ولا يجوز السلم في الطير؛ لأنه لا يضبط بالسِّن، ولا يعرف قدره بالذرع.
هكذا نص عليه في «البويطي» (^١) معللًا بأنه لا يوصف بِسِن ولا ذرع، وذكر البندنيجي أنه لا يعلم أحد رواه غيره، وقال الروياني: «غلطه أصحابنا» (^٢)، والمشهور في كُتب الأصحاب أنه يجوز السلم في الطير.
وممن صرح به الشيخ أبو حامد، وقال في «الروضة»: «الذي قطع به الجماهير» (^٣) فعلى هذا تبين النوع، والصغر والكبر من حيث الجثة، ولا يكاد يعرف سنها، فإن عرف وصف، وعندي في الخروج عما نقله «البويطي» إشكال؛ لأن هذا الخصيص لبعض الحيوانات بالمنع، ولم يعارضه نقل آخر إلا عموم الحيوان، والخاص مقدم على العام.
نعم رأيت في «البحر» في السَّلم في الطيور أن «الشافعي قال: يقول فرخ أو ناهض» (^٤)، وهذا يدل على أنه وجد نص للشافعي بجوازه، وحينئذ
_________________
(١) مختصر البويطي (ص: ٦١٦).
(٢) بحر المذهب (٥/ ١٤٢).
(٣) روضة الطالبين (٤/ ٢٠).
(٤) بحر المذهب (٥/ ١٤١).
[ ١ / ٤٤٤ ]
يعارض ما رواه «البويطي»، وبالجملة ما علمت أحدًا وافق «البويطي» إلَّا المصنف.
ولو كان الطير مذبوحًا، اشترط فيه الوزن بخلاف كونه في حال الحياة حيث يجوز بالعدد إذا جوزنا السلم.
* * *
[ ١ / ٤٤٥ ]
قال:
ولا يجوز [السلم] (^١) في جارية وولدها، [أو] (^٢) جارية وأختها؛ لأنه يتعذر وجود جارية وولدها، أو جارية وأختها على ما وُصف.
المقصود بذلك ما يعز وجوده؛ لندرة اجتماعه، كما ذكر، وكجارية وعمتها أو ابنتي عم، أو شاة وسخلتها؛ لأن وجودهما تلك الأوصاف فيهما إن اتفق فنادر، هكذا أطلقه الشافعي والأصحاب.
وفصل الإمام فقال: «لا يمتنع ذلك في الزنجية التي لا تكثر صفاتها. ويمتنع في السّرية التي تكثر صفاتها» (^٣) وتبعه الغزالي (^٤).
قال الرافعي: «وهذا مفرع على أن الصفات التي يجب التعرض لها تختلف باختلاف الجواري، ولم يُفصل الأئمة القول فيه» (^٥).
قلت: لم يتعرض [لهذا] (^٦) الإمام؛ لأن كثرة الصفات في السرية واجب دون الزنجية، ولعل المراد أن الزنجية لا يذكر في العادة من وصفها إلا ما هو الواجب، ويكثر وجود الولد والأخت معها، وكذلك المولدات في هذه البلاد والحاضنات، فهذا ليس عزيز الوجود فيصح.
وأما المطلوبة للتسري بصفات تزيد على الواجب في وصف الجواري،
_________________
(١) من المطبوع من المهذب، وليست في المخطوطة.
(٢) في المطبوع من المهذب: «ولا في».
(٣) نهاية المطلب (٦/ ٤١).
(٤) الوسيط في المذهب (٣/ ٤٤٠).
(٥) فتح العزيز (٩/ ٢٨١).
(٦) غير موجوده في الأصل، ويقتضيها السياق.
[ ١ / ٤٤٦ ]
فإنه نقل فيهن الولد، فإذا انضم ذلك إلى بلد الأوصاف عز وجوده، وما ذكره الإمام (^١) يوافق وجهًا حكاه الروياني «عن أبي إسحاق: أنه يجوز أن يسلم في جارية معها ولدها في بلد يكثر فيه الجواري، ولا يتعذر وجود ذلك» (^٢).
قال: والصحيح خلافه، ثم أورد الرافعي على الأصحاب «إشكالًا في منع السلم على الإطلاق؛ [لأنهم] (^٣) حكوا عن نصه أنه لو شرط كون العبد كاتبًا، أو الجارية ماشطة، ولمدعٍ أن يدعي نُدرة اجتماع الكتابة، والمشط مع الصفات التي يجب التعرض لها، بل قضية ما أطلقوه تجويز السلم في عبد وجارية بشرط كون هذا كاتبًا وتلك ماشطة، وكما يندر كون أحد الرقيقين ولد الآخر مع اجتماع الصفات المشروطة فيهما، فكذا يندر كون أحدهما كاتبًا، والآخر ماشطًا أمَّا اجتماع تلك الصفات، فليسو بين الصورتين في المنع والتجويز» (^٤).
قلت: وقد نص الشافعي على أن حكم المسألتين مختلف، وفرق بين العينين الموصوفتين وبين الجارية وولدها، ولهم أن يفرقوا بين ما ذكروه، وبين اشتراط كون العبد كاتبًا، أو الجارية ماشطة بأنه مع كونه يسهل تحصيله بالإكساب ليس فيه إلا زيادة وصف الكتابة، أو المشط على الأوصاف المطلوبة.
وأما في الولد فزيادته مع زيادة صفاته مع كونه غير مكتسب، فأين زيادة وصف واحد من زيادة أوصاف أكثر من الأوصاف الأصلية.
_________________
(١) نهاية المطلب (٦/ ٤١).
(٢) في المخطوطة: «لأنه»، ولعل الصواب ما أثبتناه.
(٣) بحر المذهب (٥/ ١٣٦).
(٤) فتح العزيز (٩/ ٢٨١ - ٢٨٢).
[ ١ / ٤٤٧ ]
وأما السلم في عبد وجارية بشرط كون هذا كاتبًا وتلك ماشطة فلا تعلق لأحدهما بالآخر، ولا هو وصف فيه، بل هو سلم في سنين منفصلين بخلاف الجارية وولدها؛ لأن كونها ذات ولد وصف فيها حتى لو أحضر جارية وعبدًا ليس ولدها على الوصف المطلوب فيهما غير الولدية لم يجب قبوله، ولا يكن كمن أحضر بعض المسلم فيه، وفي العينين المنفصلين لو أحضر إحداهما بصفها كان قد أحضر بعض المسلم فيه، فلم يلزم التسوية بين الصورتين.
فرع: حكم البهيمة وولدها، حكم الجارية وولدها، نص عليه الشافعي.
* * *
[ ١ / ٤٤٨ ]
قال:
وفي الجارية الحامل طريقان:
أحدهما: لا يجوز السلم فيها؛ لأن الحمل مجهول.
والثاني: يجوز؛ لأن الجهل بالحمل لا حكم له مع الأم، كما تَقول في بيع الجارية الحامل.
مقتضاه أنهما طريقتان قاطعتان، والذي حكاه الرافعي (^١) وسائر الأصحاب طريقان:
طريقة المنع، وهي أظهر عنده، وعند القاضي أبي الطيب، وابن الصباغ.
وطريقة أنه على قولين بناء على أن الحمل، هل له حكم أو لا؟
إن قلنا: نعم جاز وإلا فلا؛ لأنه لا يعرف حصوله، وهما كالقولين في الشراء بهذا الشرط، وهي طريقة أبي إسحاق، وأبي علي الطبري، وابن القطان، والشيخ أبي حامد، والذي رأيته منصوصًا عليه المنع.
وقد عد النووي (^٢) هذا الموضع التي أطلق المصنف فيها الطريقين على الوجهين، فإنه قد يأتي ذلك وعكسه؛ لاشتراك الطرق والوجوه في أنهما من كلام الأصحاب، ولك أن تقول: إنما يحسن ذلك لو كان في المسألة وجهان، والمنقول في المسألة طريقان كما تقدم، فلعل المصنف أطلق الطريقين على القولين اختيارًا لطريقة القولين، أو ذَكَرَ الطريقين، واقتصر من الثانية على أحد القولين.
_________________
(١) فتح العزيز (٩/ ٢٨٢).
(٢) روضة الطالبين (٤/ ١٧ - ١٨).
[ ١ / ٤٤٩ ]
وذكر الرافعي (^١): أنهم عللوا طريقة المنع بأن اجتماع الحمل مع الصفات المشروطة نادر، قال: «وهذا يؤيد الإشكال الذي أوردناه» (^٢) يعني ما تقدم في الجارية وأختها أو ولدها، فإن أراد الصحة هناك فليس في هذا تأييد له؛ لأن الحكم هنا، وإن أراد أنه ينبغي لأجله أن يمتنع في إذا شرط كون العبد كاتبًا والجارية ماشطة، كما أورده فيما تقدم، فهو إنما يرد على من علل بالعلة التي ذكرها.
أما علة المصنف ومن وافقه، فلا يرد عليها لكن للرافعي أن يقول: أن التعليل بالجهل يشكل عليه أن الأصح: صحة بيع الجارية بشرط أنها حامل، فإذن يلزم أحد أمرين:
إما صحة السلم فيها، وإما امتناعه إذا شرط كونها ماشطة، وطريق الانفصال عن هذا السؤال بأن يمنع الندور في شرط كونها ماشطة أو كونه كاتبًا؛ لأن ذلك مما يكتسب بالتعلم، فيسهل تحصيله تحمل الحمل، وأيضًا فقد يحصل ما في الجمل من الجهالة المغتفرة في البيع مع الندرة المغتفرة في مثلها في شرط الكتابة، والمشط هو العلة، وإذا كان المانع مجموع الأمرين لم يرد شيء من السؤالين، والجواب الأول أحسن، وعلى هذين الجوابين لا يتجه تعليل المصنف بالجهل وحده؛ لأنه غير كاف، أو غير صحيح.
وجواب ثالث يصح معه كلام المصنف، وهو أن جهالة الحمل مغتفرة في البيع؛ لأنه متعلق بالعين، وشرط الحمل شرط وصف فيه، وأما السلم فإنه متعلق بالأوصاف، فكان الحمل مقصودًا ومسلمًا فيه، وكذلك يبطل كما لو باعها وحملها، وهذا أحسن الأجوبة.
_________________
(١) فتح العزيز (٩/ ٢٨٢).
(٢) المصدر السابق.
[ ١ / ٤٥٠ ]
فرع: حكم البهيمة الحامل في ذلك حكم الجارية نص عليه الشافعي، ولو أسلم في جذعه، فسلمها إليه حاملًا، له الامتناع؛ لأنه ربما يريد أن يستعملها، أو له فيها غرض لا يحصل ذلك من الماخض، فقلنا له الامتناع عن قبولها بخلاف الزكاة، فإن الغرض فيها الدر والنسل، ذكره القاضي.
* * *
[ ١ / ٤٥١ ]
قال:
وفي السلم في شاة لبون، قولان:
أحدهما: لا يجوز؛ لأنه سلم في شاة ولبن مجهول.
والثاني: يجوز؛ لأن الجهل باللبن لا حكم له مع الشاة، كما نقول في بيع شاة لبون.
القولان منصوصان، وذهب الشيخ أبو حامد إلى ترجيح قول الجواز هكذا حكى عنه.
قال الرافعي: "لكن قضية توجيه أظهر الطريقين في صورة الحمل تقتضي ترجيح المنع هنا أيضًا، وبه أجاب صاحب "التهذيب" (^١).
قلت: قال الشافعي في "الأم" في باب صفات الحيوان: "إذا كانت دينًا أنه أشبه القولين بالقياس" (^٢)، ورأيت الشيخ أبا حامد ذكر الوجهين في "تعليقه" من غير ترجيح، وعلل الجواز بأنه إنما يريد أنها على صفة يكون لها اللبن.
قلت: وهذا تحقيق مناط إن فرض أن الأمر كذلك، فالحق الجواز، وإنما يتجه الخلاف والمنع فيما إذا شرط وجود اللبن معها، وهو المفهوم من كلام المصنف وغيره.
وقد أيقن الماوردي المسألة فقطع بالجواز فيما إذا شرط أنها لبون بمعنى أنها مما تدر لبنًا، وخص القولين بما إذا كان على معنى أن معها لبنًا، وحينئذٍ
_________________
(١) فتح العزيز (٩/ ٢٨٣).
(٢) الأم (٣/ ١٢١).
[ ١ / ٤٥٢ ]
يبعد المصير إلى الجواز، ويتعين المنع، كما أجاب صاحب "التهذيب"، وليس كذلك لما ذكره الرافعي (^١) في مسألة الحمل من التعليل بندرة الوجود؛ لأن اللبن في الشاة كثير أو غالب، وإنما هو لأجل الجَهالة، فإن قلت: الصحيح أن الحمل يُعلم، وأن بيع الجارية بشرط أنها حامل جائز.
قلت: بيع الجارية بشرط أنها حامل بيع معين، والشرط وصف فيه، وأمّا السلم فإنه متعلق بالوصف، فهو كبيع الجارية وحملها، وقد تقدم شيء من هذا في الجارية الحامل.
* * *
_________________
(١) فتح العزيز (٩/ ٢٨٢).
[ ١ / ٤٥٣ ]
قال: