إذا قبض المسلم فيه ووجد به عيبًا، فله أن يرده؛ لأن إطلاق العقد يقتضي سليمًا فلا يلزمه قبول المعيب، فإن رد، ثبتت المطالبة بالسليم؛ لأنه أخذ المعيب عما في الذمة، فإذا رده رجع إلى ماله في الذمة، فإن حدث عنده عيب رجع بالأرش؛ لأنه لا يمكنه رده ناقصًا عما أخذه، ولا يمكن إجباره على أخذه مع العيب؛ فوجب الأرش.
رده بالعيب لا إشكال فيه، ومطالبته بالتسليم كذلك إذا كان القبض بعد التفرق، أما لو فرض قبض المسلم فيه قبل التفرق، فقد يقال: إنا إذا قلنا: المعين في المجلس كالمعين في العقد؛ يجب أن ينفسخ العقد برده، ولا يطالب بالسليم.
وقد يقال: إن ذلك إنما هو في رأس المال، وشبهه بما يجب قبضه في المجلس.
أما المسلم فيه، فلا يجب قبضه في المجلس، فلم يكن لتعيينه فيه حكم التعيين في العقد، وهو الذي يظهر؛ ولذلك أطبق الأصحاب على المطالبة بالسليم، وأن المنفسخ بالرد وهو القبض لا العقد، فيرجع إلى ما كان له في
[ ١ / ٦٠٠ ]
الذمة، ولو لم يرد ورضي به لزمه، ولكن هل يملكه بالرضا أو يكون له من حين القبض؟ فيه وجهان أو قولان.
فإن قلنا: إنه من حين الرضا لم يكن الرد على الفور.
وإن قلنا: من حين القبض، فاحتمالان؛ أوجههما عند الإمام (^١): أنه لا يكون على الفور؛ لأنه ليس معقودًا عليه، [وإنما يثبت] (^٢) الفور فيما [يؤدي رفعه] (^٣) إلى رفع العقد إبقاء للعقد، وقد ذكرنا ذلك في باب الربا ورجوعه بالأرش عند حدوث عيب، ذكره القاضي أبو الطيب، وحكى الروياني عن القفال: "أن الشافعي نَصَّ عليه، وخالف فيه المُزني وأبو حنيفة" (^٤)، وقد ذكرنا في فرع في باب الرد بالعيب أنه إذا تعذر الرد في كل مقبوض عمَّا في الذمة، واطلع على عيب ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: يرجع بالأرش من الثمن كما في المعين؛ وهو مقتضى كلام ابن الصباغ، وغيره في هذا المكان.
والثاني: من القيمة كالمغصوب، ولم يتعرض المصنف هنا لبيان الأرش فكلامه محتمل للوجهين لكنا نحمله على الأول.
والثالث: قاله الإمام (^٥)، أنه يغرم المقبوض ويرجع بالسليم، ونقله الروياني هنا "عن والده أنه يرده مع أرش العيب الحادث ويطالبه بالمسلم فيه
_________________
(١) نهاية المطلب (١٩/ ٣٩٥).
(٢) ما بين المعقوفتين أثبتناه من نهاية المطلب (١٩/ ٣٩٥). وهو في المخطوطة بياض بمقدار كلمتين تقديرًا.
(٣) ما بين المعقوفتين أثبتناه من نهاية المطلب (١٩/ ٣٩٥). وهو في المخطوطة بياض بمقدار كلمتين تقديرًا. وكتب إلى قبالتها في الهامش ما نصه: "تعذر لعسر قراءته".
(٤) بحر المذهب (٥/ ١٧٣). بتصريف يسير.
(٥) نهاية المطلب (٦/ ٢٧).
[ ١ / ٦٠١ ]
على الصفة المشروطة" (^١).
قلت: وهذا مأخوذ من أن المقبوض عمَّا في الذمة إذا كان به عيب لَا يملك إلا من حين الرضا، والصحيح خلافه فتعين الرجوع إلى أرش العيب القديم كما قاله المصنف، لكن في تقديره ما سبق من الوجهين، والأصح أن يكون منسوبًا من الثمن كغيره من الأرش، ولو قلنا بأنه يأخذه منسوبًا من القيمة لا من الثمن لكان ذلك اعتياضًا عن بعض المسلم فيه.
وقد قال العمراني (^٢) إن بعض أصحابنا المتأخرين قال: إن الرجوع بالأرش خطأ؛ لأنه أخذ عوض عن الجبر الغائب وبيع المسلم فيه قبل القبض لا يجوز، قال العمراني: والمذهب ما قاله الشيخ أبو إسحاق، وما قاله المخالف له هو قول أبي حنيفة ﵀، ولعله اختاره وليس بصحيح؛ لأن بيع المبيع المعين قبل القبض لا يصح.
وقد جاز أخذ الأرش عن الجزء والفائت عند حدوث العيب، ولأن ذلك ليس ببيع وإنما هو فسخ للسلم في الجزء الفائت، بدليل أن المسلم يرجع بقسط ذلك الجزء من رأس المال المسلم.
قلت: وهذا الجواب منقول عن ابن سريج فعلى هذا لو كان العيب ينقص عشر قيمة المسلم فيه رجع بعشر رأس المال، وبه جزم القاضي حسين، وإن كان المزني حيث امتنع من إيجاب الأرش عن القديم يحيط حق المسلم صارت الأوجه في هذه المسألة أربعة.
ولو قبض المسلم بعض المسلم فيه وأتلفه، ثم قبض الباقي فوجده معيبًا فادعى أن التالف كان به هذا العيب؛ فالقول قول المسلم إليه مع يمينه.
_________________
(١) بحر المذهب (٥/ ١٧٣).
(٢) البيان (٥/ ٤٤٩).
[ ١ / ٦٠٢ ]
قال الفوراني: إلا أن يكون سبالًا ببعض ذلك العيب فيه، فإن حلف يخلص، وإن نكل حلف المسلم، ورجع، وإن ظهر العيب برأس المال فقد تقدم عند قبضه.
* * *
[ ١ / ٦٠٣ ]
قال: