وفي السلم في الأواني المختلفة الأعلى والأسفل، كالإبريق، والمنارة، [والكيزان] (^١) وجهان:
أحدهما: لا يجوز؛ لأنها مختلفة الأجزاء، فلم يجز السلم فيها، كالجلود.
والثاني: يجوز؛ لأنه يمكن وصفها، فجاز السلم فيها كالأسطال المربعة، والصحاف الواسعة.
هذه الأواني، وكذلك الخباب، والطشوش، والقماقم، والطناجر، والبرام المعمولة إذا كانت مختلفة فيها وجهان:
الأول: المنع، وهو اختيار الشيخ أبي حامد، ووافقه الرافعي (^٢)، ولم يحك فيه خلافًا.
والثاني: اختيار القاضي أبي الطيب والماوردي وهو الأصح عند الروياني (^٣)، وحكاه أبو الطيب عن نصه في "الأم"، وغَلَّطَ من قال بخلافه
_________________
(١) في المطبوع من المهذب: "والكراز".
(٢) بحر المذهب (٥/ ١٤٥، ١٤٦).
(٣) فتح العزيز (٩/ ٣١٧، ٣١٨).
[ ١ / ٤٥٤ ]
وطرده في القمقم.
وقد رأيته في "الأم" في السلف في الشيء المصلح بغيره، قال: "ولا بأس أن يسلفه في طست، أو تور من نحاس أو رصاص أو حديد، ويشترط بسعة معروفة ومضروبًا أو مفرغًا أو بصنعة معروفة، ويصفه بالثخانة أو الرِّقة" (^١)، وكذلك كل إناء من جنس واحد ضُبطت صنعته، فهو كالطست والقمقم.
قال: "ولو كان يضبط مع ذلك وزنًا كان أصح، وإن لم يشترط وزنًا صح إذا الشرط سعة" (^٢).
وقال في آخره: "ولا بأس أن يبتاع منه صحافًا [وقدحًا ما] (^٣) من نحو معروف وبصفة وقدر معروف من الكبر والصغر، والعمق والضيق، ويشترط أي عمل، ولا بأس إن كانت من قوارير، ويشترط جنس قواريرها ودقته وثخانته، ولو كانت القوارير توزن مع الصفة كان أحب إليَّ وأصح للسلف" (^٤)، وهكذا في "البويطي" (^٥) مختصرًا.
قال الشيخ أبو حامد: إن نصه في "الأم" اختلف، أشار في موضع إلى الجواز، وفي موضع إلى المنع، والأول: محمولٌ على ما لا يختلف كالسطول التي تستوي حيطانها، فإنه إذا ذكر قدر القامة والدور والثخانة والدقة وبقية الأوصاف جاز، والثاني: محمول على ما يختلف والكيزان والجوار المتحدة من الخزف كالمتحدة من النحاس، وكذلك أطلق
_________________
(١) الأم (٣/ ١٣٣).
(٢) الأم (٣/ ١٣٤).
(٣) في المخطوطة: "أو قدحا" ولعل الصواب ما أثبتناه.
(٤) الأم (٣/ ١٣٤).
(٥) مختصر البويطي (ص: ٦٢٧).
[ ١ / ٤٥٥ ]
المصنف، ولم يقيد.
وقول المصنف في وصف الأصطال المربعة ليس بشرط بل المدورة أيضًا يجوز السلم فيها، كما عرفت في كلام أبي حامد.
واعلم أن الرافعي (^١) جزم بالمنع إلا فيما يصب منها في القالب قال: فإنه يجوز السلم فيه؛ لأنه لا يختلف، وكذلك الأسطال المربعة وعَلَّل المنع في القسم الأول بندرة اجتماع الوزن مع الصفات المشروطة، ويتعذر ضبطها، وهذا يقتضي أن من جوزها يجوزها بالوزن.
والماوردي صَرَّح أنه ليس بشرط، وهو مقتضى نص الشافعي الذي تقدم.
وأما قوله: في الأسطال المربعة، فالحكم غير قاضٍ عليها، بل هي والمدورة كما في كلام أبي حامد، والصحاف الواسعة كما في كلام المصنف، وكل ما لا يختلف من ذلك مصبوبًا كان أو مضروبًا فإنه يجوز، وممن صرح بالجواز الماوردي.
وأما قوله: "إن ما يصب منها في القالب يجوز" يعني مع اختلاف نقل من ذكره من المانعين، لكنه حسن.
وأما الآنية القوارير فلا تعمل إلا مضبوطة مفتوحة.
قال الماوردي: لا يجوز السلم فيها مخروطة؛ لأن الخرط والنقش عمل غير مضبوط، وما فهمت ذلك.
فرع: لو شرط أن يكون الطست من نحاس وحديد جميعًا، أو نحاس ورصاص، لم يجز؛ لأنهما لا يخلصان، فيعرف قدر كل واحد منهما، نص عليه في "الأم" (^٢)، وفرق بينه وبين الثوب المصبوغ بأن الصبغ
_________________
(١) فتح العزيز (٩/ ٣١٨).
(٢) الأم (٣/ ١٣٣).
[ ١ / ٤٥٦ ]
زينة لا يعتبر ضبط صفته بخلاف هذا، ويمكنك أن تحتج بهذا الفرع للمنع في الثوب المعمول من غزلين، ويمكن أن يفرق بين الغزلين ربما يكونان مزينين في الثوب بخلاف النحاس والحديد المخلوطين فيهما أشد جهالة، وفيه نظر؛ لأن الشافعي قال عقب ذلك: "وهكذا كل ما استصنع، فلا خير في أن يسلف في قلنسوة محشوة، وذلك لا يضبط وزن حشوها، ولا صفته، ولا يوقف على حد بطانتها" (^١).
* * *
_________________
(١) الأم (٣/ ١٣٤).
[ ١ / ٤٥٧ ]
قال:
واختلف أصحابنا في السلم في الدقيق، فمنهم من قال: لا يجوز، وهو قول أبي القاسم الداركي ﵀؛ لأنه لا يضبط.
والثاني: يجوز؛ لأنه يذكر النوع، والنعومة، والجودة، فيصير معلومًا.
نص الشافعي في "الأم" (^١) في باب السلم السلف في الشيء المصلح بغيره يدل على الجواز، وقطع به الشيخ أبو حامد، ونقله عن النص.
وقال الماوردي: أنه قول جمهور أصحابنا؛ لأن نصوص الشافعي دالة عليه، وإن لم تكن مصرحة فلا وجه لمن اشتبه عليه القول فيه من أصحابنا.
ومقتضى إيراد الرافعي (^٢) ترجيحه، والمنع محكي عن الداركي (^٣) وغيره من أصحابنا، وشروطه كشروط الحنطة إلا التعرض لمقدار الحب، وسنذكرها ويزيد الدقيق ثلاثة شروط أخرى:
أحدها: ما طحونة من رحاء الماء أو الدولاب.
والثاني: خشونة الطحن ونعومته.
والثالث: قرب زمان الطحن وبعده.
_________________
(١) الأم (٣/ ١٣٦).
(٢) فتح العزيز (٩/ ٣١٩).
(٣) هو: عبد العزيز بن عبد الله بن محمد، أبو القاسم الداركي، أحد أئمة الأصحاب ورفعائهم، تفقه على أبي إسحاق المروزي، وانتهى إليه التدريس ببغداد، وعليه تفقه أبو حامد الإسفراييني، توفي سنة (٣٧٥ هـ). والداركي، نسبة إلى دارك (بفتح الراء) من قرى أصبهان. انظر: تاريخ بغداد ت بشار (١٢/ ٢٣٦)، تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٢٦٣).
[ ١ / ٤٥٨ ]
هكذا قال الماوردي، وفي السلم في السويق وجهان:
أحدهما: أنه كالدقيق بشروطه كشروطه إلا الرحا، فإنه لا يصلح إلا بالدولاب.
* * *
[ ١ / ٤٥٩ ]
قال:
ولا يجوز السلم في العقار؛ لأن المكان فيه مقصود، والثمن يختلف باختلافه، فلا بد من تعيينه، [والمعين لا يثبت] (^١) في الذمة.
هكذا جزم به الشيخ أبو حامد، وابن الصباغ، والمحاملي، والمتولي، والبغوي (^٢)، والروياني (^٣)، والرافعي (^٤)، وآخرون، ونقله الشيخ أبو حامد عن "الأم" في الدور والضياع، ومرادنا بالعقار: كل بناء، وأرض، وشجر مغروس، فيدخل في ذلك الدور، والضياع، والبساتين.
* * *
_________________
(١) في المخطوطة: "والمعين لا يثبت"، وما أثبتناه من المطبوع من المهذب.
(٢) التهذيب (٣/ ٥٧٦).
(٣) بحر المذهب (٥/ ١٦١).
(٤) فتح العزيز (٩/ ٣١٨).
[ ١ / ٤٦٠ ]
قال: