ولا يثبت فيه خيار المجلس وخيار الشرط؛ لأن الخيار يراد للفسخ، وفي القرض: يجوز لكل منهما أن يفسخ إذا شاء، فلا معنى لخيار المجلس وخيار الشرط […] (^١) هذا صحيح جزم به البغوي (^٢) وغيره، ومن يقول من أصحابنا: إنه ليس للمقرض الرجوع في عين ما أقرضه بعد القبض؛ لا يستقيم عنده التعليل بما ذكره المصنف.
وقياسه أن يلحق القرض بالهبة المطلقة إذا قلنا باقتضائها الثواب، وإن الإثابة واجبة، وفي ثبوت الخيار فيها بعد القبض خلاف، الأصح المنع، ولم أر من صرح به هنا بل كلامهم يقتضي خلافه، ألا ترى أن البغوي جزم بأنه ليس له الرجوع في عينه على المذهب في أنه يملك بالقبض، وجزم بأنه لا خيار، أما قبل القبض، فلا خيار؛ جزمًا فيهما؛ لكون العقد جائزًا.
* * *
_________________
(١) هنا بياض بمقدار ثلاث كلمات أو أربعة تقديرًا.
(٢) التهذيب (٤/ ٣٨٥).
[ ١ / ٦٣٥ ]
قال:
ولا يجوز شرط الأجل فيه؛ لأن الأجل يقتضي جزءًا من العوض، والقرض لا يحتمل الزيادة والنقصان في عوضه؛ فلا يجوز شرط الأجل فيه.
أي: لا يصح شرط الأجل، ولا يثبت الأجل في القرض عندنا، وعند أبي حنيفة والأوزاعي والحارث العُكْلي، وقال مالك (^١)، والليث بن سعد: إذا شرط الأجل يثبت ولا يطالب به حتى يحل الأجل، وحكي نحوه عن علي وابن عباس، وذكر الماوردي (^٢) أن بعض أصحابنا كان يغلط، فيذهب إلى جوازه متمسكًا من كلام الشافعي في التفليس بما ليس دالًّا على ذلك.
واستدلوا بأدلة عامة في الوفاء بالشروط، ولنا مثلها في إبطال الشروط التي لا دليل عليها، وما ذكره المصنف دليل خاص لا يعارضه شيء، إذا ثبت أن شرط الأجل في القرض لا يصح؛ فهل يفسد به القرض؟ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: نعم، لمنافاته فهو كشرط رد الصحيح عن المكسر أو الجَيِّد عن الرديء؛ فإنه يفسد القرض على المشهور.
والثاني: لا، بل يصح حالًّا؛ لأن الأجل وإن كان غير لازم، فتأخيره من غير شرط جائز فلم يتنافياه.
هذا قول ابن أبي هريرة، وهو المفهوم من كلام كثير من المتقدمين، وبه جزم المتولي؛ كما لو شرط رد المكسر عن الصحيح؛ فإن القرض يصح
_________________
(١) انظر: المدونة (٣/ ٨٠)، الكافي (٢/ ٦٩٢)، المقدمات الممهدات (٢/ ٢٩).
(٢) الحاوي الكبير (٥/ ٣٥٥).
[ ١ / ٦٣٦ ]
على الأصح، ويلغو الشرط.
والثالث: إن كان للمقرض غرض في التأجيل بأن كان وقت نهب وغارة فسد القرض به؛ لأنه قرض يجر نفعًا.
وإن لم يكن له فيه غرض؛ بل غرضه نفع المستقرض والإهمال عليه صح القرض، وكان حالًّا؛ لأن نفع المستقرض لا ينافي القرض، بخلاف نفع المقرض، وهذا ذكره القاضي حسين اختيارًا لنفسه، قال فيه: "وينبغي أن يقال". وجزم به البغوي (^١)، وصححه الرافعي (^٢)، وهو حسن قوي في المعنى، وسيأتي في كلام المصنف الخلاف في فساد القرض بفساد الشرط مطلقًا.
وليس غرض المصنف هنا إلَّا الحكم بفساد الشرط، ولكنا أردنا أن نستوفي الكلام في الأجل وإنما لم يثبت الأجل، وإن قصد به رفق المستقرض؛ لأنه يقابله قسط من العوض؛ فيصير في معنى شرط أن يردَّ أقل مما أخذ، وقد ورد في البخاري (^٣) أن النبي ﷺ ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ فَقَالَ: ائْتِنِي بِالشُّهَدَاءِ. فَقَالَ: كَفَى بِاللهِ شَهِيدًا. قَالَ: ائتِنِي بِالْكَفِيلِ. قَالَ: كَفَى بِاللهِ كَفِيلًا. قَالَ. صَدَقْتَ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى. وهذا إن كان حكمه ثابتًا في هذه الملة؛ فيدل على أن القرض لا يفسد بشرط الأجل، وليس صريحًا في أن الشرط يصح كما يقوله مالك، أو يلغو كما هو الأصح عندنا.
وروي أيضًا عن أبي سعيد قال: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَتَقَاضَاهُ دَيْنًا كَانَ عَلَيْهِ، فَأَرْسَلَ إِلَى خَوْلَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، فَقَالَ لَهَا: "إِنْ كَانَ عِنْدَكِ تَمْرٌ
_________________
(١) التهذيب (٤/ ٢١).
(٢) فتح العزيز (٩/ ٣٨٠).
(٣) البخاري (٢٢٩١).
[ ١ / ٦٣٧ ]
فَأَقْرِضِينَا، حَتَّى يَأْتِيَنَا تَمْرٌ فَنَقْضِيَكِ".
قيل: إنه في ابن ماجه (^١)، ولم أقف عليه.
وهذا ليس على سبيل الاشتراط؛ لأن وقت مجيء التمر ليس معلومًا، وإنما هو اختار بالوقت الذي يقضيها فيه، ولو كان شرطًا حملناه على الوعد، كما حملنا عليه حديث البخاري وإنما شرحنا قول المصنف لا يجوز بمعنى لا يصح؛ لأنه الغالب إرادته في المعاملات.
ولأنه إذا ارتد به بقي الحل يظهر أن يقال:
إن قلنا بأن القرض يفسد بهذا الشرط فحكمه حكم تعاطي العقود الفاسدة، وهي حرام.
وإن قلنا: يصح القرض ويلغو الشرط فلا يظهر تحريم ذلك؛ لأنه في معنى الوعد والإرفاق.
ألا ترى إلى قول الشافعي في تأجيل الحال أنه معروف لا يجب له أن يرجع فيه.
فرع
مذهبنا أن القرض لا يتأجل ابتداءً ولا انتهاءً (^٢)، ومذهب مالك (^٣) أنه يتأجل ابتداءً وانتهاءً، أما الابتداء فقد ذكرناه، وأما الانتهاء فمعناه أنه يكون حالًا ثم يؤجله، فمذهب مالك (^٤) جوازه، ويصير مؤجلًا، ومذهبنا لا يصير مؤجلًا، وكذلك سائر الديون الحالَّة من ثمن وأجرة
_________________
(١) ابن ماجه (٣/ ٤٩٦ - ٤٩٧) (برقم: ٢٤٢٦). طبعة دار الرسالة العلمية.
(٢) انظر: الأم (٧/ ١٠٧)، الحاوي (٥/ ٣٥٥)، فتح العزيز (٩/ ٣٥٧)، روضة الطالبين (٤/ ٣٤)، مغني المحتاج (٢/ ١٢٠).
(٣) انظر: الاستذكار (٥/ ١٦٠)، التاج والإكليل (٤/ ٥٤٨).
(٤) انظر مصادر المالكية السابقة.
[ ١ / ٦٣٨ ]
وصداق وأرش جناية بعد لزومها حالة لا تقبل التأجيل عندنا، ووافقنا أبو حنيفة (^١) في القرض، ووافق مالكًا (^٢) في الباقي.
قال الشافعي: "ولو كان له على رجل حق من بيع أو غيره حال فأخره به مدة، كان له أن يرجع متى شاء، وذلك أنه ليس بإخراج شيء من ملكه، ولا أخذ منه عوضًا فيلزمه، وهذا معروف لا يجب له أن يرجع فيه" (^٣)، وقولي: بعد لزومها احتراز من الثمن الحالِّ في مدة الخيار؛ فإنه يقبل التأجيل، ولنا صورتان يشبهان تأجيل الحال: إحداهما: قال الأصحاب: إذا أوصى بتأجيل الحال صحت الوصية، ولم يكن للورثة المطالبة به إلَّا بعد الأجل إذا خرج ذلك من الثلث.
والثانية: قالها بعض الأصحاب: إذا نذر تأجيله حيث يستحب له إذا قلنا: يلزم كل مندوب بالنذر وهو الصحيح، ففي هاتين الصورتين يجب الإمهال في الدَّين الحالِّ إلى مدة معلومة، فيكون في معنى المؤجل لكنه ليس مؤجلًا حقيقة.
ألا ترى أن إنظار المعسر يثبت الإمهال فيه، وإن لم يكن مؤجلًا، فلا فرق بينهما، إلا أن الوصية والنذر إلى غاية معلومة، والإنظار إلى غاية غير معلومة، ولم يختلف الأصحاب في أن الدين الحال لا يؤجل في غير هاتين الصورتين.
واختلفوا في عكسه كما ذكرنا في السلم إذا أسقط مَنْ عليه الأجل هل يسقط؟ ثم إن الأصحاب مع اتفاقهم على أن التأجيل لا يصحُّ، قالوا: يستحب الوفاء به؛ كما قاله الشافعي أنه معروف لا يستحب الرجوع فيه.
_________________
(١) انظر مصادر الأحناف السابقة.
(٢) انظر مصادر المالكية السابقة.
(٣) مختصر المزني (٨/ ١٨٧).
[ ١ / ٦٣٩ ]
واعلم أن الحكم بعدم وجوبه، فيما إذا لم يجز إلَّا مجرد التأجيل ظاهر، فإن التأجيل من قبيل الإنشاءات والعقود، وإن أمرنا بالوفاء بها فمنها كثير غير واجب، وأما إذا صدر وعد بالإمهال فالمفهوم من كلام الأصحاب: الجواز أيضًا، وأن الوفاء بالوعد لا يجب، وقد يستشكل ذلك بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الصف: ٢، ٣].
وقوله تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧)﴾ [التوبة: ٧٧].
وآيات كثيرة تدل على وجوب الوفاء بالوعد والعهد، وقد جاءت السنة بمثل ذلك، وبأن إخلاف الوعد من علامات النفاق، وأيضًا، فإنه كذب؛ لأن الكذب يدخل في الخبر الماضي والمستقبل، وإن اختص بعض ذلك بتسميته خُلْفًا فهو خلف وكذب، والكذب كله حرام إلَّا ثلاثة ليس هذا منها.
وجواب هذا: يمنع تسمية خلف الوعد كذبًا ومنع تسمية الوعد خبرًا، وإن سلم [أنه فهو] (^١) خبر عما في نفسه من العزم على ذلك، فإذا قال: أنا أعطيك كذا وفي نفسه أن يعطيه، ثم أخلف لا يسمى كذبًا، ووجود خصلة من خصال النفاق تدل على كمال الإيمان فحسب، والجواب عن بقية الآيات يحتاج إلى نظر، وكونه خلف الوعد لا يسمى كذبًا؛ قاله ابن قتيبة، وخص الكذب بالماضي والذي يظهر لي خلافه.
وقد استنبطت من قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ إلى آخر الآية أن الكذب لا يختص بالماضي بل يكون في المستقبل، وأن الجملة المقسم عليها خبرية يحتمل الصدق
_________________
(١) كذا في المخطوطة.
[ ١ / ٦٤٠ ]
والكذب؛ لأنه تعالى كَذَّبَ المنافقين في قولهم: ﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ﴾، وهو مستقبل وقسم.
* * *
[ ١ / ٦٤١ ]
قال:
ويجوز شرط الرهن فيه؛ لأن النبي ﷺ "رهن درعه على شعير أخذه لأهله".
ويجوز أخذ الضمين فيه [لأنه] (^١) وثيقة، فجاز في القرض كالرهن.
الحديث المذكور متفق عليه في "الصحيحين" (^٢) لكن في لفظه اختلاف يتوقف الاستدلال به عليه في أن الشعير المأخوذ هل كان قرضًا أو غيره؟! ففي رواية ابن عباس وأنس أن الدرع كان مرهونًا بالشعير، وكذلك في رواية عائشة من طريق سفيان عن الأعمش، وهذه الرواية ظاهرة في أنه كان قرضًا.
وورد في البخاري ومسلم أيضًا من طرق في رواية عائشة أيضًا قالت: "اشْتَرَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَعَامًا مِنْ يَهُودِيٍّ بِنَسِيئَةٍ، وَرَهَنَهُ دِرْعًا لَهُ مِنْ حَدِيدٍ" وهذه الرواية تقتضي أن الرهن كان على ثمن الشعير فلا يتم بها الاستدلال على الرهن في القرض، واستدل غير المصنف بأن شرط ذلك إحكام وتوثقة للقرض لا زيادة عليه، وكذلك الضمين كل ذلك ليس الغرض منه إلَّا حفظ المال المقرَض؛ فليس فيه جر نفع، وكذلك شرط أن يقر به عند الحاكم.
ولو شرط في القرض أن يقوم له بضمين على دين آخر، أو يرهنه رهنًا بدين آخر لم يجز؛ لأنه قرض جرَّ نفعًا، وإنما الذي ذكرنا إذا كان شرط تلك الأشياء على ذلك القرض لكونها من تمامه، والمصنف وأكثر الأصحاب أطلقوا جواز الرهن، وهو فيما إذا كان الواجب المثل على إطلاقه.
_________________
(١) في المخطوطة: "لا"، وما أثبتناه من المطبوع من المهذب.
(٢) أخرجه البخاري (٢٠٦٩، ٢٩١٦).
[ ١ / ٦٤٢ ]
وأما إذا كان الواجب القيمة؛ فحكى الماوردي (^١) في جواز شرط الرهن والضمين وجهين؛ بناء على أن القيمة الواجبة ما هي؟ إن قلنا: أكبر أحواله من القبض إلى التصرف لم يصحَّ للجهالة، وإن قلنا: يوم القبض فيجوز.
ثم إن عَلِمَا قدر قيمته عند شرطه ووقت قبضه، جاز أخذ الرهن منه والضمين. وإن جهلاه أو أحدهما، لم يجز. واعلم أن الأصحاب تكلموا في شرط الرهن والضمين في البيع في أنه هل يجب تعيينه عند الشرط أو لا؟ وها هنا مثله، وتزداد أمرًا آخر وهو العلم بما يرهن به، ويضمن، والشك أن ذلك شرط عند الرهن والضمان، أما عند الشرط، فكلام الماوردي المذكور يقتضي اشتراطه؛ ولذلك حكى الخلاف في المتقوّم.
ويحتمل أن يقال: إنه يصح شرطه مطلقًا سواء كان المال المقرض مثليًّا أو متقومًا، معلوم القيمة أو مجهولها، سواء قلنا: يملك بالقبض أو بالتصرف، فإن كان المال مثليًّا أو متقومًا وأوجبنا المثل الصوري كفى العلم به، وأمكن الوفاء به بعد القبض وقبله؛ كما صرح به الجمهور أنه يجوز أن يقول: أقرضت وارتهنت، فيقول المخاطب: استقرضت ورهنت؛ كنظيره من البيع خلافًا لأبي إسحاق فيهما، وإن أوجبنا قيمة يوم القبض اشترط معرفتها، وتعذر الوفاء بذلك قبل القبض، وأمكن بعده إذا علماها، وإن أوجبنا أقصى القيم من القبض إلى التصرف، تعذر الوفاء به قبل التصرف للجهل بمقدار الدين، وأمكن بعده.
هذا في الرهن والضمين، أما الإشهاد، فإن أريد به الإشهاد على البدل الواجب، فكذلك يأتي فيه ما تقدم؛ لأنه لا بد أن [يكون معلومًا] (^٢) وإن أريد الإشهاد على الاقتراض.
_________________
(١) الحاوي الكبير (٥/ ٣٥٧).
(٢) في المخطوطة: "يعلوما"، والمثبت أقرب إلى الصواب، والله أعلم.
[ ١ / ٦٤٣ ]
قال: