ولا يجوز السلم إلا في شيء عام الوجود، مأمون الانقطاع في المحل، فإن أسلم فيما لا يعم، كالصيد في موضع لا يكثر فيه، أو ثمرة ضيعة بعينها، أو جعل المحل وقتًا لا يأمن انقطاعه فيه، لا يصح [لما] (^١) روى عبد الله بن سلام ﵁ (^٢) أن زيد بن سَعْنَة، قال لرسول الله ﷺ: يَا مُحَمَّدُ هَلْ لَكَ أَنْ تَبِيعَني تَمْرًا مَعْلُومًا إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ مِنْ حَائِطِ بَنِي فُلَانٍ قَالَ: "لَا يَا يَهُودِيُّ وَلَكِنِّي أُبِيعُكَ تَمْرًا مَعْلُومًا إِلَى كَذَا وَكَذَا مِنَ الأَجَلِ"، ولأنه لا يأمن أن يتعذر السلم فيه، وذلك غرر من غير حاجة، فمنع صحة العقد.
عبد الله بن سلام بن الحارث الصحابي المشهور أحد الأحبار، أسلم يوم قدوم النبي ﷺ المدينة وسماه: عبد الله، وكان اسمه الحصين، وشهد له رسول الله ﷺ بالجنة، وهو من بني إسرائيل من سبط يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم -صلى الله عليهم وسلم أجمعين- وكان حليفًا للقواقلة من الأنصار، والقواقلة كل من كان من بني غنم وبني سالم ابني عوف بن
_________________
(١) كرر هنا في المخطوطة كلمة: "لما".
(٢) سقطت من المخطوطة.
[ ١ / ٤٦١ ]
عمرو بن عوف بن الخزرج، يقال لهم: بنو قوقل، واختلف في المسمى بقوقل، فقيل: غنم، وقيل ثعلبة بن دعد من نسله كان له عز، فكان يقول للخائف إذا جاءه: قوقل حيث شئت فإنك آمن؛ أي: انزل، فغلب ذلك عليهم، توفي عبد الله بن سلام بالمدينة سنة ثلاث وأربعين.
وزيد بن سعنة صحابي كان من أحبار اليهود، ثم أسلم وشهد مع النبي ﷺ مشاهد كثيرة، وقال: ما من علامات النبوة شيء إلا وقد عرفته في وجه محمد ﷺ، وتوفي في غزوة تبوك مُقبلًا إلى المدينة، وسَعْنَة بفتح السين المهملة والنون، وهذا الحديث رواه البيهقي (^١).
وفي آخره من كلام النبي ﷺ بعد ما ذكره المصنف، "وَلَا أُسَمِّي مِنْ حَائِطِ بَني فُلَانٍ"، ورواه الدارقطني في كتاب "المؤتلف والمختلف"، وفيه فقال رسول الله ﷺ: "لا أَبِيعك وسوقًا مُسماة من حائط مسمى إلى أجل مسمى، ولكني أبيعَك وسوقًا مسماه إلى أجل مسمى" (^٢)، فأعطاه زيدًا ثلاثين دينارًا، فلما كان قبل محل الأجل بيومين أتى النبي ﷺ، وهذا اللفظ أحسن من الاستدلال، فإنه يدل على أن تسمية الحائط ممتنعة.
واللفظ الذي ذكره البيهقي، والمصنف من قوله: "حائط بني فلان"، قد يتوهم أن المانع فيه كونه مملوكًا للغير، فإن [أزالت] (^٣) رواية الدارقطني هذا الوهم، وإن كان بعيدًا، وروى ابن ماجه (^٤) الحديث بالإسناد الذي إليه ينتهي إسناد الدارقطني والبيهقي، ولكن من غير ذكر زيد بن سعنة فيه أن عبد الله بن سلام قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ بَنِي فُلَانٍ أَسْلَمُوا -
_________________
(١) سنن البيهقي الكبرى (٦/ ٢٤) (برقم: ١٠٨٩٧).
(٢) المؤتلف والمختلف للدارقطني (٣/ ١٣٨٨).
(٣) في المخطوطة: "زالت"، ولعل الصواب ما ذكرناه.
(٤) سنن ابن ماجه (٢/ ٧٦٥) (برقم: ٢٢٨١).
[ ١ / ٤٦٢ ]
لِقَوْمٍ مِنَ الْيَهُودِ- رَأَيْتهُمْ قَدْ جَاعُوا، فَأَخَافُ أَنْ يَرْتَدُّوا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "مَنْ عِنْدَهُ؟ " فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ: عِنْدِي كَذَا وَكَذَا -لِشَيْءٍ قَدْ سَمَّاهُ- أُرَاهُ قَالَ: ثلاثُ مئة دينارٍ بسِعْرِ كَذَا وَكَذَا مِنْ حَائِطِ بَنِي فُلانٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "بِسِعْرِ كَذَا وَكَذَا إِلَى أَجَلِ كَذَا وَكَذَا، وَلَيْسَ مِنْ حَائِطِ بَنِي فُلَانٍ" ولعل الرجل المبهم في هذا الحديث هو زيد بن سعنة، ولأجل ذلك نسب صاحب "التنقيب" حديث الكتاب إلى ابن ماجه ورواه الحاكم في "المستدرك" (^١)، فذكر منه قطعة من حديث زيد بن سعنة، ووفاء النبي ﷺ، ولم يذكر موضع الاستدلال وقال: إنه حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الحافظ أبو الحجاج المزي أبقاه الله: "إنه حديث حسن مشهور في دلائل النبوة" (^٢).
قلت: ومدار الحديث من الكتب كلها على محمد بن حمزة بن يوسف، ويقال: ابن محمد بن يوسف بن عبد الله بن سلام، قد قال أبو حاتم: أنه لا بأس به وأبوه حمزة ذكره ابن حبان في الثقاة من التابعين، لكن وقع في حديثه هذا اضطراب ففي ابن ماجه عن أبيه، عن جده عبد الله بن سلام، وفي "المستدرك" عن أبيه، عن جده أن زيد بن سعنة، ولا منافاة بينهما، وفي البيهقي، عن أبيه، عن جده قال: قال عبد الله بن سلام، وفي الدارقطني عن رجل من أهل بيته، عن أبيه، عن جده فقال: قال زيد بن سعنة، وقال البخاري في ترجمة محمد بن حمزة: هذا عامة حديث مرسل، وليس بدال.
وقد يقال: إن هذا الاضطراب لا سيما ما ذكره الدارقطني من الرجل المجهول مع كلام البخاري موجب للتوقف في الحكم بصحة الحديث أو بحسنه، لكني تأملت ذلك فوجدت الراوي له عن محمد بن حمزة رجلين
_________________
(١) المستدرك على الصحيحين (٣/ ٧٠٠) (برقم: ٦٥٤٧).
(٢) تهذيب الكمال في أسماء الرجال (٧/ ٣٤٧).
[ ١ / ٤٦٣ ]
الوليد بن مسلم، وعبد الله بن سالم، فأما الوليد بن مسلم فلم يختلف عليه أنه عن محمد، عن أبيه، عن جده، وإنما اختلف عليه في اللفظ الذي عند ابن ماجه والبيهقي، وهو قريب.
وأما عبد الله بن سالم، فأكثر الرواة عنه كذلك، وانفرد بقية عنه بالرواية التي ذكرها الدارقطني من ذكر الواسطة المجهول وليس بقية ممن يحتمل له ذلك ويرد به رواية غيره الذين هم أجل منه [. . .] (^١) عبد الله بن يوسف [. . .] (^٢) عبد الله بن سالم، كما رواه غيره، فصح أنه عن أبيه بغير واسطة، والمجهول ولم يبق فيه إلا أن حمزة هل أدرك عبد الله أولًا.
وقال ابن المنذر في باب إبطال السلم في تمر حائط بعينه "روينا هذا الحديث ثم قال: هذا كالإجماع من أهل العلم، وممن حفظنا ذلك عنه سفيان الثوري، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي" (^٣).
أما حكم المسألة، فقد ذكر المصنف ثلاثة قيود ورتب عليها ثلاث مسائل:
إحداها: الصيد في موضع لا يكثر فيه، يمتنع السلم فيه، وكذلك العود الرطب، وما أشبهه؛ وعللوه بعزة الوجود كما في الجارية وولدها؛ ولأنه لعدم وثوقه به بسبب العبد الآبق، ويلزم من جوز في الجارية وولدها على ما بحثه الرافعي (^٤) أن يجوز هنا، أما من جوزه فيما يكثر فيه كما تقتضيه عبارة الإمام، فلا يلزمه، فالإلزام وارد على الرافعي (^٥) في بحثه خاصة، ولو كان
_________________
(١) هنا في المخطوطة بياض قدر كلمة.
(٢) هنا في المخطوطة بياض قدر ثلاث كلمات.
(٣) الإشراف على مذاهب العلماء (٦/ ١٠٥). باختصار.
(٤) فتح العزيز (٩/ ٢٨١).
(٥) نفس المصدر (٩/ ٢٧٨).
[ ١ / ٤٦٤ ]
الصيد في بلد آخر فإن (^١) كان قريبًا صح، وإن كان بعيدًا قطع الأصحاب بأنه لا يصح، وأجرى الغزالي (^٢) فيه وجهًا.
قال الإمام: "والقريب ما يعتاد نقل مثله منه إلى البلد في غرض المعاملة لا في معرض التحف والمصادرات، ولا تعتبر مسافة القصر" (^٣)، وذكر الرافعي أن الخلاف الآتي في انقطاع المسلم فيه في اعتبار مسافة القصر تنازع في هذا الاعتراض عنها.
الثانية: ثمرة ضيعة بعينها، أو حنطتها، أو ثمرة بستان بعينه، وعللوه بشيئين:
أحدهما: إن تلك البقعة قد يصيبها الجائحة فتنقطع ثمرتها وحنطتها، وهذا غرر لا ضرورة إلى احتماله.
الثاني: أن التعيين ينافي الدَّينية من جهة أنه يضيق بحال التحصيل.
والمسلم فيه ينبغي أن يكون دينًا مرسلًا في الذمة ليتيسر أداؤه، والعمدة ما نقله ابن المنذر (^٤) من الإجماع مع الحديث المذكور، وقد ورد في "سنن أبي داود" (^٥) حديث لو صح لأمكن الاستدلال به على عكسه، لكنه عن رجل بحراني مجهول، عن ابن عمر أَنَّ رَجُلًا أَسْلَفَ رَجُلًا فِي نَخْلٍ فَلَمْ تُخْرِجْ تِلْكَ السَّنَةَ شَيْئًا، فَاخْتَصَمَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "بِمَ تَسْتَحِلُّ مَالَهُ؟ ارْدُدْ عَلَيْهِ مَالَهُ". ثُمَّ قَالَ: "لَا تُسْلِفُوا فِي النَّخْلِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ"، فهذا لو (^٦) صح
_________________
(١) كررت هنا في المخطوطة كلمة: "فإن".
(٢) الوسيط في المذهب (٣/ ٤٤٠).
(٣) نهاية المطلب (٦/ ٨).
(٤) الإشراف على مذاهب العلماء (٦/ ١٠٥).
(٥) (٣٤٦٩).
(٦) كرر هنا في المخطوطة كلمة: "لو".
[ ١ / ٤٦٥ ]
يدل بمفهومه على أنه إذا بدا صلاحه يصح السلم فيه بعينه، وهو عين المسألة.
وقد تقدم أن الحنفية (^١) احتجوا به في اشتراط الوجود عند العقد، وجوابهم يضعفه أو يحمله على بيع المعين، وقد رأيت في كتب المالكية (^٢) أن السلم في حائط بعينه بعد زهوه جائز، ومحمله عند مالك محمل البيع لا محمل السلم، وكما لا يجوز السلم في ثمرة حائط بعينه لا يجوز في لبن غنم بأعيانها أو صوفها أو شعرها أو زبدها أو سمنها أو لباءها أو جبنها، نص عليه، وهذا كله إذا كانت الضيعة صغيرة.
أما إذا أسلم في ناحية أو قرية كبيرها، فإن أفاد التنويع كمعقلي البصرة، فإنه مع معقلي بغداد صنف واحد، لكن كل واحد منهما يمتاز عن الآخر بصفات وخواص.
فالإضافة إليها تقيد فائدة الأوصاف فيجوز، بل يجب إذا اختلف الغرض على ما سنذكره في وصف المسلم فيه، وإن لم يفد تنويعًا فوجهان:
أصحهما عند الرافعي (^٣): الصحة؛ لأنه لا ينقطع غالبًا ولا يتضيق به المجال.
والثاني: أنه كتعيين المكيال، وعلى هذا وجهان:
أحدهما: تقييد العقد، وأصحهما يصح ويلغوا الشرط لخلوه عن الفائدة، فينبغي أن يقيد كلام المصنف بذلك.
_________________
(١) انظر: المبسوط (١٢/ ١١٠)، بدائع الصنائع (٥/ ٢١١)، المحيط البرهاني (٧/ ١٥٩)، تبيين الحقائق (٤/ ١١٣)، فتح القدير (٧/ ٩٠).
(٢) انظر: عيون المسائل (ص: ٤٢١)، الاستذكار (٦/ ٣٨٥)، المنتقى للباجي (٤/ ٣٠٠)، منح الجليل (٥/ ٣٧٤).
(٣) فتح العزيز (٩/ ٢٧٨).
[ ١ / ٤٦٦ ]
فرع: قال الإمام: "من اعتبر النوعية، فإذا عينها [وبنى] (^١) العقد عليها، فلو فرض تمر بغداد مساويًا لتمر البصرة من كل وجه، فهذا القائل يكتفي به لا محاله، ونقول: لم يكن الغرض التعيين على الحقيقة، ولكن الغرض النوع" (^٢).
المسألة الثالثة: إذا جعل المحل وقتًا لا يؤمن انقطاعه فيه، إن كان ذلك الشيء تمامًا في غير ذلك الوقت والفساد فيه؛ لأنه في معنى المسألة الأولى.
وفي معنى الثانية: إذا عللنا بالمعنى الأول دون ما إذا عللنا بأن التعين ينافي الدينية، فإنه لا يأتي هنا، ولا فرق بين أن يكون انقطاعه وقت المحل مظنونًا أو محتملًا، فلا يصح حتى يكون معلوم الوجود بالعادة، ولو كان يغلب وجوده لكن لا يتوصل إلى تحصيله إلَّا بمشقة عظيمة؛ كالقدر الكبير من الباكورة ففيه وجهان: أقربهما إلى كلام الأكثرين البطلان؛ لأنه عقد غرر فلا يحتمل فيه معاناة المشاق العظيمة.
وأقيسهما عند الإمام (^٣): الصحة، ومن هذا تأخذ شرطًا ذكره الشيخ أبو حامد وغيره في الأجل: أن لا يضره (^٤) إلى الوقت الذي تتسع فيه الثمرة، ويكثر ولا يضر به إلى أول ما يدرك ولا إلى آخرها حيث تكون عزيزة.
فرع: أسلم مسلم إلى كافر في عبد مسلم، قال الروياني: "قال والدي: يحتمل أنه لا يجوز؛ لأنه يندر وجوده. ويحتمل أن يجوز؛ لأنه
_________________
(١) بياض في المخطوطة، وأثبتها من "نهاية المطلب" (٦/ ٣٧).
(٢) نهاية المطلب (٦/ ٣٧).
(٣) نهاية المطلب (٦/ ٣٧).
(٤) في المخطوطة: "أن يضره"، ولعل الصواب ما أثبتناه.
[ ١ / ٤٦٧ ]
يأمر مسلمًا بقضاء دينه بعبده المسلم، ويبذل له قيمته، كما يقول له: أعتق عبدك المسلم عني وعلي كذا، ويغتفر الملك ضمنًا.
قال: ومن قال بالأول، يمنع قضاء الدين ويفرق بينه وبين العتق بأن للعتق مزية" (^١).
* * *
_________________
(١) بحر المذهب (٥/ ١٣٨ - ١٣٩).
[ ١ / ٤٦٨ ]
قال: