إذا امتنع الراهن من تسليم الرهن أو انفسخ العقد قبل القبض نظرت، فإن كان الرهن غير مشروط في العقد على الدين بقى الدين من غير الرهن، وإن كان الرهن مشروطًا في البيع ثبت للبائع الخيار بين أن يمضي البيع من غير رهن وبين أن يفسخه؛ لأنه دخل في البيع بشرط أن يكون له بالثمن وثيقة ولم يسلم له فثبت له الخيار بين الفسخ والإمضاء.
هذا الفصل مفرع على أن الرهن لا يلزم من جهة الراهن إلا بالقبض كما سبق، فإذا امتنع الراهن من تسليمه بناء على ما قلناه أو انفسخ الرهن، إما يتلف المرهون، فإنه ينفسخ به الرهن وإما بموت أحد المتراهنين إذا قلنا به، فإن كان الرهن غير مشروط في عقد، فيبقى الدين بحالة بغير رهن ولا إشكال في ذلك، وإن كان مشروطًا في عقد الدين كما إذا باع بشرط الرهن ثبت للبائع الخيار لما ذكره المصنف، وهذا في صورة الانفساخ بتلف المرهون ظاهر لا إشكال فيه، وفي صورة الانفساخ بموت الراهن، قد تقدم الكلام فيه قريبًا وما اقتضاه كلام الرافعي والماوردي وإطلاق المصنف موافق لإطلاق الرافعي وأنه يثبت الخيار بالانفساخ، وكلام
[ ٢ / ١٢٣ ]
الماوردي (^١)، يقتضي ذلك وزيادة عليه، وهو اندفاع الخيار بإجابة الوارث إلى الرهن، وما أشرنا إليه من أنه ينبغي ألا يثبت الخيار إلا إن امتنع الوارث من رهن ما شرطه مورثه، وأما في صورة امتناع الراهن من التسليم فاستدل له ابن الصباغ وغيره بأن الرهن لا يلزم إلا بالقبض على ما تقدم من الأدلة يعني، فلا تتغير حقيقته سواء شرط أم لا، وقد يقول القائل: ما دلت عليه الأدلة من جواز الرهن وعدم لزومه قبل القبض لا ينافي وجوبه بالشرط والالتزام وحقيقة العقد لا تتغير بل قبل أن يرهن ما المانع من إجباره على الوفاء بالرهن الذي التزمه بالشرط، وبعد الرهن قبل القبض إن فسخ نفذ فسخه، ولكن يجبر على إنشاء الرهن وتسليمه لأجل الشرط، ولا ينافي هذا جواز الرهن في نفسه، وأي فرق بين التزام الثمن والرهن وكلاهما في مقابلة المبيع، وكما أنه ليس للمشتري الامتناع من تسليم الثمن ينبغي ألا يكون له الامتناع من إنشاء الرهن ولا من تسليمه، وقد نقل الماوردي عن أبي حنيفة أنه يقول بالإجبار إذا كان مشروطًا في بيع (^٢)، وإن كان يوافقنا على عدم الإجبار في رهن التبرع والممكن في الجواب أمران؛ أحدهما: ذكرته في فرع أول الفصل الذي قال المصنف فيه: ولا يلزم الرهن من جهة المرتهن، ولم يقو عندي تلك القوة.
والثاني: خطر لي إلى الآن، وهو أن البيع بشرط الرهن ليس معناه إيجاب الرهن، بل معناه أن تمام البيع ولزومه بحيث لا يتمكن البائع من الفسخ موقوف على الرهن، تمسكًا بمدلول الشرط وهو ما يلزم من عدمه العدم، فقول البائع: بعتك بشرط الرهن، معناه: هذا من غير زيادة، فإذا تعذر أو
_________________
(١) الحاوي الكبير (٦/ ١٧).
(٢) الحاوي الكبير (٦/ ٢٠).
[ ٢ / ١٢٤ ]
امتنع لم يكن إلا الخيار؛ عملًا بمدلول اللفظ من غير زيادة، وهذا الخيار يجب بعد امتناع على الفور؛ لأنه خيار عيب والامتناع يكون بعد الطلب، صرح به الماوردي.
فإن قلت: قد قالوا بالإجبار في شرط العتق والإشهاد وهو يدفع ما تقول.
قلت: قالوا به في العتق؛ تفريعًا على أنه حق الله تعالى، أما على القول بأنه حق البائع، فالطريقة الصحيحة الاقتصار على الخيار كما هنا، ومنهم من طرد فيه الخلاف، وهي طريقة ضعيفة لم يقل أحد بها في الرهن.
وأما الإشهاد ففيه الخلاف؛ كالعتق ولعل مأخذ القائل بالإجبار أن الإشهاد قد يقال: بوجوبه من غير شرط؛ اعترافًا بالحق فكيف إذا تأكد بالشرط؟!
فإن قلت: لو كان معنى الشرط هذا لم يجب العوض في قوله: أنت طالق على ألف إذا قبلت.
قلت: الاشتراط تارةً يحمل على معنى العوضية كما في الخلع، فيجب وجوب الأعواض، وتارة لا يكون كذلك بل شرطًا محضًا فمعناه ما ذكرنا وما نحن فيه من هذا القبيل؛ لأن استحقاق الرهن لا يصلح أن يكون عوضًا ألا ترى أنه لو قال: بعتك هذا بأن ترهنني دارك بما لِيَ عليك من الدين، لم يصح هذا الذي خطر لي في تقرير ذلك بعد أن استشكلته ولم أر صدري يثلج بوجوب الرهن والإجبار عليه؛ إذ لا عهد بمثله ولا بعدم ذلك مع التزام المشتري إياه، وأقصى ما وصل إليه نظري هذا، وفوق كل ذي علم عليم. وأما سؤال ابن الرفعة السابق في تطرق الفساد إلى البيع فليس بشيء.
* * *
[ ٢ / ١٢٥ ]
فرع
قال الشافعي في "الأم": "إذا كان الرهن فائتًا أو السلعة المشتراة فائتة جعلت له الخيار بين أن يتمه فيأخذ ثمنه، أو ينقضه فيأخذ قيمته، كما أجعله له إذا باعه عبدًا فمات، فقال المشتري: اشتريته بخمس مائة، وقال البائع: بألف، وجعلت له إن شاء أن يأخذ ما أقر له به المشتري، وإن شاء أن يأخذ قيمته بعد أن يحلف على ما ادعى المشتري، وإلا حلَّفه هنا؛ لأنه لا يدعي عليه المشتري براءة من شيء" (^١). انتهى.
وهذا فيه فائدة وهي إثبات هذا الخيار بعد تلف المبيع كالتحالف، وأنه ليس كالرد بالعيب ولا فرق أن تتلف الرهن قبل القبض، أو يمتنع من إقباضه، وقد صرح الروياني بالمسألة، فقال: "لو باع من رجل شيئًا بثمن مؤجل على أن يرهنه عبده وسلم المبيع، فتلف المبيع والعبد في يد المشتري كان للبائع فسخ البيع؛ لأنه لم يسلم إليه العبد الذي شرط عليه رهنه، وقد بيّنَّا أن تلف المبيع عندنا لا يمنع من فسخ العقد فيه، كما تجوز الإقالة فيه، ثم إذا فسخه يرجع عليه بقيمة المبيع دون الثمن" (^٢).
* * *
_________________
(١) الأم (٣/ ١٥٠).
(٢) بحر المذهب (٥/ ٣٢٩).
[ ٢ / ١٢٦ ]
قال: