وإذا قبض المرتهن الرهن، ثم وجد به عيبًا كان قبل القبض نظرت، فإن كان في رهن عقد بعد عقد البيع، لم يثبت له الخيار في فسخ البيع، وإن كان في رهن شرط في البيع، فهو بالخيار بين أن يفسخ البيع وأن يمضيه؛ لأنه دخل في البيع بشرط أن يسلم له الرهن، فإذا لم يسلم ثبت الخيار، وإن لم يعلم بالعيب حتى هلك الرهن عنده أو حدث فيه عيب عنده لم يملك الفسخ؛ لأنه لا يمكنه رد العين على الصفة التي أخذ، فيسقط حقه من الفسخ كما قلنا في المبيع إذا هلك عند المشتري أو حدث به عيب عنده، ولا يثبت له الأرش؛ لأن الأرش بدل عن الجزء الفائت، ولو فات الرهن بالهلاك لم يجب بدله، فإذا فات بعضه لم يجب بدله.
الرهن إذا كان تبرعًا، فلا أثر لوجود العيب فيه قديمًا كان أو حادثًا، وهو مراد المصنف بقوله: إن كان في عقد بعد عقد البيع، لم يثبت له الخيار في فسخ البيع - يعني: لأنه تطوع بالرهن على ثمن المبيع من غير أن يكون التزمه في البيع، والمرتهن متمكن من فسخ الرهن بغير عيب، فلا أثر للعيب عند عدم الشرط، وكذلك تلفه بعد القبض وقبله، وأما إذا كان الرهن
[ ٢ / ١٦١ ]
مشروطًا في بيع، فما حدث بعد القبض من عيب أو تلف لا أثر له أيضًا في إثبات الخيار، وهذا لا خلاف فيه، وممَّن ذكره الماوردي حيث قال الشافعي: "لو أصاب الدار هدم بعد القبض كانت رهنًا بحالها وما سقط من خشبها وطوبها" (^١).
قال الماوردي: "إذا كان الانهدام بعد القبض فلا خيار له؛ لأن العيب الحادث بعد القبض ليس بأكثر من تلف الرهن بعد القبض ولو تلف بعد القبض لم يكن له خيار فأولى ألا يكون له بالعيب خيار" (^٢). انتهى.
وما كان قبل القبض إما حادثًا بعد عقد الرهن وإما متقدمًا عليه من العيوب، فيثبت به الخيار إذا كان المرتهن جاهلًا به، ثم اطلع عليه لما ذكره المصنف، وممن صرح بثبوت الخيار في البيع بطريان العيب على الرهن المشروط قبل قبضه الماوردي (^٣) لما طرأ عليه من النقص قبل قبضه، وقول المصنف: "كان قبل القبض" يشمل ما تقدم على العقد، وما لم يتقدم وإن اختلفا في قدم العيب وحدوثه، فالقول قول الراهن، كما في البيع ذكره القاضي حسين وغيره، ونص عليه الشافعي (^٤).
واعلم أن الرهن المشروط قد يكون معينًا، وقد يكون موصوفًا، والحكم الذي ذكرناه في المعين واضح وصرح الشيخ أبو حامد بفرض المسألة فيه.
وأما الموصوف، فإذا قبضه ووجد به عيبًا متقدمًا ينبغي أن يردّ ويطالب برهن سليم بالوصف المشروط، فإن امتنع، فحينئذ يثبت الخيار، وأما إثبات الخيار في البيع بمجرد الاطلاع، فلا وجه له، والوجه حمل كلام
_________________
(١) مختصر المزني (٨/ ١٩٢) بمعناه.
(٢) الحاوي الكبير (٦/ ٤٥).
(٣) الحاوي الكبير (٦/ ٤٤ - ٤٥).
(٤) الأم (٣/ ١٦٣).
[ ٢ / ١٦٢ ]
الأصحاب على هذا، وإن المراد يثبت الخيار في الرهن، ثم إن كان معينًا ثبت الخيار في البيع، وإن كان موصوفًا، وأجاب الراهن إلى بدله، فلا خيار وإلا ثبت الخيار، وكذا إذا لم يقبضه، وحدث به عيب فالحكم على هذا التفصيل فيما يظهر، وأما قبل العقد على الرهن الموصوف، فلا يمكن فرض المسألة في العيب، والمعين.
إن قلنا: الرهن ينعقد بالشرط مع البيع، أو كان قد مزجه، فلا يتصور فرض المسألة أيضًا.
وإن قلنا: مع الشرط، لا بد من إنشاء عقد، فوجد قبل العقد عيب بما شرط رهنه، فينبغي أن يثبت الخيار في فسخ البيع، وهذا لا شك فيه إذا علمت هذا، فقول المصنف: وإذا قبض المرتهن الرهن؛ تصوير للمسألة لا احتراز، فإن الحكم قبل القبض، كذلك على ما بينَّاه.
وقوله: كان قبل القبض يشمل المتقدم على العقد والمتأخر، كما سبق.
وقوله: في رهن عقد بعد عقد البيع، بينَّا أن مراده التبرع، لكنَّا بينَّا أنه على القول بأن الرهن لا ينعقد بالشرط والإيجاب، كما هو رأي القاضي حسين، يتصور أن يكون الرهن المشروط المعين، بعقد عليه بعد العقد على البيع، وحينئذ يأتي فيه الخيار، وكذلك على غير رأي القاضي حسين، لو أنه لما قال: بعتك على أن ترهن، فقال: قبلت، ولم يقل: رهنت، بأن الشرط يلزم، ويحتاج إلى إنشاء رهن إلا على الوجه المحكي عن "الجرجانيات" فإذا أخذنا بما أفهمه كلام المصنف من أن المشروط لا يكون بعد البيع، أخذ منه أنه موافق لذلك الوجه إلا أن يكون كلامه من العام المراد به الخاص، لكن الرهن الموصوف المشروط لا شك في عقده بعد عقد البيع، فكأنَّ المصنف لم يرده - ولا جرم - بت القول بثبوت الخيار في البيع،
[ ٢ / ١٦٣ ]
وحينئذ لا يكون منافيًا لما قلناه من الاقتصار فيه على رد الرهن، ولا يثبت الخيار في البيع إلا إن امتنع من الإبدال، وإذا لم يعلم بالعيب حتى زال في يده فوجهان في "الحاوي" أحدهما: له الخيار في فسخ البيع لوجوبه في الابتداء.
والثاني: لا خيار له لسقوطه في الانتهاء، وإذا لم يعلم المرتهن بالعيب حتى هلك الرهن عنده، أو حدث فيه عيب، فلا يملك الفسخ لما ذكره المصنف، وممن ذكره صاحب "البيان" (^١) وصاحب "الانتصار" وذكر الإمام مسألة الهلاك وحكى فيها وجهين "أحدهما: لا يثبت حق فسخ البيع؛ لأنه مرتب على رد الرهن.
والثاني: أنه يرد البيع ويفسخه ويقول: استحققت بالشرط رهنًا سليمًا فلم يتفق الوفاء به فكأنك لم ترهن عندي" (^٢). انتهى.
والماوردي وغيره جزموا في مسألة التلف بالأول كما جزم به المصنف، وهو الذي نص عليه الشافعي في "مختصر المزني" فإنه قال: "ولو مات في يده وقد دلس له فيه بعيب قبل أن يختار فسخ البيع لم يكن له أن يختار لما فات من الرهن" (^٣). ذكر ذلك في باب الرهن والحميل في البيع، وهناك ذكره الإمام والماوردي (^٤)، والشيخ أبو حامد وابن الصباغ وغيرهم وذكروا كلهم إلا الشافعي، والإمام المسألتين جميعًا مسألة التلف، ومسألة حدوث العيب كما ذكرهما المصنف، ولم يحك أحد منهم خلافًا إلا الإمام في مسألة التلف، والظاهر أنه يجريه في مسألة حدوث العيب، وإن لم يصرح
_________________
(١) البيان (٦/ ٢٧).
(٢) نهاية المطلب (٦/ ٢٢٩).
(٣) مختصر المزني (٨/ ١٩٦).
(٤) الحاوي الكبير (٦/ ٤٥).
[ ٢ / ١٦٤ ]
بها، بل هي أولى بالخلاف لإمكان الرد بخلاف حالة التلف.
وقد حكاه البغوي في المسألتين جميعًا وقال: إن الأصح المنصوص أنه لا فسخ (^١)، والإمام والبغوي أخذا الخلاف من القاضي حسين، فإنه قال في باب الرهن والحميل في البيع: إذا اطلع على عيب قديم بالمرهون بعد أن تلف في يده، فقد حكينا أن له الفسخ كما لو احتبس جزءًا من الرهن، ونص هنا أنه لا يجوز الفسخ، فحصل في المسألة جوابان، والذي حكاه قبل ذلك في الباب الذي قبله عند الكلام في رهن المرتد، والعامل أنه قال: نص الشافعي ﵀ على أنه إذا ارتهن عبدًا، وتلف في يده بعد القبض، ثم اطلع على عيب قديم له فسخ البيع، فأجراه مجرى احتباس جزء كما لو وجد المسلم اليد برأس مال السلم عيبًا بعد الهلاك يسقط بحصته جزء من المسلم فيه، فلو ارتهن عشرة أشياء، وسلم منها تسعة، واحتبس العاشر له فسخ العقد، فالعيب بمثابته.
قال ﵁: قضية النص في مسألة العيب بعد التلف إن يثبت له فسخ البيع بعد قتل المرتد؛ لأنه عيب وقضية تخريج أصحابنا المسألة على وجهين أن تتخرج هذه أيضًا على وجهين. انتهى كلام القاضي حسين.
وما حكاه من النص على أن له الفسخ غريب عجيب، وما ذكره من تخريج الأصحاب المسألة على وجهين فهو وغيره إنما ذكروا الوجهين مبنيين على أن قتله في يد المشتري من ضمان البائع أو من ضمان المشتري.
قال: هو إن قلنا بالأول: فله الفسخ.
وإن قلنا بالثاني: فلا، والعبارة المحررة إن قلنا بالأول انفسخ الرهن، فله فسخ البيع.
_________________
(١) التهذيب (٤/ ٧١).
[ ٢ / ١٦٥ ]
وإن قلنا بالثاني: فالرهن قد حصل ولم ينفسخ، فليس له فسخ البيع والذي نص عليه الشافعي في ذلك أنه قال في "المختصر": "ويجوز رهن العبد المرتد والقاتل فإن قتل بطل الرهن" (^١). وقال في "الأم": "ولو كان المرتهن لم يعلم بارتداده ولا قتله ولا سرقته فارتهنه، ثم قتل في يده أو قطع كان له فسخ البيع" (^٢). انتهى.
وهذان النصان متفقان على جعله من ضمان البائع، وهو الأصح، وليس فيهما ما يقتضي أنه إذا تلف في غير هذه الصورة حيث يكون من ضمان المرتهن يثبت له الخيار، فلا أدري كيف هذا الذي نقله القاضي، فإن كان مأخذه ما ذكرناه من النص، فلا متعلق فيه والظاهر أنه مراده بقرينة ذكره تخريج الأصحاب معه ولا شك أن كلام القاضي هو مادة الإمام والبغوي فيما حكيناه من الوجهين، وبهذا يتوقف في الوجه القائل بأن له الفسخ، ويعلم أن الأصح أو الصواب عدم الفسخ، كما قاله الأصحاب.
فإن قلت: أما نصه في "المختصر" فصريح في بطلان الرهن وتفريعه على ضمان البائع، وأما نصه في "الأم" فليس صريحًا وفي صدره في الأم ما يدل على خلافه فإنه قال: فإن قتل أو ارتد وعلم ذلك المرتهن ثم ارتهنه كان الرهن ثابتًا، فإن قتل في يديه، فالبيع ثابت وقد خرج الرهن من يديه.
قلت: المذهب الصحيح أنه من ضمان البائع في حالة الحميل دون العلم، وهذا النص يشهد له.
وأبو إسحاق يقول: من ضمان البائع مطلقًا، وهذا النص يرد عليه، وابن أبي هريرة يقول: من ضمان المشتري مطلقًا.
_________________
(١) مختصر المزني (٨/ ١٩٣).
(٢) الأم (٣/ ١٥٥).
[ ٢ / ١٦٦ ]
وهذا النص محتمل له، فإذا قيل به، وحمل قوله: "إن له الفسخ" على ظاهره، لزم منه ما قاله القاضي حسين، وثبت الوجه المذكور لكن النص ليس بصريح فيه ولا ظاهر وابن أبي هريرة يلزمه أن يقول به، وحيث وصلنا إلى هنا، فقد صح تخريج الوجه المذكور إلا أنه ليس بمنصوص، والصحيح المنصوص خلافه كما قاله البغوي والأصحاب، وجزم الماوردي في مسألة حدوث العيب بجواز الفسخ بالعيب القديم، وفرق بينه وبين البيع بأن عيب المبيع إذا حدث عند المشتري من ضمانه، وليس عيب الرهن إذا حدث في يد المرتهن من ضمانه، فكان له رده.
وهذا قد أجاب عنه ابن الصباغ، قال ابن الصباغ: فإن قيل: فالمبيع مضمون على المشتري، والرهن غير مضمون.
قلنا: إنما لا يضمن قيمته؛ لأن العقد لم يقع على ملكه، وإنما وقع على الوثيقة، فهو مضمون بالوثيقة. انتهى.
فلهذا شرط الأصحاب أنه لا يتأتى له فسخ البيع ما لم يرد الرهن، كما صرح به الإمام بهذه العبارة وبقية الأصحاب بمعناها، ويؤخذ من ذلك أنه إذا اطلع على عيب قديم ولم يحدث جديد وفسخ البيع قبل الرد لا ينفذ، بل طريقه أن يرد الرهن على الفور، فإذا رد الرهن فسخ البيع على الفور أيضًا، فيحمل كلام المصنف ومن أطلق ثبوت الخيار في فسخ البيع على أنه يفسخ بهذا الطريق، وعلى الوجه الذي حكاه الإمام لا شك أنه لا يشترط ذلك، بل يكون له الخيار قبل الرد، وقد يستحسن الفقيه هذا الوجه الذي حكاه الإمام، ويقول: إن التلف وحدوث العيب في يد المرتهن غير مضمون، فكيف يمنع من الفسخ بما فاته من وصف السلامة.
وجوابه: ما قاله ابن الصباغ والحكم قد جزم به الشافعي، وأكثر
[ ٢ / ١٦٧ ]
الأصحاب، واتفق الأصحاب كلهم على أنه لا يجب للمرتهن أرش لما ذكره المصنف.
وقوله: "ولو فات الرهن بالهلاك"، أي: تحت يد الراهن لم يجب بدله، يعني: بل إنما يثبت للمرتهن الخيار، وهنا تعذر الخيار، لتعذر الرد فانسدَّ باب الرد، ولزم البيع.
قال الشيخ أبو حامد: إن قيل: ما الفرق بين هذا وبين المبيع إذا تلف في يد المشتري، ثم علم أنه كان به عيب حيث قلتم: إن له أن يأخذ الأرش؟
قيل: الفرق بينهما من ثلاثة أوجه: أحدها: أن البائع يجب عليه تسليم الجزء الذي يكون الأرش في مقابلته، حتى أنه لو كان موجودًا لأجبر على ذلك، فكذلك يجبر على تسليم ما في مقابلته، وها هنا لا يجبر الراهن على تسليم ذلك، فلا يلزم بتسليم مال في مقابلته.
والثاني: أن المبيع لو تلف جميعه في يد البائع، لزمه رد جميع الثمن والعيب بمنزلة جزء من المبيع تلف في يده، فلزمه ما في مقابلته من الثمن، والرهن لو تلف جميعه في يد، الراهن، لم تلزمه قيمته، كذلك في هذا الموضع.
والثالث: أن يقول المشتري: إذا لم يثبت له الأرش لم يرجع إلى شيء آخر؛ فلهذا أثبتنا له ذلك، وحق المرتهن لا يسقط شيء منه بفوات ذلك الجزء؛ فلهذا لم يوجب له في ذلك شيئًا. انتهى.
وذكر الماوردي هذه الثلاثة الأجوبة أيضًا بمعناها (^١)، والذي ذكره المصنف هو الثاني منها، وقد وافق الرافعي البغوي في باب الشروط في البيع على حكاية الوجهين في التلف، وحدوث العيب، وعلى تصحيح عدم
_________________
(١) الحاوي الكبير (٦/ ١٨٧).
[ ٢ / ١٦٨ ]
الفسخ، وبما قاله الماوردي وغيره يحصل ثلاثة أوجه؛ أحدها: ثبوت الخيار بظهور العيب القديم، سواء تلف، أو حدث به عيب.
الثاني: لا مطلقًا في الحالتين، وهو المشهور.
والثالث: لا يثبت حال التلف ويثبت حال حدوث العيب، وهو قول الماوردي، أما الأرش، فلا يثبت بحال.
فرع
فرعه أصحابنا على هذه المسألة لو باع بشرط أن يرهن عنده عبدين، فسلم أحدهما وتلف في يد المرتهن، وامتنع من تسليم الآخر لم يكن للمرتهن خيار ولا أرش، وكذلك إن حدث بالذي لم يقبضه عيب في يد الراهن بعدما تلف الآخر في يد المرتهن ذكره الماوردي وغيره، وكذلك إن حدث بالذي قبضه عيب، وامتنع من تسليم الآخر، ذكره الشيخ أبو حامد وابن الصباغ وغيرهما، ولم يذكره الماوردي؛ بناء على قاعدته في العيب والتلف، وقد فرق بينهما فيما سبق، ولا يخفى تفريعها على الأوجه الثلاثة السابقة إذا جمعت التلف وحدوث العيب.
فرع
لو رهن عبدين شرطهما في بيع وسلم أحدهما، وامتنع من تسليم الآخر، ولا عيب، ثبت الخيار بامتناعه من التسليم بلا خلاف، واستدل به الإمام للوجه الذي حكاه من ثبوت الخيار، إذا اطلع على العيب بعد التلف؛ إلحاقًا للوصف بالعين، وفرق بأن في نقصان الصفة رهن المعين الذي شرطه، فقد وفى بشرطه، ثم اعترض بأن الرد يثبت إذا كان المرهون باقيًا، ولا يقال: قد وفى بما شرط وذكر الإمام في موضع آخر إن صح ميل النص إلى ثبوت الخيار، وكأنه تبع في ذلك ما حكاه القاضي حسين من النص السابق.
[ ٢ / ١٦٩ ]
فرع
ما قدمناه من التلف إذا مات فلو قتل العبد المرهون بعد القبض، ثم علم المرتهن بعيب كان به، فإن كان قتله أوجب مالًا ترك مكانه رهنًا وللمرتهن فسخ البيع؛ لأنه وإن فات رد العبد بعينه، فقد رد ما قام مقامه من قيمته، وإن أوجب قصاصًا واقتص من قاتله، فليس للمرتهن فسخ البيع؛ لأنه لما لم يكن له الفسخ إذا اقتص سيده مع خروجه من يده فأولى ألا يكون له الفسخ إذا علم بعيبه.
فرع
فلو بيع في حق المرتهن، ثم علم عيبًا قديمًا لم يكن له فسخ البيع، وإن كان الثمن باقيًا والفرق بينه وبين المجني عليه؛ أن المبيع قد عاوض عليه سلمًا، ولم يكن نقص العيب مؤثرًا إذا لم يظهر عيبه إلا بعد نفوذ بيعه كالمشتري إذا باع، ثم ظهر على عيب لم يكن له فسخ ولا أرش وليس المجني عليه كذلك؛ لأن المأخوذ فيه القيمة وقت الجناية مع نقصه بالعيب، فافترقا؛ فلو أن مشتري الرهن علم عيبه فرده به، وطالب بثمنه، فإن استرجع الثمن من المرتهن أو من العدل الموضوع على يده، فللمرتهن فسخ البيع، وإن رجع على الراهن بالثمن، ولم يسترجعه من يد المرتهن فليس للمرتهن فسخ البيع ذكر هذين الفرعين الماوردي (^١).
فرع
لم يتعرض المصنف في هذا الباب لصيغة عقد الرهن ولا بد منها.
وقد قال الأصحاب: إن الإيجاب والقبول معتبران في الرهن اعتبارهما
_________________
(١) الحاوي الكبير (٦/ ١٨٦، ١٨٧).
[ ٢ / ١٧٠ ]
في البيع، والخلاف المذكور في المعاطاة والاستيجاب والإيجاب عائدان من ها هنا، ويجوز أن يكون الرهن مشروطًا كما سبق، كما إذا باع بشرط الرهن على الثمن أو أقرض بشرط الرهن على بدل القرض أو أجر بشرط الرهن على الأجرة أو أسلم بشرط الرهن بالمسلم فيه أو نكح بشرط الرهن بالصداق، وسبق الكلام في أن الشرط، هل يكفي في صحة الرهن أو لا بد من إنشاء إيجاب وقبول بعده، ورهن التبرع: هو الذي لا يكون مشروطًا، ويسمى رهنًا مبتدأ، وذكر الرافعي عند الكلام في الصيغة تبعًا للغزالي الشروط التي تعرض في الرهن ورهن الأرض المغروسة، وكلاهما قد ذكره المصنف بعد ذلك، وذكر مسألة الحق، والخريطة ونحن - إن شاء الله - نذكرها في فرع عند الكلام في الشروط في أواخر الباب الذي بعد هذا، فإنها في "المختصر" في باب الشروط في الرهن.
فرع
مثل صاحب "الاستقصاء" العيب ها هنا إنما إذا كان الرهن جارية، فخرجت من وجه أو خرجت ذات ولد من زوج أو زنا وسنتعرض لذلك فيما إذا رهن جارية لها ولد ومما يتعلق بالصيغة اعتبار التنجيز.
قال المتولي: لو قال: إن لم أقض حقك اليوم، فهذا الثوب رهن منك، فلا حكم له حتى إذا لم يوفه حقه، لم يصر المال رهنًا؛ لأن العقود لا تقبل التعليق.
فرع
إذا ثبت الخيار بسبب عيب الرهن أو الامتناع عن تسليمه، فإن كان العقد الذي شرط فيه بيعًا أو سلمًا أو إجارة أو قرضًا فسخه وإن كان نكاحًا أو خلعًا أو صلحًا عن دم عمدٍ، قال المتولي: إن كان الحق مؤجلًا، فله أن يفسخ التسمية ويرجع إلى عوض المثل وإن كان حالًّا فوجهان؛
[ ٢ / ١٧١ ]
أحدهما: له ذلك كعيب الصداق.
والثاني: لا؛ لأنه لا فائدة فيه؛ لأن العادة أن العقود تقع بقدر عوض المثل، وغرضه بالرهن أن يكون وثيقة في يده بما له في ذمته، وإذا فسخ التسمية يعود إلى عوض المثل، وهو دين في الذمة، ولا فرق بين أن يكون في ذمته عوض المثل ولا رهن به أو المسمى، ولا رهن به، وبه فارق العيب، لأنه إذا فسخ التسمية بالعيب على قول يرجع إلى قيمته سليمًا، وعلى قول يرجع إلى أصل حقه، وفي هذه المسائل ليس يمكن فسخ العقد، ونظير هذه المسائل في البيع إذا قبض المبيع وتلف في يده ولم يسلم له الرهن، فيكون الحكم في الخيار على ما ذكرنا من الوجهين.
* * *
[ ٢ / ١٧٢ ]