وإن أسلم إليه في طعام بالكيل، أو اشترى منه طعامًا بالكيل، فدفع إليه الطعام من غير كيل لم يصح القبض؛ لأن المستحق قبض بالكيل فلا يصح قبض بغير كيل، فإن كان المقبوض باقيًا رده على البائع ليكيله له، وإن تلف في يده قبل الكيل تلف من ضمانه؛ [لأنه] (^١) قبض من غير حقه، وإن ادعى أنه كان دون حقه فالقول قوله؛ لأن الأصل أنه لم يقبض إلا ما ثبت بإقراره.
وإن باع الجميع قبل الكيل لم يصح؛ لأنه لا يتحقق أن الجميع له، وإن باع منه القدر الذي يتحقق أنه له، ففيه وجهان؛ أحدهما: أنه يصح، وهو قول أبي إسحاق؛ لأنه دخل في ضمانه فنفذ بيعه فيه، كما لو قبضه بالكيل.
والثاني: لا يصح، وهو قول أبي علي بن أبي هريرة، وهو المنصوص في الصرف؛ لأنه باعه قبل وجود القبض المستحق بالعقد، فلم يصح بيعه كما لو باعه قبل أن يقبضه.
الحكم المذكور مطرد في المكيل والموزون إذا قبضهما جزافًا، وما صدر به المصنف من عدم صحة القبض لا يكاد يعرف فيه خلاف إلا ما
_________________
(١) في المخطوطة: "لا"، وما أثبتناه من المطبوع من المهذب.
[ ١ / ٥٨١ ]
حكيناه في باب الربا عن الشيخ أبي محمد في تقابض الصبرتين من غير كيل، أنه حكى في صحته وفساده وجهين، وجماهير الأصحاب مطبقون على إطلاق الفساد ونصوص الشافعي دالة عليه، بل وجميع العلماء.
واعترض الإمام (^١) بأن إطلاق الفساد إنما يستمر إذا منعنا التصرف، ومال إلى ما قاله شيخه، ولا فرق في ذلك بين أن يقبضه المستحق اعتمادًا على إجبار من عليه أنه قدر حقه أو لا.
ولو أسلم كيلًا فقبض بالوزن، أو وزنًا فقبض بالكيل، لم يصح القبض، كما لو قبض جزافًا، نص عليه الشافعي (^٢) والأصحاب.
ولو اكتاله بغير الكيل الذي وقع عليه العقد، كما لو باع صاعًا فاكتاله بالمد، أو قفيزًا فاكتاله بالمكوك الذي هو ربعه أو ثمنه أو باعه ويبة فاكتالها بالربع فهل يكفي؟ فيه وجهان في "الحاوي"، رجح ابن الرفعة (^٣) عدم الاكتفاء للتفاوت.
ونص الشافعي في "الأم" (^٤) يدل على أنه لابد أن يكون بكيل مثل ذلك الكيل، فإن فرض ترجح عدم الصحة، كما قال ابن الرفعة.
وقول المصنف: "إنه إن كان باقيًا رده على البائع ليكيله له" هو نتيجة الحكم بالفساد، ومن يقول بالصحة كما حكاه الشيخ أبو محمد، يحتمل: أن يقول بذلك أيضًا ليتم القبض بالكيل.
ويحتمل: أن يقول: لا يجب بل يكتاله، فإن كان زائدا رد الزائد، وفي كلام بعضهم ما يقتضيه.
_________________
(١) نهاية المطلب (٦/ ١٨٦ - ١٨٧).
(٢) الأم (٣/ ٩٩).
(٣) كفاية النبيه (٩/ ٥٢).
(٤) انظر مصدره السابق.
[ ١ / ٥٨٢ ]
وقوله: إنه إن تلف في يده تلف من ضمانه هو مقتضى ما جزم به الرافعي (^١) في باب القبض، ونقل الإمام (^٢) الوفاق عليه، لكن الرافعي (^٣) في باب بيع الثمار حكى وجهين في انفساخ العقد بتلفه في يد المشتري قبل الكيل.
ومقتضى القول بالانفساخ أنه لا يضمنه ضمان العقود؛ فعلى هذا يأتي في مسألتنا هنا وجهان:
أحدهما: أنه يتلف من ضمانه أعني ضمان العقود، ولا يبقى له على المسلم إليه شيء.
والثاني: أنه يضمنه ببدله ضمان، يد ويكون المسلم فيه باقيا له في ذمة المسلم إليه، وهو مقتضى كلام الماوردي في باب السلم، وهو مناقض لما قدمه في باب بيع الطعام، لكن المذكور هنا هو القياس.
وتعليل المصنف يشعر بالأول، وأنه يضمنه ضمان العقود كما اقتضاه كلام القاضي أبي الطيب، والماوردي في أحد قوليه، والمحاملي، ولا يوافق ذلك الحكم بفساد القبض، بل ينبغي إذا قلنا بفساد القبض لا يترتب عليه حكم، وينفسخ العقد بتلفه إذا كان معينًا، ولا يضمنه ضمان العقود، ولا يصح تصرفه في شيء منه، كما سيأتي.
وإن قلنا بصحة القبض انعكست هذه الأحكام، وحيث نص الشافعي على فساد القبض وفساد التصرف فقياسه أن المقبوض يتلف على البائع.
نعم: إذا تلف على ملك الدافع، وهو مثلي، فله عليه مثله، فيجري التقاص فيه مع المسلم فيه، فإن تساويا برئت ذمة المسلم إليه، وإن كان
_________________
(١) فتح العزيز (٩/ ٣٣٦).
(٢) نهاية المطلب (٥/ ١٨٦ - ١٨٧).
(٣) فتح العزيز (٨/ ١٧١).
[ ١ / ٥٨٣ ]
المدفوع أقل رجع المسلم بالتكملة، وإن كان أزيد رد الزائد إن ادعى أنه قدر حقه، وبذلك صرح القاضي أبو الطيب، وهو مقتضى كلام الماوردي (^١) في باب بيع الطعام، وكلام المحاملي هنا وصرحوا ببراءة ذمته منه، وقول القابض أنه دون حقه مقبول مع يمينه بلا خلاف، نص عليه الشافعي (^٢) بعد قوله: ولو أعطاه طعامًا يصدقه في كيله، لم يجز.
قال الأصحاب: لم يرد الشافعي أنه اعترف بصحة الكيل، فإنه حينئذ لا تسمع دعواه، وإنما أراد قبول خبره، وحمله على الصدق.
قال القاضي أبو الطيب: ولأن تصديقه في كيله لا يمنع صحة دعواه؛ لأن الكيال قد يبخس فينقص، وقد يوفي فيزيد، ولهذا نقول: إذا خرج زائدًا سلمت الزيادة للبائع، وإن كان قد أقر بأنه عشرة أقفزة.
قلت: وهذا من القاضي يوافق من يقول في المرابحة إذا بين لغلطه وجهًا محتملًا قبل، ولا فرق فيما إذا قبض جزافًا بين أن يدعي نقصانًا قليلًا أو كثيرًا، نص عليه الشافعي والأصحاب، بخلاف ما إذا كان قبضه بالكيل، وقال الأوزاعي والنووي: إن القول قول البائع وعدم صحة بيع الجميع متفق عليه بين الأصحاب غير الإمام (^٣).
ومقتضى قول من يقول بصحة القبض أنه إن كانت زائدة يبطل في الزائد وفي القدر المستيقن قولًا تفريق الصفقة، ولم يصرح به أحد من الأصحاب غير الإمام، وهو الحق إذا قيل بصحة القبض، وإن كانت سواء أو ناقصة فيصح كما لو باع مال أبيه على ظن أنه حي، فإذا هو ميت.
والوجهان في بيع القدر المستيقن مشهوران، وصورته أن يبيع من الصبرة
_________________
(١) الحاوي الكبير (٥/ ٢٣٣).
(٢) مختصر المزني (٨/ ١٨٠).
(٣) نهاية المطلب (٥/ ١٨٥).
[ ١ / ٥٨٤ ]
المقبوضة قدر حقه على الإشاعة أو الإبهام كقوله: بعتك صاعًا منهذه الصبرة إذا كان يعلم أن حقه صاع، أما إذا أفرز صاعًا وباعه معينًا فهو كما لو باع الجميع لعدم الكيل المعتبر، والقسمة الصحيحة.
إذا عرف ذلك فالشيخ أبو حامد والمحاملي، صححا ما قاله أبو إسحاق، والجمهور على ما قاله الرافعي ماعدا ابن أبي هريرة.
ونسبة المصنف ذلك إلى النص تشعر بميله إليه، وهو مقتضى الحكم بفساد القبض، وإلا فإذا صح التصرف لا معنى للفساد كما قال الإمام (^١)، وتكلف الشيخ أبو حامد وموافقوه من القائلين بصحة التصرف مع حكمهم بفساد القبض بأن المراد بالفساد قبول قول القابض في مقداره، وقد تقدم ما في ذلك.
والعمدة في امتناع البيع ما روى جابر أن النبي ﷺ قال: "مَنِ اشْتَرَى طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَكْتَالَهُ". رواه مسلم (^٢). خرج الجزاف بدليل معينًا (^٣) فيما عداه على مقتضى الحديث.
فرع
حكم المذروع إذا سلمه بغير ذرع والمعدود إذا سلمه بغير عدد حكم المقبوض جزافًا في جميع ما تقدم نص عليه الأصحاب خلافًا لأبي حنيفة (^٤).
* * *
_________________
(١) هكذا جاءت في المخطوطة.
(٢) نهاية المطلب (٥/ ١٨٦).
(٣) مسلم (١٥٢٥).
(٤) انظر: تبيين الحقائق (٤/ ١١١)، فتح القدير (٧/ ٧١)، البحر الرائق (٦/ ١٦٩).
[ ١ / ٥٨٥ ]
قال:
وإن دفع إليه بالكيل ثم ادعى أنه دون حقه، فإن كان ما يدعيه قليلًا، قبل منه، وإن كان كثيرًا، لم يقبل منه؛ لأن القليل يبخس به، والأصل عدم القبض، والكثير لا يبخس به؛ فكأن دعواه مخالفة للظاهر فلم يقبل.
ذكر المصنف المسألة في باب اختلاف المتبايعين وتكلمنا عليها هناك، وحكى فيها قولين؛ لكن يحتمل: أن يفرق بين تلك فإنها في قبض المعين كعشرة أقفزة من صبرة معينة، وبين هذه التي في قبض ما في الذمة؛ وتكون دعوى نقصان الكثير لا تقبل في الموضعين، ودعوى نقصان القليل الواحد من عشرة تقبل هنا، وفي المعين قولان لكن هذا مخالف لكلام الأصحاب.
ويحتمل: أن تكون المسألتان، سواء، ويكون هذا التفصيل مخالفًا لحكاية الخلاف هناك، وعلى ذلك حمله الفارقي، وغيره وكذلك الرافعي حكى القولين في المسألتين، وأن صاحب "التهذيب" (^١) رجح قبول قوله، وأن مقابله أصح عند القاضي أبي الطيب وغيره، ونبه البغوي (^٢)، والرافعي (^٣).
على أن النقص لو كان بقدر ما يقع مثله في الكيل والوزن قُبِلَ قوله قولًا واحدًا؛ فإن حملنا القليل في كلام المصنف هنا على ذلك صحَّ، وكان قوله أنه لا يقبل في الكثير موافقًا لأبي الطيب، ولأبي حامد وغيرهما، ومخالفًا
_________________
(١) التهذيب (٣/ ٥٠٣).
(٢) انظر مصدره السابق.
(٣) فتح العزيز (٨/ ٤٤٨).
[ ١ / ٥٨٦ ]
لصاحب "التهذيب".
وقد ذكر القاضي أبو الطيب في باب بيع الطعام هذا التفصيل الذي ذكره المصنف هنا بعينه، وكذلك الشيخ أبو حامد، وإن حملنا القليل على الواحد من العشرة؛ كما قاله الفارقي كان القول بقبول قوله مخالفًا لطريقته، وموافقا لصاحب "التهذيب" (^١)؛ كما نبهت عليه في باب اختلاف المتبايعين؛ فحمله على الأول أولى، ولينظر تمام ما قلناه هناك.
فرع
قال الشافعي والأصحاب: إذا دفع بالكيل فعليه أن يملأ القفيز ويصب على رأسه من غير أن يزعزعه ويكيفه، أو يضع الكف على جوانبه أو يدق عليه بل يعطيه بما حمل رأسه، ولا يمسحه، ولو جرت العادة بذلك على ما صرح به الشيخ أبو حامد، فإذا اكتال على هذه الصورة لم يحصل ظلم للبائع ولا للمشتري.
* * *
_________________
(١) التهذيب (٣/ ٥٠٣).
[ ١ / ٥٨٧ ]
قال: