ويجب على المستقرض رد المثل فيما له مثل؛ لأن مقتضى القرض رد المثل، ولهذا يقال: الدنيا قروض ومكافأة، فوجب أن يرد المثل، وفي ما لا مثل له وجهان، أحدهما: يجب عليه القيمة؛ لأن ما ضمن بالمثلي إذا كان له مثل، ضمن بالقيمة، إذا لم يكن له مثل كالمتلفات.
والثاني: يجب عليه مثله في الخلقة والصورة؛ لحديث أبي رافع أن النبي ﷺ "أَمَرَهُ أَنْ يَقْضِيَ الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ"، ولأن ما ثبت في الذمة بعقد السلم ثبت بعقد القرض، قياسًا على ماله مِثْل، ويخالف المتلفات فإن المتلف متعد، فلم يقبل منه إلا القيمة؛ لأنها أخص، وهذا عقد أجيز للحاجة، فقبل منه مثل ما قبض، كما قبل في السلم مثل ما وصف.
حديث أبي رافع تقدم قريبًا، ووجوب المثل فيما له مثل لا خلاف فيه، وقول المصنف: "لأن مقتضى القرض"؛ أي: في وضع اللسان، وقد تقدم أقوال أهل اللغة في تفسير القرض، وليس فيها ما يقتضي ذلك، إلا ما في كلام ابن كيسان، وأما ما لا مثل له، وهو مما يضبط بالصفة فالصحيح عند الأكثرين: رد المثل الصوري للحديث، واختار الشيخ أبو حامد إيجاب
[ ١ / ٦٨٤ ]
القيمة، وقال المتولي في كتاب الشفعة: "إنه المذهب الصحيح" واختاره الروياني أيضًا، وقال: "إنه ظاهر المذهب" (^١).
وإن قلنا: الواجب القيمة، فإن قلنا: الملك بالقبض فالاعتبار بقيمة يوم القبض بلا خلاف، وإن قلنا: الملك بالتصرف.
قال صاحب "التتمة": فهو كالمأخوذ سومًا، وفيه وجهان؛ أحدهما: يوم القبض.
والثاني: أكبر أحواله من القبض إلى الملك، ومقتضى إلحاقه بالسوم أن يأتي فيه وجه ثالث باعتبار قيمة يوم التصرف، وهو مقتضى قول الإمام: إن الأقوال الثلاثة تجري في كل ضامن غير متعد" (^٢).
وقال ابن الرفعة: "إنه يظهر له أن الوجه القائل باعتبار قيمة يوم القبض، على قولنا: يملك بالتصرف مأخذه، أنه إذا تصرف يتبين ملكه من حين القبض" (^٣) كما حكاه فيما تقدم.
قلت: وما حكاه صاحب "التتمة" من إلحاقه بالسوم تبين مأخذه غير ذلك، والذي حكاه فيما تقدم نقله عن "البسيط"، ولم أره فيه ولا في غيره.
ثم قال ابن الرفعة: "إن صاحب هذا الوجه إن طرده فيما إذا تلف في القرض في يده قبل التصرف المحصل للملك، انتفى أن يكون مأخذه ما ذكره" (^٤)، يعني: لأنه لم يحصل الملك، وهذا غلط؛ لأن ما حكينا عن "البيان" (^٥) وغيره، أن التلف كالإتلاف في تحصيل الملك، أما ما لا مثل له
_________________
(١) بحر المذهب (٥/ ٦٨).
(٢) نهاية المطلب (٥/ ٣٨٤).
(٣) المصدر السابق.
(٤) المصدر السابق.
(٥) البيان (٥/ ٤٦٦).
[ ١ / ٦٨٥ ]
ولا يضبط بالصفة؛ كالجواهر، والمعجونات، والحنطة المختلطة بالشعير باختلاطهما خرجا عن المثلية، فإن فصلا عادا إليها، "وإذا اختلفا في قدر القيمة، أو في صفة المثل فالقول قول المستقرض" (^١)؛ قاله الرافعي.
* * *
_________________
(١) فتح العزيز (٩/ ٣٤٧).
[ ١ / ٦٨٦ ]
قال:
وإن أقرض الخبز، وقلنا: يجوز إقراض ما لا يضبط بالوصف، ففي الذي يرده وجهان:
أحدهما: مثل الخبز.
والثاني: يرد القيمة؛ فعلى هذا إذا أقرضه الخبز، وشرط أن يرد عليه الخبز، ففيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ لأن مبناه على الرفق، فلو منعناه من [رد] (^١) الخبز شق وضاق.
والثاني: لا يجوز؛ لأنه إذا شرط صار بيع خبز بخبز وذلك لا يجوز.
إقراض الخبز فيه وجهان، يظهر من كلام المصنف أنهما مبنيان على السلم فيه، ومن كلام صاحب "البيان" (^٢)، ومال إليه الرافعي (^٣) أنهما مرتبان عليه إن جوزناه جاز قرضه، وإلا فوجهان للحاجة، والمنع أصح عند صاحب "التهذيب" (^٤)، وبه قال أبو حنيفة (^٥).
ويظهر من كلام المصنف ترجيحه؛ لأنه أشعر بأن حكمه حكم غيره مما لا يضبط بالوصف، والجواز أصح عند بعضهم، وقطع به صاحب "الشامل" و"التتمة" و"المستظهري" و"المرشد"؛ لاجتماع الأعصار في الأمصار على
_________________
(١) في المخطوطة: "أداء"، وما أثبتناه من المطبوع من المهذب.
(٢) البيان (٥/ ٤٦٧).
(٣) فتح العزيز (٩/ ٣٦٤).
(٤) التهذيب (٣/ ٥٤٦).
(٥) انظر: المبسوط (١٤/ ٥٥)، بدائع الصنائع (٧/ ٣٩٥)، المحيط البرهاني (٧/ ٢٧٠)، مجمع الأنهر (٣/ ١٢٧) حاشية ابن عابدين (٥/ ١٦٢).
[ ١ / ٦٨٧ ]
فعله بلا إنكار، وهو مذهب أبي قلابة، ومالك (^١)، وأحمد (^٢)، وأبي يوسف ومحمد (^٣).
فعلى هذا فيما يرده وجهان، ومقتضى كلام جماعة أنهما الوجهان في غيره من المتقومات.
ويحتمل: أن يكونا مستقلين، ويكون بعض من أوجب المثل هناك يوجب القيمة هنا حذرًا من الربا.
وانظر إلى إطلاق المصنف، وتقديمه القيمة هناك والمثل هنا قد يلمح منه التغاير، وإن لم يكن بالقوي، وكأن قياس ما تقدم في قرض ما لا يضبط بالوصف أن يقطع هنا برد القيمة، لكن بنوا الأمر هنا على المسامحة للعرف فكما اعتمد العرف في جواز قرضه فليعتبر رد مثله، وإذا قلنا بالمثل فالمعتبر مثله وزنًا، هكذا قال الرافعي (^٤)، وغيره، وذكر الخوارزمي في "الكافي" أنه يجوز إقراض الخبز وزنًا وعددًا، وهو غريب، وفي "التتمة" وغيرها نقله عن محمد بن الحسن.
ويحتمل: أن يحمل كلام "الكافي" على أنه مراعى فيه الجمع بين الوزن والعدد، حتى إذا أقرض رغيفين زنتهما رطلان يرد كذلك، ولا يكتفى منه بالوزن فقط مع مخالفة العدد، فإن أراد ذلك فحسن، فإنه محافظة على المثل الصوري.
_________________
(١) انظر: المدونة (٣/ ١٨٠)، الذخيرة (٥/ ٢٨٩)، حاشية الخرشي (٥/ ٢٣١)، حاشية الدسوقي (٣/ ٢٢٥).
(٢) انظر: الفروع مع التصحيح (٦/ ٣٥٢) المبدع (٤/ ٩٤)، الإنصاف (٥/ ١٠٠)، كشاف القناع (٣/ ٣١٦).
(٣) انظر مراجع الأحناف السابقة.
(٤) فتح العزيز (٩/ ٣٦٤).
[ ١ / ٦٨٨ ]
وينبغي حمل كلام الرافعي وغيره ممن أطلق الوزن عليه.
فإن أوجبنا القيمة فشرط المثل، فالوجهان مشهوران، ومقتضى كلام ابن أبي عصرون: أن الأصح رد المثل أيضًا، ويؤخذ من كلام المصنف إذا قلنا: لا يجوز اشتراط المثل؛ فالعقد فاسد، وليس المعنى: أنه يفسد الشرط، وتجب القيمة لجعله ذلك من باب الربا، قال أبو إسحاق العراقي: وعلى تعليل الوجه الأول لو شرط في سائر المتقومات على قولنا برد القيمة المثل؛ جاز.
قلت: وفيه نظر؛ لأن علة الرفق قد لا تكون موجودة.
* * *
[ ١ / ٦٨٩ ]
قال: