ولا يجوز قرض جر منفعة، مثل أن يقرضه ألفًا على أن يبيعه داره، أو على أن يرد عليه أجود منه، أو أكثر منه، أو على أن يكتب له بها سفْتَجة [يربح فيها خطر] (^١) الطريق.
والدليل عليه: ما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن النبي ﷺ "نَهَى عَنْ سَلَفٍ وَبَيْعٍ". والسلف هو القرض في لغة أهل الحجاز، ورُوِيَ عن أبي بن كعب، وابن مسعود، وابن عباس ﵃ نهوا عن قرض جر منفعة؛ ولأنه عقد إرفاق، فإذا شرط فيه منفعة خرج عن موضعه.
حديث عمرو بن شعيب رواه أبو داود (^٢)، والترمذي (^٣)، والنسائي (^٤). ولفظه: "لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ"، وقال الترمذي: "حسن صحيح" (^٥)، قال المنذري: يشبه أن يكون صححه؛ لتصريحه بذكر عبد الله بن عمرو،
_________________
(١) في المخطوطة: "يربح بها لخطر"، وما أثبتناه من المطبوع من المهذب.
(٢) (٣٥٠٦).
(٣) (١٢٣٤).
(٤) في الكبرى (٦١٦٠).
(٥) (١٢٣٤).
[ ١ / ٦٧٠ ]
ويكون مذهبه في الامتناع من الاحتياج؛ لحديث عمرو بن شعيب، إنما هو للشك في إسناده، فإذا صرح بعبد الله انتفى ذلك، يعني، وها هنا صرح كما هو في السنن، وإن كان المصنف لم يذكره.
وقد صح سماع شعيب من جده عبد الله [بن] (^١) عمرو في أثر صحيح صريح، رواه الدارقطني في "سننه" (^٢)، والحاكم في "المستدرك" (^٣) في آخر كتاب البيوع، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (^٤).
وقال الإمام أحمد وغيره: صح سماع عمرو من أبيه شعيب، وسماع شعيب من جده (^٥).
وقال البخاري: رأيت علي بن المديني، وأحمد بن حنبل، والحميدي، وإسحاق بن راهويه، يحتجون به (^٦)، يعني: عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
وقد ذكر النووي في أول هذا "المجموع" (^٧): أن المصنف في "اللمع" (^٨)
_________________
(١) ما بين المعقوفين ساقط من المخطوطة.
(٢) (٣/ ٧٤).
(٣) (٢١٨٥).
(٤) (٢٢٤٧١).
(٥) روى الحاكم في المستدرك (٢/ ٥٤) بإسناده عن محمد بن علي بن حمدان الوراق، قال: قلت لأحمد بن حنبل: عمرو بن شعيب سمع من أبيه شيئا؟ فقال: هو عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو، وقد صح سماع عمرو بن شعيب من أبيه شعيب، وصح سماع شعيب من جده عبد الله بن عمرو.
(٦) روى الدارقطني في سننه (٣/ ٥١) بإسناده عن أحمد بن تميم، قال: قلت لأبي عبد الله محمد ابن إسماعيل البخاري: شعيب والد عمرو بن شعيب سمع من عبد الله بن عمرو، قال: نعم. قلت له: فعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده يتكلم الناس فيه. قال: رأيت علي بن المديني، وأحمد بن حنبل، والحميدي، وإسحاق بن راهويه، يحتجون به.
(٧) المجموع شرح المهذب (١/ ٦٥).
(٨) اللمع في أصول الفقه (ص: ٣٣٨ - ٣٣٩).
[ ١ / ٦٧١ ]
وغيره من أصحابنا اختاروا عدم الاحتجاج به، وترجح عنده في حال تصنيف "المهذب" جواز الاحتجاج به، كما قاله المحققون من أهل الحديث.
وقول المصنف: السلف: القرض في لغة أهل الحجاز، ويدخل في النهي عن سلف وبيع أمران؛ أحدهما: البيع بشرط السلف؛ كقوله: بعتك أن تقرضني أو أقرضك، فإن ذلك يفضي إلى جهالة الثمن في البيع، وإلى جر منفعة بسبب السلف.
والثاني: السلف بشرط البيع، كقوله: أقرضتك بشرط أن تبيعني كذا، وهذا هو المقصود هنا، وفي معناه السلف بكل شرط يجر نفعًا قياسًا على البيع المشروط في السلف.
ويدخل في النهي ما يعتاده كثير من المتخلفين في هذا الزمان من أصحاب الأملاك؛ ترغيبًا في إيجارها بزيادة، يبذلون للراغب في استئجارها نسيئًا يسمونه: التقوية، فيستأجر بأزيد من القيمة، بحيث لو لم [يبذل] (^١) له ذلك لما استأجر بتلك الأجرة، فليحذر من ذلك، نبهت على ذلك؛ تحذيرًا منه وممن يشك فيه. وإذا وقع ذلك على سبيل الشرط؛ فهو حرام بالإجماع.
وإن وقع من غير شرط في اللفظ، فأكثر العلماء على تحريمه، وعندنا مكروه، والرواية عن أُبي، وابن مسعود، وابن عباس، في "المعرفة" (^٢) للبيهقي، وكذلك عن فضالة بن عبيد، وعبد الله بن سلام، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، كلهم قالوا: كل قرض جر منفعة، فهو وجه من وجوه الربا.
وعن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: "مَنْ أَسْلَفَ سَلَفًا فَلَا يَشْتَرِطْ عَلَى صَاحِبِهِ غَيْرَ قَضَائِهِ"، هكذا رواه الدارقطني (^٣) مرفوعًا.
_________________
(١) جاءت في المخطوطة: "يدل"، ولعل الصواب ما أثبتناه.
(٢) معرفة السنن والآثار (٨/ ١٦٩).
(٣) سنن الدارقطني (٣/ ٤٦).
[ ١ / ٦٧٢ ]
والذي رواه مالك (^١) موقوفًا على ابن عمر، وهو الصحيح، ورفعه ضعيف جدًّا.
قال البيهقي (^٢): ليس بشيء.
وقال ابن عمر: "السَّلَفُ عَلَى ثَلَاثَةِ وُجُوهِ: سَلَفٌ تُرِيدُ بِهِ وَجْهَ اللهِ فَلَكَ وَجْهُ [اللهِ] (^٣) وَسَلَفٌ تُرِيدُ بِهِ وَجْهَ صَاحِبِكَ فَلَكَ وَجْهُ صَاحِبِكَ، وَسَلَفٌ تُسْلِفْهُ لِتَأْخُذَ خَبِيثًا بِطَيِّبٍ فَذَلِكَ الرِّبَا" (^٤).
وعن ابن مسعود فيمن استسلف من رجل على أن يُعيره ظهر فرسه قال: "مَا أَصَابَ مِنْهُ فَهُوَ رِبًا" (^٥).
وقول المصنف: "على أن يراد (^٦) عليه أجود منه"؛ أي [في] (^٧) الوصف كرد الصحيح عن المكسر، والجيد عن الرديء.
وقوله: "إذا كثر"؛ أي: في القدر وهو إن كان المال ربويًّا ممتنع بلا خلاف، وإن لم يكن ربويًّا، فوجهان أصحهما: المنع.
والثاني: يجوز لقول ابن عمرو بن العاص: "فَكُنْتُ آخُذُ الْبَعِيرَ بِالْبَعِيرَيْنِ إِلَى أَجَلٍ" (^٨)، ولا دليل فيه؛ لأن المراد به: السلم أو البيع.
ألا تراه قال: "إلى أجل"، والقرض لا يقبل الأجل، وهذا الخلاف حكاه الرافعي (^٩) في زيادة القدر دون الصفة، وحكاه الماوردي (^١٠) فيهما، وهو
_________________
(١) موطأ مالك (٤/ ٩٨٤).
(٢) الكبرى (٥/ ٣٥٠).
(٣) زيادة عن المخطوط، ولعل الصواب ما أثبتناه.
(٤) أخرجه مالك في الموطأ (٤/ ٩٨٣)، والبيهقي في الكبرى (٥/ ٣٥٠) (برقم: ١١٢٥٦).
(٥) أخرجه البيهقي في الكبرى (٥/ ٣٥١) (برقم: ١٠٧٢٠).
(٦) في المخطوطة: "أيرد"، ولعل الصواب ما أثبتناه.
(٧) في المخطوطة: "في في" والصواب ما أثبتناه.
(٨) أخرجه البيهقي في الكبرى (٥/ ٢٨٧)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٦٥).
(٩) فتح العزيز (٩/ ٣٧٧).
(١٠) الحاوي الكبير (٥/ ٣٥٦).
[ ١ / ٦٧٣ ]
مقتضى كلام الغزالي (^١)، والجواز منسوب لابن أبي هريرة، والقاضي أبي حامد، وجعلاه بيعًا بلفظ القرض، ومقتضى كلام الإمام (^٢) جريان الخلاف في كل شرط جر منفعة.
وفي هذا الإطلاق مع مأخذهما في جعله بيعا بعد، وحيث جوزنا وجعلناه بيعا، لزم الوفاء به كسائر البياعات.
وقوله: "على [أن] (^٣) يكتب له بها سفْتَجة"؛ أي: كتابًا لوكيله في بلد آخر؛ ليدفع إليه بدله فيوفر عليه مؤنة الحمل وخطر الطريق.
وقول المصنف: "ولأنه عقد إرفاق. . ." إلى آخره، لا شك فيه فيصير الشرط المذكور ينافي مقتضى العقد.
ومراد المصنف: ولا يجوز قرض شرط فيه جر منفعة فإن جر المنفعة بغير شرط لا يمتنع على ما سيأتي، ولكن المصنف أطلق العبارة إتباعًا للسلف، ثم يشرحها بعد.
وقد يقال في تأويلها: إن إيجار المنفعة هو المقتضي لها، ومتى لم يكن شروطًا فيه لا يكون مقتضيًا له، فلا يقال: إنه جر نفعًا، وإن وقع ذلك النفع تفضلًا من المستقرض، ومقتضى كلامه أن القرض يفسد بهذه الشروط؛ لأنه حكم بعدم جواز القرض، ومعناه: عدم صحته، وفي البيان وجه: أنه يبطل الشرط ويصح القرض، وهو بعيد إن ثبت.
* * *
_________________
(١) الوسيط في المذهب (٣/ ٤٥٣ - ٤٥٤).
(٢) نهاية المطلب (٥/ ٤٥٢).
(٣) سقط من المخطوطة، والصواب ما أثبتناه.
[ ١ / ٦٧٤ ]
قال:
فإن شرط أن يرد عليه دون ما أقرضه، ففيه وجهان؛ أحدهما: لا يجوز؛ لأن مقتضى القرض رد المثل، وإذا شرط النقصان عما أقرضه فقد شرط ما ينافي مقتضاه؛ فلم يجز، كما لو شرط الزيادة.
والثاني: أنه يجوز؛ لأن القرض جُعِل رفقًا بالمستقرض، وبشرط الزيادة يخرج عن موضعه، فلم يجز، وبشرط النقصان لا يخرج عن موضعه فجاز.
مقتضى كلام المصنف أن الخلاف في صحة الشرط، وهو ما قال الرافعي: إن (^١) إيراد بعضهم يشعر به، والذي أورده الأكثرون وقدمه الرافعي أن الخلاف في صحة العقد، والصحيح الصحة، وأما الشرط فإنه يلغو.
ومن ذلك يحصل ثلاثة أوجه؛ أصحها: صحة العقد وبطلان الشرط.
والثاني: صحتها وتعليل المصنف للوجه الثاني صالح؛ لأنه (^٢) يعلل به كل من هذين الوجهين.
والثالث: بطلان العقد لمنافاة مقتضاه، والأقرب أن المصنف إنما أراد صحة الشرط وفساده، فيكون الأصح في كلامه الوجه الأول.
ثم بعد ذلك يأتي في كلامه أنه إذا فسد الشرط هل يفسد العقد أو لا؟ وما ذكره مُطردًا (^٣) في رد المكسر عن الصحيح، والرديء عن الجيد، وأمَّا القليل عن الكثير؛ كرد تسعة عن عشرة فكلام المصنف يقتضيه، ولم أر غيره
_________________
(١) فتح العزيز (٩/ ٣٧٧).
(٢) في المخطوطة: "لأن"، ولعل الصواب ما أثبتناه.
(٣) وردت في المخطوطة: "مطرد"، ولعل الصواب ما أثبتناه.
[ ١ / ٦٧٥ ]
صرح به، ومقتضى الوجهين بتعليلهما المحافظة على حقيقة القرض.
ومقتضى الوجه الذي قدمناه في شرط الزيادة من جعله بيعًا نظرًا إلى المعنى، أن يقال هنا بالجواز في غير الربوي، ويلزم الوفاء به، وأما الربوي فإنه اشترط النقصان في القدر فسد، وإن كان في الصفة صح إن وجد التقابض في المجلس.
وكذا قرضه بشرط أن يقرضه شيئًا آخر؛ فهو كشرط رد الأردأ؛ لأن المقصود به نفع المستقرض؛ فيصح على الأصح، وكذلك شرط الأجل حيث لا يكون للمقرض غرض إلا الرفق بالمستقرض، ولكن لزومه قد قيل به على وجه مقدم، أما لزوم قرض شيء آخر فما أظن أحدًا (^١) يقول به.
* * *
_________________
(١) في المخطوطة: "أحد"، ولعل الصواب ما أثبتناه.
[ ١ / ٦٧٦ ]
قال:
فإن بدأ المستقرض فزاده، أو رد عليه ما هو أجود منه، أو كتب له به سفتجة، أو باع منه داره، جاز؛ لما روى أبو رافع ﵁ قال: استسلف رسول الله ﷺ من رجل بكرًا، فجاء إبل الصدقة، فأمرني أن أقضي الرجل بكرًا، فقلت: لم أجد في الإبل إلا جملًا خيارًا رباعيًا، فقال النبي ﷺ: "أعطه فإن خياركم أحسنكم قضاء".
وروى جابر بن عبد الله ﵁ قال: كان لي على رسول الله ﷺ حق، فقضاني فزادني.
حديث أبي رافع رواه مسلم (^١)، وأبو داود (^٢)، والترمذي (^٣)، والنسائي (^٤)، وابن ماجه (^٥)، والبكر بتخفيف الباء هو الصغير من الإبل كالغلام من الآدميين.
وقوله: رباعيًا، بتخفيف الياء؛ أي: له ست سنين ودخل في السابعة، وقد ورد في "مسلم" أيضًا من رواية أبي هريرة أن النبي ﷺ قَالَ لَهُمْ: "اشْتَرُوا لَهُ سِنًّا، فَأَعْطُوهُ إِيَّاهُ"، فَقَالُوا: إِنَّا لَا نَجِدُ إِلَّا سِنًّا هُوَ خَيْرٌ مِنْ سِنِّهِ، قَالَ: "فَاشْتَرُوهُ، فَأَعْطُوهُ إِيَّاهُ، فَإِنَّ مِنْ خَيْرِكُمْ، أَوْ خَيْرَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً" (^٦).
_________________
(١) (١٦٠٠).
(٢) (٣٣٤٨).
(٣) (١٣١٦).
(٤) (٤٦١٧).
(٥) (٢٢٨٥).
(٦) (١٦٠١).
[ ١ / ٦٧٧ ]
وهذه الرواية تبين أن النبي ﷺ لم يقضه من إبل الصدقة ابتداء، وإنما اشتراه منها ممن استحقه فملكه النبي ﷺ بثمنه؛ وأوفاه متبرعًا بالزيادة من ماله عما كان اقترضه لنفسه ﷺ. فهذا أحسن الأجوبة عن الحديث.
وقد قيل فيه أجوبة أخرى، وأبو رافع اسمه إبراهيم (^١)، ويقال: أسلم، ويقال: هرمز، وهو مولى النبي ﷺ. وحديث جابر متفق عليه (^٢)، وهو قطعة من حديث الجمل.
أما الحكم فمذهبنا (^٣): أنه تجوز الزيادة، وتستحب، ويجوز للمقرض أخذها سواء زاد في الصفة أو في العدد؛ بأن أقرضه عشرة فأعطاه أحد عشر، ومذهب مالك (^٤) أن الزيادة في العدد منهي عنها.
ومن أصحابنا من قال: لا يجوز ذلك في أموال الربا، ويجوز في غيره.
وكلام صاحب "البيان" (^٥) يقتضي طرد ذلك في زيادة القدر والصفة وكتب السفتجة حجة المذهب عموم قوله: "أحسنكم قضاء"، والزيادة في ثمن جمل جائز، وكتابة السفتجة من غير شرط جائز، كان عبد الله بن الزبير يأخذ من قوم بمكة دراهم، ثم يكتب إلى مصعب بالعراق فيأخذونها، فسئل ابن عباس عن ذلك فلم ير به بأسًا. وروي في ذلك - أيضًا - عن علي، وهو محمول على ما إذا لم يشرط.
فرع
في قبول الهدية إن كانت بعد رد البدل لم يكره قبولها؛ قاله الماوردي، وإن كان قبله فعندنا: أنه جائز، والتنزه عنه أولى، وقد
_________________
(١) في المخطوطة: "هيم".
(٢) البخاري (٤٤٣)، ومسلم (٧١٥).
(٣) انظر: نهاية المطلب (٥/ ٤٥٢)، البيان (٥/ ٤٦٤)، فتح العزيز (٩/ ٣٧٥).
(٤) انظر: الكافي لابن عبد البر (٢/ ٧٢٨)، الذخيرة (٥/ ٢٨٩)، التاج والإكليل (٤/ ٥٤٧).
(٥) البيان (٥/ ٤٦٤).
[ ١ / ٦٧٨ ]
روي فيه عن السلف تشديدات، وإن كانت من غير شرط، قال عبد الله بن سلام: "إِنَّ مِنْ أَبْوَابِ الرِّبَا أَنَّ أَحَدَكُمْ يُقْرِضُ الْقَرْضَ إِلَى أَجَلٍ، فَإِذَا بَلَغَ أَتَاهُ بِهِ وَبِسَلَّةٍ فِيهَا هَدِيَّةٌ، فَاتَّقِ تِلْكَ السَّلَّةَ وَمَا فِيهَا". رواه البخاري (^١).
وعنه قال: "إِنَّكَ بِأَرْضٍ الرِّبَا بِهَا فَاشٍ، إِذَا كَانَ لَكَ عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ، فَأَهْدَى إِلَيْكَ حِمْلَ تِبْنٍ، أَوْ حِمْلَ شَعِيرٍ، أَوْ حِمْلَ قَتٍّ، فَلَا تَأْخُذْهُ فَإِنَّهُ رِبًا" رواه البخاري (^٢).
وعن أُبي بن كعب قال: "إِنَّكَ بِأَرْضٍ الرِّبَا بِهَا فَاشٍ؛ فَإِذَا أَقْرَضْتَ رَجُلًا فَأَهْدَى إِلَيْكَ هَدِيَّةً فَخُذْ قَرْضَكَ، وَارْدُدْ إِلَيْهِ هَدِيَّتَهُ" (^٣). وهذان الأثران يمكن أن يكون التنزه عن ذلك؛ لكثرة الربا في ذلك المكان.
وعن ابن سيرين، عن أبي بن كعب، وهو منقطع أَنَّهُ أَهْدَى إِلَى عُمَرَ فَرَدِّهَا، وَكَانَ عُمَرُ ﵁ أَسْلَفَهُ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ (^٤).
وعن ابن عباس أنه قال في رجل كان له على رجل عشرون درهمًا فجعل يهدي إليه، وجعل كلما أهدى إليه باعها حتى بلغ ثمنها ثلاثة عشر درهمًا، فقال ابن عباس: لا تأخذ منه إلا سبعة دراهم.
وكان رجل سَمَّاك عليه لرجل خمسون درهمًا، فكان يهدي إليه السمك فأتى ابن عباس فسأله فقال: قاصَّه بما أهدى لك.
وروي ضعيف عن أنس أنه سئل عن الرجل يقرض أخاه فيهدي إليه، فقال: قال رسول الله ﷺ: "إِذَا أَقْرَضَ أَحَدُكُمْ قَرْضًا، فَأَهْدَى إِلَيْهِ طَبَقًا فَلَا
_________________
(١) (٣٨١٤).
(٢) (٣٨١٤).
(٣) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٨/ ١٤٣) (برقم: ١٤٦٥٢)، والبيهقي في الكبرى (٥/ ٣٤٩) (برقم: ١٠٧١٠).
(٤) سنن البيهقي الكبرى (٥/ ٣٤٩) (برقم: ١٠٧١١).
[ ١ / ٦٧٩ ]
يَقْبَلُهُ أَوْ حَمَلَهُ عَلَى دَابَّةٍ، فَلَا يَرْكَبُهَا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ قَبْلَ ذَلِكَ" (^١).
قال البيهقي (^٢): رواه شعبة و[محمد] (^٣) بن دينار فوقفاه، ونقل ابن المنذر في قبول الهدية واحدًا فصَّل مما قبض ثلاثة مذاهب للعلماء: المنع، والجواز، والفرق بين أن يكونا قبل ذلك يتعاطيان الهدايا والمؤاكلة فلا بأس أن يمضيا على العادة أو لا يتعاطيانها فمكروه، وهو قول النخعي وإسحاق بن راهويه.
* * *
_________________
(١) سنن ابن ماجه (٢/ ٨١٣) (برقم: ٢٤٣٢).
(٢) سنن البيهقي الكبرى (٥/ ٣٥٠).
(٣) ما بين المعقوفين سقط، نقل من "سنن البيهقي" (٥/ ٥٧٣).
[ ١ / ٦٨٠ ]
قال:
وإن عُرِفَ لرجل عادة أنه إذا استقرض زاد في العوض، ففي إقراضه وجهان: أحدهما: لا يجوز إقراضه إلَّا أن يشترط رد المثل؛ لأن المتعارف كالمشروط، ولو شرط الزيادة لم يجز، وكذلك إذا عرف بالعادة.
والثاني: أنه يجوز، وهو المذهب؛ لأن الزيادة مندوب إليها فلا يجوز أن يمنع ذلك صحة العقد.
الثاني هو المذهب المنصوص في باب الصرف من "الأم" (^١)، والأول ضعيف وشبهه الأصحاب برجل عادته أنه إذا اشترى تمرًا يطعم البائع منه؛ فإنه لا يصير بمنزلة الشرط في فساد البيع منه، وللخلاف نظائر في انتفاع المرتهن بالمرهون، وفي قطع العنب حصرمًا وغير ذلك، وعلى المذهب هل يكره إذا قصدا ذلك أو قصده المقرض؟ فيه وجهان؛ أحدهما: يكره؛ لأنهما لو صرحا باشتراط ذلك بطل، فإذا أضمراه كره كما في مسألة الضَّبَّةِ.
والثاني: لا يكره، وهو المنقول عن أبي حامد، قال: وإيراد صاحب "التتمة" يقتضي أن الخلاف في كراهة القرض، وإيراد غيره يقتضي أن الخلاف في أنه هل يكره للمقرض أخذ الزيادة والموردون لذلك، منهم ابن الصباغ جزم بالكراهة من غير اشتراط قصد بل اكتفاء بالعادة، وكونه جَرَّ منفعةً، والشيخ أبو حامد، قال: لا يكره؛ لأنه معروف.
ومن مجموع كلامهم يؤخذ إطلاق في القسمين [أنه] (^٢) هل يكره
_________________
(١) الأم (٣/ ١٢٤).
(٢) في المخطوطة: "أنه أنه"، والصواب ما أثبتناه.
[ ١ / ٦٨١ ]
للمقرض أن يقرض، وأن يأخذ الزيادة، والتحقيق أنه إن وجد القصد من المقرض كره له الإقراض، وأخذ الزيادة إن أقرض لما قلناه، وإن لم يوجد منه قصد فلا يكره، أما المستقرض فالذي ينبغي القطع بأنه لا يكره له، ولو وجد منه القصد؛ لأن ذلك قصد صالح فلا يكره له بدل الزيادة، ولا الإقراض مع إضمارها، وليس كالمقرض؛ فإن المقرض إذا شرط ذلك يبطل، فإذا أضمره كره كما في مسألة العينة، والمستقرض إذا قال ذلك من نفسه من غير شرط من المقرض كان وعدًا غير مبطل؛ فلذلك لا يكره إضماره.
* * *
[ ١ / ٦٨٢ ]
قال:
وإن شرط في العقد شرطًا فاسدًا بطل الشرط، وفي القرض وجهان: أحدهما: أنه يبطل لما روي أن النبي ﷺ قال: "كُلُّ قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً فَهُوَ رِبًا"؛ ولأنه إنما أقرضه بشرط، ولم يسلم الشرط فوجب ألَّا يسلم القرض. والثاني: أنه يصح؛ لأن القصد منه الإرفاق، فإذا زال الشرط بقي الإرفاق.
إطلاق المصنف أولًا يشمل جميع الشروط الفاسدة، ومن جملتها ما للمقرض فيه غرض كرد الزيادة؛ ولذلك صرح العمراني في "البيان" (^١) به، وجعل في فساده بذلك الشرط وجهين، وآخر كلام المصنف يقتضي أن محل ذلك في الشروط الفاسدة، التي يقصد بها إرفاق المستقرض فلا يكون فيها غرض للمقرض، كشرط رد الناقص إذا قلنا بفساد الشرط.
وقد تقدم أن الأصح صحة العقد وفساد الشرط، وبذلك يلتئم كلامه على ما قدمنا في "شرحه"، والحديث المذكور مشهور في كتب الفقهاء، ولم يصحَّ رفعه عن النبي ﷺ؛ بل لا أعرف هذا اللفظ عن النبي ﷺ أصلًا، وإنما وردت ألفاظ أُخر عن أنس، وابن عمر لم يصح رفعها؛ بل هي موقوفة عليهما، وقد قدمت ذلك، ومعناها: النهي عن الشرط والهدية، وليست في معنى ما ذكر المصنف، حتى يستدل بها على فساد العقد.
* * *
_________________
(١) البيان (٥/ ٤٦٥ - ٤٦٦).
[ ١ / ٦٨٣ ]
قال: