يجوز فسخ عقد السلم بالإقالة؛ لأن الحق لهما، فجاز لهما الرضا بإسقاطه.
للفصل مقدمتان، إحداهما: الإقالة مندوب إليها عند ندم المتعاقدين أو أحدهما. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "مَنْ أَقَالَ مُسْلِمًا؛ أَقَالَ اللَّهُ عَثْرَتَهُ". رواه أبو داود (^١) وابن ماجه (^٢) بسند رجاله على شرط "الصحيحين".
الثانية: الإقالة أن يقول المتعاقدان: تقايلنا أو يقول أحدهما: أقلت، ويقول الآخر: أقلت (^٣) أو قبلت، ولا يشترط ذكر ما تقايلَا فيه إذا كان معلومًا، وهل هي فسخ أو بيع؟ فيه طريقان إحداهما، وبه قطع العراقيون: القطع بأنها فسخ (^٤).
والثانية: وبها قال القاضي حسين وأتباعه، وبعض العراقيين: أنَّ فيها
_________________
(١) (٣٤٦٢).
(٢) (٢١٩٩). وأخرجه: ابن حبان (٥٠٣٠)، والحاكم (٢٢٩١)، والبيهقي (٦/ ٢٧).
(٣) وهو أظهر القولين، وهو الجديد. وانظر: الأم (٣/ ٧٨)، البيان (٥/ ٤٥١)، فتح العزيز (٨/ ٣٨٤)، روضة الطالبين (٣/ ٤٩٣)، مغني المحتاج (٢/ ٦٥).
(٤) رسمت هكذا في المخطوطة: "أيقلت".
[ ١ / ٦١٠ ]
قولين الجديد: أنها فسخ، والقديم: أنها بيع (^١)، وهو مذهب مالك (^٢)، وحكى الشيخ أبو حامد (^٣) هذا وجهًا لبعض أصحابنا.
ولو صدرت بلفظ الفسخ، فهل يجري هذا الخلاف؛ نظرًا إلى المعنى، أو يقطع بأنها فسخ نظرًا إلى اللفظ؟ فيه طريقان؛ أصحهما عند المبين للخلاف الأول، وهما عائدان إلى أن البيع هل يقبل الفسخ بالتراضي؟
فعلى الأول: لا.
وعلى الثاني: نعم (^٤).
إذا عرف ذلك فمن قال بأن الإقالة فسخ جوَّزها في السلم، وفي المبيع قبل القبض إذا لم يجوّز بيع المبيع قبل القبض من بائعه.
وطائفة قالوا: إنها جائزة - أيضًا، ويكون فسخًا، وإن الخلاف في كونها فسخًا أو بيعًا لا يجري في هاتين الحالتين [لامتناع] (^٥) البيع فيهما؛ وهذا هو المشهور (^٦)، حتى إن مالكًا (^٧) وافقنا على جوازها في السلم؛ ولذلك يستدل الأصحاب به على ضعف القول بأنها بيع؛ إذ لو كانت بيعًا لما دخلت في السَّلم، ولا خلاف عندنا أنها لا تجوز على زيادة في الثمن، ولا نقص منه، ولا على خلاف النوع أو الوصف خلافًا لأبي حنيفة (^٨).
_________________
(١) انظر مراجع الشافعية السابقة.
(٢) المشهور في مذهبه: أن الإقالة بيع من البيوع إلَّا في الطعام والشفعة والمرابحة. وانظر: المدونة (٤/ ٢٢٣)، التمهيد (١٦/ ٣٤٢) الاستذكار (٦/ ٤٩٩) مواهب الجليل (٦/ ٤٢٦)، التاج والإكليل (٤/ ٤٨٥)، بداية المجتهد (٢/ ٢٠٦).
(٣) الوسيط في المذهب (٣/ ١٤٠).
(٤) انظر مراجع الشافعية السابقة.
(٥) في المخطوطة: "لامتنا"، ولعل الصواب ما أثبتناه.
(٦) انظر: الوسيط في المذهب (٣/ ١٤٠)، روضة الطالبين (٣/ ٤٩٥).
(٧) انظر: الكافي في فقه أهل المدينة (٢/ ٧٣٢)، التمهيد (١٦/ ٣٤١).
(٨) انظر: المحيط البرهاني (٧/ ١٢٠)، الهداية شرح البداية (٣/ ٥٤)، تبيين الحقائق (٤/ ٧٠) =
[ ١ / ٦١١ ]
وكلام المصنف وتعليله ناطق بأن السلم وكذا غيره من البيوع يقبل الفسخ بالتراضي؛ لأن الحق لهما، وإهمال ما سوى ذلك؛ ولذلك أدخلها المصنف تبعًا للشافعي في هذا الباب.
وفي الإقالة في بعض المعقود عليه إذا كان الباقي موجودًا ثلاثة أوجه:
الصحيح: المنصوص (^١) صحة الإقالة فيما وردت عليه دون ما بقي.
والثاني: منعها في الجميع؛ حذرًا من تفريق الصفقة.
والثالث: صحتها في الجميع.
كما لو ورد إحدى العينين بالعيب يتعدى الرد إلى الآخر على وجه، هذا على قولنا: الإقالة فسخ، فإن قلنا: إنها بيع وكان ذلك مما يتقسط عليه الثمن بالقيمة، لم يصحَّ لجهالة الثمن، وإن كان مما يتقسط عليه بالأجزاء صحَّ، هذا في غير السلم، وكذلك الحكم في المسلم فيه عندنا.
قال الشافعي: "ولو أقاله بعض السلم وقبض بعضًا، فجائز" (^٢)، وبه قال ابن عباس، وعطاء، وطاوس، وعمرو بن دينار، والحكم بن [عتيبة] (^٣)، وأبو حنيفة (^٤)، والثوري.
وقال مالك (^٥)، وربيعة والليث بن سعد وابن أبي ليلى: لا يجوز.
وعن ابن عمر، والحسن، وابن سيرين، والنخعي، وأحمد (^٦)،
_________________
(١) = البحر الرائق (٦/ ١١٠).
(٢) انظر: نهاية المطلب (٦/ ٥٣).
(٣) مختصر المزني (٨/ ١٩٠). وانظر: الأم (٣/ ١٣٤)، الحاوي (٥/ ٤٠٥)، البيان (٥/ ٤٥٢)، روضة الطالبين (٣/ ٤٩٤)، مغني المحتاج (٢/ ٦٥).
(٤) في المخطوطة: "عيينة"، والصواب ما أثبتناه.
(٥) انظر: المبسوط (١٢/ ٢٢٨)، بدائع الصنائع (٥/ ٢١٤)، المحيط البرهاني (٧/ ٢٥٠).
(٦) انظر: الكافي في فقه أهل المدينة (٢/ ٧٣٤)، بداية المجتهد ونهاية المقتصد (٣/ ٢٢٢).
(٧) انظر: الإنصاف (٥/ ٨٨)، الفروع مع التصحيح (٦/ ٣٣٠)، المبدع (٤/ ٨٨).
[ ١ / ٦١٢ ]
وإسحاق: كراهته.
واحتجوا: بأنه يصير بيعًا وسلفًا؛ لأن البعض المردود في معنى القرض، والباقي بيع، وقد نهى النبي ﷺ عن بيع وسلف قال أصحابنا: إنما ذلك إذا كان شرطًا في البيع.
ولو دفع المسلم إليه البعض على أن يقبله في الباقي، لم يجز، نص عليه.
ولو كان بعض المعقود عليه مفقودًا، ففي الإقالة في الباقي وجهان كرد أحد العبدين بالعيب بعد أن تلف الآخر، ولو كان الكل تالفًا، جازت الإقالة - أيضًا - على الصحيح، وسيأتي في المصنف ما يقتضي ذلك ونوضحه هناك قريبًا.
فرع
لو صالح المسلم المسلم إليه، لم يجز، قال أبو العباس: إلا أن يصالحه على رأس المال بعينه فيكون فسخًا للعقد، ويصح وإن ضمن المسلم فيه ضامن فصالحه، لم يجز؛ لأنه بيع المسلم فيه قبل قبضه.
فرع
لا تجوز التولية، ولا الشركة في المسلم فيه قبل قبضه؛ لأنهما بيع.
فرع
لو جعل المسلم فيه صداقًا لبنت المسلم إليه، لم يجز، وكذلك إن كان المسلم إليه امرأة، فتزوجها عليه أو خالعها؛ قاله الروياني (^١).
_________________
(١) بحر المذهب (٥/ ١٨٢).
[ ١ / ٦١٣ ]
فرع
إذا جعلنا الإقالة بيعًا، لم يجز التصرف بعدها قبل القبض، ويشترط التقابض فيها قبل التفرق إذا كانت عن صرف، وتتجدد الشفعة بسببها، ويثبت الخياران فيها، ويخبر بالثمن الأول في المرابحة إذا كان ورِثَه أو اتَّهَبه ثم باعه، ثم تقايلا، وإن جعلناها فسخًا انعكست هذه الأحكام.
فرع
تلف المعقود عليه بعد الإقالة في يد المشتري، إن قلنا: هي بيع فكتلف المبيع بتفاصيله، وإن قلنا: فسخ ضمنه للبائع بالقيمة أو بالمثل، وإن استعمله فعلى قول الفسخ؛ يلزمه القيمة، وعلى قول البيع؛ لجنايته.
وإن تعيَّب، فعلى قول الفسخ؛ يجب الأرش، وعلى قول البيع كتعيب المبيع قبل القبض، ولو حصل منه زوائد وتلف في يد المشتري.
فإن قلنا: فسخ، فالزوائد للبائع مع قيمة الأصل.
وإن قلنا: بيع، انفسخت الإقالة، وفي الزوائد وجهان (^١).
ولو أقال في مرض الموت حسبت من الثلث على القولين؛ قاله القاضي حسين، قال: "فلا يصح مع الوارث"؛ لأن في مرض الموت لو رد المبيع بالعيب وقيمته أضعاف ثمنه تحسب من ثلثه كابتداء البيع بالمحاباة.
قال: وعلى القولين للمشتري حبس المبيع حتى يسترد الثمن؛ لأنا إن قلنا: بيع فللبائع الحبس، وإن قلنا: فسخ فكالرد بالعيب، وله الحبس.
* * *
_________________
(١) انظر: فتح العزيز (٤/ ٢٧٨).
[ ١ / ٦١٤ ]
قال:
فإذا فسخا، أو انفسخ بانقطاع الثمرة في أحد القولين، أو بالفسخ في القول الآخر، رجع المسلم إلى رأس المال، فإن كان باقيًا وجب رده، وإن كان تالفًا، ثبت بدله في ذمة المسلم إليه.
هذا ظاهر، ولكن هل ذلك من حينه أو من أصله؟ الصحيح المشهور: الأول، وهذا الخلاف في غير المسلم تظهر فائدته في الزوائد قبل القبض كما صرحوا به، أو بعده إن يثبت القول به، كما تقدم في اختلاف المتبايعين.
وأما السلم، فإن ثبت جريان الخلاف في الزوائد بعد القبض، فيأتي فيه - أيضًا - بأن يسلم إليه جارية في شيء، ويقبضها فتزيد في يده، ثم يتقايلان، وإن لم يثبت ذلك، فلا جريان له في السلم؛ لأن المسلم فيه في الذمة، ورأس المال ما لم يقبض لا يلزم السلم والمجلس باقٍ، فلا تجري الإقالة، ولو كان المسلم قد أخذ بالسلم رهنًا، لم يكن له حبس الرهن على الثمن (^١)، خلافًا لأبي حنيفة (^٢).
وقوله: "وإن كان باقيًا" وجب رده هذا إذا كان معينًا في أصل العقد، وإن كان معينًا في المجلس، فكذلك على الأصح.
وقيل للمسلم إليه الإتيان ببدله، وقوله: وإن كان تالفًا ثبت بدله؛ أي: المثل إن كان مثليًّا أو القيمة إن كان متقوَّمًا، وبذلك صرح المحاملي، والشيخ أبو حامد، وابن الصباغ، وغيرهم، ويأتي فيه الوجه المتقدم في
_________________
(١) انظر: الحاوي (٥/ ٣٩٠)، نهاية المطلب (٦/ ٧)، البيان (٦/ ٢٥).
(٢) انظر: المبسوط (١٢/ ٣٠٥)، بدائع الصنائع (٥/ ٢٠٤)، البحر الرائق (٦/ ١٧٧).
[ ١ / ٦١٥ ]
باب التحالف عن الماوردي أنه تجب القيمة مطلقًا.
ويؤخذ من هذا أن الإقالة جائزة بعد تلف المعقود عليه، وهو نص الشافعي، والقائلون: بأنها بيع، يمنعون جوازها بعد التلف، وأما القائلون: بأنها فسخ على الجديد، فاختلفوا على وجهين؛ أصحهما: الجواز قياسًا على التحالف، وهو المنصوص في "الأم" (^١) في باب السنة في الخيار.
والثاني: المنع كالرد بالعيب، ولا فرق بين أن يكون التالف المبيع أو الثمن المعين.
فرع
لو اختلفا في قدر رأس المال أو في قيمته، فالقول قول المسلم إليه؛ لأنه غارم، ولا يتخيل جريان التحالف هنا عند الاختلاف في قدر رأس المال؛ لأن العقد قد انفسخ.
* * *
_________________
(١) الأم (٣/ ٧٧).
[ ١ / ٦١٦ ]
قال:
فإن أراد أن يُسْلمه في شيء آخر، لم يجز؛ لأنه بيع دين بدين.
أي أراد المسلم أن يسلم رأس المال الذي رجع إليه، وهو في ذمة المسلم إليه، لم يقبض فذلك باطل، نص عليه الشافعي، وبيع الدين بالدين ورد في النهي عنه حديث ضعيف تقدم ذكره في باب الربا، لكنه معتضد بغيره.
وله صور: منها: ما هو مجمع على منعه.
ومنها: ما هو مختلف فيه عندنا.
ومنها: ما هو مختلف فيه بين الأئمة، وهو ممنوع عند الشافعي؛ كمسألة مطارح الدَّينين، وقد تقدم ذلك في باب الرِّبا، ومسألة الكتاب مما هو مجمع عليه على تفصيل سنذكره.
فإن أسلم مؤجَّلًا، لم يجز، وكان باطلًا قطعًا، وكذا إن أسلم حالًّا ولم يقبض المسلم فيه في المجلس لا يجوز قطعًا، وإن أسلم حالًّا وأحضر المسلم فيه وسلمه في المجلس، ففيه وجهان؛ أصحهما: أنه لا يجوز، وقد تقدم ذلك عند الكلام في قبض رأس المال؛ فإطلاق المصنف مستمرّ على الأصح.
وهذا إذا جرى بلفظ السلم.
أما إذا جرى بلفظ البيع، ففيه شيء سنذكره، وهو أن الأصحاب أطلقوا جواز الاستبدال عن الدين المستقر، وأنه يجوز أن يأخذ عنه دينًا على الأصح إذا عينه في المجلس وقبضه.
[ ١ / ٦١٧ ]
وما منعاه من السلم عند الذي في ذمته الدَّين، هو نوع من الاستبدال إلَّا أن الدَّين فيه لمن في الاستبدال مبيع؛ فيجب أن يقال: الدين المستقر، أما أن يؤخذ عنه ثمن هو في ذمته عين أو موصوف الأول سيأتي في كلام المصنف.
والثاني: إما أن يجعل الموصوف ثمنًا، والدَّين الثابت مبيعًا، وهو الاستبدال، وحكمه إن كان مؤجلًا امتنع بلا خلاف، وإن كان حالًّا وعين وقبض في المحل صح على الأصح.
وإن لم يعين لم يصحَّ قطعًا، وإن عُيِّن ولم يقبض، فعلى ما سيأتي في كلام المصنف من الوجهين، وإما أن يجعل الموصوف مبيعًا، والدَّين ثمنًا، فإن كان بلفظ السلم، فهي مسألة الكتاب، وإن كان بلفظ البيع؛ كقوله: اشتريت منك ثوبًا صفته كذا بالدين الذي لي عليك، فإن جعلناه سلمًا اعتبارًا بمعناه فكالسلم، وإن جعلناه بيعًا اعتبارًا بلفظه، فكالاستبدال.
هذا إذا صدر ذلك مع مَنْ عليه الدين، فإن صدر من غيره فكبيع الدَّيْن من غير من عليه، وهو ممتنع على الأصح عند الرافعي (^١) وغيره.
والمصنف رجح جوازه في أول البيوع؛ فعلى ذلك يجوز أن يسلمه إليه إذا قبضه المسلم إليه في المجلس، وأن يبيعه منه إذا قبضه مقابلة في المجلس، كل ذلك قلته؛ تفقهًا لا نقلًا.
* * *
_________________
(١) فتح العزيز (٩/ ٢٥٤).
[ ١ / ٦١٨ ]
قال:
وإن أراد أن يشتري به عينًا نظرت؛ فإن كان يجمعهما علة واحدة في الربا؛ كالدراهم، والدنانير، والحنطة، بالشعير، لم يجز أن يتفرقا قبل القبض، كما لو أراد أن يبيع أحدهما بالآخر عينًا بعين؛ وإن لم تجمعهما علة واحدة في الربا كالدراهم بالحنطة، والثوب بالثوب، ففيه وجهان:
أحدهما: يجوز أن يتفرقا من غير قبض، كما يجوز إذا باع أحدهما بالآخر عينًا بعين أن يتفرقا من غير قبض.
والثاني: لا يجوز؛ لأن المبيع في الذمة، فلا يجوز أن يتفرقا قبل قبض عوضه كالمسلم فيه، [وبالله التوفيق] (^١).
أي: أراد المسلم أن يشتري برأس المال الذي في ذمة المسلم إليه عينًا معينة في العقد، فالمشهور الجواز، وبعضهم يذكر أنه لا خلاف فيه، لكن في تجريد المحاملي عن "الإملاء" منعه، وما ذكره المصنف في شراء العين التي يجمعهما علة واحدة في الربا من اشتراط القبض قبل التفرق لا خلاف فيه.
وما ذكره فيما لا يجمعهما علة الربا، وذكر في أمثلته الثوب بالثوب يعترضه سؤال، وهو أن كلامه في رأس المال الذي تلف في المسلم إليه وثبت بدله في ذمته، والثوب إذا تلف إنما تجب قيمته، فكيف يتصور أن يكون الثوب في الذمة بهذا الطريق؟
قال إسماعيل الحضرمي في جوابه: يمكن أن يقال فيه: إن الثوب يثبت في الذمة ثمنًا وجوزنا بيع الثمن على الصحيح، وتكون هذه غير مسألة فسخ
_________________
(١) في المطبوع من المهذب: "والله أعلم".
[ ١ / ٦١٩ ]
السلم؛ إلَّا أنها من جنسها في وجوب القبض في المجلس، فلذلك ضمها إليها.
إذا عرف ذلك، فالوجهان في هذا القسم في وجوب القبض قبل التفرق، والأصح عند الإمام (^١)، والشاشي، والبغوي (^٢)، والرافعي (^٣)، وهو اختيار ابن سريج: أنه لا يجب، والذي جزم به المصنف في "التنبيه" (^٤) في باب الصلح الوجوب، وعليه يدل نص الشافعي في "الأم" في باب السنة في الخيار، وهو اختيار الشيخ أبي حامد وأتباعه.
أما التعيين، فلا خلاف في وجوبه، وقد علمت أن صورة مسألتنا هنا أن يرد العقد على معين، وهذا الذي قلناه كله إذا صدر ذلك الذي في ذمته الدين، فإن صدر مع غيره، فالذي يظهر أن حكمه حكم بيع الدين مَن غير من عليه، والأصح عند المصنف الجواز فلعل إطلاقه الكلام لذلك، والأصح عند غيره المنع.
وقال أبو حنيفة (^٥): إنه لا يجوز أن يأخذ عن رأس المال عوضًا إلَّا أن يكون السلم فاسدًا، وكأنه قاس رأس المال على المسلم فيه، والقياس غير متضح، وقد ذكر الأصحاب في آخر باب السلم، فروعًا لما كان به تمام أنواع البيع.
ومنها مسائل فرَّعها ابن سريج في جزء سمَّاه "الزيادات على كتاب السلم".
_________________
(١) نهاية المطلب (٦/ ٢٢).
(٢) التهذيب (٣/ ٣٥٩).
(٣) فتح العزيز (٩/ ٢٢٥).
(٤) التنبيه (ص: ١٠٤).
(٥) انظر: بدائع الصنائع (٥/ ٢١٤)، البحر الرائق (٦/ ١٨١).
[ ١ / ٦٢٠ ]
ومنها: ما تقدم في كلام المصنف وكلامنا.
ومنها: ما يذكره هنا على سبيل الانتقاء.
فرع
ضمن ضامن المسلم فيه، فأعطاه المسلم إليه قدر ما ضمن عنه، فإن سلمه إليه ليسلمه إلى المسلم، فهو وكيل، فإذا سلمه إليه بَرِئَا جميعًا؛ وإن تلف في يده قبل إيصاله، فلا ضمان عليه، وإن قال له: خذه عوضًا عما ضمنت عني، لم يصحَّ، فإذا أخذه فهو مضمون عليه، وهذا من مسائل ابن سريج، وبقيتها تقدمت.
فرع
إذا اشترى عبدًا، قال له: أنا، عبد فاشترني، ثم ظهر العبد حرًّا كانت العهدة على البائع لا غير، ولا يطالب العبد بشيء عندنا.
وقال أبو حنيفة: "إن كان البائع غائبًا غيبة منقطعة، كان للمشتري أن يرجع على العبد، وللعبد أن يرجع على البائع"، قال ابن سريج: "لم يحصل من البائع إلا الغرور، فإما (^١) أن يضمن في الصورتين أو لا يضمن في الصورتين فالتضمين في الغيبة المنقطعة دون غيرها لا معنى له.
فرع
عن القاضي أبي (^٢) الطيب أسلم إليه مائة درهم في كراء طعام، عليَّ منها خمسون حالة تعجلها، وخمسون إلى أجل، يصح فيما عجله، وهل يصح في المتأخر؟! قولان بناء على تفريق الصفقة.
قلت: وهذه المسألة تقع كثيرًا لا سيما الحجاج (^٣) فينبغي التيقظ لها.
_________________
(١) في المخطوطة: "فا" ولعل الصواب ما أثبتناه.
(٢) في المخطوطة: "أبو" والصواب ما أثبتناه.
(٣) كذا في المخطوطة.
[ ١ / ٦٢١ ]