وإن أسلم في ثمرة، فانقطعت في محلها، أو غاب المسلم إليه؛ فلم يظهر حتى نفدت الثمرة، ففيه قولان؛ أحدهما: أن العقد ينفسخ؛ لأن المعقود عليه ثمرة هذا العام، وقد هلكت [فانفسخ] (^١) العقد، كما لو اشترى قفيزًا من صُبرة، فهلكت الصُّبرة.
والثاني: لا ينفسخ لكنه بالخيار بين أن يفسخ وبين أن يصبر إلى أن توجد ثمرة، فيأخذ؛ لأن المعقود عليه ما في الذمة لا ثمرة هذا العام.
والدليل عليه: أنه لو أسلم إليه في ثمرة عامين؛ [فقدم] (^٢) في العام الأول ما يجب له في العام الثاني جاز، وما في الذمة لم يتلف، وإنما تأخر؛ فثبت له الخيار، كما لو اشترى عبدًا، فأبق.
إذا كانت الثمرة مما يعم وجودها بالشروط المتقدمة في الباب الأول، فانقطعت في محلها على خلاف العادة بجائحة ونحوها، أو غاب كما ذكر المصنف، فالقولان مأخوذان من كلام الشافعي في "المختصر" (^٣)
_________________
(١) في المخطوطة: "ما يفسخ"، والمثبت هو الصواب كما في المطبوع من المهذب.
(٢) في المخطوطة: "فقد"، والمثبت هو الصواب كما في المطبوع من المهذب.
(٣) مختصر المزني (٨/ ١٩٣).
[ ١ / ٦٠٤ ]
و"الأم" (^١).
وقد رأيت نصه على الثاني وحده في "الأم" صريحًا في آخر باب بيع الآجال، أنه يثبت الخيار، وهو الأظهر، وبه قال أبو حنيفة لما ذكره المصنف، وشبهوه بما إذا أفلس المشتري بالثمن في غير هذه الصورة لا ينفسخ العقد، ولكن للبائع الخيار، وقياس المصنف على العبد الآبق تفريع على الطريقة المشهورة، وإلَّا ففيه وجه أنه ينفسخ بالاباق قبل القبض لم يفرع الشيخ عليه.
وقول المصنف: "أو غاب": محمول على ما إذا غاب وتعذر الوصول إلى الوفاء، فإنه إذا غاب وله مال أوفى منه، ولو أعسر، فلم يقدر على التسليم حتى فات الوقت جرى القولان، ولو سوف المسلم إليه ودافع حتى انقطع؛ فالمشهور جريان القولين، وعن بعض الأصحاب أنه لا ينفسخ بحال؛ لوجود المسلم فيه، وحصول القدرة، وقياس هذا أن يأتي مثله فيما إذا غاب أو أعسر، وغيبة المسلم، كغيبة المسلم إليه؛ قاله في "التتمة".
ونص الشافعي في "الأم" (^٢) والأصحاب على أنه لا فرق في ثبوت الخيار بين أن يحصل ذلك بتوانٍ أو ترك من المشتري أو البائع، أو هرب من البائع، ولو حل الأجل بموت المسلم إليه في أثناء المدة، والمسلم فيه منقطع جرى القولان؛ ذكره البندنيجي، والمتولي، ولو لم تنقطع الثمرة، ولكن عَزَّت وغلت؛ فالعقد صحيح قولًا واحدًا، ويؤخذ بتحصيلها مع عزتها.
ولو انقطع بعض المسلم فيه عند المحل والباقي مقبوض أو غير مقبوض، وقلنا: لو انقطع الكل انفسخ العقد انفسخ في المنقطع، وفي
_________________
(١) الأم (٣/ ٥٧).
(٢) المصدر السابق (٣/ ٣٩).
[ ١ / ٦٠٥ ]
الباقي الخلاف فيما إذا اشترى عبدين، فتلف أحدهما قبل قبضهما، فإن قلنا: لا ينفسخ، فله الفسخ، فإن أجاز، فعليه حصته من رأس المال لا غير.
وقيل: قولان أحدهما هذا.
والثاني: يجبر بجميع الثمن.
وإن قلنا: إذا انقطع الكل لم ينفسخ العقد، فالمسلم بالخيار، إن شاء فسخ العقد في الكل، وإن شاء أجازه في الكل.
وهل له الفسخ في القدر المنقطع والإجازة في الباقي؟ فيه قولان بناء على الخلاف في تفريق الصفقة بالاختيار.
ولو عرضت آفة قبل المحل علم بها انقطاع الجنس عند المحل، فهل يتنجز حكم الانقطاع حتى يجري فيه القولان الآن؛ إقامة للمتوقع مقام الواقع، أو يتأخر إلى المحل؟ فيه قولان مخرجان مما إذا حلف ليأكلن هذا الطعام غدًا فتلف قبل الغد، هل يحنث في الحال أو يتأخر إلى الغد. والأصح على ما قاله الرافعي (^١) والأرغياني أنه يتأخر إلى المحل، ولا يتنجز حكم الانقطاع.
وكل ما ذكرناه من الانقطاع، فالمراد به ألا يوجد المسلم فيه أصلًا، كما لو كان ذلك الشيء ينشأ من تلك البلدة، وقد أصابته جائحة مستأصلة، وكذا لو كان يوجد في غير تلك البلدة، ولكن لو نقل إليها فسد أو كان لا يوجد إلَّا عند قوم محصورين وامتنعوا من بيعه، فلو كانوا يبيعونه بثمن غالٍ وجب تحصيله، ولم يكن ذلك انقطاعًا، وإن أمكن نقل المسلم فيه من غير تلك البلدة إليها، فإن كان في حد البعد لم يجب نقله قطعًا، ويجري فيه القولان، وإن كان في حد القرب وجب.
_________________
(١) فتح العزيز (٩/ ٢٤٨ - ٢٤٩).
[ ١ / ٦٠٦ ]
واختلفوا في حد القرب؛ فالأصح ضبطه بما دون مسافة القصر.
وقيل: بمسافة لو خرج المبكر إليها أمكنه الرجوع إلى أهله ليلًا، وهي مسافة العدوى.
وقال الإمام: "المعتبر أن تجري العادة بنقله إليها لغرض المعاملة، وإن كان في حد البعد، ويمكن نقله على عسر؛ فالمشهور جريان القولين، وقال الإمام بأنه لا ينفسخ، ويكون كإباق العبد" (^١)، وهو الذي قاله في "البسيط".
فرع
لو كان بالمسلم فيه ضامن فمات، فإن كان المسلم فيه موجودًا، فللمسلم المطالبة في تركته، ولا يرجع ورثته على المضمون إلَّا بعد الأجل إن كان ضمن بالإذن، وإن كان المسلم فيه معدومًا، فلا مطالبة له في تركته، وإن فسخ سقط الضمان، قاله الروياني (^٢).
التفريع:
إن قلنا بالانفساخ، فقد برئت ذمة المسلم إليه من المسلَم فيه، وحكم رأس المال، سيأتي في كلام المصنف.
وإن قلنا بالأصح، وهو ثبوت الخيار، ففي هذا الخيار ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه على الفور.
والثاني: إلى ثلاثة أيام، كخيار تلقي الركبان، وعلى هذين الوجهين إذا أخر لم يكن له الفسخ بعد ذلك، فإن جاء العام المقبل والمسلم فيه معدوم أيضًا، فله الخيار أيضًا. ثم هكذا في كل عام.
_________________
(١) نهاية المطلب (٦/ ١٤ - ١٥). بتصرف.
(٢) بحر المذهب (٥/ ١١٠).
[ ١ / ٦٠٧ ]
والثالث: وهو الصحيح، أن هذا الخيار على التراخي لا يبطل بالتأخير ولا بالتصريح بالإنظار من غير تصريح بإبطال خيار الفسخ، لكن لو صرح بإسقاطه هل يبطل؟ فيه وجهان.
وفي إباق العبد قبل القبض أحدهما يبطل؛ لأن مستحق الحق أبطله، وأصحهما: لا، حتى لو أجاز ثم بدا له مكن من الفسخ كزوجة المُولي إذا رضيت بالمقام ثم ندمت، ووجهه الشيخ أبو محمد بأن الحق يتحدد حالًا فحالًا ورضاه ينحصر على وقته، فهو في الإسقاط يشبه العارية في التسليط على الانتفاع.
ووجهه الإمام (^١) بأن هذه الإجازة إنظار، والإنظار تأجيل، والأجل لا يلحق بالعقد بعد لزومه. قال الرافعي: "وقد يتوقف الناظر في كونها إنظارًا ويميل إلى أنها إسقاط حق ورضا بما عرض كإجازة زوجة العنين.
ولو قال المسلم إليه: لا تصبر، وخذ رأس مالك؛ فللمسلم ألَّا يجيبه، وفيه وجه" (^٢)، وحكى الروياني الوجهين فيما إذا قال المسلم إليه: إن المسلم فيه منه فله، ولا آمن أن يكون منقطعًا عند المحل، وأن له على أحد الوجهين؛ اختار المسلم على الاستيفاء، وهو بعيد.