إذا أقرضه دراهم بمصر، ثم لقيه بمكة، فطالبه بها لزمه دفعها إليه، وإن طالبه [المقرض أن] (^١) يأخذها وجب عليه أخذها؛ لأنه لا ضرر عليه في أخذها، فوجب أخذها.
لزوم الدفع نصَّ عليه الشافعي في "الأم" في باب الإقرار بالحكم الظاهر، وقال الإمام: "إنه ظاهر المذهب" (^٢)، وهذا منه إشارة إلى خلاف فيه، واستثنى الإمام (^٣) النقود التي تعسر نقلها، وتختلف قيمتها؛ فلا يطالبه بها في غير بلد الإقراض، ووجوب الأخذ إذا طالبه المقرض إن كان له غرض سوى البراءة لا خلاف فيه، وإن لم يكن له غرض سوى البراءة؛ فكذلك على أصح الطريقين، وقد ذكرنا ذلك في باب السلم، وحكم السلم والقرض، وغيرهما في ذلك واحد.
* * *
_________________
(١) في المطبوع من المهذب: "المستقرض بأن".
(٢) نهاية المطلب (٥/ ٤٥٤).
(٣) المصدر السابق (٥/ ٤٥٤ - ٤٥٥)
[ ١ / ٦٩٠ ]
قال:
وإن أقرضه طعامًا بمصر، فلقيه بمكة فطالبه به؛ لم يجبر على دفعه إليه؛ لأن الطعام بمكة أغلى.
ذكر صاحب "البيان" (^١) أن الشافعي نص على ذلك في الصرف بهذا اللفظ سواء بهذه العلة، وبأن في نقل الطعام من مصر إلى مكة ضررًا عليه، ويظهر أن كل واحدة منهما علة مستقلة، حتى لو كانت البلد قريبة لا مؤنة في حمله، لكنه فيها أغلى أو كانت القيمة سواء، ولكن لحمله مؤنة لا يلزمه.
لكن المنقول عن ابن الصباغ وغيره في كتاب الغصب أنه لو كانت القيمة في البلدين سواء أنه يلزمه، فلذلك اقتصر المصنف على التعليل بالغلاء، والرافعي (^٢) على التعليل بالمؤنة، وما ذكره غيره أولى، وحكم القرض والسلم والغصب في ذلك سواء.
* * *
_________________
(١) البيان (٥/ ٤٦٧).
(٢) فتح العزيز (٩/ ٣٦٤).
[ ١ / ٦٩١ ]
قال:
وإن طالبه المستقرض بالأخذ، لم يجبر على أخذه؛ لأن عليه مؤنة في حمله، وإن تراضيا عليه جاز؛ لأن المنع لحقهما، وقد رضيا جميعًا.
هذا لا خلاف فيه، وقد تقدم ذلك في أداء المسلم فيه قبل المحل إذا كان على المستحق مؤنة، وله غرض في الامتناع.
فرع
لو كان في بلد غير بلد القرض، ولكنها قريبة ليس في حمله مؤنة؛ فيظهر أن يجري في إجبار المستحق على القبول إطلاق المتقدم في المسلم فيه.
* * *
[ ١ / ٦٩٢ ]
قال:
وإن طالبه بقيمة الطعام بمكة أجبر على دفعها؛ لأنه بمكة كالمعدوم، وما له مثل إذا عدم وجبت قيمته، ويجب قيمته بمصر؛ لأنه [يستحقه] (^١) بمصر.
جواز مطالبته بالقيمة لا خلاف فيه، وهذا بخلاف المسلم فيه حيث لا يطالب بالقيمة على الصحيح، والفرق ظاهر من جهة الاستبدال، وبخلاف الغصب حيث جرى فيه خلاف في إلزامه بالمثل لتعديه وتنزيله منزلة المعدوم ظاهر؛ ولذلك يجوز للمسلم الفسخ حينئذٍ؛ لأنه لا تجب المطالبة، فهو معدوم شرعًا، وإيجاب القيمة فيما له مثل إذا عدم لا شك فيه في كل موضع، وكون القيمة الواجبة قيمته بمصر، أي: يوم المطالبة لا بمكة.
هكذا قاله الشيخ أبو حامد وغيره؛ لأنه إنما وجب عليه دفع القيمة يوم المطالبة.
وقال ابن الرفعة: "إنه إذا نقل المال المقرض إلى بلد آخر، وقلنا: لا يملك إلَّا بالتصرف؛ فتجب قيمته في الموضع الذي ملك فيه" (^٢).
وفي السلم إذا جوزنا المطالبة بالقيمة قال الرافعي: "يطالبه بقيمة بلد العقد كالقرض" (^٣).
وقال النووي: "المعتبر في السلم قيمة الموضع الذي يستحق فيه
_________________
(١) في المخطوطة: "يستحق"، وما أثبتناه من المطبوع من المهذب.
(٢) كفاية النبيه (٩/ ٣٩٢ - ٣٩٣) بتصرف يسير.
(٣) فتح العزيز (٩/ ٣٤٤) بتصرف يسير.
[ ١ / ٦٩٣ ]
التسليم" (^١)، وهو الصواب.
وكلام الرافعي محمول على ما إذا كان موضع العقد هو موضع التسليم.
ثم إذا أخذ القيمة واجتمعا في مكان القرض، فهل له رد القيمة والمطالبة بالمثل؟! وهل للمستقرض مطالبته بذلك؟! فيه وجهان، قال النووي: "أصحهما لا" (^٢)، وهو ناظر إلى أن أخذ القيمة اعتياض؛ ولذلك امتنع دخوله في المسلم فيه إلَّا على وجه ضعيف جدًّا، وعلى القول الآخر تكون القيمة المأخوذة للحيلولة؛ كالقيمة المأخوذة عن العبد الآبق في الغصب، والوجه الآخر له نظير في مسألة إعواز المثل في المغصوب، وعدم المثلي اختلف كلام الغزالي (^٣) في التصحيح فيهما.
* * *
_________________
(١) روضة الطالبين (٤/ ٣٦).
(٢) روضة الطالبين (٤/ ٣٦).
(٣) الوسيط في المذهب (٣/ ٤٥٣).
[ ١ / ٦٩٤ ]
قال:
وإن أراد أن يأخذ عن بدل القرض عوضًا جاز؛ لأن ملكه عليه مستقر، فجاز أخذ العوض عنه، كالأعيان المستقرة، وحكمه في اعتبار القبض في المجلس حكم ما يأخذه بدلًا عن رأس مال السلم بعد الفسخ، وقد بيناه [والله أعلم] (^١).
احترز بقوله: مستقر، عن المسلم فيه، وأشار بذلك إلى أن صورة المسألة بعد التصرف في القرض التصرف المزيل للملك أو تلفه، أما قبله فلا، وقد صرح بذلك ابن الصباغ؛ فقال في باب بيع الطعام: إنه إذا كان المقبوض في يده لا يجوز أن يأخذ عوضه؛ لأنه قد زال ملكه عن العين، ولم يستقر في ذمته، وإن قلنا: لا يملك إلا بالتصرف.
قال بعض أصحابنا: لا يجوز؛ لأنه وإن كان ملكه باقيًا، إلا أنه قد ضعف بتسليط المستقرض عليه.
وقول المصنف: بدل القرض، احتراز عن أخذ البدل عن عين القرض، والحكم فيه.
إن قلنا: لا يملك إلا بالتصرف قد تقدم عن ابن الصباغ.
وإن قلنا: يملك بالقبض، وللمقرض الرجوع في عينه فبيعه من أجنبي؛ كبيع الوالد ما وهبه لولده، وبيعه من المستقرض فيه نظر، والأقرب عدم صحته، ولا ضرورة تدعو إلى تقدير الرجوع، وتصحيح البيع.
والذي تقدم بيانه في رأس مال السلم أنه إن أخذ عنه عينًا؛ صح بلا
_________________
(١) من المطبوع من المهذب، وليست في المخطوطة.
[ ١ / ٦٩٥ ]
خلاف، ثم إن كانت مشاركة له في علة الربا؛ اشترط القبض في المجلس، أو غير مشاركة في علة الربا فوجهان؛ الأصح عند المصنف، وأبي حامد، وأتباعه: الاشتراط، وعند الرافعي (^١) وغيره: عدمه.
وإن أخذ دينًا على جهة السلم امتنع، أو على جهة الاستبدال وقبض في المجلس صحَّ، وإن عيَّن ولم يقبض صحَّ عند الرافعي، وإن لم يُعَيِّن لم يصحَّ، هذا إذا كان الأخذ من المستقرض، أما إذا أراد أن يأخذ من غيره فحكمه حكم بيع الدين مِنْ غير مَنْ عليه، والأصح عند المصنف: الصحة، ولعله أطلق للأخذ هنا لذلك، وللأصح عند غيره المنع، وحكم كل دين حال من بدل متلف وأرش جناية حكم بدل القرض في ذلك.
فرع
قال لغيره: اقترض لي مائة ولك علي عشرة، كرهه أحمد (^٢) وإسحاق، وعندنا لا بأس به، ويجري مجرى الجعالة، فلو أن المأمور أقرضه مائة من ماله لم يستحق العشرة؛ قاله الماوردي (^٣).
آخر
قال لغيره: أقرض زيدًا مائة، وأنا لها ضامن يجوز؛ فإذا أقرض زيدًا لزمه الضمان؛ فإن أقرضه بعض المائة لزمه ضمان ما أقرضه فقط، ولو أقرضه أكثر لم يلزمه ضمان الزائد، ولو أقرضه بدل المائة عشرة دنانير لم يلزمه ضمانها؛ قاله الماوردي (^٤)، وهذا إنما يأتي على وجه ضعيف، والأصح عندنا خلافه، وإن ما لم يجب لا يصح ضمانه والرهن به لاسيما ما لم يجز سبب وجوبه.
_________________
(١) فتح العزيز (٩/ ٢٢٥).
(٢) انظر: الإنصاف (٥/ ١٠٣)، "كشاف القناع (٣/ ٣١٩).
(٣) الحاوي الكبير (٥/ ٣٥٨).
(٤) المصدر السابق.
[ ١ / ٦٩٦ ]
آخر
اقترض مائة فضمنها ضامن بأمره، ثم دفع الضامن إلى إلى المقرض بدلها ثوبًا جاز، وبرئ الضامن والمقترض، ورجع الضامن على المقترض بأقل الأمرين من المائة، وقيمة الثوب؛ قاله الماوردي (^١).
آخر
أقرضه رطبا لم يجز أن يرد بدله تمرًا؛ قاله في "الحاوي" (^٢) و"البحر" (^٣) عنه، ويشبه أن يكون على الخلاف في أداء التمر عن الرطب في السلم.
آخر
له عليه ألف مكسرة فلا بأس أن يعطيه ثمانمائة صحاحًا ويبرئه عن الباقي؛ قاله الروياني (^٤)، فلو أتاه بالكل صحاحًا أجبر على القبول؛ قاله المتولي.
آخر
نصف دينار قراضه فأعطاه دينارًا صحيحًا، وقال: نصف عني ونصف وديعة أو هبة، وتراضيا جاز، فإن امتنع المقرض كان له؛ لأن فيه نقصًا بالشركة في الوديعة، ومنه في الهبة فإن تراضيا ثم اختلفا في كسره لم يجبر الممتنع؛ لأن ذلك قسمة إضرار.
ولو اتفقا على كسره لم يكن لأحدهما أخذ نصفه إلا برضى صاحبه، فإن تشاحا أقرع بينهما، وإن اتفقا على أن يكون نصفه قضاء ونصفه قرضًا أو ثمنًا أو سلمًا في شيء في ذمته جاز، ذكره الأصحاب.
_________________
(١) الحاوي الكبير (٥/ ٣٥٨).
(٢) المصدر السابق.
(٣) بحر المذهب للروياني (٥/ ٦٩).
(٤) المصدر نفسه.
[ ١ / ٦٩٧ ]
آخر
كل موضع حكمنا بفساد القرض فإذا سلم المال إليه لا يملك ولا يجوز له التصرف فيه، وعليه رده، وهو مضمون في يده، فإن تلف ضمن بدله؛ قاله في "التتمة".
آخر
باع أو اشترى بشرط القرض؛ فالبيع فاسد، فأما القرض، فإن كانا (^١) يعلمان فساد الشرط، وأنه لا يجب الوفاء به؛ كان ابتداء إقراض، وهو صحيح، وإن كانا يعتقدان أو أحدهما أن الشرط صحيح، وأن ذلك وفاء بالشرط؛ فالقرض فاسد؛ قاله في "التتمة".
آخر
قال: أقرضني عشرة، فقال: خذها من فلان فأخذها منه، لا يكون قرضًا، بل هذا توكيل بقبض الدين، فبعد القبض لابد من قرض جديد، ولو كانت العشرة في يد فلان بعينها ودفعه أو غيرها صح؛ قاله القاضي حسين في "الفتاوى"، والنووي في "الروضة" (^٢) عنه.
آخر
تبايعا درهمًا بدرهم في الذمة ثم أقبض أحدهما الدرهم، فللآخر أن يدفعه عمَّا عليه؛ قاله الإمام (^٣) في هذا الباب، وقاس عليه رد المقترض لما اقترضه بعد قبضه، وقد قدمنا في باب الربا ما يقتضي جريان خلاف في ذلك؛ لأجل بقاء الخيار ورَدَّ المقترض لا خلاف فيه.
آخر
حكى ابن الصباغ وجهًا أنه لا تجوز الحوالة بعوض القرض، إلا أن يكون العوضان من ثمن وضعفه، قاله في "الزوائد"، وقد تقدمت
_________________
(١) وردت في المخطوطة: "كان"، ولعل الصواب ما أثبتناه.
(٢) روضة الطالبين (٤/ ٣٧).
(٣) نهاية المطلب (٧/ ٤٤٩).
[ ١ / ٦٩٨ ]
حكايته في باب السلم، وأن الأصح الجواز.
يتلوه في الجزء التاسع كتاب الرهن (^١)
* * *
_________________
(١) كتب في الهامش: مثال خط المصنف، فرغت من تصنيفه يوم السبت ثاني عشر شعبان سنة أربع وعشرين وسبعمائة والحمد لله أولًا وآخرًا، وباطنًا وظاهرًا، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين. أسأل الله أن ينفع به، وهو حسبي ونعم الوكيل.
[ ١ / ٦٩٩ ]