ويجوز أخذ الرهن على دين السلم وعوض القرض؛ للآية والخبر، ويجوز على الثمن والأجرة والصداق وعوض الخلع ومال الصلح وأرش الجناية وغرامة المتلف؛ لأنه دين لازم، فجاز أخذ الرهن عليه كدين السلم وبدل القرض.
الرهن على دين السلم ثابت بالآية، وهي قوله تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ إلى قوله: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢، ٢٨٣] بناء على تفسيرها بالسلم والرهن على عوض القرض ثابت بخبر أنس المتقدم في هذا الباب، فهذا مراد المصنف بالآية والخبر، أي: يجوز في السلم بالآية، وفي القرض بالخبر، فَفِي كَلَامِهِ لَفٌّ وَنَشْرٌ.
واعلم أن من الناس مَن لا يفسر الآية بالسلم، ولكن يقول هو داخل فيها، فعلى هذا يصح الاستدلال بها أيضًا على جواز الرهن على دين السلم؛ لأنه أخذ ما دلت عليه، لكنها تصير دليلًا على الثمن أيضًا، فلما كانت دلالتها على ذلك محتملة لأجل الاختلاف في تفسيرها ودلالتها على السلم محققة؛ لأنه إما المراد وإما بعض المراد، فهو مشمول بالحكم على
[ ٢ / ٣٢ ]
التقديرين لا جَرَم اقتصر المصنف على الاستدلال عليه بالآية، وجعل الدليل على الثمن وما ذكر معه بالقياس.
وأما استدلاله على الرهن في القرض بالخبر، فمبنيٌّ على أن الشعير الذي أخذه النبي ﷺ كان قرضًا، ولفظ حديث أنس: "أَخَذَ" (^١) وهو محتمل لذلك، ويؤيده ما رُوي في حديثه وحديث ابن عباس: أن الدرع كان مرهونًا بالشعير (^٢)، وهو ظاهر في القرض؛ ولذلك في بعض روايات عائشة، لكن في روايتها في "الصحيحين": "اشْتَرَى" (^٣) كما قدمناه، فإن كانت الواقعة واحدة، فحديثها مبين لبقية الأحاديث، ولا يبقى فيه دلالة بالنص على الرهن في القرض، بل في الثمن، وإن كانت الواقعة متعددة أمكن، لكن الأصل والظاهر عدم تعددها، فمن هنا تقف الدلالة، بل هو دليل على الرهن في أحدهما، إما القرض وإما الثمن، ويكون الآخر مع بقية المسائل بالقياس، وأخذ الرهن على دين السلم، قال بجوازه أكثر العلماء، منهم: عطاء (^٤)، ومجاهد، والشعبي (^٥)، وعمرو بن دينار، وابن سيرين (^٦)، ومقسم، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي.
ورُوي كراهيته عن علي بن أبي طالب (^٧)، وسعيد بن جبير (^٨)، والأوزاعي، وأحمد، وأبي ثور (^٩).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٠٦٩).
(٢) أخرجه النسائي (٤٦٥١)، وابن ماجه (٢٤٣٩).
(٣) أخرجه البخاري (٢٠٦٨)، ومسلم (١٦٠٣/ ١٢٤).
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٠٠٢٠).
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٠٠١٩).
(٦) أخرجه عبد الرزاق (١٤٠٨٥).
(٧) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٠٠٣٤).
(٨) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٠٠٣٨).
(٩) انظر: الإشراف لابن المنذر (٦/ ١٠٨).
[ ٢ / ٣٣ ]
والمراد بالكراهة: عدم الجواز، وتمسكوا بأن الرهن في الثمن دون المثمن، والآية ترد على ذلك؛ إما بالتنصيص أو بالعموم، وأخذ الحميل في دين السلم كالرهن فيه على هذا الخلاف.
وقد ذكر الشافعي ﵀ الرهن وَالْحَمِيل في السلم، ثم قال: "وما كتبت ما كتبت من الآثار بعدما كتبت من القرآن، والسنة، والإجماع، ليس لأن شيئًا من هذا يزيد سنة رسول الله صلى الله عليه قوة، ولا لو خالفها ولم يحفظ معها يوهنها، بل هي التي قطع الله بها العذر، ولكنا رجونا في الثواب في إرشاد مَن سمع ما كتبنا، فإن فيما كتبنا بعض ما يشرح قلوبهم لقبوله، ولو تنحت عنهم الغفلة لكانوا مثلنا في الاستغناء بكتاب الله ﷿، ثم سنة نبيه ﷺ، وما احتاجوا إذا أمر الله بالرهن في الدين أن يقول قائل: هو جائز في السلف؛ لأن أكثر ما في السلف أن يكون دينًا مضمونًا" (^١). انتهى.
ولك أن تنتصر للمصنف في استدلاله بالخبر للقرض، وبقول حديث عائشة في طعام، وكثيرًا ما يطلق على القمح، وليس فيه أنه رهن الدرع به، فيحمل أنه رهن بثمنه، وقد صرحت بالشراء (^٢). وفي حديث أنس أنه كان رهنًا بالشعير (^٣) وليس فيه لفظ الشراء، فيكونان واقعتين، ويصح الاستدلال، لكنه يصير الثمن أيضًا منصوصًا عليه وهو جعله بالقياس، وقد جمعت الأمثلة التي ذكرها المصنف وتعليله الدَّيْنِيَّةِ واللزوم، وعند اجتماعهما لا خلاف في صحة الرهن حالًّا كان الدين أو مؤجلًا، وإن انتفى واحد منهما فسيأتي حكمه في كلامه، والمقصود هنا من جواز أخذ الرهن
_________________
(١) الأم (٣/ ٩٤ - ٩٥).
(٢) تقدم.
(٣) تقدم.
[ ٢ / ٣٤ ]
على الثمن إذا كان بعد انقضاء الخيار؛ ولذلك جميع ما معه مما فيه خيار، ويشير إليه تعليله باللزوم، أما قبل انقضاء الخيار، فسيأتي. وذكر بعضهم قيودًا زائدة على ما أشار إليه المصنف، وجعل الضابط كل دين لازم في الذمة معلوم يمكن استيفاؤه من غير الرهن؛ لأن العلم بمقدار الدين وصفته ينبغي أن يكون شرطًا في الرهن على الجديد كما هو شرط في الضمان والقيد الأخير احتراز عن العمل في الإجارة إذا اشترط أن يعمل بنفسه، فإنه كالمعين لا يجوز الرهن عليه، وفي العمل الذي في الذمة على وجه سيأتي، وقد يتوقف فيما قاله من القيد الأخير من جهة قول الأصحاب أن هذه إجارة عين، ولعله يقول: إنها ليست إجارة عين من كل وجهٍ كالمنافع التي لا تعلق لها بالذمة إلا من جهة وجوب التسليم، وهذه متعلقة بالذمة وإن أوجبنا عليه أن تعمل بنفسه وسنعيد الكلام في هذا.
وأما القيد الأول، فقد رأيت من نص الشافعي ما يشهد له. قال في "الأم" في الرهن الفاسد من كتاب الرهون الكبير: "وإذا دفع الرجل إلى الرجل المتاع، ثم قال: كل ما اشتريت منك أو اشترى منك فلان في يومين أو سنتين أو أكثر أو على الأبد، فهذا المتاع مرهون به، فالرهن مفسوخ، ولا يجوز الرهن حتى يكون معلومًا وبحق معلوم؛ ولذلك لو دفعه إليه رهنًا بعشرة عن نفسه أو غيره، ثم قال: كل ما كان لك عليَّ من حق، فهذا المتاع مرهون به مع العشرة، أو كل ما صار لك عليَّ من حق، فهذا مرهون لك به؛ كان رهنًا بالعشرة المعلومة التي قبض عليها، ولم يكن مرهونًا بما صار له عليه وعلى فلان؛ لأنه كان غير معلوم" (^١) انتهى.
وصرح به المتولي، فشرط أن يكون الدين الذي يرهن به معلومًا حتى لو
_________________
(١) الأم (٣/ ١٦٦).
[ ٢ / ٣٥ ]
قال: رهنت هذا الثوب بالدين الذي لك عليَّ وهو لا يعرف قدره، أو قال: هذا الثوب بقدر قيمته لم يصح. انتهى. واعتبر المتولي أن يكون الدين معلوم الوجوب حتى لو كان يتوهم أنه له عليه دينًا، فارتهن به مالًا حتى إن ظهر الوجوب كان رهنًا، لم يصح العقد؛ لأن الرهن للتوثق، وما لا يعلم وجوبه لا يطالب به، فلا معنى لتوثيقه، قال: فعلى هذا لو باع مالًا من إنسان، ثم رهن عنده بالدرك رهنًا حتى إذا خرج مستحقًّا وانتزع من يده، كان المال رهنًا بالثمن لم يَصِحَّ، وبفارق ضمان الدرك؛ لأنه لا يتضمن مضرة. انتهى كلام المتولي. وما ذكره في صدر كلامه من اعتبار العلم بوجوب الدين قد يرد عليه إذا جوزنا رهن مال أبيه على ظن أنه حي فإذا هو ميت، فقياسه أن يصح إذا رهنه بدين يعتقد عدم وجوبه قبان وجوبه، والظاهر أن المتولي ما أراد إلا ما في آخر كلامه من الرهن بالعهدة وهو صحيح.
وقد قال الشيخ أبو حامد، والإمام الغزالي، وغيرهم، أن كل ما صح الرهن به صح ضمانه، وما لا، فلا، إلا أنها مسألة واحدة؛ وهي ضمان العهدة يصح على المذهب ولا يصح الرهن به.
وأما على تخريج ابن سريج أن ضمان العهدة لا يصح،، فالقاعدة مستمرة طردًا وعكسًا، وأما "أَلْقِ متاعك في البحر وعليَّ ضمانه"، فليس حقيقته حقيقة الضمان، فلا يحتاج إلى استثنائه، والمراد ضمان الذمة، أما كفالة البدن والأعيان المغصوبة، وكل عين مضمونة إذا ضمن ردها، فيصح على الصحيح، ولا يجوز الرهن بها، واستدل لاشتراط الدَّيْنِية في المرهون به وأنه لا يجوز على الأعيان، بقوله تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ [البقرة: ٢٨٢] دل النص على جوازه في الدين والأعيان، ليست في معنى الدَّين، وكذا لا
[ ٢ / ٣٦ ]
يجوز الرهن بالعين المستعارة والمقبوضة على جهة السوم والمضمونة بالعقد، كالمبيع، وكذا المنفعة إذا وردت الإجارة على العين، ولا يبذل مَن عليه قصاص أو حد قذف؛ لأنه لا يمكن استيفاء هذه الأعيان من ثمن المرهون، والفرق بين ضمان الأعيان، حيث يصح على أحد الوجهين، والرهن بها أن الضمان يتعلق بالذمة، ولا حجر بسببه في شيء، بل غايته ضمان القيمة عند التلف على وجه الرهن فيه حجر دائم في المرهون، فلو صححناه على الأعيان لارتقاب أن تتلف يومًا من الدهر، فيباع في قيمتها؛ لعظم الضرر بالحجر على الشخص في ملكه لا إلى غاية بخلاف الذمة لا ضرر فيها، فهذه مراتب ثلاث؛ إحداها: الدين يجوز ضمانه والرهن به قطعًا.
الثاني: العهدة، المذهب امتناع الرهن بها.
وقال القفال: يجوز، والمذهب جواز ضمانها، وخَرَّج ابن سريج المنع.
الثالث: ضمان الأعيان، إن ضمن ردها صح في الأصح، وإن ضمن قيمتها لو تلفت لم يصح في الأصح، ويشبه أن يكون إطلاق المانعين منزلًا على الثاني ولو أطلق الضامن ضمان العين، فينبغي أن ينزل على الثاني، فإنه حقيقة اللفظ وضمان العهدة في الحقيقة ضمان عين، والتزام أنه إذا خرج المبيع مستحقًّا رد ما قبضه البائع من الثمن بعينه إن كان باقيًا وبدله إن كان تالفًا، فكأنه استثنى من ضمان الأعيان للحاجة، وهذا في الأعيان المضمونة.
أما الأمانات إذا لم يحصل فيها خيانة، فلا ضمان فيها ولا مدخل للرهن في الأمانات، كما لا مدخل للضمان فيها.
نعم، من الأمانات ما يجب ردها وهي الأمانات الشرعية، والعين
[ ٢ / ٣٧ ]
المستأجرة بعد انقضاء المدة على ما قاله صاحب "التنبيه"، فلو ضمن ضامن ردها ينبغي أن يجري فيه الخلاف، ولم أرهم ذكروه، ويتبع القول بالضمان فيها الخلاف في الرهن عليها.
فرع
حدث في الأعصار القريبة وقف كتب يشترط الواقف أن (^١) تعار إلا برهن، أو لا تخرج من مكان تحبيسها إلا برهن، أو لا تخرج أصلًا، والذي أقول في هذا: أن الرهن لا يصح بها؛ لأنها عين مأمونة في يد موقوف عليه، ولا يقال لها عارية أيضًا، بل الآخذ لها إذا كان من أهل الوقف مستحق للانتفاع ويده عليها يد أمانة، فشرط أخذ الرهن عليها فاسد، وإن اعطاه كان رهنًا فاسدًا، ويكون في يد خازن الكتب أمانة؛ لأن فاسد العقود في الضمان كصحيحها، والرهن أمانة، هذا إذا أريد الرهن الشرعي، وإن أريد مدلوله لغة، وأن يكون تذكرة فيصح الشرط؛ لأنه عرض صحيح، وإذا لم يعلم مراد الواقف. فيحتمل أن يقال بالبطلان في الشرط المذكور؛ حملًا على المعنى الشرعي، ويحتمل أن يقال بالصحة حملًا على اللغوي، وهو الأقرب تصحيحًا للكلام ما أمكن، فإذا قال: لا تخرج إلا برهن، وحملنا الرهن على المعنى اللغوي؛ صح الشرط وجاز إخراجها به، ولم يجز بدونه، وإن حملناه على المعنى الشرعي لم يجز إخراجها به؛ لتعذره ولا بدونه، إما لأنه خلاف شرط الواقف، وإما لفساد الاستثناء، فكأنه قال: لا يخرج مطلقًا، ولو قال ذلك صح؛ لأنه شرط فيه عرض صحيح؛ لأن إخراجها مظنة ضياعها، بل يجب على ناظر الوقف أن يمكن كل مَن يقصد الانتفاع بتلك الكتب في مكانها، وفي بعض الأوقات يقول: لا تخرج إلا
_________________
(١) جاء في الهامش الأيسر ما نصه: "قلت: هذا الفرع منقول في فتاوى القفال المروزي ﵀ وإيانا".
[ ٢ / ٣٨ ]
بتذكره. وهذا لا بأس به ولا وجه لبطلانه، وهو كما حملنا عليه قوله: "إلا برهن" في المدلول اللغوي فيصح، ويكون المقصود أن تجويز الواقف الانتفاع لِمَن يخرج مشروط بأن يضع في خزانة الكتب ما يتذكر هو به إعادة الموقوف، ويتذكر الخازن به مطالبته، فينبغي أن يصح هذا، ومتى أخذه على غير هذا الوجه، فقد أخذه على غير الوجه الذي شرطه الواقف فيمتنع، ولا نقول بأن تلك التذكرة تبقى رهنًا، بل له أن يأخذها، وإذا أخذها طالبه الخازن برد الكتاب، ويجب عليه أن يرده أيضًا بغير طلب، ولا يبعد أن يحمل قول الواقف الرهن على هذا المعنى حتى يصحح إذا ذكره بلفظ الرهن تنزيلًا للفظه على الصحة ما أمكن، وحينئذٍ يجوز إخراجه بالشرط المذكور، ويمتنع بغيره، ولكن لا تثبت له أحكام الرهن ولا يستحق بيعه ولا بدل الكتاب الموقوف إذا تلف بغير تفريط، ولو تلف بتفريط ضمنه ولكن لا يتعين ذلك المرهون أو فاته، ولا يمتنع على صاحبه التصرف فيه، هذا الذي ظهر لي في ذلك، ومما تنبه له أنَّا حيث قلنا: لا يجوز إخراجها برهن ولا بدونه، فأخرجها برهن صح الرهن بناء على صحته بالأعيان المضمونة؛ لأن الكتاب بالإخراج، حيث لا يجوز صار مضمونًا، لكن بشرط أن يكون القابل للرهن له أهلية القبول، فإن فرض أنه المخرج، فقد شارك في الضمان، وربما انعزل بذلك عن أهلية النظر وقبول الرهن، وما أحسن قول الغزالي: "الرهن وثيقة دين في عين" (^١).
* * *
_________________
(١) الوسيط في المذهب (٣/ ٤٧٥).
[ ٢ / ٣٩ ]
فرع
يجوز لزيد أن يرهن عند عمرو رهنًا بدين لعمرو على خالد، ولا يحتاج أن يعيره لخالد حتى يتولى الرهن بنفسه كما اقتضاه النص الذي حكيناه عن "الأم" في هذا الفصل، وصَرَّح به بعض الأصحاب المتولي وغيره، سواء كان بإذنه أم بغير إذنه، وممن صرح به البغوي، وقال: "إذا كان بغير إذنه هو تطوع، فلو بيع في الدين لا رجوع له على المديون كما لو قضى دينه بغير إذنه" (^١).
فرع
قال الروياني: "لو تزوج العبد امرأة بألفٍ بإذن سيده، ثم ضمن السيد هذا الألف عن عبده وأعطاها العبد نفسه رهنًا بالألف، لا يجوز؛ لأن أصل الدين مضمون عن العبد، فلم يجز أن يجعله رهنًا فيه؛ لأن الوثيقة عين الموثق فيه، ونظيره من الضمان، أن يضمن زيد عن عمرو ألفًا، ثم يضمنها عمرو عن زيد" (^٢).
قلت: وفيما قاله نظر؛ لأن المضمون المميز وهو في كسب العبد وفي يده من مال تجارة إن كان، وإن لم يكن مكتسبًا ولا مأذونًا ففي ذمته، وفي قول على السيد، فعلى كل تقدير لا تعلق له بالرقبة، والمرهون هو الرقبة، فلا وجه لمنعه ولا للتنظير المذكور.
* * *
_________________
(١) التهذيب (٤/ ٦٩).
(٢) بحر المذهب (٥/ ٢٠٨).
[ ٢ / ٤٠ ]
قال:
ولا يجوز أخذه على دين الكتابة؛ لأن الرهن إنما جعل ليحفظ عوض ما زال [ملكه عنه] (^١) من مال، ومنفعة، وعضو، والمعوض في الكتابة هو الرقبة، وهي باقية على ملكه لا يزول ملكه عنه (^٢) إلا بالأداء، فلا حاجة به إلى الرهن؛ ولأن الرهن إنما يعقد لتوثيق الدين حتى لا يبطل، والمكاتب يملك أن يبطل الدين بالفسخ إذا شاء، فلا يصح توثيقه.
دين الكتابة هو النجوم التي كوتب عليها، والمشهور أنه لا يجوز أخذ الرهن عليها، والمشهور في تعليله أنه غير لازم ولا يؤول إلى اللزوم، وهو ما ذكره المصنف آخرًا، وهو معنى مناسب غير أن قوله: "إن الرهن إنما يعقد لتوثيق الدين حتى لا يبطل" فيه نظر؛ فإن المكاتب قد لا يفسخ ولا يجد السيد في يده وفاء فيعقد الرهن لهذا المقصود، ولم ينحصر القصد فيما ذكره.
وأما العلة الأولى في كلام المصنف، فقد يتوقف فيها من جهة أن العضو الفائت بالجناية، والبضع المقابل للصداق لا يقال: إنه كان عليهما ملك فزال إلا على جهة المجاز، ثم لقائل أن يقول: لِمَ قلت: إن الرهن منحصر في ذلك، بل الرهن جُعل ليحفظ كل دين ثابت في الذمة لازم وإن لم يكن مقابلًا، حتى لو أن شخصًا نذر أن يتصدق على فقير معين بدرهم وألزمناه بذلك، فله أن يرهن عليه فيما أظن، وأيضًا فإن لنا وجهًا أن ملك السيد يزول
_________________
(١) في المطبوع من المهذب: "عنه ملكه".
(٢) في المطبوع: "عنها".
[ ٢ / ٤١ ]
عن الرقبة بالكتابة، فالتعليل بكونها باقية على ملكه لا يسلم من نزاع على هذا الوجه.
وحكى الروياني في "البحر" (^١) وجهًا غريبًا أنه يصح أخذ الرهن على دين الكتابة، وهو مذهب أبي حنيفة، وله ثلاثة مآخذ -أعني لهذا الوجه؛ أحدها: ما ذكرناه من زوال ملك الرقبة على وجه.
والثاني: أن ضمان دين الكتابة جائز على، وجه، فكذلك الرهن به.
الثالث: أن مال الجعالة يجوز أخذ الرهن عليه على وجه، فكذلك دين الكتابة، ألا تري أن ابن كج قاس ضمان دين الكتابة على ضمان الجعل، وإن كان ابن سريج قاسه على ضمان ما جرى سبب وجوبه (^٢)، وكلا المأخذين حاصل في الرهن، إلا أن التخريج على ما جرى سبب وجوبه نظرًا من جهة أن دين الكتابة واجب، لكن سببه وهو الكتابة جائز لا لازم، فمن جهة وجوبه هو أولى بالجواز، ومن جهة جوازه هو أولى بالمنع من نفقة الغد التي لم تجب، ولكن سببها النكاح وهو لازم، ولعل تعادل الأمرين يوجب الاستواء، ويقضي بصحة التخريج كما قاله ابن سريج.
* * *
_________________
(١) بحر المذهب (٥/ ١٨٨) قال: لا يجوز أخذ الرهن بمال الكتابة، وقال أبو حنيفة: يجوز، وهذا غلط.
(٢) انظر: فتح العزيز (٥/ ١٥٥).
[ ٢ / ٤٢ ]
قال:
فأما مال الجعالة قبل العمل، ففيه وجهان؛ أحدهما: لا يجوز أخذ الرهن به؛ لأنه مال شرط في عقد لا يلزم؛ فلم (^١) يجز أخذ الرهن به كمال الكتابة. والثاني: يجوز؛ لأنه دين يؤول إلى اللزوم؛ فجاز أخذ الرهن به، كالثمن في مدة الخيار.
الأصح الأول، وهو اختيار صاحب "الإفصاح"، والقاضي الطبري (^٢).
وقال الماوردي: "أنه المنصوص" (^٣)، وشذ الجرجاني فصحح الثاني، وعبر ابن أبي عصرون عنهما بقولين، وهو خلاف ما أورده الجمهور، والوجهان كالوجهين في ضمانه مبنيان فيه على ضمان ما جرى سبب وجوبه ولم يجب، وفيه طريقة قاطعة بالمنع من جهة أن هذا السبب جائز، فليس كالنكاح بالنسبة إلى نفقة الغد، فإنه لازم، وهذه الطريقة تأتي في الرهن، ولا خلاف أنه بعد تمام العمل يجوز الرهن به للذمة، وإطلاق المصنف الوجهين قبل العمل يقتضي جريانها قبل الشروع أيضًا، وكذلك أطلق الماوردي (^٤)، والبندنيجي، والمتولي، والروياني.
وكلام البندنيجي (^٥)، والروياني (^٦)، أشد اقتضاء لذلك، فإنهما مَثَّلا بما
_________________
(١) في المطبوع من المهذب: "فلا".
(٢) انظر: بحر المذهب (٥/ ١٨٨).
(٣) الحاوي الكبير (٦/ ٦).
(٤) المصدر السابق.
(٥) انظر: المهمات في شرح روضة الطالبين والرافعي (٥/ ٣٣٢).
(٦) بحر المذهب (٥/ ١٨٨).
[ ٢ / ٤٣ ]
إذا قال: "مَن جاء بعبدي الآبق فله دينار، فقال له رجل: أعطني به رهنًا وأنا آتيك به".
وكلام الإمام يشير إلى ذلك (^١)، وعلى هذا يحسن تخريجه على ما جرى سبب وجوبه ولم يجب، ويكون أولى بالمنع لما قلناه من الجواز وعدم اللزوم، وأما القاضي حسين، والبغوي، والرافعي، فإنهم جعلوا الوجهين بعد الشروع في العمل، أما قبله فلا يجوز؛ لأنه لا ثبوت للجعل قبل الشروع بحال (^٢).
قال الرافعي: "وكيف يتخيل ذلك وليس هو مستحقًّا معينًا" (^٣)، ومن ذلك تنتظم ثلاثة أوجه؛ ثالثها: الفرق بين أن يكون قبل الشروع في العمل وبعده، والأصح المنع مطلقًا. والوجهان قبل الشروع مأخذهما ما قلناه، وأما بعد الشروع، فقال الرافعي: "إن لنا أن نبينهما على الوجهين في جواز رجوع المالك بعد الشروع في العمل، ونقول: إن لم نجوز الرجوع، فقد لزم الجعل من قبله فيصح الرهن به، وإن جوزنا لم يصح الرهن به" (^٤). انتهى.
والوجهان في جواز الرجوع راجعان إلى أن العامل هل يستحق أجرة المثل لما عمل؛ أو لأن على مقتضى البناء ينبغي أن يكون الأصح جواز الرهن، وليس كذلك، وأيضًا فجواز الرجوع لا خلاف فيه، وإنما الخلاف في حكمه، قيل: لا يستحق شيئًا، فعلى هذا لا يصح الرهن.
وقيل: يستحق بقسطه من المسمى، وعلى هذا يتجه تصحيح الرهن.
وقيل: يستحق أجرة مثل ما عمل، وهو الذي صححوه، وعلى هذا قد
_________________
(١) نهاية المطلب (٦/ ٧٣).
(٢) انظر: المهمات في شرح روضة الطالبين والرافعي (٥/ ٣٣٢).
(٣) فتح العزيز (٤/ ٤٦٠) بمعناه.
(٤) انظر المصدر السابق.
[ ٢ / ٤٤ ]
يقال: إنها إنما تجب بعد الرجوع، أما قبله، فالحال آيل إلى استحقاق المسمى، ويحتمل أن يقال: إنه استحق ألا يبطل عمله مجانًا، بل يستحق بدله؛ إما من المسمى بقسطه وإما أجرة مثله، وعلى كلا الاحتمالين في صحة الرهن بعد، أما على الأول، فلأنه لم يستحق، وأما على الثاني، فلأن المستحق لم يتعين، ثم هذا في القدر المقابل لما مضى من العمل.
أما جميع مال الجعالة، فلا موجب لجواز الرهن عليه على الوجهين على مقتضى هذا البناء الذي ذكره الرافعي، وقد أطلق الكلام إطلاقًا، وأما على جعل المأخذ الإلحاق بما جرى سبب وجوبه ولم يجد، الخلاف في جميع الجعل، لكنه قبل الشروع أولى بالمنع لعدوم اللزوم، وبعده أولى بالجواز، لوجوب شيء في الجملة على الأصح.
وإن قلنا: لا يجب شيء فهو كما قبله، والمصنف كأنه لم ينظر إلى شيء من المأخذين، وجعله خلافًا مستقلًّا لما رآه مترددًا بين دين الكتابة؛ لكونه ليس في أصل وضعه على اللزوم، والثمن في مدة الخيار؛ لكونه يؤول إلى اللزوم، فجرى الوجهان للشبهين.
وقال النووي في "شرح الوسيط": قال الرافعي: موضع الوجهين ما بعد الشروع في العمل وقبل تمامه، وذكره أيضًا صاحب "التهذيب"، ولكن ظاهر كلام الأصحاب: أن المراد قبل الشروع، لا سيما تعليل الغزالي في "الوسيط"، فإنه مصرح بذلك، وبأن الشروع في العمل سبب لثبوت، فيصير كالثمن في زمن الخيار. انتهى.
وقول المصنف: "لا يلزم الضمير فيه" يعود على العقد، أي: عقد الجعالة لا يلزم، فأشبه عقد الوكالة، ولا يجوز عوده على المال؛ لأنه يلزم بتمام العمل، وقد صرح هو بأنه يؤول إلى اللزوم، فكان يتناقض، فالوجه
[ ٢ / ٤٥ ]
الأول ناظر إلى العقد، والثاني ناظر إلى المال، ويرجح المنع هنا بخلاف الثمن؛ لأن الثمن ومقابله صائران إلى اللزوم، وهنا العمل المقابل للمال لا يلزم بحال، وإنما إذا تم لزم المال، فكان لزومه بالعرض ليس كلزوم الثمن، وعلى مساق كلام الرافعي ينبغي أن يقال: إن جوزنا الرجوع لم يصح الرهن، وإن لم يجوز، فوجهان؛ كالثمن إذا كان الخيار لأحدهما ولم يفرق أحد في الثمن بين أن يكون الخيار لهما أو لأحدهما، بل أجروا الخلاف، فكذا هنا إذا لزم من جهة المالك دون العامل.
فرع
سواء جعلنا الرهن بعد الشروع في العمل أم قبله، فالظاهر أنه لابد أن يكون المرتهن معينًا كما قدمناه من كلام الأصحاب في تصويره.
وقال إسماعيل الحضرمي: قال ابن الصباغ: إذا قال: مَنْ رد عبدي، فله دينار فرده، جاز الرهن به، وهل يجوز قبله؟ وجهان.
قال إسماعيل: ظاهر هذا أنه يجوز الرهن وإن لم يكن المجعول له معينًا، فإن صحت إرادتهم لهذا، فكأنهم يجوزون أن يقول له شخص: أنا أرده فارهني، أو كأنهم يجوزون في هذه الصورة من غير معين، ويسقطون القبول في الرهن تبعًا لمال الجعالة، فيصح على هذا أن يقول: مَن رد عبدي فله دينار، وعبدي الفلاني رهن معه بالدينار، ويكون فعله للرد قبولًا لمال الجعالة والرهن، قال: وفي هذا بُعد، وهو في المعين ظاهر، وهو أن يقول: إن رددت عبدي فلك كذا، ثم رهنه وكل هذا لا أعرف له أصلًا من كلامهم. انتهى.
والظاهر أن المرتهن لابد أن يكون معينًا، سواء جعل له بعينه أو مطلقًا كما صوره الأصحاب، ثم رهن مع معين.
[ ٢ / ٤٦ ]
قال:
وأما مال السبق والرمي، ففيه قولان؛ أحدهما: أنه كالإجارة، فيجوز أخذ الرهن به.
الثاني: أنه كالجعالة، فيكون على وجهين.
أظهر القولين: إلحاق المسابقة بالإجارة، فعلى هذا الأصح جواز أخذ الرهن بها، ولا يتخرج على الوجهين.
وقال القفال: "مع الإلحاق بالإجارة في ضمانه وجهان لضمان ما لم يجب وجرى سبب وجوبه" (^١).
والمشهور إذا قلنا: إنها إجارة القطع بصحة الضمان والرهن، كما قال المصنف، ولا فرق بين أن يكون بعد الشروع في العمل أو قبله، وإن ألحقناها بالجعالة فقد تقدم في الجعالة ثلاثة أوجه وعلى ما قاله الرافعي هناك من بناء الوجهين بعد الشروع على جواز الرجوع كيف يكون الحال هنا؟ قالوا في المسابقة: لكل منهما الرجوع قبل الشروع، وكذا بعده إن لم يكن لأحدهما فضل على الآخر، وإن كان فوجهان، فلا يأتي الخلاف على مقتضى بناء الرافعي إلا في هذه الصورة، أما على مأخذ غيره من التردد بين الثمن ودين الكتابة، فيأتي مطلقًا؛ لأنا وإن منعنا كلًّا منهما من الانفراد بالرجوع بعد الشروع، فيجوز لهما الاجتماع على الرجوع، وليس هذا الفسخ بمنزلة الإقالة في العقود اللازمة، بل هو من العقود الجائزة إلى تمام
_________________
(١) حلية العلماء (٥/ ٥٦) بمعناه.
[ ٢ / ٤٧ ]
العمل، وإنما يمتنع الانفراد بالترك حتى لا يحبط عمل الآخر ألا تري أنهما إذا تركا وأعرضا لا يحتاجان إلى لفظ، والإقالة لا بد فيها من لفظ، فالمسابقة بعد الشروع وحصول الفضل جائزة مع امتناع انفراد أحدهما بالفسخ، ولا يوجد هذا في غيرها من العقود، أو يقال: إن الفسخ لا يمتنع ولكن يضمن للآخر قدر عمله كما تقدم في الجعالة، ثم سواء جعلناه إجارة أم جعالة، لك أن تسأل عن الرهن المأخوذ من جهة مَنْ هو، فإن كلًّا من المسابقين بمنزلة المالك من وجه والعامل من وجه، فإن كان لكل منهما أن يرهن ويرتهن، فذلك رهن على ما لم يعلم ثبوته، بل يقطع بفساد أحدهما، والرهن من أحدهما عند الآخر على الإيهام غير ممكن، وإنما يريد الأصحاب الأول، وهو أن لكل منهما أن يرهن ويرتهن، ولكن هذا إذا جعلناها جعالة محتمل على وجه ضعيف.
أما التصحيح على المذهب لكونها إجارة ففيه القول بالرهن على ما لم يجب، وكأنهم احتملوا هذا للمصلحة، كما احتملوا ضمان العهدة من جملة ضمان الأعيان للمصلحة، والكلام في ضمان مال المسابقة كالكلام في الرهن به، وقيل: يجوز ضمانه ولا يجوز الرهن به، فالضمان على هذا الوجه أوسع بابًا من الرهن فيما استثنيناه من ضمان العهدة وفي غيره.
* * *
[ ٢ / ٤٨ ]
قال:
وأما العمل في الإجارة، فإنه إن كانت الإجارة على عمل الأجير، فلا يجوز أخذ الرهن به؛ لأن القصد بالرهن استيفاء الحق منه عند التعذر، وعمله لا يمكن استيفاؤه من غيره، وإن كانت الإجارة على عمل في الذمة؛ جاز أخذ الرهن به؛ لأنه يمكن استيفاؤه من الرهن، بأن يُباع ويُستأجر بثمنه مَنْ يعمل.
قسم المصنف الإجارة في بابها إلى واردة على منفعة عين حاضرة، أو منفعة عين في الذمة، أو عمل معين، أو عمل في الذمة، وينقسم آخر إلى ما عقد على مدة، وعلى عمل معين، وعلى عمل في الذمة.
وقسمها الرافعي إلى واردة على العين، كاستئجار دابة بعينها ليركبها، أو شخص بعينه لخياطة ثوب، وإلى واردة على الذمة، كاستئجار دابة موصوفة، أو إلزام ذمته عملًا، كما لو قال: ألزمت ذمتك خياطة ثوب أو بناء جدار، قال: "وفي قوله: استأجرتك لكذا، أو لتفعل كذا وجهان؛ أظهرهما: أن الحاصل به إجارة عين للإضافة إلى المخاطب.
والثاني: إنها إجارة ذمة؛ لأن المقصود حصول العمل من جهة المخاطب، فكأنه قال: استحققت عليك كذا، وإنما يكون إجارة عين على هذا إذا زاد، فقال: استأجرت عينك أو نفسك لكذا، أو لتعمل بنفسك كذا" (^١). انتهى.
ثم قالوا: الإجارة على الذمة إن عُقِدَتْ بلفظ السلم، فحكمها حكم
_________________
(١) فتح العزيز (٦/ ٨٣).
[ ٢ / ٤٩ ]
السلم؛ ولذا إن عقدت بلفظ: ألزمت ذمتك منفعة، وكذا على ما صرح به القاضي حسين، وإن عقدت بلفظ الإجارة، فهل هي سلم نظرًا إلى المعنى أو إجارة نظرًا إلى اللفظ وجهان؛ أصحهما: الأول، فإجارة العين في كلام الرافعي منطبقة على منفعة العين الحاضرة، كقوله: أجرتك هذه الدابة أو هذه الدار وهذا العبد.
لا تعلق لها بالذمة إلا من جهة وجوب التسليم، ولا يصح عقدها بلفظ السلم، ويصح من المستأجر إيجارها لغيره ولا مجال للرهن بها؛ لأن حكمها حكم الأعيان؛ ولذلك لم يذكر المصنف هذا القسم هنا؛ لأنه إنما يتكلم في الديون وما يجوز به الرهن منها وما لا يجوز، والرافعي ذكره ومنع الرهن به وهو صحيح، إلا أن المصنف لم يَحْتَجْ إلى التعرض له، وفي هذا القسم إذا قدرها بمدة، فهي عين من كل وجه، لا يجوز استقبالها ولا إيراد عقد آخر عليها، وينفسخ العقد بمضيها قبل التسليم، وإن قدرها بعمل كأجرتك هذه الدابة لتركبها إلى بلد كذا أو العبد ليبني لك كذا، فليست كالعين من كل وجه، بدليل أنه لو أخر التسليم حتى مضت مدة إمكان العمل، لم ينفسخ على الأصح، ومع هذا مورد العقد العين حتى لا يجوز إيراد عقد آخر عليها فيما يظهر، ولكني لم أجده منقولًا.
وقد ظهر لك بهذا: أن إجارة العين الحاضرة تنقسم إلى: إجارة مدة، وإلى عمل معين غير مقدر بمدة، وكلا القسمين لم يذكرهما المصنف، فإنه إنما ذكر عمل الأجير والعمل في الذمة، وهما خارجان عما ذكرناه، وأما منفعة عين في الذمة كقوله: استأجرت منك دابة صفتها كيت وكيت، أو ألزمت ذمتك منافع دابة صفتها كيت وكيت لأركبها، أو لأحمل عليها، فهذه موردها الذمة ولا تعلق لها بعين، ويجوز عقدها بلفظ الإجارة والإلزام
[ ٢ / ٥٠ ]
والسلم، وحكمها حكم السلم، إلا إذا عُقِدَتْ بلفظ الإجارة على أحد الوجهين، ويجوز الرهن بها؛ لأنها دين كسائر الديون، ويباع المرهون عند الحاجة، وتحصل المنفعة من ثمنه، واستغنى المصنف عن ذكرها هنا؛ لأنه ذكر الرهن بدين السلم، وهي داخلة فيه إلا على وجه الناظر للفظها إذا وردت بلفظ الإجارة، والمصنف لا يختاره، ولا يجوز للمستأجر هنا إيجارها لغيره؛ لأنه بيع المسلم فيه قبل قبضه، وفي هذه يجوز التأجيل بخلاف الأول.
وأما العمل، فإن قال: استأجرت عينك لتعمل لي كذا، فهذه إجارة عين بلا إشكال، وحكمها حكم القسم الأول في جميع الأحكام، وفي تقسيمها إلى مقدرة بمدة، وبعمل، والمقدرة بالعمل هي التي أرادها المصنف بقوله: عمل الأجير، وهي مرتبة متوسطة بين القسم الأول والقسم الثاني؛ ولذلك لا تنفسخ بمضي الزمان قبل التسليم على الأصح، فعلل المصنف امتناع الرهن بها بأن عمله لا يمكن استيفاؤه من غيره، وهذا معنى صحيح سواء كان هو مورد العقد أم لا.
وإن قال: استأجرتك لتعمل لي كذا أو لعمل كذا، فاللفظ متردد بين أن يكون مقصوده استئجار عينه أو إلزام ذمته، والأصح حمله على عينه لظاهر اللفظ، فيأتي فيه ما مضى في القسم الأول، فإن كانت مقدرة بعملٍ دخلت في كلام المصنف؛ لأنها على عمل الأجير، وكانت مترددة بين إجارة المدة وإجارة الذمة كالتي قبلها وإن قُدرت بزمان.
وقال القاضي حسين: الأصح حمله على إلزام الذمة، فإن حملناه على الذمة جاز أن يستعمل غيره، وإن حملناه على العين لم يجز، وكان حكمه كما لو قال: استأجرت عينك، وإن قال: ألزمت ذمتك أن تعمل لي بنفسك
[ ٢ / ٥١ ]
كذا، فقد ذكر الصيدلاني في الحج ما يقتضي أنه يصح، ويلزمه العمل بنفسه، وخطأه الإمام بما لو أسلم في ثمرة بستان بعينه، فإنه فاسد، فإن كان الصيدلاني يوافق على أن قوله: ألزمت ذمتك سلم كما نقلناه عن القاضي حسين، فيلزمه وإن منع وقال: هذه إجارة، ولا يلزم فيها ما ثبت في السلم؛ لأن ذلك إما لكونه أضيق وأبعد عن احتمال الغرر من الإجارة، وإما تعبد فلا يلزمه.
وإن قال: ألزمت ذمتك عمل كذا، ولم يقل: بنفسك؛ صح قولًا واحدًا، وجاز أن يعمل بنفسه وبغيره، وإن قال: استأجرتك لتعمل لي بنفسك، فكلام الرافعي يقتضي أنها إجارة عين قولًا واحدًا، ويجعل قوله بنفسك قرينة في إضافة الإجارة إلى عينه، ولولا ذلك لكان ينبغي أن يأتي فيها وجه أنها تفسد أخذًا من جعلها سلمًا، والجمع بين الدَّينية والتعيين لا يجوز، ووجه أنها تصح، ويتعين على ما قاله الصيدلاني، وهو هنا أظهر لجريان لفظ الإجارة، وأما أنها تصح ولا يتعين، فلا يأتي هنا بخلاف ما لو لم يقل: بنفسك لاحتمال اللفظ العموم، فأمكن تصحيحه، والقول بأنه لا يتعين إذا عرفت هذا، فقول المصنف: إن كانت الإجارة على عمل الأجير يحتمل أن ينزل على ما إذا قال: استأجرت عينك لتعمل لي كذا، وحينئذٍ هي إجازة عين، كإجارة الدار لا مجال للرهن فيها، ويحتمل أن ينزل على ما إذا ألزم ذمته أن يعمل بنفسه، ويكون موافقًا للصيدلاني، وتعليله محتمل للأمرين، ويرجح الثاني كونه ذكره في الديون، وإنما يكون في الديون بالمعني الثاني.
وأما الأول؛ فهو كإجارة منفعة العين الحاضرة وهو لم يتعرض لها، ويرجح الأول أنه يبعد موافقته للصيدلاني؛ لأنه يرى إذا صرح بلفظ الإجارة
[ ٢ / ٥٢ ]
أنها تعطي حكم السلم، فكيف إذا أتى بلفظ الإلزام وهو أعم منها ومن السلم، والظاهر أنه إنما أراد المعنى الأول؛ لأنه جعل العمل معقودًا عليه، وقابله بما إذا كان العمل في الذمة، وحينئذٍ يكون امتناع الرهن في هذا القسم مما لا خلاف فيه.
وقوله: "وإن كان على عمل في الذمة … إلى آخره" هو المشهور.
وقال الماوردي: "إن لم يكن الآخر قبض الأجرة لم يصح الرهن؛ لأن العمل قبل دفع الأجرة غير مستحق، وإن قبضها فوجهان: وجه المنع أن العمل لا يستوفي من الرهن، ووجه الجواز وهو الأصح عند الروياني (^١) وغيره أن قيمته تستوفي ويستأجر بها" (^٢).
وقول الماوردي: "أنه لا يجوز قبل قبض الأجرة" ضعيف؛ لأن غايته أن يكون كثمن المبيع في زمن الخيار، أو كالمسلم فيه قبل قبض رأس المال، وهو بناه على أن قبض الأجرة واجب في السلم، وهو صحيح إذا جعلناه سلمًا إلا أن ذلك لا ينافي الرهن؛ لأنه دين ثابت يؤول إلى اللزوم.
نعم، يأتي فيه الخلاف الذي في الثمن في مدة الخيار.
إذا قلنا بعدم انتقال الملك، فإن قلت: إذا حملت قول المصنف الأول على إجارة العين، فما وجه ما ذكره على أنه لم يذكر الرهن على منفعة العين.
قلت: العمل وإن كان معينًا واجب على الأجير وجوب الديون يتعاطاه بنفسه، فهو شبيه بالدين، فلذلك ذكره، وأما العين، فالعقد وارد عليها، وإنما يجب تسليمها، والمستأجر هو الذي يستوفي منفعتها، فهي أشبه
_________________
(١) بحر المذهب (٥/ ١٨٩).
(٢) الحاوي الكبير (٦/ ٢٦١).
[ ٢ / ٥٣ ]
بالأعيان من الديون؛ فلذلك لم يذكرها.
فرع
قد استوفى المصنف إلى هنا الديون التي يجوز الرهن بها، والتي لا يجوز الرهن بها، وهي دين السلم والقرض والثمن والأجرة والصداق والخلع والصلح والأرش وغرامة المتلف والكتابة والجعالة والمسابقة وعمل الإجارة ومحل الاتفاق في الثمن إذا كان بعد الخيار أو قبله، وقلنا بانتقال الملك، وإلا فهو رهن على ما لم يجب، وجرى سبب وجوبه، فيجيء فيه خلاف على ما اقتضاه كلام الإمام والغزالي، وهو متعين وإن كان الأصحاب أطلقوا الجواز، ومثله يأتي في دين السلم، وأما القرض فمحل الاتفاق فيه بعد التلف، أو بعد التصرف، أما إذا قبض، وقلنا بالملك وهو الأصح وهو باقٍ في يده، فهو كالثمن في مدة الخيار إذا قلنا بانتقال الملك، فيصح الرهن به أيضًا بلا نزاع، وقبل القبض جرى سبب وجوبه، ولم يجب، ومحل ذلك أيضًا إذا قلنا: الواجب المثل، أو قيمة يوم القبض، وكانت معلومة، أو أقصى القيم، وكان بعد التلف، وهي معلومة.
أما إذا قلنا: الواجب الأقصى، وكان قبل السلف، فلا يصح؛ ولذلك إذا أوجبنا قيمة يوم القبض، وكانت مجهولة، ويجوز الرهن بالثمن قبل قبض المبيع، وبالأجرة قبل استيفاء المنفعة، وبالصداق قبل الدخول اتفاقًا، وإن لم تكن مستقرة، وأما بعد هذه الأشياء، فلا شبهة فيه، والدية إن كانت في ذمة الجاني جاز الرهن بها، وإن كانت على العاقلة لم يجز قبل حولان الحول؛ لعدم لزومها؛ لأنها إنما تجب على من يكون غنيًّا وقت الحول، فقبل ذلك ليست بلازمة ولا ثابتة، وكذا الرهن بالزكاة قبل تمام الحول لا يجوز؛ لعدم ثبوتها.
[ ٢ / ٥٤ ]
وقال الجرجاني: إذا قال لزوجته: إن أعطيتني ألفًا فأنت طالق، أو قال لعبده: إن أعطيتني ألفًا فأنت حر، لم يجز أخذ الرهن عليه؛ لأنه لا يؤول إلى اللزوم. انتهى.
وقد يتوهم تخريجها على الجعالة، وأولى؛ لأنه لازم، لكن هذا ليس بصحيح؛ لأن تعليق الطلاق ليس سببًا لوجوب المال بخلاف الجعالة، وإذا صح الرهن بالثمن في مدة الخيار.
قال الرافعي: "لا شك في أنه لا يباع المرهون في الثمن ما لم تَمْضِ مدة الخيار" (^١).
* * *
_________________
(١) فتح العزيز (٤/ ٤٦٠).
[ ٢ / ٥٥ ]
قال:
فصْل