منزلة الإذن هناك، وحيث جاز للولي، فالشرط أن يرهن من أمين يجوز الإيداع منه.
ومن صور المصلحة في الارتهان: أن يتعذر استيفاء دين الصبي، فيرتهن الولي به إلى تيسره، أو يكون دينه مؤجلًا بأن ورثه لذلك، أو بأن باع ماله نسيئة بالغبطة ولا يلتغي بيسار المشتري، بل لابد من الارتهان بالثمن، وفي "النهاية" رمز إلى خلاف في ذلك أخذًا من جواز إبضاع ماله، وصرح الإمام في باب تجارة الوصي بمال اليتيم: "أن الأصح الصحة" (^١)، ولا تكاد تجد ذلك لغيره، وإذا ارتهن، جاز أن يرتهن بجميع الثمن.
وفيه وجه: أنه لا بد أن يستوفي ما يساوي المبيع نقدًا، وإنما يرتهن ويؤجل الزائد، وستأتي المسألة في الكتاب في باب الحجر.
ومنها: أن يقرض ماله أو يبيعه لضرورة نهب، ويرتهن به أو بالثمن.
قال الصيدلاني: والأولى ألا يرتهن إذا كان المرهون مما يخاف تلفه؛ لأنه قد يتلف، ورفع الأمر إلى حاكم يرى سقوط الدين بتلف المرهون (^٢)، هذا كلام جمهور الأصحاب، وهو يقتضي أن رهن الولي وارتهانه كلاهما جائزان بالمصلحة، ويوافقه ظاهر صدر كلام الشافعي في "مختصر المزني" (^٣)، فإنه قال في الرهن: يجوز ارتهان الحاكم وولي المحجور
_________________
(١) نهاية المطلب (٥/ ٤٦٠).
(٢) انظر: فتح العزيز (٤/ ٤٧٠).
(٣) مختصر المزني (٨/ ١٩٢).
[ ٢ / ١٧ ]
عليه ورهنهما عليه في النظر له، لكنه قال بعد ذلك: ومَن قلت: لا يجوز ارتهانه إلا فيما يفضل من ولي اليتيم، أو أب لابن طفل، أو مكاتب، أو عبد مأذون؛ لا يجوز أن يرهن شيئًا إلا حيث يجوز أن يودعوا من الضرورة (^١) وهكذا قال في "الأم" (^٢).
وقال في البويطي: "لا يجوز أن يرهن الوصي مال اليتيم، ولا الأب مال ابنه، وإن ارتهن لهما جاز إذا كان يطرأ فيما يبيع لهما ويرتهن". انتهى.
وهذه النصوص تدل على أنه يعتبر في الرهن الضرورة وفي الارتهان المصلحة، فأما أن يجمع بين كلام الشافعي والأصحاب، ويقال: إن المصلحة في الارتهان تظهر كثيرًا، وأما في الرهن، فقل أن يوجد في غير الضرورة؛ فلذلك جرت في كلام الشافعي، والصورة التي صدرنا بها الفصل وهي: إذا اشترى ما يساوي مائتين بمائة نسيئة، ورهن عليها ما يساوي مائة لا ضرورة فيها، والمصلحة فيها ظاهرة لا يظهر منعها، ولو سُئِل الشافعي عنها لما منعها فيما يظهر لنا وهي صورة نادرة، فلا يكون كلامه قاصدًا لمثلها، وإما أن يقدر خلاف.
وقد قال الجوري: "كان ابن خيران يجيز لولي اليتيم، ومَنْ سُمِّي معه: أن يرهن رهنًا إذا اشترى ما في شرائه النظر له، وإن لم يكن ضرورة، وهو الصحيح عندي". انتهى.
وهو يؤيد الاحتمال الثاني، وأن الخلاف ثابت، وأن الجوري فهم من إطلاق الشافعي المنع، ولا جَرَمَ نقل الجواز عن ابن خيران وصححه، ويكون هذا الذي قدمناه عن الجمهور وهو قول ابن خيران والدليل يعضده.
_________________
(١) انظر المصدر السابق بنحوه.
(٢) الأم (٣/ ١٥٣).
[ ٢ / ١٨ ]
أما الرهن للضرورة، فلا خلاف أعلمه في صحته، إلا أني رأيت في "الإشراف" لابن المنذر: "إذا استدان الوصي لليتيم في كسوته وطعامه، ورهن به رهنًا، فهو جائز في قول أصحاب الرأي، ولا يجوز في قول أبي ثور. وقال الشافعي مرة: يجوز، ومرة: لا يجوز" (^١). انتهى.
وهذا يقتضي أن للشافعي قولين في رهن الوصي مع الحاجة، وهو يؤيد الوجه الذي تقدم عن ابن كج، فليكن في رهن مال الطفل عند الضرورة قولان، وفي "تعليقة الشيخ أبي حامد" أن للأب والجد أن يبيعا من مال الطفل، وأن يبتاعا مالهما للطفل بنفسهما، وأن يبتاعا من ماله لنفسهما. ويرهنان من مالهما في حق الطفل، ويرتهنان من ماله في حقهما لفرط شفقتهما، فإن أرادا أن يرهنا ويرتهنا بتولي الطرفين حيث يجوز، فهو ما قدمناه، وإن أراد أنهما يرتهنان في دين لهما عليه فبعيد (^٢)، فيتعين حمله على الأول، وقد صرح في "التتمة": أنه لو كان له على ولده الصغير دين، لم يجز أن يرتهن به شيئًا؛ إذ لا مصلحة للطفل وهذا أقوى، بل يتعين، وكذا الماوردي قال: "لو حصل لابنه عليه دين بلا رهن، جاز أن يأخذ له من نفسه رهنًا، ولو حصل له على ابنه دين بلا رهن، لم يجز أن يأخذ من ماله
_________________
(١) الإشراف (٦/ ١٩٢).
(٢) جاء في الهامش الأيمن للمخطوطة ما نصه: "حاشية: لا بُعْدَ في ذلك، والظاهر أن صورة المسألة فيما إذا دعت الحاجة أو الضرورة إلى رهن مال المحجور عليه عند أجنبي على دين مبتكر، وإذا جاز رهنه عند أجنبي في هذه الحالة بعد الأب والجد أجوز ومن الغرر أبعد؛ إذ لا يلزم الأب أن يدين ماله أو يقرضه لولده من غير رهن كما لا يلزم الأجنبي ذلك. وأما مسألة المتولي والماوردي هي مصورة فيما إذا كان له على ولده دين بلا رهن، ثم أراد أن يرتهن من مال ولده عليه رهنًا، والمنع فيه ظاهر، وكلام الماوردي صريح في ذلك، وحينئذٍ فيما حصل التوارد على صورة واحدة والله أعلم. كتبه أحمد الأذرعي، ستر الله عيوبه".
[ ٢ / ١٩ ]
رهنًا، فيستوي تصرفه في مال ابنه مع نفسه كما يستوي مع الأجانب" (^١).
وفي "التهذيب": "أن له بيع مال ولده من نفسه نسيئة بغير رهن" (^٢)، وقاله الرافعي في باب الحجر (^٣) تبعًا لصاحب "التهذيب".
وقال ابن الرفعة: "إن صاحب التهذيب" أغرب فيه، وإنه حيث لا يجوز للولي ذلك مع الأجنبي لا يفعله الأب والجد في الولد وولد الولد".
فرع
أما المكاتب، فنصوص الشافعي التي رأيتها في "الأم" (^٤)، و"المختصر" (^٥)، والبويطي في باب الرهن وباب الكتابة، تدل على أنه كالولي حرفًا بحرف، يرتهن بالمصلحة ولا يرهن إلا لضرورة، وقال في الكتابة: "إن المكاتب لا يبيع بدين" (^٦)، فاختلف الأصحاب في أنه هل يبيع بنسيئة ويرتهن، على وجهين؛ أحدهما: نعم كالولي.
وقال الشيخ أبو حامد: إنه ظاهر كلام الشافعي.
والثاني: لا؛ لأن الولي أبسط يدًا من المكاتب؛ لأن مصلحة الطفل قد تقتضي ذلك، ومال العبد متعلق حق السيد، فلا يقتحم خطرًا، وهو الذي أورده صاحب الكتابة في باب الكتابة.
وقال الشيخ أبو حامد: "إن الشافعي نص في "الأم" على أن المكاتب يبيع نساء، قال: ويأخذ بأجل الرهن". انتهى.
_________________
(١) الحاوي الكبير (٦/ ٢٩).
(٢) التهذيب (٣/ ٥٤٨).
(٣) فتح العزيز (٥/ ٨١).
(٤) الأم (٣/ ١٥٣).
(٥) مختصر المزني (٨/ ١٩٢).
(٦) مختصر المزني (٨/ ٤٣٧).
[ ٢ / ٢٠ ]
وهذا هو الظاهر؛ لأن للمكاتب تنمية ماله، فله التصرف فيه بما فيه تنمية على وجه لا غرر فيه؛ لأن القرض كذلك، ثم ها هنا كلامان؛ أحدهما: أن يلتغي بما قلناه.
يقول: إن جوزنا البيع نسيئة بالغبطة، فهو كالولي في رهنه وارتهانه كما سبق من التفصيل، وإن لم يجوز امتنع الرهن، وكذا الارتهان فيما يباع نسيئة لامتناعه، ولا يمتنع الارتهان في غيره من سائر صور المصلحة التي تقدم تفصيلها، بلى ولا في بعض أنواع البيع نسيئة، وهو أن يبيع ما يساوي مائة بمائة نقدًا، ومائة نسيئة، فإنه يجوز كما جزم به الرافعي (^١) وغيره (^٢)، فإذا أخذ في هذه الصورة رهنًا بالمائة النسيئة لم يمتنع.
والثاني: أن الإمام (^٣)، والغزالي (^٤)، والرافعي (^٥)، قالوا في هذا الباب أن رهن المكاتب وارتهانه جائزان بشرط النظر والمصلحة كالولي.
قال الرافعي: "ومنهم مَن قال: لا يجوز الرهن استقلالًا وبإذن السيد قولان بناء على أن الرهن تبرع وتفصيل صور الارتهان كما في الولي.
وفيه وجه: أنه لا يجوز الاستقلال بالبيع نسيئة بحال، وبإذن السيد على الخلاف في تبرعه" (^٦).
وقال في باب الكتابة: "أن المكاتب لا يبيع بنسيئة استوثق بالرهن أم لا، ولو اشترى نسيئة بثمن نقد يجوز ولا يرهن وبثمن نسيئة" (^٧).
_________________
(١) فتح العزيز (١٣/ ٥٤٦).
(٢) انظر: بحر المذهب (٨/ ٣٤٧)، وكفاية النبيه (١٢/ ٣٩٩).
(٣) نهاية المطلب (٦/ ٨٥).
(٤) الوسيط في المذهب (٣/ ٤٨٤).
(٥) فتح العزيز (٤/ ٤٧٠).
(٦) فتح العزيز (٤/ ٣٧٠ - ٣٧١).
(٧) فتح العزيز (١٣/ ٥٤٦) بمعناه.
[ ٢ / ٢١ ]
قال البغوي: لا يجوز، وفي "جمع الجوامع" أنه يجوز؛ إذ لا غبن.
قال الرافعي: "وقد ذكرنا في كتاب الرهن أن بعضهم سَوَّى بينه وبين الولي في البيع نسيئة، وفي الرهن والارتهان.
وألحق الغزالي هناك المكاتب بالولي في جواز الرهن، لكن الذي أطلقه عامة الأصحاب وأورده هنا المنع، ويشبه أن يتوسط فيقال: إن دعت ضرورة إلى البيع والرهن كما في وقت النهب، فله ذلك حفظًا للمال، وإن كان يرى فيه مصلحة، لم يمكّن منه" (^١). انتهى.
والذي ذكره الغزالي في "الوجيز" في الكتابة: "ألا يبيع نسيئة" (^٢)، ولم يتعرض للرهن، فمقصود الرافعي الرهن والارتهان في الشراء والبيع نسيئة، وإن إطلاق عامة الأصحاب منعه، وبعضهم جوازه، وهما الوجهان اللذان قدمناهما، وتوسط الرافعي الذي ذكره هنا.
أما إذا لم يجز بيعُ نسيئة وأراد المكاتب أن يرتهن لشيء من المصالح المتقدمة لعسر استيفاء الحق ونحوه، فلا منع منه، وكذا إذا جرى بيع نسيئة على وجه الجواز كالصورة التي قدمناها أن يبيع ما يساوي مائة بمائة نقدًا، ومائة نسيئة ويرتهن عليه، ولم يتضمن كلام الرافعي المنع من هاتين الصورتين، بل ولا الرهن في غير البيع نسيئة إذا دعت إليه ضرورة، وإنما كلامه في البيع نسيئة، ولم يتعرض للرهن والارتهان في غيره في باب الكتابة، وإطلاقه في باب الرهن جوازهما، وبهذا يتبين أنه لا تناقض بين كلامي الرافعي إلا في كونه جعل البيع نسيئة في باب الكتابة ممتنعًا عند عامة الأصحاب، وفي باب الرهن على وجه مشير إلى أن الأصح خلافه،
_________________
(١) فتح العزيز (١٣/ ٥٤٦).
(٢) انظر: فتح العزيز (١٣/ ٥٤٤).
[ ٢ / ٢٢ ]
وقد بينا أن الشيخ أبا حامد نقله عن نص الشافعي، وأنه الظاهر إذا تحققت الغبطة، وممن قال به الماوردي.
وقال البندنيجي: "أن المذهب جواز البيع بثمن مؤجل" (^١).
وقال القاضي حسين: "يجوز أن يشتري إلى أجل بما يساويه حالًا، وأن يبيع ما يساوي عشرة بعشرين إلى أجل، ويأخذ على ذلك رهنًا" (^٢)، وقد قدمنا عن "جمع الجوامع": جواز أن يشتري نسيئة بما يساويه نسيئة، وبما ذكرناه يُعلم أن الراجح جواز الارتهان.
أما الرهن، فقد أطلق في "المهذب" و"التنبيه" (^٣) أنه لا يرهن، وحمله ابن الرفعة على ما إذا لم تَدْعُ حاجة، أما إذا دعت حاجة إلى الرهن، فيجوز أن يرهن كما يرهن ولي اليتيم.
قال: "صرح به الماوردي" (^٤)، ومن الصور التي يجوز ارتهان المكاتب فيها بلا خلاف، إذا كان له دين قديم مؤجل، أو حالٌّ وتعذر أخذه، أو مستحدث عن قرض، حيث يجوز للولي الإقراض، وكل هذا إذا كان بغير إذن السيد، فإن كان بإذنه جاز، إلا إذا منعنا تبرع المكاتب ولو بالإذن، وينبغي أن يحمل قول الرافعي: "إن دعت ضرورة إلى البيع والرهن" (^٥)، على أن المعنى إلى البيع ويرهن، أو الشراء ويرهن، ولا يظهر أثر هذا الخلاف إلا في الصورة النادرة التي ابتدأنا بها، وقلنا: إنها جائزة للولي على قول الجمهور، ومقتضى إطلاق الشيخ أبي حامد ومَنْ وافقه: جوازها
_________________
(١) انظر: كفاية النبيه (١٢/ ٣٩٩).
(٢) انظر المصدر السابق.
(٣) التنبيه (ص ١٤٧).
(٤) كفاية النبيه (١٢/ ٣٩٨).
(٥) فتح العزيز (١٣/ ٥٤٦).
[ ٢ / ٢٣ ]
للمكاتب أيضًا، ومقتضى قول الرافعي عن عامة الأصحاب المنع.
وقال ابن المنذر: "أجمع كل من يحفظ قوله من أهل العلم على أن للمكاتب أن يرتهن بما فيه له صلاح، واختلفوا في المكاتب يرهن. فقال مالك، وأبو ثور، وأصحاب الرأي: رهنه جائز. وقال الشافعي: لا يجوز" (^١).
فرع
أما العبد المأذون، فذكره الشافعي مع المكاتب وسَوَّى بينهما.
وقال الأصحاب: إن دفع إليه السيد مالًا ليتجر فيه، فهو كالمكاتب إلا من وجهين؛ أحدهما: أن رهنه أولى بالمنع؛ لأن الرهن ليس من عقود التجارات.
والثاني: أن له البيع نسيئة بإذن السيد قطعًا، وإن لم يدفع إليه مالًا، ولكن قال: أَتَّجِرُ بِجَاهِكَ، فله البيع والشراء في الذمة حالًّا ومؤجلًا، وكذا الرهن والارتهان، فإن فضل في يده مال كان كما لو دفع إليه مالًا (^٢).
فرع
إذا أذن الولي للسفيه في قبول الرهن، حيث يجوز للولي، فهو أولى من البيع بالصحة.
وأما بغير إذن الولي هل له قبول الرهن؟
قال ابن الرفعة: قضية قول الأصحاب: أنه تبرع أن يخرج على الخلاف في قبول الهبة؛ لأن فيه مصلحة إذا استرهن (^٣) على دين بسبب إتلاف ونحوه، لكن قال في "الأم": "لا يجوز رهن المحجور عليه" (^٤).
_________________
(١) الأوسط (١٠/ ٥٥٠).
(٢) انظر: فتح العزيز (٤/ ٤٧١).
(٣) كذا في المخطوطة.
(٤) الأم (٣/ ١٥٣) بنحوه.
[ ٢ / ٢٤ ]
قلت: هذا في الرهن وهو صحيح.
أما الارتهان؛ فيحتمل: أن يكون كالهبة. ويحتمل: أن يمتنع لاحتمال أن يتلف ويرفعه إلى حاكم يرى سقوط الدين بسببه.
وقد قال الجوري: قال بعض أصحابنا: ارتهان المحجور عليه لسفه جائز إذا كان بحق -تقدم قبل الحجر؛ لأن الرهن زيادة بلا عوض، فلا حجر فيه.
فرع
في "المرشد" أن الولي لو باع ما يساوي مائة بمائة نقدًا وعشرين نسيئة من غير رهن، جاز، وحيث اشترطنا الرهن لا يقوم الكفيل مقامه، ويجوز لولي اليتيم أن يشتري له نسيئة إذا كان في شرائه مصلحة، قاله الغزالي.
فرع
قال الشافعي في كتاب الرهن من "المختصر": "يجوز ارتهان الحاكم وولي المحجور عليه، ورهنهما عليه في النظر له، وذلك أن يبيعا فيفضلا ويرتهنا، فأما أن يسلفا ويرتهنا فهما ضامنان؛ لأنه لا فضل له في السلف" (^١)، وهذا تصريح بأن الحاكم لا يقرض مال اليتيم.
وأطلق كثير من الأصحاب: أن الولي لا يقرض مال المحجور عليه إلا لضرورة، وهو موافق لكلام الشافعي، وأخذ بهذا جماعة، فقالوا: لا يجوز للحاكم، ولا للأب، ولا لغيرهما إقراض مال الطفل إلا لضرورة (^٢).
وقال أبو سعد الهروي: إنه المذهب.
_________________
(١) مختصر المزني (٨/ ١٩٢).
(٢) فتح العزيز (دار الفكر) (٩/ ٣٥١ - ٣٥٢) بنحوه.
[ ٢ / ٢٥ ]
وقال صاحب "التلخيص": يجوز للأب والحاكم، ولا يجوز لغيرهما إلا لضرورة.
وقال البغوي (^١)، والرافعي (^٢): لا يجوز لغير الحاكم إلا لضرورة، ويجوز للحاكم وإن لم يعرض شيء من ذلك، يعني: من نهب، أو حريق، أو إرادة سفر لكثرة أشغاله؛ ونسب ابن الرفعة هذا إلى الجمهور (^٣)، وممن أطلق المنع إلا لضرورة، صاحب الكتاب كما سنقف عليه في باب الحجر، والشيخ أبو حامد، وابن الصباغ، والجرجاني، والمحاملي والعمراني (^٤)، والروياني في "الحلية"، والفوراني في "العمد"، وصاحب "العدة"، والمتولي، والقاضي حسين، والإمام، والغزالي، وغيرهم (^٥)، وهذا هو الصحيح نقلًا لما ذكرناه، ودليلًا لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢]، ولم أَرَ خلاف ذلك إلا لصاحب "التلخيص" أنه يجوز للأب والقاضي دون غيرهما.
وقال القاضي أبو سعد: إنه غريب غير معروف في كتب أصحابنا، وأما تجويزه للقاضي دون الأب وغيره، فلم أره إلا في "التهذيب" والرافعي، ونقل الرافعي في كتاب القضاء على الغائب عن صاحب "التلخيص": أن للقاضي إقراض مال الغائب، قال: وهو موافق لما مرَّ في باب الحجر: أن له أن يقرض مال الصبي، لكن ذكرنا هناك: إن عين القاضي أبًا كان أو غيره، لا يقرض مال الصبي إلا لضرورة، وعن صاحب "التلخيص": أنه
_________________
(١) التهذيب (٤/ ٢١).
(٢) فتح العزيز (٥/ ٨٣).
(٣) كفاية النبيه (١٠/ ١٧).
(٤) البيان (٦/ ١٥٨).
(٥) انظر: النجم الوهاج (٤/ ٤٣٠).
[ ٢ / ٢٦ ]
جوز للأب ما جوزه للقاضي، فهذا وجه آخر (^١). انتهى.
والصحيح: أن القاضي لا يقرض مال الغائب أيضًا، وإنما قال به صاحب "التلخيص"، وأنا أخشى أن يكون الفرق بين القاضي والأب في مال الصبي غير منقول؛ لأنه لم يثبت لنا عن أحدٍ معين من أصحاب الوجوه غير صاحب "التلخيص"، نص على الجواز لا في هذا ولا في هذا، فيحتمل: أن يكون نقل عنه الجواز في القاضي، وسكت الناقل عما سواه، وهو نقل صحيح، فاستثنى البغوي القاضي من إطلاق الأصحاب مستندًا له. ويحتمل: أنه اطلع على نقل صريح عن غيره، وبالجملة الصحيح المنع، ومَنْ قال بالجواز يعلل في الأب بوفور شفقته، وعلو منصبه في الولاية، وفي القاضي بكثرة أشغاله واتساع أموال الأيتام تحت نظره، وكنت أظن أن مَنْ قال بجواز الإقراض له مأخذه أنه لاتساع ولايته لا يمكنه الحفظ بنفسه؛ فيحتاج إلى الإيداع عند غيره، وحيث جاز الإيداع جاز الإقراض، وحينئذٍ لا يأتي في ذلك خلاف، لكن الذي ينبغي أنه لا يجوز للقاضي الإيداع إلا لضرورة، وأعني بالإيداع: أن يسلم مال اليتيم لِمَنْ يحفظه منفردًا باليد فيه، وإنما يفعل هذا عند الضرورة، وفيما سواها يجب حفظها في المودع العام الذي لا ينفرد به شخص معين، بل جماعة مع شمول نظر القاضي له، فإن الثقة حينئذٍ تكون أكثر، ومتى انفرد شخص باليد في نفيه من غير إشراف عليه، تطرقت إليه التهمة، وربما سولت له نفسه، فالقاضي في الإيداع عند شخص خاص كغيره من الأولياء لا يجوز إلا لضرورة، وعندها يجوز الإقراض، ولا يجوز فيما سواها، وينبغي التحذير من ذلك وإشهار هذه المسألة صيانة لأموال الأيتام، فإنه قد اغتر جماعة بجواز الإقراض من غير
_________________
(١) فتح العزيز (١٢/ ٥٤٠).
[ ٢ / ٢٧ ]
ضرورة، وحصل بذلك ضياع أموال الأيتام. ثم إن الأصحاب حيث جوزوا الإقراض للحاجة، صرحوا بأن محله إذا لم يمكن أن يشتري به عقارًا أو يتجر فيه، ومتى أمكن ذلك، فلا حاجة إلى الإقراض فلا يجوز، فَمَنْ أقرض في هذا الزمان إمكان ذلك أو عدم الضرورة، كان خائنًا ضامنًا، وإنما يجوز الإقراض إذا لم يمكن شراء عقار ولا متحريًا مَنْ فيه وعرض نهب، أو حريق، أو سفر يخاف عليه فيه، وكان المستقرض مليئًا ثقة، فعند اجتماع هذه الشروط يجوز، ولا فرق في ذلك بين القاضي والأب وغيرهما، وإذا جاز القرض بهذه الشروط، فإن رأى المصلحة في أخذ الرهن به أخذه، وإلا أقرض بغير رهن، كذا قال المتولي، والبغوي (^١)، والرافعي (^٢)، وحكاه الماوردي عن بعض الأصحاب، وقال: إنه غير صحيح، وأن الرهن شرط. ولنا وجه: أنه لا يجوز القرض في حال النهب والحريق، وإنما يجوز لإرادة السفر، وهو ظاهر كلام "التنبيه" (^٣)، لكن الصحيح خلافه، ومحل هذا الفرع كتاب الحجر، ولكنا قدمناه لنص الشافعي هنا وتعجيلًا لهذه الفائدة. وقد زاد ابن الرفعة فقال: إذا جاز له ذلك، جاز له تأخير استيفاء دين الطفل عند مَنْ يجوز إقراضه له، ويأخذ عليه رهنًا مع إمكان الاستيفاء، وجعل هذه الحالة مستثناة من قول الغزالي: "أن ارتهانه يجوز عند العجز عن استيفاء الدين، ولا يجوز مع القدرة" (^٤)، ولا شك أن الذي قاله ابن الرفعة لازم لجواز الإقراض، فهو فرع عن أصل فاسد.
والصواب: أن كلام الغزالي على إطلاقه؛ ولهذا إن الأصحاب يقولون:
_________________
(١) التهذيب (٤/ ٢١).
(٢) فتح العزيز (٤/ ٤٦٩).
(٣) (١٠/ ١٦).
(٤) الوسيط في المذهب (٣/ ٤٨٣).
[ ٢ / ٢٨ ]
لا يسلم المبيع ويبقى الثمن في ذمة المشتري، بل يجعل إطلاق الأصحاب لذلك، وإطلاق الغزالي منع الارتهان عند القدرة على الاستيفاء دليلًا؛ لأنهم لا يجوزون القرض.
فرع
إبضاع مال اليتيم للتجارة، قال الغزالي: "إنه جائز لأجل الزيادة، بخلاف الإقراض، فإنه يحرم فيه الزيادة" (^١)، وقد تقدم في كلام الإمام جوازه.
وقال هنا: "قد ذكرنا في تجارة الوصي في مال اليتيم أن ذلك جائز" (^٢) -يعني: الإبضاع- وكان قال في ذلك الباب: أن المسافرة بمال اليتيم إن كان خوف امتنعت، وإن غلب الأمن، فإن كان في البر فوجهان؛ أظهرهما: الجواز.
والثاني: لا كالوديعة، والبحر إذا غلب الأمن فيه قطع معظم الأصحاب بالمنع.
وقيل: إن أوجبنا ركوبه للحج جاز، وإلا فلا، وقد صح أن عائشة أبضعت بأموال بني محمد بن أبي بكر في "البحر"، ومَن منع ذلك تعب في تأويله، وأقرب مسلك أنها أمرت بذلك والممر على الساحل الذي لا يتوقع فيه غرر، فهو كالبر.
وقيل: لعلها فعلت ذلك بشرط الضمان، وهذا بعيدٌ، فإن ما يضمن فهو ممنوع.
والأول أن يقال: رأت ذلك رأيًا والمسألة مظنونة. انتهى (^٣).
_________________
(١) انظر المصدر السابق.
(٢) نهاية المطلب (٦/ ٨٢).
(٣) نهاية المطلب (٥/ ٤٦٠ - ٤٦١).
[ ٢ / ٢٩ ]
وقال الشافعي: "إذا كان الرجل وصيًّا كان أحب إليَّ أن يتجر لهم، قد اتجر عمر بمال يتيم كان يليه، وكانت عائشة تبضع بأموال بني محمد بن أبي بكر وهم أيتام في البحر وتليهم وتؤدي منها الزكاة" (^١). انتهى.
وجعل ابن الرفعة هذا النص شاهدًا لجواز إبضاعه، ثم قال: ومن القياس المذكور يعني: قياس الإمام والغزالي البيع نسيئة على الإبضاع يوجد اشتراط الثقة في المبيع عليه؛ لأن إبضاع مال اليتيم لا يجوز إلا من ثقة. انتهى.
واشتراط الثقة في البيع نسيئة ينبغي أن يكون متفقًا عليه؛ لأنهم اشترطوه في القرض، وأما قياس الإمام البيع نسيئة على الإبضاع، فاعلم أن المفهوم من الإبضاع أن يعطي البضاعة لِمَن يتجر فيها، وتكون الفائدة لرب المال والعامل لا شيء له ولا يزيد على الوكيل والبضاعة باقية على ملك رب المال لا يملك العامل شيئًا من الأصل ولا من الربح، وإذا كان كذلك ظهر الفرق، فإنه بالبيع يزيل ملك اليتيم، وبالإبضاع لا يزيله، وإنما استناب مَن يده كيده، فيما يجوز له فعله من التجارة، وإنما جاء الإشكال في أثر عائشة من جهة سفر البحر، فالإبضاع من حيث الجملة لا شك في جوازه، ولا يحتاج أن يستشهد عليه بنص الشافعي المذكور، كما فعل ابن الرفعة، وكان ظن أنه مختلف فيه وليس كذلك، فإن قلت: الإبضاع فيه إفراد بالعامل، فكان كالإيداع فتمنع.
قلت: احتمل ذلك لما فيه من تحصيل الفائدة لليتيم بخلاف الإيداع، وأيضًا الولي راقب العامل فيما في يده كل وقت ويشرف عليه، فكأنه لم ينفرد باليد، وإنما هو وكيل في التصرف، فكان كالوكيل في إيصاله إلى
_________________
(١) مختصر المزني (٨/ ١٨٧).
[ ٢ / ٣٠ ]
مكان آخر يجوز للولي نقله إليه، فإنه يجوز أن يبعثه مع أمين، فإن قلت: قول الغزالي: "يجوز الإبضاع؛ لأجل الزيادة بخلاف القرض" (^١). يشعر بأن العامل يملكه، وأنه إنما يفارق القرض في الزيادة.
قلت: اشترك الإبضاع والقرض في إخراجه عند اليد؛ فلذلك فرق بينهما؛ يعني أنه احتمل خروجه عن اليد في الإبضاع، ولم يحتمل في القرض لأجل الزيادة، ولو قلنا: إن العامل يملك المال الذي أبضع معه، ويجب عليه رد مثله مع الربح، لم يكن له نظير ولا عليه دليل.
* * *
_________________
(١) تقدم.
[ ٢ / ٣١ ]
قال: