وإن أسلم في جنسين إلى أجل، أو في جنس إلى أجلين؛ ففيه قولان، أحدهما: أنه لا يصح؛ لأن ما يقابل أحد الجنسين أقل مما يقابل الآخر، وما يقابل [أبعدهما] (^١) أجلًا أقل مما يقابل الآخر، وذلك مجهول؛ فلم يجز.
والثاني: أنه يصح وهو الصحيح؛ لأن كل بيع جاز في جنس واحد وأجل واحد جاز في جنسين وفي أجلين كبيع الأعيان، ودليل القول الأول يبطل بيع الأعيان، فإنه يجوز إلى أجلين، وفي جنسين مع الجهل بما يقابل كل واحد منهما.
القول الأول نص عليه في الأجلين في آخر باب الآجال في السلف (^٢)، وفي باب بيع الحيوان والسلف فيه (^٣)، وفي "الإملاء" وفي "البويطي" (^٤) أيضًا بصيغة تقتضي ترجيحه، والقول الثاني حكاه في "البويطي" (^٤) أيضًا في
_________________
(١) في المطبوع من المهذب: "أحدهما".
(٢) الأم (٣/ ٣١).
(٣) الأم (٣/ ١١٩).
(٤) مختصر البويطي (ص: ٦١٠).
[ ١ / ٥٢٨ ]
الأجلين، وهو في موضع آخر في "الأم" في الجنسين.
والصحيح: الصحة في المسألتين، كما قال المصنف، وممن صححه الشيخ أبو حامد وابن الصباغ والبغوي (^١) والرافعي (^٢) والنووي (^٣) وغيرهم (^٤)، وممن قال به مالك (^٥)، وفاوت البغوي في نقل الخلاف فحكى في الأجلين وجهين وفي الجنسين قولين، وما بينته لك من نصوص الشافعي يبعد ذلك.
واستدلوا للقول الأول أيضًا بأنه ربما يتعذر تسليم بعض النجوم أو بعض الأجناس، فيرتفع العقد فيه، ويتعدى إلى الباقي، قال الرافعي: "والخلاف ناظر إلى أن الصفقة هل تفرق؟ " (^٦). وكلام الشافعي والأصحاب يدل على أن القول الأول مأخوذ من وجوب، ومحل الخلاف فيما إذا لم يفصل الثمن، أما إذا فصل فيجوز، نبه عليه في "البويطي" (^٧).
ومن أمثلة المسألة: لو أسلم في ثلاثين رطلًا لحمًا فأخذها كل يوم رطلًا، ومفهوم كلام المصنف أنه إذا أسلم في جنسين حالًّا أنه لا يجري الخلاف، وعليه يقتضي جريان الخلاف.
والذي فهمته من إطلاق كلام الشافعي والماوردي أن الخلاف يجري سواء أكان رأس المال جزافًا أو معلومًا، إلَّا أن يبين حصة كل واحد من الثمن؛ لأنه إذا كان معلومًا كان ما يخص كل واحد كالجزاف، ولو أسلم
_________________
(١) التهذيب (٣/ ٥٧٢).
(٢) فتح العزيز (٩/ ٢٤٠).
(٣) روضة الطالبين (٤/ ١١).
(٤) انظر: الحاوي (٥/ ٣٩٩)، البيان (٥/ ٤٣٢).
(٥) انظر: التاج والإكليل (٦/ ٥٣٠)، حاشية الدسوقي (٣/ ٢١٥).
(٦) فتح العزيز (٩/ ٢٤١).
(٧) انظر مصدره السابق.
[ ١ / ٥٢٩ ]
في عشرة أكرار حنطة، فهو جنس واحد لا يجري فيه خلاف، ولو أسلم في كُرَّين من حنطة على أن يأخذ بأحدهما رهنا وضمينًا قال الماوردي: "جاز على القولين جميعًا [لأنها وثيقة] (^١) لا تتعلق؛ بالثمن" (^٢).
وقول المصنف: لأن ما يقابل أحد الجنسين أقل مما يقابل الآخر، أي: قد يكون أقل، فإن العقد يقتضي توزيع الثمن عليهما، وما يقابل أبعدهما أجلًا أقل مما يقابل أقلهما لا محالة؛ لأن زيادة الأجل يقابلها قسط من الثمن، وقوله كبيع الأعيان أي: إذا باع جنسين معينين بثمن واحد، فإن الثمن يقسط عليهما، ولا نعلم ما يخص كلًّا منهما، وإن كنا نعلم أن
قيمتهما مختلفة.
* * *
_________________
(١) في المخطوطة: "لأنهما ومنعه"، والمثبت هو الصواب كما في الحاوي (٥/ ٣٩٩).
(٢) الحاوي (٥/ ٣٩٩).
[ ١ / ٥٣٠ ]
قال: