وإن باع من رجل عينًا وأحضر المشتري نصف الثمن، ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجبر البائع على تسليم شيء من المبيع؛ لأنه محبوس بدين، فلا يُسَلَّم] (^١) شيء منه بحضور بعض الدين كالرهن.
والثاني: أنه يجبر على تسليم نصف المبيع؛ لأن كل واحد منهما عوض عن الآخر، وكل جزء من المبيع في مقابلة جزء من الثمن، فإذا سلم وجب تسليم ما في مقابلته، ويخالف الرهن والدين، فإن الرهن ليس بعوض من الدين، وإنما هو وثيقة به، فجاز له حبسه إلى أن يستوفيَ جميع الدين.
هذا الفصل مبني على أن للبائع حق حبس المبيع إلى إحضار الثمن، الذي قطع به الأكثرون كما تقدم، فإذا أحضر المشتري بعض الثمن، فهل يدفع إليه بمقدار ما أحضر، وبحبس الباقي؟ أطلق المصنف والماوردي (^٢) والروياني وصاحب "البيان" حكاية الوجهين.
وذكر الماوردي أن ابن سريج حكاهما قولين (^٣). قال الروياني: "وأراد
_________________
(١) في المخطوطة: "يلزم"، وما أثبتناه من المطبوع من المهذب.
(٢) الحاوي الكبير (٥/ ٣٠٧).
(٣) الحاوي الكبير (٥/ ٣٠٧).
[ ١ / ٣٠٥ ]
التخريج" (^١)، يعني: أنهما مخرجان، وقال الروياني: إن المذهب عدم الإجبار (^٢). وجعل الإمام (^٣) والغزالي (^٤) والرافعي (^٥) محل هذا الخلاف فيما ينقسم، وجزموا فيما لا ينقسم بأنه لا يجب، والأصح من الخلاف عندهم عدم الوجوب، واعتمد [الفارقي] (^٦) هذا التفصيل.
واعترض به على المصنف وقال: إنما يكون فيما يتجزأ كالصُّبرة والعبدين المتساويي القيمة، وفيما قاله في العبدين نظر وممن اعتمد هذا التفصيل ابن أبي عصرون، لكنه رجح من الخلاف القول: بالإجبار، واستدل على أن ذلك لا يجري فيما لا يتجزأ كالعبد، بأنه إذا سلمه صار جميعه مقبوضًا للمشتري، فيفوت على البائع حق الحبس، وفي هذا الاستدلال نظر؛ لأنه قد يقال: يتسلمه الحاكم، فيستقر ملك المشتري فيه على النصف، ولا يفوت حق الحبس في الباقي، أو يسلمه البائع نصفه عن البيع ونصفه وديعة.
والأصح: أن حق الحبس لا يبطل بالإيداع، فالأقرب إطلاق الخلاف؛ كما فعله المصنف، والأقرب من الخلاف عدم الإجبار اعتبارًا بالرهن، ويجب أن يكون فرض المسألة فيما إذا كان الثمن في الذمة، أما الثمن المعين إذا أحضر نصفه؛ ينبغي ألَّا يجبر البائع على تسليم شيء قولًا واحدًا؛ لاحتمال أن يتلف النصف الباقي من الثمن في يد المشتري، فينفسخ العقد في مقابله، وقد سلم النصف الآخر فتتفرق عليه الصفقة، بخلاف ما في الذمة لا يتوقع فيه هذا المحذور.
_________________
(١) بحر المذهب (٥/ ٢٢).
(٢) بحر المذهب (٥/ ٢١).
(٣) نهاية المطلب (٥/ ٣٧١).
(٤) الوسيط في المذهب (٣/ ١٥٨).
(٥) فتح العزيز (٨/ ٤٦٦).
(٦) في المخطوطة: "الفراقي".
[ ١ / ٣٠٦ ]
قال:
وإن باع من اثنين عبدًا بثمن فأحضر أحدهما نصف الثمن، وجب تسليم حصته إليه؛ لأنه أحضر جميع ما عليه من الثمن، فوجب تسليم ما في مقابلته من المبيع، كما لو اشترى عينًا، فأحضر ثمنها [والله أعلم] (^١).
هذا مبني على أن الصفقة تتعدد بتعدد المشتري، وهو الصحيح المشهور الذي جزم به كثيرون منهم المصنف؛ فلذلك جزم هنا بأنه يجب تسليم حصته إليه.
وممن جزم بذلك البغوي (^٢) مع ذكره الخلاف في تعدد الصفقة، لكن الرافعي قال: "إن حكمنا بالاتحاد لم يجب تسليم شيء إلى أحدهما، وإن [وفي] (^٣) جميع ما عليه حتى [يوفي] (^٤) الآخر؛ لثبوت حق الحبس للبائع " (^٥)، "وقاسه على المسألة السابقة إذا اتحد المشتري ووفر بعض الثمن" (^٦)، وقد علمت ما فيها.
فيحتمل أن يقال على قول الاتحاد بأنه يجيء ها هنا الخلاف السابق هناك.
ويحتمل أن يقال: هنا أولى؛ لأنه لا يلزم من قبض أحدهما سقوط حق الحبس في نصيب؛ كما علل به ابن أبي عصرون فيما تقدم، ولا يجيء هنا
_________________
(١) من المطبوع من المهذب.
(٢) التهذيب (٣/ ٥١٢ - ٥١٣).
(٣) جاءت في المخطوطة: "وفر"، ولعل الصواب ما أثبتناه.
(٤) جاءت في المخطوطة: "يوفر"، ولعل الصواب ما أثبتناه.
(٥) فتح العزيز (٨/ ٢٨٦).
(٦) فتح العزيز (٨/ ٢٨٦). بمعناه.
[ ١ / ٣٠٧ ]
- أيضًا - بالتفصيل بين أن يكون مما يتجزأ أو لا لما ذكرناه.
قال البغوي (^١) والروياني (^٢): "وليس له أن يأخذ نصيب الغائب وإن أدى حصته من الثمن؛ لأنه لا ولاية له على الغائب"، وعن أبي حنيفة (^٣): "أن له قبض نصيبه إذا وقع نصف الثمن، وقبض كله إذا دفع كل الثمن، ويرجع على شريكه، وبناه على أصله في أن الصفقة واحدة ولم يسمح أصحابنا بذلك، وإن حكم بعضهم باتحادها عالمًا أنه يشير به لرجلين، فإذا أخذ نصيب أحدهما؛ يجب عليه تسليم نصفه.
وهذا الذي قاله البغوي من الاحتمال؛ هو طريقة للقفال حكيناها في باب الرد بالعيب، فارقة بين علم البائع وجهله، لكنها مع قوله بالتعدد كما تقدم عنه هناك تقدم من نص الشافعي، ما يشهد للفرق بين العلم وعدمه، وهو يؤيد هذا الاحتمال، وإن كان البائع وكيل رجلين، فإذا أخذ نصيب أحدهما من الثمن يجب عليه تسليم النصف ذكره في "التهذيب" - أيضًا.
قال الرافعي: "وفيه كلامان أحدهما: أن العبد المشترك بين رجلين إذا باعاه، ففي انفراد بأخذ نصيبه من الثمن وجهان، فكان أخذ الوكيل لأحدهما [مبنيًّا] (^٤) على ثبوت الانفراد لو باعا بأنفسهما.
والثاني: إذا قلنا: الاعتبار في تعدد الصفقة واتحادها بالعاقد؛ فينبغي أن يكون تسليم النصف على الخلاف، فيما إذا أخذ البائع بعض الثمن، هل عليه تسليم قسطه من المبيع؟ " (^٥).
قلت: ويخرج من ذلك أن الأصح: أنه لا يجب عليه تسليم النصف على
_________________
(١) التهذيب (٣/ ٥١٢).
(٢) بحر المذهب (٥/ ٢١).
(٣) انظر: بدائع الصنائع (٥/ ٢٥٠)، المحيط البرهاني (٦/ ٢٢٧).
(٤) جاءت من في المخطوطة: "مبني"، ولعل الصواب ما أثبتناه.
(٥) فتح العزيز (٨/ ٤٨٩ - ٤٩٢).
[ ١ / ٣٠٨ ]
خلاف ما قال في "التهذيب" (^١)؛ لأن الأصح: أنَّ الاعتبار بالعاقد، وأن البائع إذا أخذ بعض الثمن لا يجب عليه تسليم قسطه.
* * *
_________________
(١) التهذيب (٣/ ٥١٢).
[ ١ / ٣٠٩ ]
قال: