ويجوز قرض كل ما يملك بالبيع، ويضبط بالوصف؛ لأنه عقد تمليك يثبت العوض فيه في الذمة، فجاز فيما يملك، ويضبط بالوصف، كالسلم.
وأما ما لا يضبط بالوصف، كالجواهر، وغيرها، ففيه وجهان؛ أحدهما: لا يجوز؛ لأن القرض يقتضي رد المثل، وما لا يضبط بالوصف لا مثل له.
والثاني: يجوز [لأن ما لا مثل له يضمنه المستقرض بالقيمة والجواهر كغيرها في القيمة ولا يجوز] (^١) إلَّا في مال معلوم القدر، فإن أقرضه دراهم لا يعلم وزنها أو طعامًا لا يعرف كيله لم يجز؛ لأن القرض يقتضي رد المثل، فإذا لم يعلم القدر لم [يمكن] (^٢) القضاء.
هذا ضابط المال الذي يجوز قرضه، وطرده لا خلاف فيه، ولا يستثنى من ذلك إلَّا الجواري على ما سيأتي، وخالف أبو حنيفة (^٣) في قرض الحيوان كما خالف في السلم فيه، وقد صح في "مسلم" (^٤) أن رسول الله ﷺ:
_________________
(١) ما بين المعقوفين أثبتناه من متن المهذب (ص: ١٨٦). وهو ساقط من الناسخ نقل نظر.
(٢) في المخطوطة: "يكن"، وما أثبتناه من المطبوع من المهذب.
(٣) انظر: بدائع الصنائع (٧/ ٣٩٥)، حاشية ابن عابدين (٥/ ١٦١).
(٤) مسلم (١٦٠٠).
[ ١ / ٦٥٤ ]
"اسْتَسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا"، فلا وجه لمنع ذلك.
وعن أحمد (^١) أنه لا يجوز قرض العبيد والإماء، وعكسه فيه الوجهان اللذان حكاهما المصنف، والأول منهما: القائل بالمنع هو الأصح (^٢) الذي جزم به في "التنبيه" (^٣)، وبه قال صاحب "التلخيص"، والقاضي الحسين، ونسبه الماوردي (^٤) إلى البصريين، والإمام (^٥) إلى جماهير الأصحاب.
والثاني: قول البغداديين، وجعلوا ضابط ما يجوز قرضه ما يجوز بيعه، حتى جوزوه في المعجونات من طيب أو دواء.
ويجتمع من كلام الأصحاب في هذه المسألة ثلاث طرق: إحداها: هذه، وقد بنى القاضي أبو الطيب، وابن الصباغ، وغيرهما من العراقيين، والغزالي (^٦)، وغيره من الخراسانيين الوجهين في ذلك على أن الواجب في المتقوم القيمة أو المثل الصوري، فإن قلنا بالأول جاز، وإلَّا فلا، وظاهر كلام المصنف هنا على ذلك، وهذه الطريقة هي المشهورة.
والثانية: القطع بالمنع.
وهي مقتضى كلام المصنف في "التنبيه" (^٧)، فإنه جزم بذلك مع ذكره الخلاف في أن ما لا مثل له هل يجب فيه القيمة أو المثل؟ ولعل مأخذها أن إيجاب القيمة يختص بالمتقوم الذي يضبط بالوصف.
أما ما لا ينضبط، فتجويز قرضه يؤدي إلى نزاع بعد التلف؛ فيمنع كما
_________________
(١) انظر: الفروع مع التصحيح (٦/ ٣٤٧)، المبدع (٤/ ٩٤)، الإنصاف (٥/ ٩٩).
(٢) انظر: الحاوي الكبير (٥/ ٣٥٣)، تحفة المحتاج (٥/ ٤٤)، نهاية المحتاج (٤/ ٢٢٢).
(٣) التنبيه (ص: ٩٩).
(٤) الحاوي الكبير (٥/ ٣٥٤).
(٥) نهاية المطلب (٦/ ٥٥).
(٦) الوسيط في المذهب (٣/ ٤٥٢).
(٧) التنبيه (ص: ٩٩).
[ ١ / ٦٥٥ ]
يمنع أن يكون رأس مال السلم على أحد القولين، لاسيما إذا قلنا بما قاله الإمام (^١) من أن القرض رخصة حائدة عن القياس بمقتضى ذلك إلَّا يجوز إلَّا فيما ورد ولم يرد السلم في مثل ذلك.
والثالثة: القطع بالجواز وهي طريقة الشيخ أبي حامد، والمحاملي، وسليم، والبندنيجي، فإنهم جزموا بالجواز في "الجواهر"، وأنها تضمن بالقيمة، وحكوا القولين فيما يضمن به القرض إذا كان مما لا مثل، ويمكن ضبطه بالصفة، وهذه الطريقة لا بأس بها، فإن منع السلم فيها؛ لعزة الوجود وذلك لا يمنع ثبوت قيمتها في الذمة، ولم يقم دليل على أن المتقوم مطلقًا يضمن بالمثل الصوري؛ بل ذلك في المتقوم المضبوط بالصفة الذي يمكن ثبوته في الذمة.
ولا تنافي بين نقل هذه الطريقة عن أبي حامد، وبين ما نقل من اختياره أن المتقوم يضمن بالقيمة، ولم يصر أحد إلى أنها تضمن بمثلها، فإن ما لا يضبط وصفه لا يمكن تضمينه بالمثل، وسيأتي فيما إذا شرط رد المثل، وفي قرض الخبز كلام، والحنطة المختلطة بالشعير كالجواهر على ما قاله المصنف في "التنبيه" (^٢)، والماوردي في "الحاوي" (^٣).
وحُكي في "الحاوي" الخلاف فيها فمن جوز قرضها ضمنها بالقيمة، وهو عجيب.
قال: كلًّا من الحنطة والشعير مثلي، وعند اجتماعهما يضمن بالقيمة، وذكر صاحب "التتمة" ثم الرافعي (^٤) عنه في كتاب "الشفعة" ما يقتضي أنه
_________________
(١) نهاية المطلب (٦/ ٥٥).
(٢) التنبيه (ص: ٩٩).
(٣) الحاوي الكبير (٥/ ٣٥٤).
(٤) فتح العزيز (٥/ ٥٠٨).
[ ١ / ٦٥٦ ]
يجوز قرض شقص من دار، والذي جزم به الماوردي أن العقار لا يجوز قرضه، والأقرب تخريج قرض العقار على قرض الجواهر؛ بل أولى بالمنع؛ فإنه لا مثل له.
فإن أوجبنا في القرض المثلي الصوري امتنع وإلَّا جاز، أما الشقص إذا كان لا يزيد على النصف؛ فله مثل فيصح قرضه على الوجهين، وبهذا يصح الجمع بين كلام المتولي والماوردي، ولكن لم أرَ مَنْ صرح بذلك.
وأما المنافع، فقال صاحب "التتمة": "قرضها جائز عندنا حتى لو قال: أقرضتك منفعة عبدي أو داري شهرًا وسلم العين إليه صار مستحقًا للمنافع يتصرف فيها، فلو أراد أن يسترد منه قبل أن يستوفي حكمه حكم ما لو أقرضه عين مال، وكانت قائمة في يده".
وقال القاضي حسين في كتاب الغصب من "تعليقه": "إنه لا يجوز قرض منافع الدار"، وأطلق في "الفتاوى": "أنه لا يجوز قرض المنافع؛ لأنه لا يجوز السلم فيها"، وقد قدمنا في باب السلم أنه يجوز السلم في المنافع، وهو يشهد لما قاله صاحب "التتمة" لكن رد المثل في منفعة العقار غير ممكن؛ فليمتنع قرضه على قولنا: إن الواجب رد المثل.
وأما منفعة العبد وشبهه فالأقرب أن ذلك مما يمكن فيه رد المثل الصوري؛ فيصح بصحة السلم فيه؛ فتلخص من هذا صحة: اعتبار القرض بالسلم طردًا وعكسًا، كل ما صح السلم فيه صح قرضه إلَّا الجواري على ما سيأتي.
وهذا لا خلاف فيه، وكل ما لا يصح السلم فيه لا يصح قرضه على الأصح، وهذه العبارة وإن كانت موافقة لعبارة "التنبيه"، فعبارة "المهذب" أحسن منها؛ لأن السلم لا يصح إلَّا في دين، والقرض لا يشترط أن يكون دينًا؛ بل الغالب أن لا يكون إلَّا في عين.
[ ١ / ٦٥٧ ]
ولولا المصنف ذكر أنه يجوز في الدين؛ لكان يسبق إلى الذهن منعه، فلذلك حسنت عبارة "المهذب"؛ لأن الذي يملك بالبيع، ويضبط بالوصف يشمل العين، والدين، وإقراض الشاة مع نتاجها، كإقراض الجواهر فيها الوجهان، كذا في "التتمة".
وفي إقراض الخبز وجهان، سنذكرهما في كلام المصنف.
وفي إقراض الخمير وجهان في "التتمة" وغيرها، وبالجواز قال ابن سريج لجريان العادة به، والاعتبار بالوزن كالخبز، وفي "فتاوى" القاضي حسين: لا يجوز إقراض الروبة؛ لأنها تختلف بالحموضة.
قال: ولا يجوز إقراض ماء القناة؛ لأنه مجهول، وقد احترز المصنف بقوله: عقد من الشفعة. وبقوله: تمليك من الكتابة، إذا لا يجوز ذلك إلَّا في الدقيق، وبقوله: يثبت العوض فيه من الوقف. وبقوله في الذمة من القراض والمساقاة، وبقوله: فجاز فيما يملك من الكلب، وبقوله: يضبط بالوصف من الجواهر.
وأما قوله: "ولا يجوز إلَّا في مال معلوم القدر. . ." إلى آخره، فاعلم أن كون المال معلومًا لابد منه، فإن كان مثليًّا أو متقومًا، وقلنا: الواجب فيه المثل الصوري، فيشترط معرفة قدره وصفته، ويصير ذلك، كالمسلم فيه.
وإن قلنا: الواجب القيمة، قال الماوردي: "فيشترط معرفة قيمته، ولا اعتبار بمعرفة قدره، ولا صفته" (^١)؛ فينبغي أن يحمل إطلاق المصنف والرافعي وغيرهما على هذا التفصيل.
ومن هذا تعلم أن الشرط هنا، إنما هو العلم بما يجب على المستقرض، وهو نظير المسلم فيه، فإن كان الواجب المثل كان معرفته بمعرفة المال
_________________
(١) الحاوي الكبير (١٨/ ١١٤).
[ ١ / ٦٥٨ ]
المقرض؛ فاشترطنا لذلك.
وإن كان الواجب القيمة لم يشترط، ولا يخرج على الخلاف في رأس المال السلم؛ لأن مأخذ الوجوب هناك أنه قد ينفسخ السلم ورأس المال تالف؛ فيحصل النزاع، والنزاع هنا مأمون؛ لأن الواجب القيمة على كل تقدير.
وقد علمت فاعلم ذلك؛ فإنه قد وقع في كلام ابن الرفعة أن المقرض لابد من وصفه اتفاقًا، وإن قلنا: لا تجب وصف رأس مال السلم؛ لأنه يحتاج إلى رد بدله قطعًا، إما مِثلًا، وإما قيمة، فاحتجنا إلى ذكر وصفه كما في المسلم فيه، والأمر بالعكس مما قال لما عرفت.
وحيث اشترطنا العلم بالقدر والصفة؛ فالصفة معتبرة بحسب اعتبارها في السلم، وأما القدر، فبالكيل في المكيل والوزن في الموزون، والذرع في المذروع، والعد في المعدود؛ فلو أقرضه جزافًا لم يجز لما ذكره المصنف.
ولو أقرض المكيل وزنًا؛ فإن لم يكن ربويًّا جاز، وإن كان ربويًّا فوجهان، الجواز قول أبي حامد المروزي، والقاضي حسين؛ لأنه عقد إرفاق لا يراعى فيه ما في المعاوضات، وبالمنع فالقفال، ولو أقرض الموزون كيلًا، فإن لم ينحصر في المكيال، كالقطن، والكتَّان، لم يصح، وإن انحصر؛ فإن لم يكن ربويًّا جاز، وإن كان ربويًّا فعلى الوجهين.
وأطلق الرافعي (^١) عن القفال منع إقراض المكيل وزنًا من غير تفصيل بين الربوي وغيره متمسكا بأن القرض يقتضي استواء البدل والمبدل، بخلاف السلم.
قال: "وزاد فقال: لو أتلف مائة مَنًا من حنطة ضمنها بالكيل، ولو باع
_________________
(١) فتح العزيز (٩/ ٣٦٧ - ٣٦٨).
[ ١ / ٦٥٩ ]
شقصًا مشفوعًا بمائة من الحنطة ينظر كم هي بالكيل، فيأخذ الشفيع بمثلها كيلًا -.
قال الرافعي: والأصح في الكل الجواز" (^١)، ولم يفرق الرافعي بين الربوي وغيره، وكذلك في "التهذيب".
ونقل عن الحسن، وابن سيرين، والأوزاعي: أنه إذا استقرض دراهم عددًا رد عددًا، وإن أخذها وزنًا ردها وزنًا، وفعل ذلك أيوب أخذ من حماد ابن زيد دراهم بمكة عددًا، فأعطاها بالبصرة عددًا، واختاره ابن المنذر.
فرع
قال في "البحر": "لا يجوز إقراض الدراهم المغشوشة؛ لأنه يؤدي إلى الربا عند رد البدل" (^٢).
قلت: إن لم يعرف قدر غشها، فلا يجوز للجهل بها، وإن عرف، فينبغي أن يجوز على قول أبي حامد المروروذي؛ فإنه لا يراعي الربا بين القرض وبدله، ولهذا يجوز رد الزيادة، وعلى الوجه الآخر يمتنع لأجل الربا، وقال في "البيان": "قال الصيمري: لا يجوز قرض الدراهم المزيفة، ولا الزرنيخية ولا المجهول عليها، ولو تعامل بها الناس.
قال: ولو أقرضه دراهم أو دنانير، ثم حرمت، لم يكن له إلَّا ما أقرض، وقيل: قيمتها يوم حرمت" (^٣).
فرع
إقراض المثليات انعقد الإجماع على جوازه.
_________________
(١) فتح العزيز (٩/ ٣٦٩ - ٣٦٨).
(٢) بحر المذهب (٥/ ٦٩).
(٣) البيان (٥/ ٤٦١).
[ ١ / ٦٦٠ ]
قال: