ولا يجوز فيما يجمع أجناسًا مقصودة لا تتميز، كالغالية، [والند] (^١) والمعجون، والقوس، والخف، والحنطة التي فيها شعير؛ لأنه لا يعرف قدر كل جنس منه.
الغالية: طيب متخذ من مسك وعنبر خلطَا بالدهن. يقال: أول مَن سماها بذلك سليمان بن عبد الملك. يقال: تغللت وتغليت، ويقولون: تغلفت، هكذا نقل عن الجوهري، وفي الرافعي (^٢) و«الروضة» (^٣) أنها مركبة من المسك، والعود، والعنبر، والكافور، واختلاط المعجونات من أجزائها والقوس من الخشب، وغيره معلوم، ويتعذر الوقوف على مقادير أجزائها المقصودة؛ فلذلك لا خلاف في امتناع السلم في هذه الثلاثة، وكذلك الند الطيب المعروف وليس بعربي، والسُّد وهو عربي، والجوارشات، والهرايس (^٤)، والمرق الذي يحوي أخلاطًا مقصودة،
_________________
(١) من المطبوع من المهذب.
(٢) فتح العزيز (٩/ ٢٦٩).
(٣) روضة الطالبين (٤/ ١٦).
(٤) كرر هنا في المخطوطة كلمة: «والهرايس».
[ ١ / ٤٢٥ ]
والحلاوى، والنبل المريش، واستغنى المصنف عن ذكر هذه؛ لأنها دخلت في كلامه فيما تقدم فيما دخله النار، وفي النبل.
وأما الخف فنص الشافعي وأكثر الأصحاب على إطلاق المنع فيه لما فيه من الجلود المختلفة، والحشو المجهول، والخرز غير المضبوط، والانعطافات.
وحكى الماوردي (^١) عن ابن سريج جوازه، وقيد الروياني (^٢) هذا النقل عنه بما إذا كانت طاقاته معلومة، وعزاه أيضًا إلى بعض أصحابنا بخراسان، ثم قال: إنه غلط ظاهر، وهذا التقييد حسن، أما التي بخلاف ذلك، فليست محل الخلاف؛ لأنه نقل عن ابن سريج أنه قال: لا يعلم ما في الخف إلا الله والإسكاف يعني أنه مجهول، وفي معنى الخف: النعال، والحكم فيهما واحد، ونص الشافعي عليهما وخلاف ابن سريج فيهما، وفي كلام الغزالي (^٣) والإمام (^٤) الصنادل، والمراد بها: الأمدسة، واحدها صندل.
ومما ذكروه نعلم أن الخف المتخذ من طاق واحد، كما هو المعروف في خفاف الرجال في هذه البلاد ليس من هذا القسم، بل حكمه أنا إن منعنا السلم في الجلود مطلقًا كما هو الصحيح امتنع إن كان من جلد.
ولهذا قال الماوردي: «إنه يمتنع السلم في الجُرُب والأرقاق؛ لأنها جلود وإن جوزناه إذا قطعت على التناسب أو كانت من غير الجلود حكم الثياب المخيطة التي جوز الصيمري السلم فيها» (^٥).
_________________
(١) كفاية النبيه (٩/ ٣٤٠).
(٢) بحر المذهب (٥/ ١٧٠).
(٣) الوسيط في المذهب (٣/ ٤٤٥).
(٤) نهاية المطلب (٦/ ٦٢).
(٥) كفاية النبيه (٩/ ٣٤٠).
[ ١ / ٤٢٦ ]
قال الشافعي: «وإنما يجوز في هذا أن يبتاع النعلين والشركين، ويستأجر على الحذو، وعلى خراز الخفين» (^١)، هكذا قال في «الأم».
ونقل الروياني (^٢) عنه أنه يجوز اصطناع الأواني والخفاف والنعال إذا كان العمل معلومًا، وهو أن يلزم ذمته أن يصنع له خفًّا، وهذا لا ينافي الذي في «الأم»، بل هذا مجمل، والذي في «الأم» مبين، وقد ذكر ابن الصباغ وغيره أن استصناع هذه الأشياء لا يجوز إلا كما قاله في «الأم»، وأن أبا حنيفة (^٣) قال بجوازه؛ لأن الناس مجمعون على ذلك.
قال أصحابنا: لو كان صحيحًا للزم، وعند الحنفية (^٤) كل واحد من المستصنع، والصانع بالخيار.
وأما الحنطة التي فيها شعير، فالمراد منه أن يكون ذلك غير متميز ولا معلوم المقدار، وهو مع ذلك حر مقصود، وعند ذلك يمتنع جزمًا لا كالقمح الذي فيه شعير يسير غير مقصود، كما هو الغالب في القمح الغلث.
قال الرافعي وغيره: «والترياق المخلوط كالغالية، فإن كان نباتًا واحدًا، أو حجرًا، جاز السلم فيه» (^٥)، وقد خرج بقوله: مقصوده ما ليس بمقصود، وسيأتي في كلامه يقسمه إلى: محتاج إليه، كالملح في الجبن، والماء في خل التمر، فيجوز، وإلى غير محتاج إليه، كالماء في اللبن، فلا يجوز.
وخرج بقوله: لا يتميز ما يعرف مقدار أجزائه، كالثوب المعمول من غزلين، وسيأتي حكمه، فالمختلطات في كلامه أربعة أقسام:
_________________
(١) الأم (٣/ ١٣٤).
(٢) بحر المذهب (٥/ ١٧٠).
(٣) انظر: تحفة الفقهاء (٢/ ٣٦٣)، بدائع الصنائع (٥/ ٢١٠)، البناية شرح الهداية (٨/ ٣٧٥).
(٤) انظر مصادر الأحناف السابقة.
(٥) فتح العزيز (٩/ ٢٧١).
[ ١ / ٤٢٧ ]
الأول: ما يقصد كل أجزائه ولا يتميز.
الثاني: ما لا يقصد الخليط، ولكنه غير محتاج إليه.
الثالث: ما يحتاج إليه.
الرابع: ما أجزاؤه مقصودة يُعْرَف مقدارها.
وقد جعل الغزالي (^١) من أقسام المختلطات المختلط خلقة، كاللبن والشّهد، فأما اللبن فهو شيء واحد، وإن كان يعرض أن يحصل منه شيئان مختلفان، فلذلك لا يُعَدُّ من المختلطات، ولا خلاف في جواز السلم فيه إذا كان حليبًا.