وإن مات المتبايعان واختلف ورثتهما تحالفوا؛ لأنه يمين في المال، فقام الوارث فيها مقام [الموروث] (^١) كاليمين في دعوى المال.
لا فرق عندنا أن بين يقع الاختلاف بين المتبايعين أو ورثتهما، أو أحدهما وورثة الآخر، سواء أكان قبل القبض أم بعده، ووافقنا أبو حنيفة (^٢) على ذلك فيما إذا مات المتبايعان والمبيع غير مقبوض.
وقال: فيما إذا كان مقبوضًا أن القول قول ورثة المشتري، وحجتنا من جهة القياس ظاهرة، وحجتهم ما تقدم من أن التحالف عندهم بعد القبض على خلاف القياس، فلا يتعدى به مورد النص، والنص لم يرد إلّا في المتبايعين، والمسألة من مسائل الخلاف بيننا وبينه.
وقد تقدم التنبيه على الكلام معه بما فيه الكفاية من تقدير أن التحالف على وفق القياس، ويزدادها هنا قياس الوارثين على المورثين، ولا فرق بين أن يحصل الاختلاف بين الورثة ابتداء، أو بين المتبايعين ثم يموتان قبل
_________________
(١) في المخطوطة: "المورث"، وما أثبتناه من المطبوع من المهذب.
(٢) انظر: المبسوط (١٣/ ٦٠).
[ ١ / ١٨١ ]
التحالف، فينتقل الحق للورثة ويتحالفون ويجوز للوارث أن يحلف إذا غلب على ظنه صدق مورثه؛ لأنه يحلف على خط مورثه إذا وثق به، فبقوله أولى، وسكت الأصحاب عن كيفية يمين الوارث هنا.
وقالوا في الصداق: إنه يحلف في الإثبات على البت، وفي النفي على نفي العلم.
وعن بعض الشارحين: إنه يحلف على البت في النفي والإثبات جميعًا؛ لأن القاطع بأن العقد جرى بخمسمائة قاطع بأنه ما جرى بألف واستحسنه الرافعي (^١)، وما قالوه في الصداق يأتي بعينه هنا؛ إذ لا فرق بين البابين في ذلك (^٢).
وما ذكره بعض الشارحين، واستحسنه الرافعي منشؤه أن الاختلاف راجع إلى صفة عقد واحد اتفقا على صحته، والقاطع بأنه جرى بثمن قاطع بأنه لم يجز بخلافه -لا شك في ذلك- ولكن الأصحاب إن يقولوا: أنا قد قدرنا أن المشتري يدعي عقدًا غير الذي يدعيه البائع.
وقد تقرر ذلك في البحث مع الحنفية في مواضع، ومن الجائز أن يكون جرى صورة عقد تالف بعد تقدم عقد بخمسمائة، وانتفاء ذلك غير مقطوع به؛ فلذلك يحلف على نفي العلم، نعم! لو كانت صيغة اليمين أن العقد الذي جرى في الوقت الفلاني مثلًا جرى بخمسمائة، وما جرى بألف كان يتجه الحلف على البت؛ إذ أحدهما لازم للآخر، ولكن صيغة اليمين ليست كذلك، بل لا بد أن يعمم النفي، فيقول: ما بعتكه بكذا، وهذا نفي عام فكذلك الوارث، ولا يمكنه ذلك إلّا على نفي العلم فاتجه ما قاله الأصحاب، ولو كان الوارث أكثر من واحد، فصدق بعضهم وأنكر البعض
_________________
(١) فتح العزيز ط العلمية (٨/ ٣٣٤).
(٢) انظر: بحر المذهب (١٤/ ١٧٥)، التهذيب (٥/ ٥١١)، تحفة المحتاج (٤/ ٤٧٧).
[ ١ / ١٨٢ ]
فهل يجري التحالف بين المنكر والعاقد الآخر أو لا لما فيه من تفريق الصفقة؟!
قال ابن الرفعة: يشبه أن يكون الحكم فيه، كما في الرد بالعيب.
قلت: الصحيح في مسألة الرد أنه ليس لأحد الوارثين الانفراد، وأما هنا فالذي يظهر جوازه؛ لأن الرد والفسخ ليس بمقصود، وإنما المقصود الحلف؛ ليظهر صدق أحدهما ثم الفسخ، والانفساخ يقع بعد ذلك.
وقد نصَّ أصحابنا (^١) على أنه إذا اشترى عبدين فتلف أحدهما يتحالفان بعده خِلافًا لأبي حنيفة (^٢)، ولم ينظروا إلى تفريق الصفقة، فالوجه: القطع بجريان التحالف مع أحد الوارثين، ولو كان الوارث محجورًا عليه، فهل لوليه أن يحلف؟! فيه خلاف في أن الولي هل يحلف في كل ما يتعلق بالصبي، وإن لم يكن الولي باشر إنشاءه على ما حكاه الإمام في كتاب الصداق، والقياس عنده المنع، وسأفرد قريبًا لتحالف الوليين إذا باشرا العقد فرعًا وأذكر ذلك فيه إن شاء الله.
* * *
_________________
(١) الوسيط في المذهب (٣/ ٢١٦)، البيان (٨/ ٣٢٩)، روضة الطالبين (٣/ ٥٨٨).
(٢) المبسوط (١٣/ ٣١٠).
[ ١ / ١٨٣ ]
قال المصنف ﵀:
وإن كان البيع بين وكيلين فاختلفا في الثمن، ففيه وجهان:
أحدهما: يتحالفان؛ لأنهما، عاقدان، فتحالفا كالمالكين.
والثاني: لا يتحالفان؛ لأن اليمين تعرض حتى يخاف الظالم منهما، فيرجع والوكيل إذا أقر ثم رجع لم يقبل الرجوع، فلا يثبت اليمين في حقه.
الوجهان حكاهما الماوردي (^١)، والروياني (^٢)، والرافعي (^٣) وغيرهم، ولم يصحح الرافعي في ذلك شيئًا، وقال النووي: "ينبغي أن يكون الأصح التحالف" (^٤).
قلت: وهو كذلك عند المصنف وغيره، أما المصنف فلأنه قال في كتاب الصداق: أن الصحيح أن ولي الصغيرة يحلف؛ لأنه باشر العقد، فحلف كالوكيل في البيع ثم أكد ذلك بقوله: إن الوكيل يحلف، وإن لم يقبل إقراره.
وأما غير المصنف، فلما سنحكيه قريبًا من كلام الإمام، ونقله عن كثير من العراقيين القطع به، ويؤخذ من ذلك طريقة قاطعة بالتحالف، فيكون في أن المسألة طريقان، ولا فرق بين يجري الاختلاف بين الوكيلين، أو بين وكيل أحدهما الآخر، إذا كان أحدهما باشر العقد بنفسه.
_________________
(١) الحاوي الكبير (٥/ ٣٠٥).
(٢) بحر المذهب (٥/ ١٧).
(٣) فتح العزيز (٩/ ٢٠٣).
(٤) روضة الطالبين (٣/ ٥٨٧).
[ ١ / ١٨٤ ]
وممن صرح بجريان التحالف مع الوكيل وجزم به الشيخ أبو حامد في باب التفليس عند الكلام فيما إذا لم يحلف المفلس مع شاهده، وها هنا أمور:
أحدها: أن المصنف وغيره اقتصروا على ذكر الخلاف في تحالف الوكيلين، فهل إذا قلنا بذلك يجوز للموكلين أيضًا التحالف؛ لأن الملك لهما أو لا؛ لأن ذلك من أحكام العقد المختصة بالعاقد؟ كلام الماوردي يشعر بالثاني؛ لأنه قال: "أحد الوجهين أن الوكيل هو الذي يحلف" (^١).
والثاني: أن الموكل هو الذي يحلف.
وهذه العبارة يشعر بأن من يقول بحلف الوكيل لا يقول بحلف الموكل، وبذلك صرح ابن الصباغ في باب التفليس عند الكلام في حلف غرماء المفلس، وقياسهم على الوكيل.
فأجاب: بأن الوكيل هو العاقد، فيثبت بيمينه فعل، قال: ولهذا لا يحلف موكله على ذلك انتهى، وسيأتي زيادة كلام في ذلك.
وأما قول المصنف: "كالمالكين"، فيريد به المالكين اللذين عقدا بأنفسهما حتى تكون العلة التي ذكرها من كونهما عاقدين جامعة، ولم يتعرض لاختلاف الموكلين إذا عقد وكيلاهما.
الثاني: هل الخلاف في تحالف الوكيلين مبني على تعلق العهدة بهما أو لا؟ فإن كان مأخذه ذلك، فينبغي أن يأتي فيه ثلاثة أوجه كما هي في العهدة.
أحدها: الوكيل لا غير.
والثاني: الموكل لا غير.
والثالث: هما جميعًا.
_________________
(١) الحاوي الكبير (٥/ ٣٠٦).
[ ١ / ١٨٥ ]
ويكون الوجهان اللذان حكاهما الماوردي (^١) هنا في أن الحالف هل هو الوكيل أو الموكل مفرعين على الوجهين الأولين في العهدة.
والثالث: وهو الصحيح غيرهما، وهو أن التحالف جائز لهما، وإن كان مأخذ الخلاف في التحالف غير ذلك.
وهو ما يشعر به تعليل المصنف وغيره، فكيف يتأتى أن يقول بالتحالف مع عدم القول بالعهدة، فإن التحالف فرع الدعوى، والدعوى الصحيحة لا تتوجه على من لا تتعلق العهدة به، والإمام في كتاب الصداق حكى "عن كثير من العراقيين القطع بأن الولي يجري التحالف بينه وبين الخصم فيما يتعلق بإنشائه -كما سنحكيه عنه قريبًا- وأنهم طردوه في القيمة، والوكيل بالعقد، فإن كلًّا منهم لو أقر بالإنشاء" (^٢). قيل: وذكر من الاستدلال لهم أنه لو تعلقت الدعوى بالوكيل فيما هو مطالب فيه بالعهدة، فلا شك أنه يحلف من جهة أنه فيما يطالب فحنث عما يتعلق بخاصته، فكلام الإمام هذا تنبيه على أن الوكيل الذي تعلقت العهدة به يحلف قطعًا واستدلاله بذلك على التحالف أبدل المغايرة، فيكون مأخذ الخلاف في التحالف أنه هل هو من أحكام العقد التي تتعلق بالوكيل كالفسخ والرؤية وغير ذلك أو لا؟!
فعلى الأول يجري التحالف بين الوكيلين، وإن لم يقل يتعلق العهدة بالوكيل وتسمع الدعوى عليه؛ لكونه خليفة الموكل في أحكام العقد لا لتعلق العهدة به، وعلى الثاني: لا يجري التحالف، وإن قلنا بتعلق العهدة؛ لعدم جعله من أحكام العقد، وإنما يتوجه على الوكيل الحلف على خاصة نفسه على قول العهدة دون التحالف، وهذا هو الأقرب إلى كلام المصنف والأصحاب، فليس الخلاف حينئذٍ مأخوذًا من الخلاف في العهدة.
_________________
(١) الحاوي الكبير (٥/ ٣٠٦).
(٢) نهاية المطلب (١٣/ ١٣٣).
[ ١ / ١٨٦ ]
الثالث: في فائدة تحالف الوكيلين إذا قلنا به.
قال النووي في "الروضة": "فائدته الفسخ، أو أن ينكل أحدهما، فيحلف الآخر ويقضى له إذا قلنا: حلفه النكول كالبينة" (^١).
وقال الماوردي في "الحاوي" في الوكيل بالشراء: "إذا نكل صار البيع لازمًا له دون موكله" (^٢)، وفي الوكيل بالبيع: "إذا نكل قضى للمشتري بالمبيع وألزم الوكيل غرم فاضل الثمن للموكل" (^٣)، فقد جزم الماوردي بالقضاء لغريم الناكل؛ أي: عند حلفه، ومقتضى كلام النووي (^٤) أن الأصح أنه لا يقضى له؛ لأنه بني ذلك على أن اليمين المردودة كالبينة، والصحيح أنها كالإقرار.
فإن قيل: وإن جعلناها كالإقرار، لكن إقراره على موكله غير مقبول، قلنا: لم نقبله على موكله وإنما ألزمناه المبيع إن [كان] (^٥) وكيلًا في الشراء، وفاضل الثمن إن كان وكيلًا في البيع.
وقوله: في أصل انتقال الغير من ملك موكله إلى ملك المشتري مقبول؛ لأنه وكيل في ذلك، وقد اتفق هو والمشتري على ذلك، وربما الموكل أيضًا، وإنما وقع الاختلاف في الثمن، ثم إنا لو تركنا القضاء بذلك؛ لعود ضرره إلى الموكل لو فرض لتركنا القضاء على جعله كالتنبيه أيضًا؛ لأنا وإن جعلنا اليمين، كالبينة لا يعديها إلى ثالث، فالحق ما قاله الماوردي من القضاء عند نكول الوكيل، وحلف الآخر.
_________________
(١) روضة الطالبين (٣/ ٥٨٧).
(٢) الحاوي الكبير (٥/ ٣٠٥).
(٣) الحاوي الكبير (٥/ ٣٠٦).
(٤) روضة الطالبين (٣/ ٥٨٧).
(٥) في المخطوطة: "إن وكيلًا"، ولعل الصواب ما أثبتناه.
[ ١ / ١٨٧ ]
وأما ما ذكره النووي (^١) من أن الوكيلين إذا تحالفا بفسخ العقد، فصحيح لا إشكال فيه، وقد يقال: إنه كيف يرفع العقد بحلف الوكيلين، وفي ذلك إبطال حق الموكلين، وقد يكون لكل من الموكلين غرض في بقاء العقد.
أما موكل البائع، فظاهر لزيادة الثمن وموكل المشتري؛ لتعلق غرضه بالعين، ولا شك أن رجوع الوكيل عن إقراره في حق موكله غير مقبول، كما قاله المصنف في تعليل الوجه الثاني، فما السبب في إبطال حق الموكل هنا بحلف الوكيل.
والجواب: أنا لم نُبطل حق الموكل بحلف وكيله، وإنما أبطلناه بحلف غريم وكيله، وقد حلف على نفي ما ادعاه الوكيل عليه، فانتفى ثبوته في حقه، وهكذا في الطرف الآخر، وفي ذلك انتفاء العقد من الطرفين أو تعذر ثبوته، فيفسخ؛ مثاله أن وكيل البائع لما ادعى أنه باع بألف، فادعى المشتري أنه اشتري بخمسمائة، ولم يتقدم منه إقرار ينافي ذلك، فإذا تحالفا فقد حلف المشتري أنه ما اشترى بألف.
وقوله مقبول في ذلك، وقول وكيل البائع عليه غير مقبول، فانتفى لزوم البيع والثمن للمشتري، ووكيل المشتري لما ادعى أنه اشترى بخمسمائة، وادعى البائع أو وكيله أنه باع بألف، ولم يتقدم منه إقرار ينافي ذلك، فإذا حلف البائع أو وكيله أنه ما باع بخمسمائة لم يلزمه حكم البيع وترجع العين إليه، فقد تبين أن من ضرورة التحالف إخراج العين عن ملك موكل المشتري والثمن عن ملك موكل البائع.
فإن قلت: فإذا ينبغي أن يلزم وكيل فاضل الثمن؛ لاعترافه بصحة البيع به كما في حالة النكول.
_________________
(١) روضة الطالبين (٣/ ٥٨٧).
[ ١ / ١٨٨ ]
قلت: كلّا، فإنا إنما ألزمناه في حالة النكول لخروج العين عن ملك موكله، ولا يمكن إيجاب شيء من الثمن على الوكيل مع بقائها في ملك لموكل، ولا يمكن الحكم بدخولها في ملك الوكيل، فليس ها هنا طريق إلى تضمينه.
الرابع: في كلام المصنف في توجيه الوجهين قوله كالمالكين، أي: إذا عقدا بأنفسهما كما تقدم التنبيه عليه، وتعليله بكونهما عاقدين مأخوذ من الحديث؛ لقوله: "إِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ" (^١)، ولك أن تُدرج الوكيلين إذا كان البيع بينهما في لفظ الحديث تحت قوله: "الْمُتَبَايِعَانِ"، فيكون حكمهما ثابتًا بالنص غنيًّا عن القياس على المالكين، ومع ذلك، ففي قياس المصنف وغيره في أشباه ذلك إذا اتفق.
فائدة:
وهي التنبيه على أن القياس معاضد لدلالة العموم، ودَفع توهم أن ذلك العموم مخصوص بضرب من القياس يوجب قصره على المالكين، فأراد إثبات الحكم في الوكيلين بالقياس على المالكين اللذين ثبت حكمهما بالاتفاق والنص؛ ليكون ذلك مضافًا إلى دلالة عموم النص عليه.
ولا يمنع من ذلك قول الأصوليين: إن من شرط القياس أن يكون حكم الفرع ثابتًا بالنص؛ لأن دلالته هنا على الأصل متفق عليها، وعلى الفرع محتملة، فلأجل الاحتمال ساغ القياس، ولو تحققنا دخوله في النص لاستغنينا عن القياس كما قاله الأصوليون.
وتعليل المصنف للوجه الثاني بعد قبول الرجوع من الوكيل أحسن من
_________________
(١) أخرجه أحمد (١/ ٤٦٦)، والنسائي (٤٦٤٩)، والدارقطني (٢٨٥٦ - ٢٨٥٧)، والحاكم (٢/ (٥٥) والبيهقي (٥/ ٣٣٣).
[ ١ / ١٨٩ ]
عبارة الرافعي (^١) وغيره، حيث عللوا بأن اليمين تعرض؛ ليخاف الظالم، فيقر، وإقرار الوكيل على موكله غير مقبول، وأنت تعلم أن الوكيل إذا كان مأذونًا له في العقد وأقر بأنه عقد على الوجه المأذون فيه قبل قوله، وصدق على موكله على أحد القولين؛ لأنه يملك الإنشاء.
وتعليل الرافعي لا يستقيم بإطلاقه إلَّا على القول الثاني الذي يجعل القول قول الموكل، وعبارة المصنف سالمة عن ذلك؛ إذ رجوعه عما أقر به أو لا، لا شك في عدم قبوله، ومسألتنا في الرجوع لا في الإقرار المبتدأ، فإن كان مراد الرافعي (^٢) ﵁ إقرار الوكيل بعد أن أقر أولًا، فذلك تأويل لكلامه على ما صرح به المصنف، واستغنى عن الإرادة أو التعليل بشيء مختلف فيه.
والجواب عما استدلوا به لهذا الوجه الثاني يظهر مما تقدم عن الماوردي: "أن الوكيل بالشراء إذا نكل يلزمه البيع، والوكيل بالبيع إذا نكل يلزمه فاضل الثمن للبائع" (^٣)، أي: ويرجع الثمن للمشتري، فقد ظهر لعرض اليمين فائدة، وهو جواز النكول، فيحصل هذا الغرض أو الإقرار، فيحصل هذا الغرض أيضًا؛ إذ لا فرق هنا بين النكول والإقرار كما سبق.
فقول صاحب هذا الوجه لم يقبل الرجوع إن أراد في حق الموكل فمسلم، وقد تبين أن فائدة الرجوع لا تجلب ضررًا على الموكل، وإن أراد في حق نفسه فممنوع، فقد تبين صحة الوجه الأول وضعف مأخذ الثاني.
وقول المصنف: "إذا كان البيع بين وكيلين" يخرج ما إذا كان الوكيلان في الخصومة، والبيع قد جرى بين الموكلين، فلا يحلف الوكيلان أصلًا.
_________________
(١) فتح العزيز (٩/ ٢٠٣).
(٢) فتح العزيز (٩/ ٢٠٣).
(٣) الحاوي الكبير (٥/ ٣٠٥).
[ ١ / ١٩٠ ]
فرع
هل يجري التحالف بين الوليين في مال المحجوز عليه، سكت المصنف وأكثر الأصحاب هنا عن ذلك، وحكوا في كتاب الصداق ثلاث طرق ذكرها الإمام في "النهاية":
"أحدها: أن في حلف الولي في كل ما يتعلق بحظ الطفل وجهين، ومال الإمام منهما إلى المنع، وقال: إنه القياس.
والطريقة الثانية: أنه لا يحلف فيما لم ينشئه، وإن تعلقت الخصومة بما أنشأه، ففي تحليفه وجهان، كما لو باع مال الطفل أو زوَّج الصغيرة، ثم وقع النزاع في صفة العقد.
قال: وقد ذهب كثير من أئمة العراق إلى القطع بأنه يحلف ويجري التحالف بينه وبين الخصم فيما يتعلق بإنشاء الولي، ولم يذكروا في ذلك خلافًا، وطردوا هذه الطريقة في القيم، والوصي، والوكيل بالعقد.
والطريقة الثالثة: ذكرها الشيخ أبو محمد أن الأب لا يحلف فيما يتعلق بحق طفله إلّا فيما أنشأه، ولا فيما ينشئه" (^١)، وإنما تردد الأصحاب في النكاح خاصة؛ لاختلافهم فيمن يملك العفو عن المهر، ثم إن الإمام فيما نقله عن العراقيين أنهم قطعوا في الولي والوكيل، وحكى غيره طريقة أخرى أن الولي يحلف قطعًا، والوجهان في الوكيل والطريقتان مشهورتان، فقد اتفقوا على أن الولي إما مثل الوكيل أو أقوى.
وقد تقدم أن الصحيح تحالف الوكيلين، فالوليان أولى، وحكى الغزالي في "البسيط" الوجهين في حلف الأب فيما أنشأه، ثم قال فيما لا يتعلق بإنشائه كإتلاف المال: إن المنع في هذه الصورة أظهر، وكلامه محتمل لِأَن يكون المراد أظهر في الجواز في هذه الصورة أو أظهر من المنع في الصورة
_________________
(١) نهاية المطلب (١٣/ ١٣١). بإختصار.
[ ١ / ١٩١ ]
الأولى، وكلامه في غير "البسيط" ساكت عن الصورة الأولى، ومصرح بأن القياس في الصورة الثانية المنع.
وأما الرافعي ﵀: فإنه قال في الاختلاف بين ولي الصغيرة والمجنونة وبين الزوج: "وجهان: أظهرهما في المذهب، وبه قال ابن سريج، وأبو إسحاق أنهما يتحالفان؛ لأن الولي مالك العقد ومستوفي الصداق، وإقراره مقبول في النكاح والصداق.
والثاني: لا؛ لأنه يثبت حق غيره بيمينه. قال ورتب الإمام في المسألة على قولين حكاهما فيما إذا باع الولي مال الطفل، واختلف الولي والمشتري في كيفية البيع هل يتحالفان؟! قال -يعني: الإمام والأصح المنع، ويعلل القول الآخر بمعنيين:
أحدهما: أن الولي يثبت بالحلف قول نفسه.
والثاني: أنه يتعلق به للعهدة، فإن الولي في عهدة ما يبيع للصبي.
فإن قلنا: لا يحلف في البيع، ففي النكاح أولى.
وإن قلنا: يحلف هناك، ففي النكاح خلاف مبني على المعنيين إن عللنا بالأول، فكذلك هنا، وإن عللنا بالثاني، فلا؛ لأن النكاح ليس عقد عهدة" (^١).
قلت: ولم أر في "النهاية" في كتاب الصداق حكاية القولين، ولا الترتيب هكذا، ولا قوله: "والأصح المنع"، وإنما رأيت فيها الطرق على الوجه الذي تقدم، وفي اختلاف المتبايعين لم يذكر المسألة أصلًا.
وأما التصحيح، فلم أر في كلام الإمام في الموضع الذي وقعت عليه إلا قوله في الطريقة الأولى الطاردة للوجهين: "إن القياس المنع"، وميله إليه
_________________
(١) فتح العزيز ط العلمية (٨/ ٣٣٧ - ٣٣٨).
[ ١ / ١٩٢ ]
دون تصريح بالتصحيح، ولا بأن ما قاله أنه القياس، ومال إليه نقول به ونرجحه فيما أنشأه الولي أيضًا أولًا.
والظاهر من كلامه التعميم؛ لأن الوجهين في تلك الطريقة عامَّان، وقد رجح وجه المنع منهما، فإن كان كذلك، وأن الراجح عند الإمام أن الولي لا يحلف مطلقًا، فمقتضاه أن يقوله في الوكيل بطريق أولى لما تقدم التنبيه عليه أو المساواة، ومقتضاه أيضًا أن يكون الأصح عنده عدم التحالف بين الولي والزوج في الصداق للترتيب الذي ذكره الرافعي، ويكون مخالفًا لما هو الأصح في المذهب من تحالفهما، ولا شك أن ظاهر كلامه كما قدمته يقتضي الميل إلى منع حلف الولي مطلقًا، ويلزم من ذلك أن يكون تحالف الولي مع الزوج وتحالف الوكيلين عنده كذلك، وأن القياس في جميعها المنع، وإنما جعل الخلاف في البيع قولين.
وقول الإمام: "الأصح المنع" لم أره في كلام الإمام في هذين البابين، والرافعي ثبت، وقوله: "ونعلل القول الآخر بمعنيين … " إلى آخره، إن كان من كلام الإمام، وهو ظاهر نقل الرافعي، فيستقيم مع قوله: "الأصح المنع"، ويمكن أن يسقط منه تصحيح المنع.
ويستمر الترتيب مع كلام الأصحاب بأن يقال: الأصح الحلف في البيع للمعنيين، فإن لم نجوزه في البيع، ففي النكاح أولى، وإن جوزناه، فيبني في النكاح على المعنيين إن عللنا بأنه يثبت قول نفسه جاز، وإلا امتنع لكن يقتضي ذلك أن تكون العلة الصحيحة أنه يثبت قول نفسه حتى يكتتم معها ما صححوه من الجواز في النكاح، وأما ما مال إليه الإمام (^١) من المنع مطلقًا ففيه (^٢) نظر؛ لأنه أخذ ذلك من أن الأيمان كالعبادات البدنية لا يتطرق إليها
_________________
(١) نهاية المطلب (١٣/ ١٣١). باختصار.
(٢) في المخطوطة: فغيره، ولعل الصواب ما أثبتناه.
[ ١ / ١٩٣ ]
إمكان النيابة، وهذا يمكن جوابه بأن اليمين في ذلك ليست بطريق النيابة عن الموكل ولا عن الطفل بل الولي والوكيل كل منهما يحلف عن نفسه.
وقد وقع في "الكفاية" لابن الرفعة (^١) في الصداق أنه (^٢) الأظهر -وبه قال ابن سريج وأبو إسحاق: أن التحالف لا يجري مع الولي، وهو وهم ولولا علله بعلة تناسب المنع كنا نقول: أن "لا" زائدة في النسخة.
فرع
شرط جريان هذا الخلاف في حلف الولي والوكيل والوصي والقيم بقاؤهم على الولاية والاستقلال، فلو خرج الولي عن الاستقلال بأن استقلت الزوجة، أو صرف الوكيل، والوصي، والقيم عن الولاية فلا؛ لأنه بطل قبول إقرارهم، نبه عليه في "البسيط"، وفي كلام "النهاية" (^٣) إشعار به.
والمراد نفي التحالف، وأما الحلف على مَنْ تعلقت العهدة به إذا قلنا بذلك، فلا يندفع بخروجه عن الولاية؛ لأنها تتوجه عليه في خاصة نفسه.
فإن قلت: الوكيل بمباشرة التصرف يخرج عن الوكالة في ذلك التصرف، فمقتضى ذلك ألّا يأتي الخلاف فيه بعد اعترافه بمباشرة التصرف، وقد قلتم: الأصح أنه يجري التحالف بينه وبين العاقد الآخر.
قلت: أحكام العقد متعلقة به، فلم يخرج عن الوكالة بالكلية، نعم الوكيل في تصرف واحد بعد مباشرته لا يمكن عزله منه، فإذا اختلف هو والعاقد معه في صفة ذلك التصرف جرى الخلاف في تحالفهما، ولا يحتاج
_________________
(١) كفاية النبيه (١٣/ ٣٠٦).
(٢) في المخطوطة: "أن"، ولعل الصواب ما أثبتناه.
(٣) نهاية المطلب (١٣/ ١٣٣). بإختصار.
[ ١ / ١٩٤ ]
ذلك إلى تقييد بأن يكون باقيًا على وكالته وإنما يظهر اختيار الغزالي (^١) فيما إذا سبق العزل قبل التصرف في الوكيل وفي الوصي والقيم يظهر مطلقًا.
* * *
_________________
(١) الوسيط في المذهب (٣/ ٢٨٥).
[ ١ / ١٩٥ ]
قال المصنف ﵀: