إذا تلف المبيع في يد البائع قبل التسليم لم يخل، إما أن يكون ثمرة، أو غيرها، فإن كان غير الثمرة نظرتَ: فإن كان تلفه بآفة سماوية انفسخ البيع؛ لأنه فات التسليم المستحق بالعقد، فانفسخ البيع كما لو اصطرفا وتفرقا قبل القبض.
الدليل المذكور استدل به الأصحاب، وهو مأخوذ من كلام الشافعي، فإنه قال في باب الربا: "وإذا كان متبايعا الذهب والوَرِق بأعيانهما إذا تفرقا قبل القبض؛ كانا في معنى من لم يبع دل على أن كل سلعة باعها، فهلكت قبل القبض فمن مَالِ بائعها؛ لأنه كان عليه، تسليمها، فلمَّا هلكت لم يكن له أخذ ثمنها" (^١).
وهو من أحسن الاستنباطات وأدقها؛ لأن التسليم الواجب عن البيع مفيد في الصرف بالمجلس ومطلق في غيره، فإذا كان قوامه بالتفرق في الصرف مبطلًا؛ فليكن فواته مطلقًا بالتلف مبطلًا.
قال الأصحاب: والتعذر في الصرف بالشرع، وفي التلف بالحبس، وهو
_________________
(١) مختصر المزني (٨/ ١٧٥). بتصرف يسير.
[ ١ / ٣١٠ ]
أقوى، ولا يرد على هذا إلا أن يمنع الخصم وجوب التسليم في غير الصرف، ويقول: الواجب التمكين فقط، ولا يلزم من إيجابه في الصرف إيجابه في غيره، فليتأمل الانفصال عن هذا الإيراد.
واستدل الأصحاب - أيضًا: بالقياس على انهدام الدار المستأجرة قبل استيفاء الإجارة، وعلى ما إذا اشترى قفيزًا من صبرة ثم تلفت الصبرة، فإنه يبطل العقد، هكذا ذكروه، وقد يجاب عن انهدام الدار: بأنه تبين عدم المنافع المستقبلة، وأنها غير صالحة لورود العقد عليها وعن تلف الصبرة: بأن التسليم هناك واجب؛ ليتميز القفيز المبيع عن غيره.
واستدل الأصحاب - أيضًا: بأن الفرق قد ثبت بين المقبوض وغير المقبوض قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾، فلم يوجب رد ما قبض وأبطل ما لم يقبض؛ ولذلك يقول في عقود المشركين: إذا تقابضوا أمضيت مع فسادها دون ما إذا ترافعوا إلينا قبل قبضها، وقد يقال: لا يلزم من الفرق بينهما في ذلك الفرق بينهما في غيره؛ حتى يكون بأحديهما واحدًا ولم يحقق.
وممن وافقنا على القول بالانفساخ (^١) شريح، والشعبي، وابن شبرمة، والثوري، وربيعة في المشهور عنه، وأبو حنيفة، وصاحباه (^٢) إلا في العقار.
وخالف في ذلك عبد الله بن عمر، وإبراهيم النخعي، ومحمد بن سيرين، والأوزاعي، ومالك (^٣)، وأحمد (^٤)، وإسحاق، وأبو ثور، وابن
_________________
(١) انظر: الحاوي (٥/ ٢٠٥) البيان (٥/ ٣٨٧)، فتح العزيز (٩/ ١٠٢)، روضة الطالبين (٣/ ٥٦٢).
(٢) انظر: بدائع الصنائع (٥/ ٢٣٩).
(٣) انظر: التمهيد (١٩٦٢)، الذخيرة (٥/ ٢١٦) التاج والإكليل (٤/ ٥٠٥)، مواهب الجليل (٦/ ٤٦١)، الفواكه الدواني (٣/ ١٢٠٥).
(٤) انظر: شرح الزركشي (٢/ ٥٠)، المبدع (٤/ ٦٢)، الإنصاف (٥/ ٥٩)، كشاف القناع (٣/ ٢٨٦).
[ ١ / ٣١١ ]
المنذر وغيرهم.
فمنهم من خالف مطلقًا وقال: إنه من ضمان المشتري، وهو ابن عمر والأوزاعي وربيعة في رواية وأبو ثور وابن المنذر.
وأما مالك (^١) وأحمد (^٢) وإسحاق فاختلف النقل عنهم، فقيل: بالمخالفة مطلقًا كأبي ثور. وقيل: فيما بيع جزافًا دون المقدر. وقيل: عن مالك بالفرق بين المنقول وغيره. وقيل: غير ذلك عنه ويد البائع عندهم يد أمانة.
وأما النخعي وابن سيرين، فقالا: إن بذلها البائع للمشتري. فامتنع لم يبطل البيع بتلفها، وإن لم يبذلها حتى هلكت بطل البيع، وهذا ليس فيه مخالفة؛ لأن من الأصحاب من يوافق على ذلك، إذا وضع البائع المبيع بين يدي المشتري.
ونقل القاضي حسين والروياني عن بعض العلماء: "أن يد البائع يد ضمان بالقيمة لا بالثمن " (^٣).
واحتج المخالفون في ذلك بأمور منه قوله ﷺ: "الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ" (^٤).
والخراج للمشتري فليكن الضمان عليه.
وأجاب الأصحاب: بأنه جعل الخراج بيعًا للضمان، ولا يلزم من العكس، وهو كون الضمان تابعًا للخراج، كما يقصده الخصم، وبأنه ورد على سبب بعد القبض في الرد بالعيب، فلا يشمل غيره وكلا الجوابين فيه
_________________
(١) انظر مصادر المالكية السابقة.
(٢) انظر مصادر الحنابلة السابقة.
(٣) بحر المذهب (٤/ ٤٤٤).
(٤) أخرجه أحمد (٦/ ٤٩)، وأبو داود (٣٥١٠)، والترمذي (١٢٨٥)، والنسائي (٦٠٣٧)، وابن ماجه (٢٢٤٣)، وابن عدي (٦/ ٤٤٤)؛ وضعفه البخاري. انظر "علل الترمذي الكبير " (١/ ١٩١).
[ ١ / ٣١٢ ]
نظر.
أما الثاني: فلأن العبرة بعموم اللفظ، وأما الأول: فلأنه إذا كان الخراج تابعًا للضمان بالحديث؛ لزم إذا كان الضمان على البائع أن يكون الخراج، وإنما ينفصل عن هذا بأن اللام في الخراج للعهد وهو في مردود بالعيب؛ أي: الخراج المعهود بالضمان، فإن أخذنا بالمفهوم اقتضى: أنه إذا رد أو تلف قبل القبض يكون الخراج للبائع، وهو أحد الوجهين عندنا، وعلى الأصح نقول: استحقاق الخراج بعد القبض معلل بعلتين الضمان والملك، وقبله بالملك فقط.
وأما كون الخراج مطلقًا وإن لم يحصل تلف تابعًا للضمان فلم يقتضه الحديث، وقد تقدم ذلك في باب الرد بالعيب.
واحتجوا - أيضًا بأن إعتاق المشتري قبل القبض نافذ، وادعى ابن المنذر (^١) أنهم أجمعوا عليه.
وأجاب القاضي أبو الطيب: بأن أصحابنا اختلفوا فيه، فقال ابن سريج: هو مبنيٌّ على عتق "الراهن"؛ لأنه محبوس في حق غيره، ونقل في موضعٍ آخر عن ابن خيران: "أنه لا ينفذ مطلقًا".
ومن أصحابنا من قال: ينفذ؛ لأنه إتلاف، فكأنه قبضه وأتلفه، وحكى المصنف الخلاف في باب ما نهي عنه من بيع الغَرَرِ، لكن هذا الخلاف في المذهب مصادم لما نقله ابن المنذر من الإجماع، فينبغي أن يثبت فيه لئلا يكون هذا تخريجًا مذهبيًّا مستوفًا بإجماع، أو لعل قبل ابن المنذر خلافًا لم يطلع عليه.
وهذا كله إذا كان قد وفر الثمن إما قبله فهو كعتق المرهون، وإما جعله
_________________
(١) الإشراف على مذاهب العلماء (٦/ ٨١).
[ ١ / ٣١٣ ]
إتلافًا فهو يشكل على إلحاقه بالصرف، فإن التفرق فيه مبطل مطلقًا، وإن كان منهما وجعل الإتلاف قبضًا يحتاج إلى دليل.
قال ابن المنذر: "وقد ثبت أن ابن عمر، قال: ما أدركت الصفقة حيًّا مجموعًا فمن المشتري، وقال: هذا يلزم من موجب تقليد الواحد من أصحاب رسول الله ﷺ، ولا نعلم لابن عمر مخالفًا" (^١).
واستأنس أصحابنا - أيضًا - بالنهي عن بيع ما لم يقبض، وبقوله: "إذَا مَنَعَ اللهُ الثَّمَرَةَ، بِمَ (^٢) يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ؟ " (^٣)، فمنع من المطالبة بالثمن؛ لتلف الثمرة قبل القبض، وذلك بينة على كل مبيع تلف قبل القبض، وقد يقال: إن ذلك لكون الثمرة قبل بدؤِّ الصلاح غير صالحة للقبض، وفي "المجمل" لابن فارس في اللغة: "الاعتقاب في البيع: أن تأبى تسليم المبيع حتى تقبض الثمن، فإن تلف عندك، فأنت الضامن له. قال: وفي الحديث: "المُعْتَقِب ضامِنٌ لما اعْتَقَبَ"" (^٤).
وأما فرق أبي حنيفة بين العقار وغيره فلا معنى له، فإن التخلية في العقار كالقبض وغيره.
التفريع:
إذا انفسخ العقد انقلب الملك في المبيع إلى البائع، وفي الثمن إلى المشتري، وهل يقدر ذلك قبيل التلف، أو يرتفع العقد من أصله، فيه وجهان؛ خرجهما ابن سريج، أصحهما وهو اختياره، واختيار ابن الحداد: لا يرتفع من أصله كما في الرد بالعيب، وإلحاق الشافعي والأصحاب له
_________________
(١) الإشراف على مذاهب العلماء (٦/ ٨٠).
(٢) في المخطوطة: "فلم"، والتصحيح من مصدر الحديث.
(٣) أخرجه البخاري (٢١٩٨)، ومسلم (١٥٥٥).
(٤) مجمل اللغة (ص: ٦١٩).
[ ١ / ٣١٤ ]
بالصرف يقتضي ارتفاعه من أصله لا سيما قوله: "كانا في معنى من لم يبع".
وقال في موضع آخر: "وكان كمن لا بيع بينه وبينه".
قال الإمام: "وإذا قلنا بهذا، فحقيقته أَنَّا نتبين بالآخرة أن لا عقد" (^١)، وعلى الوجهين تتخرج الزوائد الحادثة في يد البائع من اللبن والبيض والكسب وغيرها، والأصح: أنها للمشتري، ويتصرف فيها، وتكون أمانة في يد البائع ولو هلكت، والأصل بَاقٍ بحاله فلا خيار، وليس للبائع حبسها.
"وفي معنى الزوائد: الرِّكاز الذي يجده العبد، وما وهب منه فقبله وقبضه، وما وصى له به فقبله" (^٢) هكذا قاله الرافعي.
وقد تقدم في باب الرد بالعيب من قال: إن ذلك للمشتري جزمًا، وعلى الوجهين إذا كان عبدًا مؤنة تجهيزه ودفنه على البائع، ولو أبرأ المشتري البائع من ضمان المبيع قبل القبض؛ لم يبرأ في أصح القولين، وحكم العقد لا يتغير.
فرع