ولا يجوز فيما عمل فيه النار كالخبز والشواء؛ لأن عمل النار فيه يختلف ولا يضبط، واختلف أصحابنا في اللِّبأ المطبوخ.
فقال الشيخ أبو حامد الأسفراييني ﵀: لا يجوز؛ لأن النار تعقد أجزاءه، ولا يضبط وقال [شيخنا] (^١) القاضي أبو الطيب [الطبري] (^٢) ﵀: [يجوز] (^٣) لأن ناره لينة.
ما ذكره من امتناع السلم في الخبز هو الصحيح عند الأكثرين.
وفي «النهاية» (^٤): أن الصحيح الجواز، واختاره الفارقي والغزالي (^٥)، وهو مذهب أحمد (^٦)، وقال الروياني: «إنه اختيار مشايخ خراسان» (^٧)،
_________________
(١) سقطت من المطبوع من المهذب.
(٢) ، (^٣) من المطبوع من المهذب.
(٣) نهاية المطلب (٦/ ٤٤).
(٤) الوسيط في المذهب (٣/ ٤٤١).
(٥) : انظر المبدع (٤/ ٧١)، شرح منتهى الإرادات (٢/ ٩٠)، كشاف القناع (٣/ ٢٩٢)، مطالب أولي النهى (٣/ ٢١١).
(٦) بحر المذهب (٥/ ١٣٣).
[ ١ / ٤٢٠ ]
وكلام الإمام يقتضي أنهم يرون أن تأثير النار فيه مضبوط، وطردوا ذلك في الدبس والسكر والفانيذ، وأشار الإمام إلى طريقة قاطعة بجواز السلم في السكر والفانيذ.
والماوردي (^١) عكس، فحكى الوجهين في السكر والدبس، وجزم بالمنع في الخبز، وصحح في السكر الجواز، ومحل الوجهين في الدبس فيما أثرت فيه النار، ولم يضبطه الماء، فإن حصل فيه ما لم يجز قطعًا، وإن لم تمسه النار ولا حصل فيه ما [. . .] (^٢) الرطب، جاز قطعًا.
وأما ما تأثير النار فيه غير مضبوط بالعادة، كاللحم المطبوخ والمشوي، فلا خلاف في منع السلم فيه أعلمه إلا ما حكي عن الجيلي؛ أنه أثبت الخلاف فيه، وهو غريب في النقل، وأصح الوجهين في البِّبأ المنع، كما قال أبو حامد، كذلك قال صاحب «التهذيب» (^٣)، وبه جزم المتولي، والماوردي (^٤).
واختار الإمام (^٥) الجواز، وذلك منه موافق لطريقة الخراسانيين، فإنهم إذا اختاروا الجواز في الخبر الذي جزم فيه العراقيون بالمنع، فلا يجوز. [وما] (^٦) تردد العراقيون فيه أولى، وقد قال النووي في «الروضة» (^٧) بعد أن ذكر الدبس والعسل المصفى بالنار، والسكر، والفانيذ، واللِّبأن إنه الغزالي (^٨)، وصاحب «التتمة» ممن اختار الصحة في هذه الأشياء، وليس كما قال، وإنما إختار صاحب «التتمة» الجواز في اللِّبأ قبل أن يخلط باللبن
_________________
(١) الحاوي الكبير (٥/ ٣٥٣).
(٢) هنا بياض قدر كلمتين.
(٣) التهذيب (٣/ ٥٧٩).
(٤) الحاوي الكبير (٥/ ٣٥٣).
(٥) نهاية المطلب (٦/ ٤٤).
(٦) في المخطوطة: «وأما»، ولعل الصواب ما أثبتناه.
(٧) روضة الطالبين (٤/ ٢٢).
(٨) الوسيط في المذهب (٣/ ٤٤١).
[ ١ / ٤٢١ ]
ويطبخ، أما بعد الطبخ فلا، وجزم بالحكمين في القسمين، وأظن النووي طالع أول كلامه ولم ينظر الثاني، ولا يمكن [حمل] (^١) كلامه في «الروضة» على اللِّبأ الذي لم يطبخ؛ لأنه لا خلاف فيه، ولأن الرافعي لم يتكلم فيه، ثم إن النووي ذكر في «التصحيح» (^٢) أن الأصح صحة السلم في السكر، والفانيذ، والدبس، واللِّبأ، وجعل نارها ونار الآجر والجص لطيفة.
فأما الأجر والجص فالحكم صحيح وتوجيهه ما سيأتي، وأما الأربعة ففي تصحيحه فيها نظر، ولكنه موافق لقولهم في باب الربا: إنه يجوز بيع بعضه ببعض، وقد أطلق الشافعي في «الأم» (^٣) جواز السلم في اللِّبأ ومراده والله أعلم: الطري الذي لم يطبخ، وذكر أن المعتبر فيه الوزن [لتكبسه] (^٤) وتجافيه.
قال الأصحاب: اللِّبأ الذي لم يطبخ وهو الذي إذا ولدت البهيمة ترك حتى يجمد ويجف يجوز السلم فيه بلا خلاف، ومعياره الوزن، فأما قبل الجفاف فمعياره الكيل كاللبن، وقد يكون اللِّبأ قبل الولادة.
وذكر إسماعيل الحضرمي في «كتابه على المهذب» أن اللِّبأ المطبوخ بالشمس يجوز السلم فيه قطعًا، وكون اللِّبأ يطبخ بالشمس قد يستنكر إلَّا أن يكون في البلاد المفرطة الحرارة، ويقرب من صور الخلاف.
كما قال الرافعي: «التردد في السلم في «الماء ورد»، وقد تردد فيه صاحب «التقريب» (^٥)، وحكى الماوردي (^٦) فيه وجهين عن الأصحاب؛
_________________
(١) في المخطوطة: «أحمل»، ولعل الصواب ما أثبتناه.
(٢) تصحيح التنبيه (١/ ٣٠٧).
(٣) الأم (٣/ ١١٠).
(٤) في المخطوطة: «لتليه»، ولعل ما أثبتناه هو الصواب.
(٥) فتح العزيز (٩/ ٣٠٢).
(٦) الحاوي الكبير (٥/ ٣٥٣).
[ ١ / ٤٢٢ ]
لاختلاف تأثير النار فيما يتصعد ويفطر، واستبعد الإمام (^١) وجه المنع، وقال الروياني: «الجواز أصح عندي وعند عامة الأصحاب» (^٢).
والعسل المصفى بالشمس يجوز قطعًا.
وفي العسل المصفى بالنار الوجهان في الدبس ونحوه هذا، قال الرافعي وذكر أن مما يوجبه به المنع أن النار تعيبه ويسرع الفساد إليه.
قلت: ويشهد له أن الشافعي نص (^٣) على أنه إذا أسلم في العسل المصفى، فأحضر إليه المصفى بالنار لم يجب قبوله؛ لأن النار تُغَير طعمه فينقص ثمنه، ولكن تصفية له بغير نار، وشرط القاضي حسين في ذلك أن تكون النار أثرت فيه تعقد الأجزاء، أما إذا لم يؤثر فيه أثرًا بينًا، فيجوز كالمصفى بالشمس، وكذلك يقتضيه كلام المحاملي، والشيخ أبي حامد، فلينزل كلام مَن أطلق عليه السمن المصفى بالنار، فليست التصفية بالنار عيبًا فيه؛ لأنها لا تؤثر في طعمه بخلاف العسل، فإنها تؤثر في طعمه، قاله الماوردي (^٤)، وفي الرافعي (^٥) وابن الرفعة (^٦)، أنه كالعسل وهو بعيد.
قسم الماوردي ما دخلته النار إلى أربعة أقسام: قسم دخلته لاستهلاك أجزائه؛ كالأدهان المغلية، فيمتنع السلم فيه، وقسم دخلته لتنقله من حال إلى حال، كالمعتصر من الفواكه والأعناب فيمتنع أيضًا، وقسم دخلته للتمييز والتصفية، كالعسل والسمن، فيجوز، وقسم دخلته لانعقاد أجزائه كالسكر فيجوز أيضًا.
_________________
(١) نهاية المطلب (٦/ ٤٤).
(٢) بحر المذهب (٥/ ١٣٣).
(٣) الأم (٣/ ١٣٢).
(٤) الحاوي الكبير (٥/ ٣٥٣).
(٥) فتح العزيز (٩/ ٣٠٢).
(٦) كفاية النبيه (٩/ ٣٤٠).
[ ١ / ٤٢٣ ]
فرع: الطوب الآجر يجوز السلم فيه على الصحيح المنصوص، قال الشافعي: في آخر كتاب السلم من «الأم»: «والماء فيه مستهلك، والنار شيء ليس منه فيه، وإنما لها فيه أمر صلاح» (^١).
ونقل الإمام (^٢) فيه خلافًا للأصحاب كالدبس، فعلى الصحيح يذكر فيه التربة والقالب طولًا وعرضًا وسمكًا، واللون وصفة الطبخ، ويستحب الوزن، ويجعل السلم في الجص أيضًا على الأصح كالآجر.
قال الماوردي: قال أصحابنا: ولا يجوز السلم في الآجر الملهوج، وهو الذي لم يكمل نضجه فاحمر بعضه واصفر بعضه.
قلت: والمنع من ذلك ظاهر لاختلافه.
فرع: جزم الروياني (^٣) بامتناع السلم في الكعك.
* * *
_________________
(١) الأم (٣/ ١٣٤).
(٢) نهاية المطلب (٦/ ٥١).
(٣) بحر المذهب (٥/ ١٣٣).
[ ١ / ٤٢٤ ]
قال: