ويجب أن يجمع كل واحد منهما في اليمين بين النفي والإِثبات؛ لأنه يدَّعي عقدًا وينكر عقدًا، فوجب أن (^١) يحلف عليهما.
قال الشيخ أبو حامد: هذا لا خلاف فيه بين الأصحاب.
ودليله: ما ذكره المصنف، فإن كلًّا منهما مدع ومدعًا عليه، فيحتاج أن ينفي ما ادعى عليه ويثبت ما يدعيه، ولك أن تقول: المدعي لا يحلف على إثبات مَا يدعيه عند عدم الشاهد واللوث، إلَّا إذا نكل المدعي عليه، وها هنا إذا حلف كل منهما على نفي ما يدعى عليه لم يحصل (^٢) نكول، فكيف يتوجه اليمين على الإثبات، وما ادعاه الشيخ أبو حامد من عدم الخلاف بين الأصحاب يرد عليه ما إذا قلنا: بتعدد اليمين، ففيه وجهان سيأتي ذكرهما.
إما على قولنا بيمين واحدة فلا خلاف نعلمه، والمقصود هنا: الجمع بين النفي والإثبات من حيث الجملة.
_________________
(١) كرر هنا في المخطوطة: (أن). وهي زيادة بدون فائدة.
(٢) كرر قوله: "لم يحصل" في المخطوطة، وهي زيادة بدون فائدة.
[ ١ / ٧٨ ]
وإما أنه بيمين واحدة أو بيمينين، فسيأتي، وقد استدل بعضهم للجمع بين النفي والإثبات، فالقياس على ما لو كان بينهما عين فتداعياها قال: لأن النبي ﷺ حلف في العين لما تداعياها اثنان على النفي والإثبات.
قلت: وهذا الحديث، وقول المصنف؛ لأنه يدعي عقدًا يرد أن يرد أن المدعي لا يحلف إلَّا إذا نكل المدعى عليه، ومع حلف كل منهما على النفي لا نكول، فكيف يتوجه يمين الإثبات وقياس الخصومات الاقتصار على يمين النفي من كل منهما، ولكني لم أر من قال بذلك، إلَّا الشيخ أبا محمد، فإنه يقول به إذا قلنا بيمينين كما سيأتي، ولم يقل به مطلقًا فيما أعلم، والقياس القول به مطلقًا من أصل المسألة، ولا دليل من الحديث يرده، وعند الانتهاء إلى قول الشيخ أبي محمد يعرف مغايرته لذلك، وأنه لم يقل بأن كلَّا منهما يحلف على النفي على قياس الخصومات، ولو وجدته له أو لغيره من الأصحاب وجهًا كنت أقول به للقياس، وعدم الدليل على خلافه، ثم إني تأملت، فوجدت يتلخص من قول الشيخ أبي محمد وجه بالاكتفاء بيميني النفي، وإن كان لم يوف بمقتضى ذلك كما سنقف عليه فلا عليَّ حرج إذا وافقته في أصل قوله الذي هو على وفق القياس ثم وفيت بمقتضاه تبعًا للدليل، وقوله في الحديث: "تحالفا" إن ثبت أحمله على الحلف من الجانبين، وإطلاق التحالف على الجمع بين يمينين من كل جانب وتخصيصه به إنما هو من اصطلاح الفقهاء، فلا يجب حمل الحديث عليه، ولا يرد على هذا إلَّا شيء واحد، وهو قوله في الحديث: "فَالْقَوْلُ مَا قَالَ الْبَائِعُ"، فإنه قد يقال: إن ذلك يقتضي حلفه على الإثبات والنفي؛ لأنه جعل القول قوله، أي: مع اليمين، فيحلف على ما قاله، والذي قاله البائع: إنه باع بكذا وما باع بكذا فيحلف على ذلك هذا الذي خطر لي في التمسك للحلف على الإثبات، فإن اتجه ذلك، وإلَّا فالقياس ما تقدم.
[ ١ / ٧٩ ]
قال المصنف ﵀:
ويجب أن يُقدم النفي على الإثبات.
وقال أبو سعيد الإِصطخري: يقدم الإِثبات على النفي، كما قدمنا الإثبات على النفي في اللعان.
والمذهب الأول؛ لأن الأصل في اليمين أن يبدأ بالنفي، وهو يمين المدعى عليه، فوجب أن يبدأ ها هنا أيضًا بالنفي، ويخالف اللعان، فإنه لا أصل له في البدأة بالنفي.
المقصود بهذا - أيضًا - التقديم من حيث الجملة، وتقديم النفي نسبه الماوردي إلى ظاهر نصه (^١)، والخلاف مع الإصطخري (^٢) حاصل مطلقًا، سواء أقلنا: يحلف يمينًا واحدة يجمع فيها نفيًا وإثباتًا، أم قلنا: يحلف يمينين، هكذا صرح به الشيخ أبو حامد وغيره (^٣).
وخالفهم الماوردي فقال: "إن ذلك إذا قلنا: يحلف كل واحد يمينًا واحدة، أما إذا قلنا: يحلف يمينين، قال: فلا خلاف أنه يبدأ في اليمين الأولى بالنفي، وفي الثانية بالإثبات" (^٤)، وهو مقتضى إيراد
_________________
(١) الحاوي الكبير (٥/ ٣٠١).
(٢) نقله عنه الماوردي في الحاوي الكبير (٥/ ٣٠١)، والروياني في بحر المذهب (٥/ ١٢)، والغزالي في الوسيط (٣/ ٢١٠)، والعمراني في البيان (٥/ ٣٦٣)، والرافعي في فتح العزيز (٤/ ٣٨٣) `.
(٣) انظر: الوسيط (٣/ ٢١٠).
(٤) الحاوي الكبير (٥/ ٣٠١) بمعناه.
[ ١ / ٨٠ ]
للمتولي، والبغوي (^١)، فإنهما تكلَّما في ذلك على قولنا باليمين الواحدة.
وأما الرافعي، فإنه في آخر كلامه في التفريع على اليمينين قال: "إن القول في تقديم النفي أو الإثبات كما في اليمين الواحدة" (^٢)، وفي هذا موافقة لما قاله أبو حامد، غير أن الرافعي يختار أن ذلك على جهة الاستحباب، ومقتضاه أنه يجوز عنده في التفريع على اليمينين تقديم الإثبات، وفيه بعد، فإن تقديمه في اليمين الواحدة قد يحتمل؛ لأن النفي والإثبات فيها كالشيء الواحد، ولا كذلك في اليمينين.
وأما الشيخ أبو حامد، فلا يرد عليه ذلك؛ لأنه قد يختار أن ذلك على سبيل الوجوب، فلا يلزم جواز تقديم الإثبات إلَّا على رأي الإصطخري خاصة وهو يلزمه إذا عرف ذلك، فحجة الإصطخري القياس على اللعان؛ لأنه عند الشافعي يمين، ثم إن الله تعالى بدأ فيه بالإثبات، فقال: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧)﴾ [النور: ٦، ٧].
فقدم الإثبات للصدق على النفي للكذب، وقد أغرب سلامة في شرح هذا الوجه، ورأيت أيضًا أبا الحسن بن خيران في "اللطيف في صنعة اليمين" قدم الإثبات ورد الأصحاب ذلك بأن المنفي هو الأصل في اليمين، وإنما ينقل إلى الإثبات بنكول أو شاهد أو لوث وليس ها هنا شيء من ذلك، فوجبت البدأة بالنفي، ويخالف اللعان؛ لأنه إثبات لا نفي فيه؛ لأنه لا فرق بين أن يقول: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٦]، وبين أن يقول: إنه ليس من الكاذبين، فإنه مثبت للصدق في الحالتين جميعًا، أي: على مذهب أهل
_________________
(١) التهذيب (٣/ ٥٠٥).
(٢) فتح العزيز ط العلمية (٤/ ٣٨٣) بمعناه.
[ ١ / ٨١ ]
السنة في أنه لا واسطة بين الصدق والكذب.
وأما على من يجعل بينهما واسطة، فذلك بالنسبة إلى كافي الرهن، وليس هو المقصود باللعان، وإنما مقصود اللعان تخفيف الأمر الخارجي، والصدق وعد من الكذب بالنسبة إليه متلازمان.
وأما ها هنا ينفي دعوى عليه، ويثبت دعوى له، فكان أحدهما مخالفًا للآخر.
ونقل أبو سعد الهروي في "الإشراف" وجهًا ثالثًا عن أبي الحسين بن القطان (^١): أنه لا ترتيب بين النفي والإثبات إن بدأ أحدهما بالنفي، حلف الثاني على الإثبات؛ ليكون ضده، وإن بدأ بالإثبات، حلف الثاني على النفي، فيكون ضده.
قلت: وليس في هذا إسقاط الترتيب بالكلية.
ثم إن هذا الخلاف هل هو في الاستحقاق أو في الاستحباب؟!
كلام المصنف يقتضي الأول، وموافقة ما سيحلفه من كلام الإمام (^٢).
وقال صاحب "التتمة" و"التهذيب" (^٣): لو قدم (^٤) الإثبات على النفي صحت يمينه، وهذا يقتضي أن تقديم النفي مستحب، وقال الرافعي: "إنه
_________________
(١) هو علي بن محمد بن عبد الملك الكتامي الحميري الفاسي، أبو الحسن بن القطان، من حفاظ الحديث، ونقدته، قرطبي الأصل، من أهل فاس، أقام زمنًا بمراكش، نال بخدمة السلطان دنيا عريضة، وامتحن سنة (٦٢١ هـ) فخرج من مراكش، وعاد إليها، ثم ولي القضاء بسجلماسة، فاستمر إلى أن توفي بها سنة: (٦٢٢ هـ = ١٢٢٥ م). انظر: الوافي بالوفيات (٢٢/ ٤٧)، الأعلام للزركلي (٤/ ٣٣١).
(٢) نهاية المطلب (٥/ ٣٤٦).
(٣) (٣/ ٥٠٦).
(٤) قوله: "صاحب "التتمة" و"التهذيب": "لو قدم" في المخطوطة، مكرر وهي زيادة بدون فائدة.
[ ١ / ٨٢ ]
الأظهر" (^١)، وقال في "الروضة": "إنه الأصح" (^٢).
وقد قدمت أن مقتضى كلام الرافعي جريان ذلك بالقول في اليمينين ويثبت ما فيه.
وقال الإمام: "والذي رأيت طرق الأصحاب متفقة عليه، أن هذا الترتيب مستحق، ولو فرض قلب ذلك لم يعتد باليمين.
وحكى العراقيون عن الإصطخري: تقديم الإثبات، ورأى ذلك فيما نقل عنه حتمًا، وهذا متروك عليه، فإنه خالف الفقه الذي ذكرناه من استتباع النفي الإثبات، ثم علا طرفًا فرأى استحقاق تقديم الإثبات، ولو قال: لا يستحق ترتيب في المقصودين إذا كان يقضي بالنكول عند ترك أحدهما لكان هذا [مسلكًا] (^٣) في الاحتمال بعض الانسلاك" (^٤). انتهى.
وما قاله الإمام من كون الترتيب مستحقًا، أقرب إلى كلام الأصحاب، ولم يتكلم الإمام إلا في التفريع على اليمين الواحدة، فإن قلنا باليمينين، فذلك بطريق الأولى، والاحتمال الذي أبداه الإمام إن صح، وكان المراد به إسقاط الترتيب بالكلية حتى إن بدأ أحدهما بالإثبات جاز للآخر أن يبدأ به كان مخالفًا للوجه المنقول عن ابن القطان على ما تقدم، فيكون رابعًا، لكن لم أر من قال به.
ونقل الماوردي عن بعض البصريين وجهًا آخر: "أن البائع يحلف، فيقول: والله ما بعت هذا العبد إلَّا بألف، ويقول المشتري: والله ما اشتريته إلَّا بخمسمائه، قال: لأن هذا أسرع إلى فصل القضاء.
وقد قيل في قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٠]. أنه
_________________
(١) فتح العزيز ط العلمية (٤/ ٣٨٣).
(٢) روضة الطالبين (٣/ ٥٨٢).
(٣) كذا في المخطوطة، وفي نهاية المطلب: "منسكًا".
(٤) نهاية المطلب (٥/ ٣٤٦).
[ ١ / ٨٣ ]
سرعة القضاء (^١).
قلت: وهو الذي أورده الصيمري شيخ الماوردي في "شرح الكفاية"، وهو بناء على أن الاستثناء من النفي إثبات، وهو مذهبنا ومذهب الجمهور، وحينئذ تكون هذه العبارة قد أدت معنى النفي والإثبات جميعًا بكلام واحد، وهو حسن، ويسلم معه من تمحيص (^٢) الحلف على الإثبات بغير نكول، وقد حكيت فيما تقدم عن نصه في السَّلم قوله: "أُحلفَ البائع بالله مَا باعه بالمائة التي قبض منه إلَّا مائة صَاع" (^٣).
وهذا يشهد لما قاله صاحب هذا الوجه، لكنه في نفيه النص المذكور قال: قيل للمشتري: "احلف ما ابتعتَ منه مائة صاع، ولقد كان بيعك مائتي صاع" (^٤)، وإذا جمعنا بين الكلام جوَّزنا الأمرين أن يأتي بالنفي والإثبات صريحين، وتقدم النفي كما قاله الأصحاب، أو يأتي بهما على صيغة الحصر، كما قاله صاحب هذا الوجه، والظاهر أن صاحب هذا الوجه لا يمنع من الإثبات بهما صريحين، فهو حينئذ موافق للنص الذي حكينا عن السلم.
وأما الأصحاب؛ فيحتمل: أن يجوزوا صيغة الحصر، كما قلنا: إن النص يقتضيه وليس في كلامهم تصريح بذلك، ولا رده لكن الأقرب إلى الفهم من كلامهم أنهم لا يكتفون بذلك؛ ولعل ذلك لأن صيغة الحصر ليست صريحة في الإثبات، وفي إفادتها له كلام هل هو بالمنطوق أو بالمفهوم، ومثل ذلك لا يُكتفى به في اليمين، ويحمل النص على أن المراد
_________________
(١) الحاوي الكبير (٥/ ٣٠٢).
(٢) الأم (٣/ ١٣٨).
(٣) الأم (٣/ ١٣٨).
[ ١ / ٨٤ ]
الإثبات بما يؤدي هذا المعنى، وليس الغرض بيان الصيغة، وفيه نظر، وقد رأيت ابن داود قال في "شرح المختصر": إنما إذا قلت باتحاد اليمين، فالجمع يحصل بقوله: ما بعت إلَّا بكذا، كما يحصل بقوله: ما بعت بكذا، ولقد بعت بكذا قاله صاحب "التقريب"، وهذا يدل على ما قلته من تشريع الأمرين.
وأما أن الأصحاب يوافقون على ذلك أو لا، ففيه نظر، وقد وقع من ابن الرفعة في "شرح الوسيط" وَهَم، "فحكى الوجه المذكور عن بعض البصريين، وحكى معه وجهًا عن نقل الجُورِي وجعلهما وجهين:
أحدهما: الإثبات بصيغة الحصر في البائع والمشتري.
والثاني في البائع دون المشتري.
قال: ويشهد لهذا نصه في السلم" (^١)، وذكر ما حكيناه عن الشافعي والجُوْرِي لم ينقل في هذا إلَّا كلام الشافعي بنصه، فإنه يحكي كلام الشافعي ثم يشرحه، فنظر ابن الرفعة ما نقله الجُورِي من نص الشافعي، فظن أنه من حكاية الجُورِي عن الأصحاب، وإنما هو النص الذي في السَّلم الذي استشهد به له، وإنما هو نص الشافعي وحمله على مَا ذكرناه أولًا، ولا فرق بين البائع والمشتري في صيغة اليمين.
* * *
_________________
(١) المطلب العالي في شرح الوسيط للغزالي (ص: ١٩١). رسالة ماجستير من التحالف في البيع إلى السلم.
[ ١ / ٨٥ ]
قال المصنف ﵀:
وهل يجمع بين النفي والإثبات بيمين واحدة أم لا؟ فيه وجهان؛ أحدهما: يجمع بينهما بيمين واحدة، وهو المنصوص في "الأم"؛ لأنه أقرب إلى فصل القضاء، فعلى هذا يحلف البائع أنه لم يبع بألف، ولقد باع بألفين، ويحلف المشتري أنه ما اشترى بألفين ولقد اشترى بألف، فإن نكل المشتري قضي للبائع، وإن حلف فقد تحلفا.
والثاني: أنه يفرد النفي بيمين، والإثبات بيمين؛ لأنه دعوى عقد وإنكار عقد، فافتقر إلى يمينين، ولأنا إذا جمعنا بينهما بيمين واحدة، حلفنا البائع على الإثبات قبل نكول المشتري عن يمين النفي، وذلك لا يجوز، فعلى هذا يحلف البائع أنه ما باع (^١) بألف، ثم يحلف المشتري أنه ما ابتاع بألفين، فإن نكل المشتري، حلف البائع أنه باع بألفين وقضي له، وإن حلف المشتري حلف البائع أنه بائع بألفين، ثم يحلف المشتري أنه ابتاع بألف، فإن نكل قضي للبائع، وإن حلف فقد تحالفا.
تقدم أنه لا خلاف بين الأصحاب في الجمع بين النفي والإثبات على غير طريقة الشيخ أبي محمد التي أخرتها، والكلام الآن: هل ذلك بيمين واحدة أو بيمينين؟ وفيه وجهان كما ذكر المصنف أصحهما بيمين واحدة، وهو المنسوب إلى النص لظاهر النصوص السالفة؛ ولقوله في "الأم": إن حلف البائع قيل للمبتاع: أتأخذ بالثمن الذي حلف البائع عليه أو تحلف، فإن نكل ولم يحلف حكمنا عليه باليمين الذي حلف عليه البائع، فظاهر ذلك يقتضي
_________________
(١) قوله: "ما باع" في المخطوطة: "ماع". وما أثبتناه من المطبوع من المهذب.
[ ١ / ٨٦ ]
أن البائع قد حلف على مَا يجب عليه؛ لأنه لو لم يحلف ما حكمنا على المبتاع أن يأخذ بالثمن الذي حلف عليه البائع، وسنذكر عن الإمام زيادة في تعليل هذا القول.
وقول المصنف: "فعلى هذا يحلف البائع"، أي: على المذهب في البدأة بالبائع، أنه لم يبع بألف؛ أي: على الأصح في تقديم النفي على الإثبات، وقد تقدم الكلام في أن ذلك على وجه الاستحقاق أو الاستحباب.
وقوله: "ولقد باع بألفين"، فوجد في كلام بعض الأصحاب، وإنما باع بألفين وكلامهما سواء.
والمقصود ما يؤدي هذا المعنى، وقد تقدم أن بعض الأصحاب اكتفى عن الصيغتين بقوله: "ما بعت إلَّا بألفين"، وفي "الكفاية" للحاجة في أنه ما باع بألف بل بألفين، وكأن الحاجة في قصد الاختصار، فأتى بهذه العبارة، وعندي أنها غير كافية؛ لأنها محتملة للمراد، ولأن يكون المعطوف نكل منفيًا أيضًا.
وقوله: "فإن نكل المشتري قضي للبائع"؛ أي: لأنه قد حلف اليمين الواجبة عليه بتمامها قبل ذلك، وقد تقدم ما فيه من الإشكال، وأنه كيف يصح يمينه على الإثبات قبل نكول المشتري، لكن الأصحاب اغتفروا ذلك، وجعلوا الإثبات هنا تابعًا للنفي، وأطلق المصنف نكول المشتري، فيدخل فيه نكوله عن النفي والإثبات، وعن أحدهما، وبذلك صرح الرافعي (^١) أنه يقضي للحالف إذا نكل الثاني، سواء نكل عن النفي والإثبات جميعًا، أو عن أحدهما، والنكول عن (^٢) البعض كهو عن الكل، ونقل الإمام ذلك عن الأئمة، ثم قال: "وهذا في نهاية الإشكال، فإنا كنا نبعد القضاء بالإثبات
_________________
(١) فتح العزيز (٩/ ١٨٢).
(٢) كرر هنا في المخطوطة: (عن) وهي زيادة بدون فائدة.
[ ١ / ٨٧ ]
قبل النكول، وهذا قضاء بالإثبات مع اليمين على النفي.
قال: وسبيل الجواب عنه أن صيغة اليمين على هذا القول التعرض للنفي والإثبات، واليمين تُعرض كذلك، فإذا لم يأت المشتري باليمين المعروضة عليه لا نُحلِّفُه على النفي، وإنما يتحقق النكول عن يمينِ تُعرض فيأباها المعروض عليه" (^١).
قلت: وقوله: لا يحلفه على النفي؛ أي لا يعتد بحلفه على النفي؛ لأن فرض المسألة فيما إذا حلف على النفي ونكل عن الثبوت.
والوجه الثاني: أنه يفرد النفي بيمين، والإثبات بيمين، وهو اختيار ابن سريج (^٢) على ما نقله الماوردي (^٣).
وقال القاضي أبو الطيب، عن القاضي أبي حامد في "جامعه": هذا أقيس، والأول أقرب إلى فصل الحكم، واليمينان أصح عندي، القائل أصح عندي، أظنه أبا الطيب، ويحتمل أن يكون أبا حامد.
ونقله الشاشي [عن] (^٤) ابن يونس، وابن الرفعة (^٥) عن أبي الطيب جزمًا، وصححه ابن أبي عصرون (^٦) أيضًا، والقول: بتعدد اليمين عند القائلين به مخرج من مسألة نص عليه الشافعي في الدعاوى؛ أنهما إذا تنازعا دارًا في
_________________
(١) نهاية المطلب (٥/ ٣٤٦).
(٢) هو: أحمد بن عمر بن سريج البغدادي، أبو العباس، فقيه الشافعية في عصره، مولده ووفاته في بغداد، له نحو ٤٠٠ مصنف، كان يلقب بالباز الأشهب، له مناظرات ومساجلات مع محمد بن داود الظاهري (ت: ٣٠٦ هـ -٩١٨ م). انظر: "سير أعلام النبلاء" (١١/ ١٢٣)، "طبقات الشافعية" للسبكي (٣/ ٢١).
(٣) الحاوي (٥/ ٣٠١).
(٤) ما بين المعقوفتين زيادة لا بد منها.
(٥) نقله ابن الرفعة في كفاية النبيه (٩/ ٢٩٥)، عن ابن يونس، عن القاضي أبي الطيب.
(٦) الانتصار (ص: ٣٢٤). رسالة دكتوراة من البيع إلى الشفعة.
[ ١ / ٨٨ ]
أيديهما، فادعى كل واحد منهما أن جميعها له، فالنص أن كل واحد منهما يحلف على مجرد نفي استحقاق صاحبه ما في يده، ولو حلف أحدهما ونكل الآخر، فالحالف يحلف يمينًا أخرى الإثبات، وللأصحاب فيها طريقان أصحهما على ما ذكر الرافعي.
وقال صاحب "التهذيب": إنها المذهب تقرير النصين، والفرق أن في مسألة الدار كل منهما يده على نصفها، فهو يبقي حق صاحبه فيما في يده، وتحقق أن ما في يد صاحبه له، فمنفيّ كل منهما ممتاز عن مثبته، فلا معنى ليمينه على الإثبات قبل نكول صاحبه، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنهما اتفقا على الملك للمشتري، وإنما اختلفا في صفة العقد، فمنفيّ كل منهما في ضمن مثبته، وليس هنا سبب يثبت به يد أحدهما حتى لا يجوز لصاحبه أن يحلف قبل نكوله، فإذا جمع البائع بين النفي والإثبات لم يكن فيه تحليف المدعى عليه على ما في يد المدعى عليه قبل نكوله، فجاز الجمع، وأصحاب هذه الطريقة قاطعون بالاقتصار في التحالف على يمين واحدة، وهي مخالفة لما أورده المصنف من آخر الوجهين، وما ذكرناه من أن: القول بتعدد اليمين يخرج من مسألة الدار، هو الذي ذكره الأصحاب على طبقاتهم، ورأيت ابن داود في "شرح المختصر" في قول الشافعي: "وأيهما نكل عن اليمين وحلف صاحبه حكم له" (^١).
قال: هذا دليل أحد الوجهين، وهو أن المُبادئ منهما يحلف على نفي دعوى صاحبه حتى إذا نكل صاحبه حلف مرة أخرى على إثبات دعواه.
وقال: إن صاحب الوجه الآخر يقول: صورة المسألة أن البادئ نكل؛ فلهذا قال: يحلف صاحبه، وهذا الكلام من ابن داود لا منافاة فيه؛ لكون صاحب ذلك الوجه خرجه من مسألة الدار، لكن يجب النظر في كلام
_________________
(١) مختصر المزني (٨/ ١٨٥).
[ ١ / ٨٩ ]
المختصر، وقد تأملته فوجدته لا دلالة فيه لذلك؛ لأن معناه: إن (^١) نكل عن اليمين، وحلف صاحبه حُكِم للحالف، وذلك يصح سواء أكانت اليمين واحدة، ونكل عنها الأول، فإنه يحلف الثاني ويقضى له، أم كانت اليمين متعددة، بل دلالته على اتحاد اليمين أولى من جهة: أنه إذا كانت اليمين متعددة ونكل أحدهما وحلف صاحبه على يمين النفي فقط، لا يقضى له حتى يحلف يمين الإثبات، وكلام الشافعي يقتضي أنه يحكم للحالف إذا نكل صاحبه مطلقًا، فمتى عددنا اليمين احتجنا إلى إخراج هذه الصورة من كلام الشافعي، ومتى حكمنا باتحادها لم يحتج إلى تأويل فكان أولى، فلا جرم قطعوا بأنه ليس في نص الشافعي إلَّا يمين واحدة.
والطريقة الثانية: وهي التي جرى المصنف عليها تخريج قول من مسألة الدار إلى مسألة المتبايعين ووجه الجري على قياس الخصومات، فإن يمين الإثبات لا يبدأ بها في غير القسامة، وانقسم أصحاب هذه الطريقة، ففريق يقولون: إنه لا خلاف في مسألة الدار في تعدد اليمين، وليس هذا مما ينقل فيه الجواب من كل جانب إلى الجانب الآخر حتى يفرض جريان القولين في الجانبين؛ نقلًا وتخريجًا، وإنما التخريج [من مسألة الدار] (^٢) إلى مسألة المتبايعين فقط، ولا ينعكس كذلك.
قال الشيخ أبو حامد، والمحاملي (^٣)، والإمام (^٤) في هذا الباب: قال
_________________
(١) في المخطوطة: "إنهما": ولعل الصواب ما أثبتناه.
(٢) مكرر في المخطوطة.
(٣) هو: أحمد بن محمد بن أحمد بن القاسم الضبي، أبو الحسن ابن المحاملي، بغدادي المولد والوفاة، درس الفقه على الشيخ أبي حامد الإسفراييني وكان غاية في الذكاء والفهم وبرع في المذهب الشافعي، له تصانيف، منها: "تحرير الأدلة"، "المجموع"، "لباب الفقه"، "المقنع" (ت: ٤١٥ هـ -١٠٢٤ م). انظر: "الأعلام" للزركلي (١/ ٢١١)، "طبقات الشافعية" لابن قاضي شهبة (١/ ١٧٤).
(٤) نهاية المطلب (١٩/ ١٠٠).
[ ١ / ٩٠ ]
الرافعي: "وهو الحق؛ لأن كل واحد منهما - يعني: من المتنازعين في الدار - لا يحتاج فيما في يده إلى الإثبات، واليمين على الإثبات يمين الرد، فكيف يحلف الأول يمين الرد وصاحبه لم ينكل بعد، وكيف يحلف الثاني وقد حلف صاحبه" (^١)، وذهب كثيرون على ما حكاه الرافعي إلى إثبات الخلاف في مسألة الدار أيضًا، وأثبتوا في كل من المسألتين قولين بالنقل والتخريج، وحكاه الإمام (^٢)، والغزالي، والرافعي (^٣) في كتاب الدعوى والبينات، وممن جرى على هذه الطريقة في هذا الباب المتولي، وزعم ابن أبي الدم أن الإمام حكى الخلاف فيها في هذا الباب، ولم أره فيه، وقد تحَرَّز أن في مسألة المتبايعين طريقين: أحدهما: القطع بيمين واحدة.
والثانية: إجراء وجهين، وهي أوردها المصنف، وممن حكى الطريقين الجرجاني وغيره، واعلم أن حكاية الطريق بالتخريج من مسألة الدار إلى المتبايعين توهم أن القول المخرج هو الاقتصار على يمين النفي في المتبايعين، وأن كلًّا منهما إذا حلف على النفي كفى كما مثله في مسألة الدار، لكن ليس المراد ذلك، بل المراد أنه على القول المخرج يحلف كل من المتبايعين في أول الأمر على النفي خاصة، ثم بعد ذلك هل يحلف على الإثبات أو لا؟! فيه ما سيأتي عن الشيخ أبي محمد وغيره؛ ولهذا قال الإمام في كتاب الدعاوى: إن النص في مسألة الدار أنه يحلف أولًا على النفي (^٤).
وقال الغزالي في "البسيط": يحلف ابتداء على النفي، فقولهما: أولًا، وابتداء إشعار بذلك، وبما يدلك على ذلك أن الشيخ أبا حامد يقول كما تقدم عنه أنه لا خلاف أن المتبايعين يجمعان بين النفي والإثبات، وهو مع
_________________
(١) فتح العزيز (٩/ ١٨١).
(٢) ، (^٣) نهاية المطلب (١٩/ ١٠٠).
(٣) نفس المصدر (١٩/ ١٠١).
[ ١ / ٩١ ]
ذلك حكى الطريقين في المتبايعين ومسألة الدار، وقال هو والماوردي: "أن النص في مسألة الدار أنه يحلف يمينين" (^١)، وأرادا بذلك أنه إذا نكل الثاني يحلف الأول يمين الإثبات يعني: فلا يقضي لواحد منهما بالدار كلها حتى يحلف يمينين، أما إذا حلفا على النفي في الدار انفصلت الخصومة واستقرت يد كل واحد كما كانت، وها هنا يفترق الحال بين الدار والمتبايعين، فإن في المتبايعين وجهين يأتيان في أن الخصومة هل تنفصل بذلك أو لا؟
وقول: المصنف: لأنه دعوى عقد وإنكار، عقد قد تقدم ما فيه من استشكال الحلف على الدعوى بغير نكول.
وقوله: ولأنا إذا جمعنا بينهما بيمين واحدة حلفنا البائع على الإثبات قبل نكول المشتري، وذلك لا يجوز.
قلنا: وكذلك حلفه على الإثبات بعد حلف المشتري على النفي إذا قلنا بيمينين، فإنه لم يحصل نكول من المشتري.
والحاصل: أن كلام الوجهين مشكل، والحلف على الإثبات بغير نكول لازم عليهما، ولكن القول باليمينين أخف إشكالًا، والقول المنصوص معلل بأن البيع في حكم الخصلة الواحدة، وهو اللائق بمصلحة هذا العقد كما سبق، "فلو فصلنا النفي عن الإثبات، وأقمنا خصومتين لما انتظمت حكمة الشريعة في التسوية بين المتعاقدين، ولما أفضى الأمر إلى الفسخ أو الانفساخ.
ولكنا نقول: القول قول المشتري في نفي المزيد الذي مدعًى عليه في الثمن، والقول قول البائع في أنه لا يجب عليه تسليم المبيع، أو كنا نؤاخذ
_________________
(١) الحاوي (٥/ ٣٠٢). بمعناه.
[ ١ / ٩٢ ]
بمطلق إقراره للمشتري بالملك في المبيع، ونراه مدعيًا عليه في الجهة التي نذكرها، فإذا وضع الباب على الاستواء حتى كأنهما يتنازعان نفيًا واحدًا، وإثباتًا واحدًا، ولكن لما اشتملت الخصومة على النفي والإثبات اشتملت اليمين الواحدة عليهما" (^١)، هكذا وجهه الإمام وكلامه وكلام غيره موافق على أن تعدد اليمين أقرب إلى القياس، فإنا في البدأة بالمدعي في القسامة حائدون عن القياس للضرورة، ولا ضرورة ها هنا إذا الجمع بيمينين ممكن على ترتيب الخصومات.
وأجاب القائل في كلامه على "المهذب" عن حلفه بغير نكول بعد حلف المشتري أيضًا، بأن المشتري: إذا حلف على النفي، فقد تحالفا وبقي الإثبات، فدعت الحاجة إلى شرع التحالف فيه؛ لأجل أنه لا بينة هناك، فلذلك حلفناه بخلاف ما إذا لم يحلف بنكل المشتري على النفي، فإنه يجوز أن يقر إذا عرضت اليمين عليه، فلا فائدة في تحليفه فيوقفنا على نكوله وتحليفه.
وقول المصنف "فعلى هذا … " إلى آخره؛ أي: قلنا: بيمينين فيحلف البائع؛ أي: تعريفًا على المذهب في البدأة أنه ما باع بألف؛ أي: تقديمًا للنفي، إما بلا خلاف على ما اقتضاه كلام الماوردي (^٢) وغيره، وإما على الخلاف بيننا وبين الإصطخري على ما اقتضاه كلام الشيخ أبي حامد.
قال الرافعي وغيره: "فلو أضاف إليه الإثبات كان لغوًا" (^٣)؛ أي: لأنه ليس في محله، والجزم بذلك مستمر على طريقته، وطريقة الماوردي، أما إذا قلنا بما اقتضاه كلام الشيخ أبي حامد وجريان خلاف الإصطخري، فلا بل يكون على رأي الإصطخري، وعلى رأي غيره يعود الخلاف في أن ذلك
_________________
(١) نهاية المطلب (٥/ ٣٤٥).
(٢) الحاوي (٥/ ٣٠٢).
(٣) فتح العزيز (٩/ ١٨٢). وانظر: الوسيط في المذهب (٣/ ٢١٠).
[ ١ / ٩٣ ]
على سبيل الاستحقاق أو الاستحباب يوافق على ما قاله أبو حامد.
وقوله: ثم يحلف المشتري مراعاة الترتيب على المذهب، كما تقدم.
وقوله: أنه ما ابتاع بألفين مراعاة لتقديم النفي أيضًا. وقوله: "فإن نكل المشتري حلف البائع؛ أنه ما باع بألفين وقضي له" لا يحتاج إلى بيان، وحلف البائع هنا على الإثبات لا إشكال فيه؛ لأنه بعد نكول المشتري؛ فهو على قياس الخصومات.
والمراد بالنكول هنا: النكول عن النفي فقط؛ لأنه الذي الكلام فيه على هذا الوجه، وليس كما تقدم في الوجه الأول، وقد انتهت الخصومة نهايتها.
وقوله: وإن حلف المشتري؛ أي: على النفي بعد حلف البائع على النفي حلف البائع؛ أي: بعد ذلك أنه باع بألفين. هذا فيه الإشكال المتقدم؛ لأنه حلف على الإثبات بغير نكول.
واعلم أن هذا الكلام من المصنف يقتضي أنه لا يكتفي بيمين النفي منهما، وهكذا يقتضيه كلام الشيخ أبي حامد والقاضي أبي الطيب والماوردي (^١)، وابن الصباغ (^٢)، وغيرهم (^٣)، وحكى الرافعي في ذلك تفريعًا على هذا القول المخرج وجهين:
"أحدهما: هذا، وأن يمين الاثبات تعرض عليهما، فإن حلفا تم
_________________
(١) الحاوي (٥/ ٣٠٢).
(٢) هو: أبو نصر عبد السيد بن محمد بن عبد الواحد بن أحمد بن جعفر، المعروف بابن الصباغ، فقيه شافعي؛ كان فقيه العراقين في وقته، وكان يضاهي الشيخ أبا إسحاق الشيرازي، وتقدم عليه في معرفة المذهب، من مصنفاته كتاب "الشامل" في الفقه، و"تذكرة العالم والطريق السالم"، و"العدة" في أصول الفقه، توفي سنة: (٤٧٧ هـ = ١٠٨٤ م). انظر: وفيات الأعيان (٣/ ٢١٧)، "طبقات الشافعية الكبرى للسبكي (٤/ ١٨٨).
(٣) انظر: الوسيط في المذهب (٣/ ٢١٠).
[ ١ / ٩٤ ]
التحالف، وإن نكل أحدهما قضي للحالف.
والثاني: وبه قال الشيخ أبو محمد، وصححه الإمام، والبغوي، والغزالي والرافعي أنه يكفي ذلك، فلا حاجة بعده إلى يمين الإثبات؛ لأن المحوج إلى الفسخ جهالة الثمن" (^١).
وقد حصلت ورد الأمر إلى القياس حيث فَرَّعنا على اليمينين، وقال الإمام: "إنه لا يرد على طريقة شيخه إلَّا شيء واحد، وهو أنه إذا نكل الأول حلف الثاني" (^٢)، وكنت أحب أن يقول: يقتصر هذا الثاني على الإثبات، فإن الخصومة إذا انتهت إلى رد اليمين إلى المدعي لا يرد على إثبات دعواه، ولكن كان شيخنا يقول بجمع يمين واحدة بين النفي والإثبات.
قلت: وللشيخ أبي محمد أن يقول: أن ذلك في المدعي المحض، وهذا مع كونه مدعيًا مدعًى عليه، ونكول الأول عن اليمين الواجبة عليه لم يسقط دعواه، فيحتاج صاحبه إلى الخلف على نفيها مع حلفه على الإثبات الذي هو في مقام يمين الرد، لكن يرد على الشيخ أبي محمد أنه [لم لا] (^٣) قال بالاكتفاء بيمين النفي من الجانبين من أصل المسألة، وإن اكتفينا بيمين واحدة، فإن جهالة اليمين حاصلة، وكأن يكون جريًا على القياس مطلقًا، فلم وافق الأصحاب على المذهب دون القول المخرج.
قال الإمام: "وأما أصحاب الطريقة الأخرى - يعني المخالفة لطريقة شيخه - فإنهم بنوا ما رتبوه على أن النفي والإثبات لا بد منهما، وزعموا أنّا. وإن قلنا: بتردد اليمين، فلسنا نعدد الخصومة، ولكن نقول التنازع في قضية واحدة مشتملة على النفي والإثبات، فاليمين متعددة والخصومة متحدة، وقالوا: على حسب ذلك إذا حلفنا على النفي، ثم عرضنا يمين
_________________
(١) هكذا في المخطوطة.
(٢) فتح العزيز (٩/ ١٨٣ - ١٨٤) بتصريف يسير.
(٣) نهاية المطلب (٥/ ٣٤٩).
[ ١ / ٩٥ ]
الإثبات على البادئ، فعرضناها على الثاني فنكل؛ فنكوله عن يمين الإثبات آخرًا رجوع منه عن اليمين على النفي أولًا، فإن الخصومة متحدة فيقع القضاء للتحالف على الإثبات بعد بطلان يمين الثاني في النفي والإثبات. وسيأتي كلامهم أن تعدد اليمين كاتحاد اليمين على القول الأول، وأن النكول عن أحدهما نكول عن الآخر" (^١)، ثم رأى الإمام أن هذا تكلف، ورجح طريقة شيخه، ولعلك تقول: كيف يستقيم أن تجعل قول الشيخ أبي محمد بالاكتفاء بيميني النفي؛ تفريعًا على تعدد اليمين، وأن كلًّا منهما يحلف بيمينين على النفي والإثبات، وهذا تناقض، فينبغي أن يقال من أصل المسألة: هل يكتفي بيميني النفي؟! وجهان؛ فإن قلنا: لا يكتفي بها، فهل يُجمع بين النفي والإثبات بيمين واحدة أو بيمينين وجهان.
فالجواب: أن هذا الترتيب أحسن لو سلم، ولكن الشيخ أبا محمد لما قال: إن البائع إذا نكل حلف المشتري على النفي والإثبات معًا علمنا أنه لم يقطع النظر عن الإثبات […] (^٢)، فلذلك سلك الإمام والرافعي هذا الترتيب وتبعتهما عليه.
وقول المصنف: "ثم يحلف المشتري أنه ابتاع بألف". فيه الإشكال المذكور؛ لأنه حلف على الإثبات بغير نكول.
وقوله: "فإن نكل قضي للبائع". فيه إشكال من وجهين:
أحدهما: الإشكال المتقدم في عرض اليمين عليه، وهو مقتضى الإشكال في اعتبار نكوله، فإن النكول إنما يعتبر عن يمين صحيحة لازمة.
والثاني: أن القضاء لا يمكن استناده إلى النكول على مذهبنا، فإما أن يكون مستندًا إلى اليمين المتقدمة عليه والنكول شرط فيها، ففيه مع تقدم
_________________
(١) نهاية المطلب (٥/ ٣٥٠).
(٢) هنا بياض قدر كلمة.
[ ١ / ٩٦ ]
اليمين عن النكول تأخر الشرط عن المشروط، وإما أن يكون مستندًا إليها وإلى النكول معًا، وفيه نظر: استشكله الإمام (^١) أيضًا بأن يمين الإثبات معارضة بيمين النفي، فالقضاء بها مشكل، وقد تقدم نظر هذا الإشكال في اليمين الواحدة، وجوابه هناك.
وقوله: وإن حلف فقد تحالفا غنى عن البيان.
فروع
على القول بتعدد اليمين لو نكل البائع عن الإثبات بعد نكول المشتري عن النفي لم يقض له؛ لاحتمال صدقه في نفي ما يدعيه صاحبه وكذبه فيما يدعيه.
ثم قال الشيخ أبو محمد: ويكون كما لو تحالفا؛ لأن نكوله المردود عليه عن يمين الرد نازل في الدعاوى منزلة حلف الناكل أولًا، وهذا بناه على أصله المتقدم في أن الحلف على النفي منهما يكفي، فمعنى قوله: ويكون كما لو تحالفا؛ أي: على النفي، أما رأي الأصحاب في أن الحلف منهما على النفي لا يكفي، فيكون ذلك لغوًا، ولو نكل البائع عن يمين النفي أو لا؛ حلف المشتري على النفي والإثبات، وقضي له هكذا أطلقوه، ولم يتثبتوا هل يكفيه قسم واحد عليهما، أو يحتاج إلى يمينين، والظاهر الأول.
وفائدته: أنه إذا كان كاذبًا يلزمه كفارة واحدة، وإذا كرر لفظ اليمين يلزمه كفارتان، وما (^٢) قلناه بعينه في البائع هو في المشتري إذا بدأنا بيمينه على القول الآخر، ويصير البائع في التقاسم المذكورة كالمشتري.
ولو قال الرافعي هنا، والقول في أنه تقدم يمين النفي والإثبات، كما ذكرنا على تقدير الاكتفاء بيمين واحدة؛ يعني: أنه يجري فيه الخلاف مع الإصطخري.
_________________
(١) نهاية المطلب (٥/ ٣٤٩).
(٢) في المخطوطة: "كلما" ولعل الصواب ما أثبتناه.
[ ١ / ٩٧ ]
والخلاف في أن ذلك على سبيل الاستحباب أو الاستحقاق، وقد قدم أن الظاهر عنده الاستحباب، فمقتضاه جريان ذلك هنا، وقد قدمت ما في ذلك (^١)
فرع
لا تعلق له بواحد من القولين لو عرضت اليمين عليهما، فنكلا جميعًا.
قال الإمام: "لم يتعرض أئمة المذهب في مصنفاتهم إلى التنصيص على هذا، والقول في ذلك بين احتمالين؛ أحدهما: أن تناكلهما كتحالفهما، كما لو تداعى رجلان مولودًا أريناه القائف، كما إذا تناكرا.
والثاني: أنه يوقف الأمر، وكأنهما تركا الخصومة.
قال: ورأيت ذلك في بعض تصانيف المتقدمين" (^٢).
وقد أقام الرافعي هذين الاحتمالين وجهين، فقال: "فيه وجهان للإمام" (^٣)، وسبقه الغزالي إلى ذلك في "الوسيط" (^٤). وقال في "البسيط": إن الظاهر الأول يعني: أن له حكم التحالف.
وقال النووي في "الروضة": "أن الأصح اختيار التوقف" (^٥).
قلت: وقد نص الماوردي في "الحاوي": "على أنهما إذا نكلا معًا تركهما، ولم يحكم بقول واحد، وقطع الخصومة بينهما" (^٦)، وهو موافق
_________________
(١) فتح العزيز (٩/ ١٧٤).
(٢) نهاية المطلب (٥/ ٣٥١). بمعناه.
(٣) فتح العزيز (٩/ ١٨٤).
(٤) الوسيط في المذهب (٣/ ٢١٢).
(٥) روضة الطالبين (٣/ ٥٨٣).
(٦) الحاوي الكبير (٥/ ٣٠٢).
[ ١ / ٩٨ ]
ما صححه النووي.
وقد رأيت المسألة منصوصًا عليها في "الأم" في أبواب الكتابة قال: "وإن نكل السيد والعبد كان عبدًا، لا يكون مكاتبًا حتى ينكل السيد ويحلف العبد مع نكول سيده" (^١).
قلت: لكن قوله: كان عبدًا، يحتمل أن يكون؛ لأنه ينزل نكولهما منزلة تحالفهما فتنفسخ الكتابة ويصير عبدًا.
ويحتمل أن يكون؛ لأنه لم يحصل ما يقتضي الحكم ولا دلالة فيه على أحد الاحتمالين، لكن الأقرب الأول، وأنه ذاك الاحتمال الأول القائل بأن نكولهما كحلفهما؛ لأنه لو جعله موجبًا للتوقف لم يحكم بصيرورته عبدًا بل كان يبقي العقد على ما كان عليه من الكتابة لاتفاقهما عليها، ولا يتعرض لها، كما يبقى المبيع في يد المشتري، فحيث صرح الشافعي بصيرورته عبدًا دل على أنه فسخ الكتابة، وهو الاحتمال الأول الذي رجح في "البسيط".
فرع
لا شك في أن من قال باليمينين لا يجوز الاكتفاء بيمين واحدة، ويدلك على ذلك قولهم: أنه لو أضاف إليه الإثبات كان لغوًا، وأما على المذهب: فلو عدل عن اليمين الواحدة وحلف يمينين هل يصح لم يُصَرَّحا بذلك، لكن في عبارة الإمام (^٢) والرافعي (^٣) أنه على المذهب يكتفي بيمين واحدة، ولفظ الاكتفاء يشعر بعدم تحتُمه، وأنه لو أتى باليمينين جاز وكان هو الأصل، وكذلك في عبارة المحاملي، فإنه قال: هل يجوز أن
_________________
(١) الأم (٨/ ٥٦).
(٢) نهاية المطلب (٥/ ٣٤٩).
(٣) فتح العزيز (٩/ ١٧٩).
[ ١ / ٩٩ ]
يحلف يمينًا واحدة أو يحتاج […] (^١) يمينين.
فقوله: "يجوز" يدل على عدم التحتم، وهذا هو الظاهر، ألا ترى أنهم عللوا ذلك بأنه أقرب إلى فصل القضاء وسلوك الطريق الأبعد في فصل القضاء غير قادح في صحة اليمين، وفي عبارة الماوردي ما يشعر بخلاف ذلك، فإنه علل بأنه: "يقصد بيمينه تصديق قوله: على عقد واحد، فاحتاج إلى يمين واحدة" (^٢).
وقال الغزالي في "البسيط" في اتحاد (^٣) اليمين أنه المنصوص عليه على جزم، والظاهر أن الغزالي لم يرد بذلك التحتم، وإنما أراد عدم التردد فيه، وتبيننا مما قلناه أنه يجوز أن يحلف بيمينين.
ومما قاله الشيخ أبو محمد وصححه الرافعي (^٤) وغيره تفريعًا على تعدد اليمين من الاكتفاء باليمينين على النفي أن ذلك عند الرافعي مطلقًا، وإن قلنا باليمين الواحد لما قدمناه من تجويز اليمينين حينئذٍ لا يكون الجمع بين النفي والإثبات واجبًا.
وقد تقدم عن الشيخ أبي حامد أنه لا خلاف في وجوبه، فانظر هذا الذي قاله الشيخ أبو محمد، والذي تضمنه هذا الفرع، وما لزم منهما بيميني النفي، ولعمري أنه أقرب إلى القياس، ولكنه مخالف للمعروف في المذهب، وكنا احتملنا تصحيح الرافعي وغيره؛ لما قاله الشيخ أبو محمد؛ تفريعًا عى القول الضعيف.
وأما على المذهب، فلا تنقاد النفس إليه، وقد علمت كيف آل الأمر إليه، إلَّا أن تكون اليمين الواحدة متحتمة، فحينئذٍ لا مساغ له على المذهب، ويسلم ما صححه الرافعي عن هذا الإشكال.
_________________
(١) بياض قدر كلمة.
(٢) نهاية المطلب (٥/ ٣٠١).
(٣) في المخطوطة: "التحاد".
(٤) فتح العزيز (٩/ ١٧٩).
[ ١ / ١٠٠ ]
فرع
"لا خلاف أنه لا يقضى لأحدهما ما لم يحلف على النفي والإثبات جميعًا"، قاله البغوي (^١).
فرع
ينبغي للحاكم إذا حَلَّف أحدهما لا تعرض اليمين على الآخر، إلَّا بعد أن يُعرض المبيع عليه بما حلف عليه صاحبه، فإن رضي بقبوله لم يحلفه، وإن لم يرض أحلفه.
وإذا قلنا: "يحلف بيمينين فأحلف البائع، أحلف المشتري بعده من غير عرض، فإذا حلف البائع اليمين الثانية حينئذٍ عرض المبيع على المشتري قبل يمينه الثانية" (^٢). قاله الماوردي.
وفي كلام الشافعي ما يدل عليه، وهو مأخوذ من الحديث؛ من قوله: "أحلف البائع ثم المبتاع بالخيار"، ويشبه أن يكون العرض المذكور على جهة الاستحباب، فإن كثيرًا من الأصحاب لن يتعرضوا له، بل كلامهم يقتضي عرض اليمين، فالأشبه أن ذلك على جهة الاستحباب، والمعنى يدل عليه (^٣).
وضابط العرض: أن يكون بعد يمين الإثبات؛ إذ أنها تتم الحلف ولا يبقى إلَّا حلف الثاني، أو رضاه بما حلف عليه الأول.
فرع
في حصر الأوجه في كيفية التحالف: هل يكتفي بيمين من كل واحد، أو لا بد من يمينين؟! وجهان؛ وعلى الأول: هل يشترط
_________________
(١) التهذيب (٣/ ٥٠٦).
(٢) الحاوي الكبير (٥/ ٣٠٢). بتصريف يسير.
(٣) نقله الرملي في نهاية المحتاج (٤/ ١٦٢): عن السبكي وقال: إنه تبع في ذلك المحاملي. وانظر: أسنى المطالب (٢/ ١١٩)، حاشية الجمل على شرح المنهج (٣/ ٢١٣).
[ ١ / ١٠١ ]
التصريح بالنفي والإثبات، أو يكفي صيغة الحصر، وجهان؛ وعلى الأول: هل يراعى الترتيب بينهما أو لا؟ وجهان؛ وعلى الأول: هل يقدَّم النفي أو الإثبات، وجهان؛ وعلى كلا الوجهين: هل هو استحقاق أو استحباب، وجهان؛ ولا خلاف أن النفي المحض لا يكفي على هذا القول، وعلى الثاني القائل باليمينين هل يكتفي بيميني النفي، وجهان؛ إن لم يكتف، فهل يقدم النفي أو الإثبات، أو لا يُراعى الترتيب فيه ما سبق.
فتلخص من هذا أوجه؛ أحدها: الاكتفاء بصيغة الحصر، وهذا إنما يأتي على القول باتحاد اليمين.
والثاني: الاكتفاء بيميني النفي، وهذا إنما يأتي على قول تعدد اليمين، أو على ما ذكرته من السير حيث بين طريقة الشيخ أبي محمد، وتجويز اليمينين في الفرع الذي قيل قبل هذا.
والثالث: عدم مراعاة الترتيب على [ما] (^١) قاله ابن القطان، وهذا على القولين، فينتظم منه وجهان، فهذه أربعة أوجه.
والخامس: الإتيان بصريح النفي والإثبات مرتبين بيمين واحدة على الصحيح.
وقيل: بيمينين، وعلى الوجه يبدأ بالنفي والإثبات استحقاقا أو استحبابًا وجهان ويحصل من [. . .] (^٢) ثمانية أوجه، فيجتمع اثنا عشر وجهًا بشرط أن يكون ابن القطان قائلًا بذلك على القولين، ويشترط [. . .] (^٣) الخلاف في الاستحباب أو الاستحقاق على كل من الوجوه، وإن ضم إليها الاحتمالين الذي ذكرته عن الإمام وذكرت أنه معارض لقول ابن القطان، وقيل بطرده على القولين جاءت أربعة عشر، وأصولها خمسة: أصحها: الاكتفاء بيمين
_________________
(١) زيادة في المخطوطة لا بد منها.
(٢) ، (^٣) هنا بياض قدر كلمة.
[ ١ / ١٠٢ ]
واحدة تقدم فيها النفي.
وقد قدمت ما يقتضي أنه لا يكتفي بصيغة الحصر؛ لأنه ليس صريحًا، بل بعضهم يقول: أن دلالته على الإثبات بالمفهوم لا بالمنطوق، ومثل ذلك عليّ يكتفي به في الأيمان.
وثانيهما: الاكتفاء بصيغة الحصر (^١).
ورابعها: تعدد اليمين مع الجمع بين النفي والإثبات وتقديم النفي.
وخامسها: عدم مراعاة الترتيب على ما ذكره ابن القطان.