وما يسرع إليه الفساد من الأطعمة والفواكه الرطبة التي لا يمكن استصلاحها يجوز رهنه بالدين الحال والمؤجل الذي يحل قبل فساده؛ لأنه يمكن بيعه واستيفاء الحق من ثمنه.
قوله: التي لا يمكن استصلاحها احتراز مما يمكن تجفيفه، كالرطب الذي يجيء منه تمر، والعنب الذي يجيء منه زبيب، واللحم يمكن أن يملح ويقدد، وما كان كذلك، فإنه يجوز رهنه بالدين الحال والمؤجل، سواء كان الأجل يحل قبل أن يُخشى فساده أم لا، اتفق الشافعي والأصحاب على ذلك، وسنذكر عن البويطي شيئًا لم يأخذ به الأصحاب، ثم إن رهنه بدين حالٍّ أو مؤجل إلى أجل يحل قبل فساده فلا شبهة فيه، وإن كان إلى أجل لا يبقى رطبًا إليه، ويخشى فساده قبله وجب على الراهن إصلاحه وتجفيفه، فإن امتنع أجبر عليه، نص عليه الشافعي والأصحاب؛ حِفْظًا لوثيقة الرهن؛ كمؤنة العبد، وعلف الدابة، وليس للمرتهن تجفيفه حتى يأذن الراهن بذلك نص عليه في "الأم" (^١) ولا فرق في هذا القسم بين أن يطلق الرهن أو يشترط
_________________
(١) الأم (٣/ ١٦٦).
[ ٢ / ١٨٨ ]
بيعه وزعم المتولي في هذا القسم أن الراهن إذا امتنع من التجفيف باع الحاكم جزءًا منها وصرفه إلى مؤنة تجفيفها، وهذا إن فرض حيث لا يمكن أخذ مؤنة التجفيف منه، ولا الاقتراض عليه صحيح، وإن فرض إمكان ذلك، فكيف يباع المرهون، وقد تعلق به حق المرتهن، وهذا كما سبق عنه في الخراج، وهذا أسهل من ذاك؛ لأن التجفيف لمصلحة الراهن والمرتهن جميعًا، وكلاهما إنما يأتي على قول الشيخ أبي محمد أن الراهن لا يجبر على مؤنة الرهن، بل يُباع بعضه فيها، والصحيح خلافه، ووافق المتولي على بيع الحاكم بعض الرهن لمؤنة التجفيف البغوي، لكنه فرض فيما إذا تعذر من الراهن، ولم يفرض في الامتناع، كما فرض المتولي (^١)، فيمكن أن يحمل على ما قلناه، فلا يكون موافقًا للمتولي مطلقًا، ولا شك أنه إذا تعذر يباع بعضه، كما سيأتي في مؤنة الرهن، وأما ما لا يمكن استصلاحه؛ كالقثاء، والخيار، والبقول، والموز، والشواء، والهريسة، والطبيخ وما أشبهه من الأطعمة، والفواكه الرطبة، والجمد، فإن رهنها بدين حال صح قطعًا نص عليه في "المختصر" (^٢)، وكذا بدين مؤجل يَحِلّ قبل فسادها نص عليه في "الأم" (^٣) ودليلهما ما ذكره المصنف، واقتصر العراقيون على هذا، وزاد المراوزة والرافعي بعد ذلك أنه إن بيع في الدين، أو قضى الدين من موضع آخر فذاك وإلا بيع وجعل الثمن رهنًا كَيلا يضيع وتفوت الوثيقة (^٤) والبيع الأول وهو ما يكون لوفاء الدين حق للمرتهن على الراهن تجب بطلب المرتهن بلا خلاف، ولم يذكر الغزالي غيره ولا شك أنه لا يجب قبل
_________________
(١) التهذيب (٤/ ٤٨).
(٢) مختصر المزني (٨/ ١٩٥).
(٣) الأم (٣/ ١٦٦).
(٤) فتح العزيز (٤/ ٤٤٥).
[ ٢ / ١٨٩ ]
الطلب، وهذا البيع وهو أن يباع ليكون ثمنه رهنًا حق لهما، فلو تركه المرتهن حتى فسد. قال في "التهذيب" (^١): إن كان الراهن أذن له في بيعه ضمن وإلا لم يضمن.
قال الرافعي: "ويجوز أن يقال عليه رفع الأمر إلى القاضي ليبيعه" (^٢).
قال النووي: "هذا الاحتمال الذي قاله الإمام الرافعي ﵀ قويٌّ أو متعين" (^٣). انتهى.
والذي فهمته أن هذا الاحتمال في القسم الثاني من كلام البغوي على قوله: أنه إذا لم يأذن له لم يضمن؛ أي: يجب حينئذ أن يرفع الأمر إلى القاضي، فلو لم يفعل ضمن وإن لم يأذن، وهذا إن صح، فيجب أن يكون محله إذا لم يمكن مراجعة الراهن، فإن أمكنت فلا شك أن القاضي لا يبيع فإن البيع في هذه الحالة وهي إذا لم يطلب المرتهن إنما هو لحق الراهن، فكيف يسوغ مع حضوره وإمكان مراجعته، وفهم ابن الرفعة أنه على القسم الأول فقال: أي على المرتهن إذا لم يختر البيع، وقد أذن له فيه أن يرفع إلى القاضي ليبيعه ولا يتولى هو البيع؛ لأنه لا يجب عليه.
قال: ومن هنا يجوز أن يقال عليه: إن المرتهن لا يضمن إذا لم يبع حتى تلف بعد الإذن كما صرح به الجيلي في آخر هذا الكتاب؛ لأن البيع لم يجب عليه، فهو كالوكيل المأذون بالبيع مطلقًا.
قال ابن الرفعة: "وكيف لا وقد حكى صاحب "البحر" في ضمان وليِّ الطفل إذا أهمل عمارة عقاره مع إمكانها من مال الطفل حتى خرب وجهين
_________________
(١) التهذيب (٤/ ٤٨).
(٢) فتح العزيز (٤/ ٤٤٥).
(٣) روضة الطالبين (٤/ ٤٣).
[ ٢ / ١٩٠ ]
جاريين فيما لو ترك إجارة عقاره مع إمكانه، وجزم القفال بأنه لو ترك تلقيح ثمرته لا يضمن" (^١). انتهى.
والمرتهن أولى بعدم الضمان من ولي الطفل؛ لأن ولي الطفل تجب عليه رعاية المصلحة بخلاف المرتهن، وقد عرفت بهذا أن كلا الطرفين الذين ادعاهما صاحب "التهذيب" لا تخلو من نزاع واحتمال، وحيث قيل: يتضمن المرتهن، فينبغي أن يكون محله إذا كان في يده، فإن فرض في يد عدل وكان الإذن في البيع للمرتهن فينبغي ألا يضمن؛ لأنه ليس في يده ولا يجب عليه امتثال أمره.
قال المتولي: ولو سكتا حتى هلك كان من ضمان الراهن وكذا لو طالب المرتهن بالبيع حتى هلك؛ كان من ضمان الراهن فأما إن كان الراهن يريد البيع وامتنع المرتهن حتى هلك ضمن قيمته. انتهى.
وتضمين الراهن في الصورتين الأوليين يحتمل أن يكون معناه تغريمه بدله ليكون رهنًا مكانه كما لو جنى عليه والأقرب أن يقال: هو كما لو تلف بآفة سماوية بمعنى أن المرتهن لا يضمنه، وليس معناه أن الراهن يلزم ببدله رهنًا، وتضمين المرتهن في الصورة التالية؛ لأنه متعدٍّ باستمرار يده بعد مطالبة الراهن بالبيع المستحق، فلو كان الرهن في يد عدل وأمكن الراهن أخذه بالحاكم وبيعه فلا أثر لامتناع المرتهن، ويظهر أن لا ضمان عليه، فإن فرض تعذر مراجعة الحاكم وأن المرتهن منع العدل من التسليم للبيع من غير وضع يد فيظهر أيضًا أن لا ضمان.
واعلم أن البيع لحفظ ثمنه إنما تعرض له القاضي حسين والإمام (^٢)
_________________
(١) كفاية النبيه (١٠/ ٢٠) بمعناه.
(٢) نهاية المطلب (٦/ ١٦٩).
[ ٢ / ١٩١ ]
والرافعي (^١) وعبارة الغزالي إنه إذا أشرف على الفساد بيع في وفاء الدين.
فأما أن يكون سكت عما قاله القاضي، وأما أن يقول: إن المرتهن والحالة هذه لا حق له في حفظ ثمنه وإنما حقه في بيعه لدينه فإذا لم يطلبه فلا شيء له غيره، ثم ما ذكروه من إذن الراهن للمرتهن في البيع يخالف بإطلاقه ما أطلقوه من أن الراهن لا يأذن للمرتهن في البيع، كما سيأتي، فإما أن يكون ما قالوه هنا صادرًا ممن لا يرى بذلك، وعليه يتجه احتمال الرافعي على ما فهمه ابن الرفعة.
وإما أن يقال: أن الممتنع أن يبيع في وفاء الدين أمَّا لحفظ ثمنه، فلا، ويجمع بين الكلامين بذلك، لكن فيه بُعْد، فإن التهمة قد تحصل في الموضعين.
فرع
لو أراد الراهن في القسم الأول الذي يمكن تجفيفه أن يبيعه ويجعل ثمنه رهنًا لا يجاب إلى ذلك، قاله الروياني (^٢)، وكذا إذا طلب المرتهن البيع، وامتنع الراهن لا يجاب المرتهن بما قاله الماوردي (^٣)، هذا إذا كان تجفيفها أوفر لها فإن كان تجفيفها ينقص ثمنها وبيعها أوفر ودعا أحدهما إلى البيع والآخر إلى التجفيف، فوجهان في "الحاوي" (^٤)؛ أصحهما: عنده: يجاب من دعا إلى تركها إلى محل الحق؛ لأنه موجب الرهن.
والثاني - وهو قول ابن أبي هريرة: يجاب من دعى إلى بيعها؛ حفظًا
_________________
(١) فتح العزيز (٤/ ٤٤٦).
(٢) بحر المذهب (٥/ ٢٥٥).
(٣) الحاوي الكبير (٦/ ١٢٢).
(٤) الحاوي الكبير (٦/ ٢٣٣).
[ ٢ / ١٩٢ ]
للزيادة وإن اتفقا على تركها جاز، وإن اتفقا على بيعها فإن شرطا تعجيل الثمن فسد، وإن شرطا أن يكون رهنًا فإن كان مما ينقص بالتجفيف صح وإلا فقولان كذا في "الحاوي" وإن أطلقا صح، ويكون الثمن فيما ينقص بالتجفيف رهنًا، وفيما لا ينقص بالتجفيف يبطل الرهن كذا في الحاوي.
واعلم أن الماوردي ذكر هذه المسائل فيما إذا رهن الثمار الشجر ثم ذكر رهنها على الشجر منفردة، وسكت عن ذلك، والظاهر أنه يأتي فيه أيضًا، ولم يتعرض الماوردي لرهن الثمار المقطوعة، إنما ذكر الطعام الرطب والمصنف وغيره ذكروا الطعام والثمار، ويدخل في إطلاقهم الثمار المقطوعة، والتي على الشجر، ولا فرق بينهما في ذلك؛ فلذلك ينبغي أن يجعل كلام المصنف شاملًا للحالتين وما ذكره الماوردي من الأحكام المذكورة يأتي في الحالتين.
نعم، تفترق المقطوعة والتي على الشجر في أمور منها: أن التي على الشجر قد تُباع مع الشجر وسيذكرها المصنف، ومنها: أنها قد تكون لم يبد صلاحها، أو بدا صلاحها ولكن لا يؤمن اختلاطهما، وسيذكرهما المصنف.
وأما هُنَا، فإذا كانت على الشجر، فالمراد: إذا بدا صلاحها بحيث تباع مفردة، ومتى بدا صلاحها، فالمقطوعة وغيرها الحكم فيهما سواء في صحة رهن ما يجفف بدين حالٍّ أو مؤجل يحل قبل الفساد سواء كانت مقطوعة أم على الشجر.
وأما التي على الشجر مما لم يبد صلاحه، فهي بالنسبة إلى الأحكام التي ذكرناها فيما يتسارع إليه الفساد كغيرها، وإن كان لها أحكام تخصها في البيع
[ ٢ / ١٩٣ ]
بشرط القطع ودونه نذكرها جملة؛ فكلام المصنف إنما هو فيما يجوز بيعه.
وقوله: "الفواكه الرطبة" على إطلاقه فيما يباع أكانت مقطوعة أم على الشجر؛ لأن الحكم الذي ذكره لا يختلف لكن إذا رهنها مفردة، فإن رهنها مع الشجر، فسيذكر هو حكمه في بقية الفصل.
* * *
[ ٢ / ١٩٤ ]
قال:
وأما رهنه بدين مؤجل إلى وقت يفسد قبل محله، فإنه ينظر فيه، فإن شرط أن يبيعه إذا خاف عليه الفساد جاز رهنه وإن أطلقه ففيه قولان؛ أحدهما: لا يصح، وهو الصحيح؛ لأنه لا يمكن بيعه في الدين في محله، فلم يجز رهنه كأم الولد.
والثاني: أنه يصح، فإذا خيف عليه [الفساد و] (^١) أجبر على بيعه ويجعل ثمنه رهنًا؛ لأن مطلق العقد يحمل على المتعارف ويصير كالمشروط والمتعارف فيما يفسد أن يباع قبل فساده، فيصير كما لو شرط ذلك ولو شرط جاز رهنه، فكذلك إذا أطلق.
إذا رهنه بدين مؤجل لا يحل قبل فساده، فإن شرط أن يبيعه إذا خيف عليه ويجعل ثمنه رهنًا مكانه؛ جاز قطعًا عند الأصحاب، وهذا مراد المصنف، وإن كان لنا خلاف فيما لا يفسد إذا شرط أن يباع ويكون ثمنه رهنًا والفرق الحاجة هنا وعدمها هناك.
وذكر ابن الرفعة أن ما سنحكيه عن "البويطي" و"الأم" يقتضي إثبات خلاف فيه هنا، وأيده بأنه شرط ينافي مقتضى إطلاق العقد لكن الأصحاب لم يتعرضوا له.
قال: ولعل السر في ذلك أن الرهن نفسه تبرع، ومع ذلك فشرطه في البيع لا يفسده، فكذا فيما نحن فيه من طريق الأولى.
_________________
(١) ليست في المطبوع من المهذب.
[ ٢ / ١٩٥ ]
قلت: ولم يظهر لي من كلام البويطي وغيره ما يقتضي إثبات خلاف في ذلك ولكنه من جهة المعنى لا يبعد وإن شرط ألا يباع بطل قطعًا، نص عليه الشافعي (^١) والأصحاب، وهو يدل لأحد أمرين: إما أن يكون مقتضى هذا الرهن البيع على خلاف ما قاله ابن الرفعة، وإما أن يكون مقتضى الشرع تمكن الراهن والمرتهن من البيع، فإذا شرط عدمه بطل ولا شك أن البيع قبل محل الحق ليس لوفاء الدَّين، بل ليكون ثمنه رهنًا؛ فيتأيَّد به ما سبق عن القاضي حسين والرافعي، ولم يذكر المصنف هذا القسم لوضوحه.
وذكر الأصحاب القسمين، وكلهم صوروا إذ كان الأجل يحل بعد وقت الفساد كما صوره المصنف، ولا شك أنه لو كان يحل مع وقت الفساد كان الحكم كذلك؛ لأنه لا يبقى بتمكن البيع من البيع بعده، فلذلك اخترنا في العبارة ما قدمناه من قولنا: لا يحل قبل فساده؛ لأنها تشمل ما يحل معه وبعده، وهي مراد الأصحاب وكلام الشافعي الذي سنحكيه يشهد لها وإن أطلق الرهن ولم يشترط أن يباع ولا أن لا يباع فقولان، اتفقت الطرق على حكايتهما، ولم يصحح القاضي أبو الطيب منهما شيئًا، وكذلك كثير من الأصحاب.
وقال الشيخ أبو حامد: الصحيح عندي: أنه لا يصح، وعلى ذلك جرى المصنف وأتباعه، والجرجاني، والرافعي في "المحرر".
وقال في "الشرح الكبير": "أنه أصح عند أصحابنا العراقيين" (^٢).
وقال الروياني: "إنه ظاهر المذهب" (^٣).
_________________
(١) الأم (٣/ ١٦٦).
(٢) فتح العزيز (٤/ ٤٤٦).
(٣) بحر المذهب (٥/ ٢٥٤).
[ ٢ / ١٩٦ ]
والثاني: أنه يصح، وبه قال أبو حنيفة وأحمد (^١).
وقال الرافعي في "الشرح الصغير": إنه الأظهر عند الأكثرين
وقال في "الشرح الكبير": "إن ميل من سوى العراقيين إليه، وهو الموافق لنصه في "المختصر"" (^٢)، ولفظه في "المختصر": "وإذا رهنه ما يفسد من يومه أو غده أو مدة قصيرة لا ينتفع به يابسًا مثل البقل والبطيخ، فإن كان الحق حالًّا فجائز ويباع، وإن كان إلى أجل يفسد كرهته، ومنعني من فسخه أن للراهن بيعه قبل محل الحق على أن يعطى صاحب الحق حقه بلا شرط، فإن شرط ألا يباع إلى أن يحل الحق، فالرهن مفسوخ" (^٣). انتهى.
وهو صريح في القول بالصحة ولفظه في "الأم": "وإن كان إلى أجل يفسد إليه الرهن كرهته، ولم أفسخه، وإنما منعني من فسخه أن للراهن بيعه قبل محل الحق على أن يعطي صاحب الحق حقه بلا شرط، وأن الراهن قد يموت من ساعته فيباع" (^٤). انتهى.
وهذه علة أخرى جيدة للصحة وهي احتمال موت الراهن وحلول الأجل وإمكان بيعه في الدين، ولا يحتاج معها إلى أن تعلل الصحة بما قاله المصنف وغيره من أن المتعارف كالمشروط، وأن المتعارف البيع، ونصه في "البويطي" صريح في القولين. قال: وإذا رهن رجلٌ رجلًا ثمارًا أو بطيخًا أو لبنًا أو شيئًا يخشى فساده إلى الوقت الذي يحل فيه. قال الشافعي: فيها قولان؛ أحدهما: أن ذلك لا يجوز إذا كان العلم يحيط أن ذلك يفسد قبل المحل.
_________________
(١) انظر: المغني (٤/ ٢٢٤)، والشرح الكبير (٤/ ٤٤٦).
(٢) فتح العزيز (٤/ ٤٤٦).
(٣) مختصر المزني (٨/ ١٩٥).
(٤) الأم (٣/ ١٦٦).
[ ٢ / ١٩٧ ]
والآخر: أنه جائز؛ لأنه يأتي السلطان إذا خاف فساده، فيأمر بصلاحه إن كان يصلح بيبس أو غيره أو بيعه. انتهى.
قال ابن الرفعة: وهذا يقتضي آخر القولين فيما إذا كان يمكن إصلاحه، وقد عرفت أن الأصحاب مطبقون على أنهما لا يجريان في ذلك، بل حالة عدم إمكان إصلاحه.
قلت: وهو كذلك والحامل للأصحاب على قطعهم بالصحة فيما يمكن تجفيفه نصه في "الأم" (^١) ولفظه: "ولو رهنه ما يصلح بعد مدة مثل اللحم الرطب ييبس والرطب ييبس وما أشبهه كان الرهن جائزًا لا أكرهه بحال". انتهى.
فإن قلت: قد حكيت اختلاف التصحيح في القولين، فما الذي يترجح عندك منهما.
قلت: الموضع مشكل، فإن تعليل المصنف الفساد بأنه لا يمكن بيعه في الدين في محله، فلم يجز رهنه كأم الولد يجاب عنه بأن وصف كونه في محله لا أثر له، وهو يمكن بيعه في الدين قبل محله؛ لأنه يباع كما سيأتي في تفريع الصحة، ففارق أم الولد والوثيقة تحصل بذلك، وقد زاد بعضهم هذا التعليل إيضاحًا فقال: لأن الإجبار على البيع إنما يثبت عند المحل وقبله ليس بقضية للرهن، فلا يجبر عليه، وإذا تعذر الإجبار، فقد ورد الرهن على ما لا يمكن استيفاء الحق منه، فكان باطلًا هكذا أورده في "التتمة"، وكلام المصنف يرجع إليه وحقيقته منازعة القابل بالتصحيح فيما يقوله من الإجبار على البيع قبل المحل واستنتاج عدم الإمكان منه فيعود الخلاف إلى أن الرهن يقتضي ذلك أو لا، ولا أجد الصدر يثلج باقتضاء العقد لذلك فمن هنا
_________________
(١) الأم (٣/ ١٦٦).
[ ٢ / ١٩٨ ]
يقوى القول بالفساد وتعليله للصحة بأن مطلق العقد يحمل على المتعارف، والمتعارف فيما يفسد أن يباع ممنوع أن المتعارف ذلك، وسند المنع أنه إن أريد في غير المرهون، فقد يباع وقد يوكل وإن أريد في المرهون فلا عرف، وتعليل الشافعي ﵁ في "المختصر" (^١) و"الأم" (^٢) بأن "للراهن البيع قبل محل الحق" يقتضي أن تمكنه من البيع كافٍ من غير إجبار وزاد عليه في "الأم": "أنه قد يموت من ساعته فيباع" يعني: فهو مما يمكن بيعه الآن، وكلا المعنيين موجود في المعلق عتقه بصفة وقد نص فيه على الفساد وأطبق عليه الأكثرون، وتعليله في البويطي بأنه يأتي السلطان إلى آخره يقتضي الإجبار ومنه يخرج ما قاله المصنف من التعليل لكن قد بينَّا المنازعة فيه.
فإن قلت: فهذا يقتضي ميلك إلى القول بالفساد من غير إشكال، وأنه كالمعلق عتقه بصفة.
قلت: أما إلحاقه بالمعلق عتقه فبعيد؛ لأن في المعلق عتقه وصفًا زائدًا، وهو استحقاق عتقه قبل محل الدين، وهذا المعنى مفقود فيما يتسارع إليه الفساد، وهذا المعنى زائد على ما يفرق به الأصحاب من أن العرف فيما يسرع إليه الفساد أن يباع بخلاف المعلق عتقه وهو أيضًا فرق لا بأس به، فإن بيعه يعد حفظًا له عرفًا، وهذا القدر كافٍ في حمل الرهن المطلق عليه، ولولا أن البيع في مثل ذلك من أسباب الحفظ، لما جوزنا اشتراطه كما لا يتسارع إليه الفساد؛ فلذلك القولان متقاربان في النظر، ولا جرم كثير من الأصحاب أرسلوهما من غير تصحيح؛ ولنا أسوة بهم.
فإن قلت: القول بالتصحيح وحمل الأمر على البيع وحفظ الثمن يقتضي
_________________
(١) مختصر المزني (٨/ ١٩٥).
(٢) الأم (٣/ ١٦٦).
[ ٢ / ١٩٩ ]
أن المرهون المالية لا العين وحدها، وذلك لا يجوز.
قلت: إنما لا يجوز إذا لم يرهن العين، واقتصر على رهن المالية، أما إذا رهن العين وكانت مما يعد بيعها حفظًا لها، فلا منع في ذلك، وكان هذا يصير بمثابة الجناية على المرهون حيث ينتقل الحق من العين إلى القيمة.
وقال ابن الرفعة: إن المسألة تقرب مما إذا باع المغصوب ممن يقدر على انتزاعه هل يصح وفيه خلاف، والأصح منه مختلف فيه، كما هو ها هنا ووجه عدم الصحة أن التسلم واجب على البائع، والمشتري متبرع بالانتزاع.
قلت: وليس مثله؛ لأن الراهن هنا قادر على البيع فهو نظير البائع، وقد قالوا: إن البائع لو قدر وحده على انتزاع المغصوب صح قطعًا، ويشبهه أيضًا بالمغصوب الذي لا يقدر واحد منهما على انتزاعه، كما أشار إليه بعضهم ليس بجيد؛ لأن بيع هذا مقدور عليه، وحرف المسألة أن البيع في مثل هذا هل يعد حفظًا أو لا؟! فإن جعلناه حفظًا وجعلنا الرهن قرينة فيه صححنا وإلا فلا.
التفريع:
إن قلنا بالصحة فإذا أشرف على الفساد يباع، كما لو شرط بيعه، ويجبر الراهن على ذلك كما صرح به المصنف، كذا قاله الجمهور.
وقال الماوردي: لا يجبر (^١) وهذا حكاه الروياني عن بعض أصحابنا أنه بالخيار بين بيعه ويكون ثمنه رهنًا وبين تركه وإن هلك ولا يجبر على بيعه.
قال الروياني: "وهذا أقيس والأول أظهر" (^٢).
_________________
(١) الحاوي الكبير (٦/ ١٢٣).
(٢) بحر المذهب (٥/ ٢٥٤).
[ ٢ / ٢٠٠ ]
قلت: ويدل له نصه في البويطي، وإنه يأتي السلطان فيأمر، وذلك صريح في الإجبار، ولولا ذلك لترجح القول بالفساد لما قدمناه.
فرع
قال ابن الرفعة في "الكفاية": "إذا قلنا: لا يصح رهنه، فأخذه المرتهن وتركه حتى فسد قال في "التهذيب": إن أذن له الراهن في بيعه ضمن، وإلا لم يضمن" (^١). وهذا قد سبق فيما إذا رهنه بدين حالٍّ أو يتحقق حلوله قبل فساده، ولم يذكره صاحب "التهذيب" إلا فيه (^٢)، وقياسه أن يأتي هنا إذا قلنا: يصح رهنه، فإصلاح كلام ابن الرفعة أن تكون "لا" زائدة، ويكون مراده حيث قلنا: يصح، إما قطعًا، وإما على الأصح، لكنه زائد على نص "التهذيب"، وأما إن أثبتنا "لا"، فهي مسألة ليست في "التهذيب"، وحكمه حكم غير المرتهن ممن تحت يده مال لغيره وتقسيمه وأحكامه لا تخفى.
فرع
إذا كان المرهون مما يحتمل فساده قبل الحلول ويحتمل بقاؤه، فإن كان الأجل قريبًا، وفي الثمار مسكه لا يُدرى هل يبقى إليه أم لا؟ والأمران محتملان، ففي جواز الرهن المطلق قولان مرتبان على القولين السابقين.
قال الرافعي: "والصحة هنا أظهر" كذا في "الشرح الكبير" (^٣) و"الصغير" وعَبَّر عنه النووي في "روضة الطالبين": "بأن المذهب الصحة" (^٤) وصححه
_________________
(١) كفاية النبيه (٩/ ٤١٤).
(٢) التهذيب (٤/ ٤٨).
(٣) فتح العزيز (٤/ ٤٤٦).
(٤) روضة الطالبين (٤/ ٤٤).
[ ٢ / ٢٠١ ]
في "المحرر"، ولا شك في الترتيب وأولوية الصحة، وأما كون المذهب الصحة ففيه نظر؛ لأنه إن ترجح القول بالفساد هناك نظر إلى اشتراط إمكان البيع عند المحل والجهل بالشرط يمنع من الحكم بالصحة.
أما إذا قلنا بأن من باع مال أبيه على ظن أنه حي، فإذا هو ميت باطل، فظاهر.
وأما إذا قلنا بصحته، فلأن هناك الملك الذي هو شرط موجود في نفس الأمر الآن، ولكنا جهلناه، والفساد هنا متوقع مستقبل، فهو غرر ظاهر، وقد يعكس ويقال: الأصل هنا بقاؤه، فهو أولى بالصحة من بيع مال أبيه على ظن حياته، ولعل هذا مستند الرافعي في التصحيح، وهو جيد إذا غلب على الظن البقاء اعتمادًا على الأصل، فإن ظهرت أمارات تعارض الأصل، وتقدح في الظن، فالغرر حاصل.
فرع
قال الروياني: "اختلف أصحابنا في معنى لفظ الشافعي - رحمة الله عليه: ومنعني من فسخه أن للراهن بيعه قبل محل الحق على أن يعطي صاحب الحق حقه بلا شرط، فمنهم مَن قال: معناه من غير شرط تأخير بيعها إلى المحل في هذه المسألة، ومنهم مَن قال: أراد بلا شرط أن المرتهن إذا أذن للراهن عند خوف الفساد يبيع الثمرة بشرط تعجيل الدين من ثمنها لا يجوز ذلك" (^١).
فرع
لو رهن ما لا يتسارع إليه الفساد، فطرأ ما عرضه للفساد قبل حلول الأجل، كما إذا ابتلت الحنطة، وتعذر التجفيف، فلا يفسخ الرهن
_________________
(١) بحر المذهب (٥/ ٢٥٤).
[ ٢ / ٢٠٢ ]
بحال بلا خلاف، وإن منع الصحة في الابتداء على أحد القولين، كما أن إباق العبد يمنع صحة العقد، ولو طرأ لم يوجب الانفساخ بلا خلاف؛ لأن الشروط تراعى في الابتداء دون الدوام، وكذا لو نكح أمة بشرطه، ثم قدر على نكاح حرة لا يبطل النكاح، وإن كان المزني خالف فيه هذا إذا كان عروض الفساد بعد القبض، فلو طرأ ذلك قبل قبض المرهون، ففي الانفساخ وجهان، كما في عروض الموت والجنون.
قال النووي: "الأرجح أنه لا ينفسخ" (^١)، والأمر كما قال؛ لأن الإمام (^٢) وغيره حكوا الوجهين، وبنوهما على الوجهين في طريان الجنون والموت وجناية المرهون، والأصح في طريان الجنون، وموت المرتهن، وجناية المرهون عدم الانفساخ، وكذلك إذا تخمر العصير قبل القبض وأبق العبد، فإن الأصح عدم الانفساخ، كما صرح به الرافعي في "المحرر"، وإن كان للنظر فيه مجال، ويمكن الفرق بين موت العاقد وجنونه وبين حدوث صفة في المعقود عليه لو قارنت لمنعت الصحة، ولكن المنقول ما ذكرناه، وأجرى الإمام الوجهين فيما لو قتل العبد المرهون قبل القبض، هل يتعلق حق الوثيقة بقيمته الواجبة على المتلف؟
وحاصله: أن حال عدم القبض هل يُنزل منزلة ما قبل الرهن لعدم اللزوم؟ أولًا لوجود أحد سببي اللزوم فيه هذا الخلاف، هذا كله إذا فَرَّعنا على أن ما يتسارع إليه الفساد لا يجوز رهنه، أما إذا قلنا بالجواز، فعروض ذلك بعد العقد، وقبل القبض لا يضر بلا خلاف.
قال الرافعي: "وإذا لم ينفسخ يُباع، ويجعل الثمن رهنًا مكانه" (^٣)، وهذا
_________________
(١) روضة الطالبين (٤/ ٤٤).
(٢) نهاية المطلب (٦/ ٨٠).
(٣) فتح العزيز (٤/ ٤٤٦).
[ ٢ / ٢٠٣ ]
الكلام بإطلاقه يقتضي أنه لا فرق بين أن يكون بعد القبض أو قبله، وفَرَّعنا على عدم الانفساخ، لكن البيع بعد القبض يكون لازمًا وقبله لا يكون لازمًا بل برضاهما، وهو كلام جيد، والذي نقله الإمام فيما بعد القبض، فقال: "إن الأئمة قطعوا بأنه يستحق بيعه، ووضع ثمنه رهنًا" (^١). ونقل الماوردي قولين؛ أحدهما: هذا.
والثاني: أنه لا يجبر على البيع؛ لأن حق المرتهن في حبسه دون بيعه (^٢).
قال النووي: "وهذا ضعيف" (^٣).
قال الماوردي: "والفرق على الأول بين هذه الحالة وبين ما إذا صححنا رهن ما يتسارع إليه الفساد، حيث لا يجبر على البيع قولًا واحدًا أن العقد هنا ورد على سليم حالًا ومآلًا، والبيع يتم تصحيحه لذلك، ولا كذلك في رهن ما يتسارع إليه الفساد، فإن المرتهن دخل مع علمه بحاله، فكان في الانتهاء على ما هو عليه في الابتداء" (^٤). انتهى.
وهذا على رأيه في أنا إذا صححنا رهن ما يتسارع إليه الفساد لا يُجبر على بيعة، وقد تقدم أن الأصح أنه يُجبر.
فرع
في نقل الوثيقة من عين إلى عين إذا تراضى المتراهنان على ذلك وجهان؛ أحدهما: يلغو، والوثيقة لا تنتقل، ورضا المرتهن لا يتضمن فسخ الرهن.
والثاني: تنتقل، وما جرى بينهما يتضمن فسخ الرهن الأول وإعادته في
_________________
(١) نهاية المطلب (٦/ ١٧٢).
(٢) الحاوي الكبير (٦/ ١٢٢).
(٣) روضة الطالبين (٤/ ٤٤).
(٤) الحاوي الكبير (٦/ ١٢٣).
[ ٢ / ٢٠٤ ]
المحل الثاني.
قال الإمام: "وأخذ العلماء هذا الخلاف من رهن ما يفسد قبل الأجل، ووجه الأخذ منه أن الرهن فيما يفسد تضمن نقل الوثيقة إلى عوض المرهون بتقدير البيع، فقالوا: إذا كنا نجوِّز ذلك، فلا يمنع من نقل الحق؛ اختيارًا من محلٍّ إلى محلٍّ. قال: وهذا عندي غير سديد، فإن بيع ما يفسد مستحق شرعًا، وإقامة الأثمان والقيم مقام الأصول قاعدة ممهدة في الشريعة.
فأما نقل حقٍّ مستقرٍّ من محل إلى محل ليس له أصل من غير حاجة ولا ضرورة، وليس النقل والرضا مشعرًا بالفسخ والإعادة على التحقيق، وليس كما لو قال لمالك عبدٍ: أعتق عبدك عني، فإن هذا من ضرورته تقدير نقل الملك ضمنًا لاستدعاء العتق.
وأما نقل الوثيقة، فمبنيٌّ على اعتقاد بقاء الرهن الأول مع نقل موجبه، وعلى هذا يجري انتقال الوثيقة من المثمن إلى الثمن، فالوجه إفساد نقل الرهن من عين إلى عين" (^١). انتهى.
ولا مزيد على حسنه؛ ولذلك كان الأصح أنه لا يصح نقل الوثيقة.
وقال الأرغياني في "فتاويه": لو كانت العين مما لا يتسارع إليها الفساد، فقال: نقلت الرهن أو حقك من هذا العبد إلى هذا الثوب، وأراد به فسخًا وإعادة صح، وإلا، فحق الرهن لا يقبل النقل. انتهى.
وهذا تفصيل حسن، ومادته من "النهاية"، ويجب اعتماده ومحل الخلاف في الثاني والأول لا يأتي فيه خلاف، وقد نص الشافعي على أنهما إذا اتفقا على فسخ الرهن وجعله في عين أخرى جاز، وهو شاهدٌ للقسم الأول الذي ذكره الأرغياني.
_________________
(١) نهاية المطلب (٦/ ١٧١).
[ ٢ / ٢٠٥ ]
فرع
رهن ما لا يفسد، وشرط أن يباع، ويجعل ثمنه رهنًا بلا عذر ظاهر.
قال الروياني: "المذهب أنه لا يجوز.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان؛ أحدهما: يجوز كما يجوز بالعذر.
والثاني: لا؛ لأن نقل العقد من محل إلى محل لا يمكن، كما لو نقل من عبد إلى عبد لا يجوز، وإن تراضيا عليه" (^١). انتهى.
وكان هذا تفريعًا (^٢) على منع نقل الوثيقة، ومقتضاه أنه إذا لم يجز بغير شرط، فهل يجوز بالشرط؟! وجهان.
* * *
_________________
(١) بحر المذهب (٥/ ٢٥٥).
(٢) في المخطوطة: "تفريع". والصواب ما أثبتناه.
[ ٢ / ٢٠٦ ]
قال:
وإن رهن ثمرة يسرع إليها الفساد مع الشجر، ففيه طريقان؛ من أصحابنا من قال: فيه قولان، كما لو أفرده بالعقد، ومنهم من قال: يصح قولًا واحدًا؛ لأنه تابع للشجر، فإذا هلكت الثمرة بقيت الشجرة.
إذا رهن الثمرة مع الشجرة، فكل موضع قلنا: يصح رهن الثمرة وحدها، فهنا أولى، وكل موضع قلنا: فيه قولان، فهنا طريقان حكاهما جميع الأصحاب؛ أحدهما: إجراء القولين في الثمرة، كما لو كانت مفردة.
فإن قلنا بالصحة صح فيها، وفي الشجرة، وإن قلنا بالفساد فسد فيها وفي الشجرة قولَا تفريق الصفقة: وهذه الطريقة قال الرافعي: "إنها أشبه" (^١).
والطريقة الثانية: إنه يصح الرهن في الثمرة والشجرة قولًا واحدًا؛ لأن الثمرة والحالة هذه تابعة، فلا يضر كونها يسرع إليها الفساد، ألا ترى أن بيعها وحدها لا يجوز بدون شرط القطع، ويجوز مع الشجرة، وهذه الطريقة قال أبو علي الطبري في "الإفصاح" إنها أصح، والمختار الطريقة الأولى، والفرق بين هذا وبين البيع أن في البيع يتمكن المشتري من قطعها والانتفاع بها، وها هنا تصحيح الرهن فيها مع العلم بفسادها قبل الأجل لا فائدة فيه إلا إن قيل ببيعها وحفظ ثمنها كالمفردة، فالمختار إجراء القولين وتفاريعهما جميعها عائدة هنا، فلا نطول بذكرها، وقد علم محلهما والفرق بين ما يجفف وغيره، وبين أن يفسد قبل الأجل أو لا، فاستغنينا عن إعادته، وكل
_________________
(١) فتح العزيز (٤/ ٤٥١).
[ ٢ / ٢٠٧ ]
موضع قطعنا في المفردة بأنه لا يجوز رهنها، وأفسدنا هنا، ففي الأشجار قولًا تفريق الصفقة، وهل في المواضع التي تقطع بالفساد حالة الإفراد، كما إذا شرط عدم البيع، فيما يفسد قبل الأجل، فهل يتردد فيه لأجل التبعية، أو يقطع بالفساد في الثمرة، وتخريج الشجرة على قولي تفريق الصفقة، الأقرب الثاني، وهو الذي أطلقوه، وإن كان الأول محتملًا، ولا ينافيه كلامهم أيضًا، وقد وقع في "الانتصار" لابن عصرون هنا شيء عجيب، فإنه حكى ثلاث طرق؛ أحدها: أن حكم الثمرة ما لو أفردها بالرهن، ففي الموضع الذي لا يجوز يبنى على تفريق الصفقة؛ لأنه جمع في الرهن بين جائز وغير جائز. قال: وهذا أصح الطرق الثلاثة.
والثاني: أنها على قولين.
والثالث: يصح قولًا واحدًا، هذا كلامه، فإن كان ما قاله عن ثبتٍ، فيقتضي أن منهم من يقول: حكم الثمرة هنا حكمها عند الإفراد، حيث قطعنا بالفساد حالة الإفراد، قطعنا به هنا، وحيث قطعنا بالصحة هناك قطعنا بها هنا، وحيث ترددنا هناك ترددنا هنا، وهذا لا إشكال فيه؛ لأنها الطريقة التي ذكرها المصنف وغيره من إجراء القولين، وهي مرادهم، ومقتضى كلام ابن أبي عصرون مع هذا أن بعضهم قال: إنها هنا على قولين مطلقًا، وإن قطعنا بالفساد هناك في بعض الصور، وهذا ما قدمنا أنه محتمل، ولكن لم أَرَ التصريح به، وأما التصحيح قولًا واحدًا، فمذكور في الكتاب وغيره، فالذي انفرد به ابن أبي عصرون حكاية الطريق الثانية المقتضية إجراء قولين هنا، وإن حكمها مغاير لحالة الإفراد، ولا فرق كما صرح به القاضي حسين في هذا بين أن تكون الثمرة طلعًا أو بُسْرًا بدا فيه الصلاح، أو لم يَبْدُ. وذكر الماوردي تفريعًا على صحة الرهن في الثمرة، أنه هل يجبر
[ ٢ / ٢٠٨ ]
الراهن على بيعها عند تناهيها وإدراكها أو لا؟ على قولين؛ أحدهما: لا يجبر على بيعها، كالطعام الرطب الذي لا يُجبر على بيعه عند حدوث فساده، يعني على قوله، كما سبق عنه، وإن كان الصحيح عند الأصحاب خلافه.
والثاني: قال: وهو المنصوص عليه في هذا الموضع أنه يجبر على بيعها بخلاف الطعام الرطب، والفرق بينهما أن الثمرة ها هنا تبع لأصل باقٍ، وهو النخل، لَحِق بحكم أصله، ووجب بيعه ليكون باقيًا معه، وليس كذلك الطعام الرطب؛ لأنه لا يتبع أصلًا باقيًا، فكان بحكم نفسه منفردًا. انتهى.
وقد تقدم من نصه في البويطي ما يقتضي الإجبار فيما ليس بتابع، وهو الأصح عند الأصحاب فيهما، وبذلك مع ما ذكره الماوردي يأتي ثلاثة أوجه في الإجبار.
فإن قلت: ما الذي نص عليه الشافعي في رهن الثمار مع الأشجار؟
قلت: الصحة، قال في "المختصر" في باب الرهن يجمع الشيئين المختلفين: "وإذا رهن ثمرًا قد خرج من نخله، قيل: يحل بيعه ومعه النخل فهما رهن؛ لأن الحق لو حل جاز أن يباعا، وكذلك إذا بلغت هذه الثمرة قبل محل الحق وبيعت، خيّر الراهن بين أن يكون ثمنها مرهونًا مع النخل أو قصاصًا، إلا أن تكون هذه الثمرة تيبس، فلا يكون له بيعها إلا بإذن الراهن" (^١).
وقال في "الأم": "وإذا رهنه ثمرًا قد خرج من نخله، قيل: يحل بيعه ونخله معه، فقد رهنه نخلًا وثمرًا معًا، فهما رهن جائز من قبل أنه يجوز له لو مات الراهن، أو كان الحق حالًّا أن يبيعهما من ساعته" (^٢).
_________________
(١) مختصر المزني (٨/ ١٩٨).
(٢) الأم (٣/ ١٥٥).
[ ٢ / ٢٠٩ ]
قلت: وهذه الزيادة التي في "الأم" تبين أن قوله بالصحة هنا كقوله بالصحة في رهنها مفردة، كما سبق عنه وفيه شاهد لطريقة إثبات القولين هنا كما هناك.
قال في "الأم" (^١) عقب ما حكيناه الآن: "وكذلك لو كان إلى أجل؛ لأن الراهن متطوع ببيعه قبل [أن] (^٢) يحل أو يموت، فيحل الحق، وإذا كان الحق في هذا الرهن جائزًا إلى أجل، فبلغت الثمرة وبيعت، خيّر الراهن بين أن يكون ثمنها قصاصًا من الحق، أو مرهونًا مع النخل حتى يحل الحق، ولو حل الحق فأراد بيع الثمرة قبل بدو صلاحها دون النخل لم يكن له، وكذلك لو أراد قطعها وبيعها، لم يكن له إذا لم يأذن له الراهن في ذلك". انتهى كلام الشافعي، وليس فيه شاهد للقطع بالصحة، بل لإثبات القولين، ولا يبعد أن يرتب القولين، ويكون القول بالصحة هنا أولى، والطريقتان تقتضيان ذلك، وقد يخرج من هذا أن يُفتى بالصحة هنا، وإن توقفنا فيها فيما مضى.
فإن قلت: كلام الشافعي المذكور يقتضي أنه لا فرق في ذلك أن بين يكون الدين حالًّا أو مؤجلًا؛ والطريقان إنما هما في المؤجل بأجل يفسد قبله.
قلت: صحيح، ولكن الشافعي لما أفتى بالصحة جمع المسألتين، وإن كانت إحداهما مجزومًا بها، والأخرى مترددًا فيها عند الأصحاب أو عنده في موضع آخر.
وقد قال ابن داود وهو أبو بكر محمد بن داود بن محمد الداودي في
_________________
(١) انظر المصدر السابق.
(٢) سقطت من المخطوطة، والمثبت من الأم.
[ ٢ / ٢١٠ ]
"شرح المختصر": قوله: "فهما رهن؛ لأن الحق لو حل جاز أن يباعا"، معناه أن الحق إذا كان حالًّا بيع في الحال ليس أن هذا في المؤجل حتى يجري قوله: "لو حل" على ظاهره ألَا تراه أنه عطف عليه المؤجل، فقال: وكذلك إذا بلغت هذه الثمرة قبل محل الحق وبيعت، والشافعي عطف على قوله: جاز أن يباعا إن قال: وكذلك لو رهنه بدين مؤجل، فالرهن جائز؛ لأنه قد يتطوع الراهن فيبيعه وقد يموت، فيحل الحق، ثم قال: وإذا بلغت هذه الثمرة قبل محل الحق بيعت، وهذا ظاهر في المعنى، غير أن المزني ترك الفصل الأوسط اختصارًا، وقال: وكذلك إذا بلغت حتى غلطه بعض أصحابنا، فقال: كان حقه أن يقول: فإذا بلغت، ولا نقول: وكذلك إذا بلغت، ونترك عطف الشيء على نفسه؛ لأن الفصل الأول في المؤجل، ألا تراه يقول: لو حلّ فلا … (^١) العطف عليه [بقوله] (^٢): وكذلك، وقوله: بيعت، أي: دون رضا الراهن تباع، ولا تترك تفسد؛ أعني فيما لا ييبس. انتهى كلام الداودي.
وفيما تكرر من كلام الشافعي وشرحه من اعتبار تمكن الراهن من البيع وأنه قد يتطوع ما يقتضي تصحيح رهن ما يتسارع إليه الفساد من أصل المسألة، وأنه لا يعتبر الاستحقاق والوجوب، بل الإمكان في طرف الراهن، وهو موجود لكن هذا موجود في المعلق عتقه بصفة، فهي علة منتقضة، وسيأتي من بقية حكم رهن الثمار مع الأشجار شيء عند الكلام على رهن الثمار على رأس الأشجار بدون الأشجار، حيث ذكرها المصنف.
_________________
(١) في المخطوطة بياض قدر كلمة.
(٢) مكررة في المخطوطة.
[ ٢ / ٢١١ ]
فرع
رهن الثمار وحدها على الأشجار قبل بدوِّ الصلاح سيذكره المصنف، وبعد بدو الصلاح يجوز بشرط القطع وبدونه، وحكمها على ما سبق فيما يتسارع إليه الفساد إن كانت تجفف صح، وإلا فإن كان بدين حال أو مؤجل بأجل يحل قبل الفساد صح، وإلا فعلى القولين، وهذا قد عُلِمَ مما قدمناه، ولكنا أحببنا زيادة الإيضاح، ومتى صح رهن الثمار على الأشجار، فمؤنة السقي والحداد والتجفيف على الراهن دون المرتهن، فإن لم يكن له شيء باع الحاكم جزءًا منها، وأنفقه عليها، وقد تقدم عن المتولي إطلاقه هذا الحكم، وكذلك صاحب "العدة"، ويجب تقييده بما قلناه، أو يكون مفرعًا على قول الشيخ أبي محمد في مؤنة الرهن، ولو توافق الراهن والمرتهن على ترك السقي، جاز بخلاف علف الحيوان.
وحكى الروياني عن بعض الأصحاب: أنه يجبر عليه، كما يجبر على علف الحيوان، وادعى أنه الأصح.
قال ابن الرفعة: وهو فيما إذا اتفقا على ترك التجفيف أصح؛ لأن ذلك إتلاف محقق، وقد نهى الشرع عن إضاعة المال.
قلت: وقواعد المذهب تقتضي عدم الإجبار في الموضعين، وإن قيل بالتحريم للحديث، ولكن إجبار الحاكم عليه والنفع يعود إلى صاحبه بعيد، وإذا كان الحاكم لا يجبر على الندور على أحد الوجهين، فعدم الإجبار هنا أولى.
وكلام الغزالي في "الوسيط" (^١) يقتضي أن مؤنة الثمار من عين الثمرة يباع بعضها، كما قاله المتولي والشافعي، نص في كراء البيت الذي يجعل فيه
_________________
(١) الوسيط في المذهب (٣/ ٤٦٨).
[ ٢ / ٢١٢ ]
المرهون ظاهره يدل له، وسنذكر ذلك إن شاء الله عند الكلام في مؤنة الرهن في الباب الذي بعد هذا، ولنتعرض لذلك هنا، فإن الشافعي ذكره هنا.
قال: "وإذا رهنه ثمرة، فعلى الراهن سقيها وصلاحها وجدادها وتشميسها، كما يكون عليه نفقة العبد" (^١). وذكر الشافعي في موضع آخر أن الجداد والتشميس ليس بواجب على الراهن.
قال الماوردي: "وليس ذلك على قولين وإنما الموضع الذي قال: يجب إذا بلغ وقت الجداد والتشميس والحق لم يحل فعليه تشميسها؛ لما فيه من حفظها وصلاحها، فإن امتنع أجبر عليه، والموضع الذي قال: لا يجب إذا كان الحق قد حلَّ؛ لأن حق المرتهن بعد الحلول في بيعها دون تشميسها" (^٢). انتهى.
وأما نصه في الكراء، فإنه قال: "وإن أبى الموضوعة على يده أن يتطوع بأن يضعها في منزله إلا بكراء. قيل للراهن: عليك حرز تحرز فيه؛ لأن ذلك من صلاحها، فإن جئت به، وإلا اكترى عليك منها" (^٣).
قال الماوردي: "إن امتنع الراهن من الكراء اكترى القاضي عليه من ماله، فإن لم يجد له مالًا غير الرهن باع من الرهن بقدر يكتري به منزلًا يحرزه فيه، ويكون مُكري المنزل يقدم بالكراء على المرتهن وسائر الغرماء" (^٤). انتهى.
_________________
(١) الأم (٣/ ١٥٦).
(٢) الحاوي الكبير (٦/ ٢٤٠).
(٣) مختصر المزني (٨/ ١٩٨).
(٤) الحاوي الكبير (٦/ ٢٤١).
[ ٢ / ٢١٣ ]
وحاصله: تأويل كلام الشافعي على حال إعسار الراهن، ولو أدى المرتهن أجرة المنزل، فعلى ما سبق في الخراج، ولو شرط المرتهن الرجوع بما دفع من الكراء على أن يكون الرهن مرهونًا في يده بالحق، وبالأجرة الناجزة، فيصير مدخلًا لحق ثانٍ على حق أولٍ في رهنٍ واحدٍ إلا أن فيه صلاحًا للرهن، فجرى مجرى جناية العبد إذا فداه المرتهن على أن يكون رهنًا بها، وبحقه الأول، وفيها طريقان في "الحاوي"؛ إحداهما: إن في جواز ذلك قولين.
والثاني: يجوز قولًا واحدًا، وإن كان الراهن غائبًا، فإن دفع المرتهن بإذن الحاكم رجع، وإن دفع بغير إذنه، وهو قادر على استئذانه؛ لم يرجع، وإن كان الحاكم غير موجود فهل للمرتهن الرجوع وجهان في "الحاوي" (^١)، وهما الوجهان في هرب الجَمَّال.
فرع
قال الشافعي فيما إذا رهنه الثمرة: "ليس للراهن ولا المرتهن قطعها قبل أوانها إلا أن يرضيا به فإذا بلغت إبَّانها، فأيهما أراد قطعها أجبر الآخر" (^٢).
قال الماوردي: "إن اتفقا على قطعها، فذاك لهما، سواء كان قبل إدراكها أم بعده، وإن اختلفا والحق قد حل، فإن كانت غير مدركة أجيب من طلب الترك؛ لأنها تزيد في نفسها وفي ثمنها، والزيادة المتصلة حادثة في ملك الراهن داخله في وثيقة الرهن، فلم يجبر واحد منهما على قطعها، وإن كانت مدركة، أجيب طالب قطعها، فإن طلب أحدهما قطعها في أول
_________________
(١) الحاوي الكبير (٦/ ٢٤١).
(٢) مختصر المزني (٨/ ١٩٨).
[ ٢ / ٢١٤ ]
إدراكها والآخر بعد تناهي إدراكها، فإن كانت مما لا يشمس؛ أجيب طالب القطع في أول إدراكها، إن كانت مما يجفف ويشمس أجيب طالب قطعها بعد تناهي إدراكها" (^١).
فرع
لو رهن الثمرة والشجر، وطلب أحدهما التجفيف وامتنع الآخر، فقد ذكرناه عن الماوردي (^٢) فيما مضى.
فرع
منع أبو حنيفة مَن رهن الثمار على الشجر والزرع بدون الأرض، ومَن رهن الشجر بدون الثمرة التي عليها، والأرض بدون ما فيها من الزرع، وجعل ذلك من قبيل رهن المشاع وعندنا لا يمتنع هذا ولا ذاك.
فرع
نلخص به ما ذكرناه في هذا الفصل، فإنه قد انتشر وحصل فيه تقديم وتأخير عن واجب الشرح، فيقول: رهن الأطعمة والفواكه الرطبة والثمار المقطوعة والتي على الشجر إذا بدا صلاحها إن أمكن تجفيفها، جاز رهنها، وفي البويطي إشارة إلى خلاف لم يأخذ به الأصحاب، وإن لم يمكن تجفيفها، فإن رهنها بدين حال أو مؤجل بأجل يحل قبل فسادها صح، وإن لم يحل قبله، فإن شرط بيعها صح، أو عدمه بطل، أو أطلق فقولان، وإن احتمل أن يفسد قبل الأجل أو بعده، فالأصح الصحة، وإن رهن الثمار مع الشجر فطريقان؛ أصحهما: طرد القولين ومؤنة التجفيف والقطاف على الراهن قبل المحل، ويجبر عليها إن كان موسرًا، فإن أعسر فمن عين الرهن.
_________________
(١) الحاوي الكبير (٦/ ٢٤١).
(٢) الحاوي الكبير (٦/ ٢٣٢).
[ ٢ / ٢١٥ ]
وقيل: من عين الرهن مطلقًا، ومؤنة السقي على الراهن، كالتجفيف، ولو رهن ما لا يسرع فساده، فطرأ ما عرضه له لم يفسد بعد القبض، وكذا قبله في الأصح، ولا يصح نقل الوثيقة في الأصح، إلا أن فسخا الرهن وأنشآ غيره، ولو شرطا فيما لا يفسد بيعه ورهن ثمنه، وقلنا بجواز نقل الوثيقة جاز، وإلا فلا في الأصح، ولو اتفقا على ترك السقي جاز في الأصح، وكذا ترك التجفيف، ولو اتفقا على قطع الثمرة قبل إدراكها أو بعده جاز، وإن اختلفا لم يقطع إلا حال الإدراك ولا يعتبر تناهيه، بل أول الإدراك.
فرع
قال الشافعي: "وإذا حل بيع الثمر، حل رهنه إلى أجل كان الحق أو حالًّا، وإذا بلغ ولم يحل الحق لم يكن للراهن بيعه إذا كان ييبس إلا برضا المرتهن. فإذا رضي فثمنه رهن إلا أن يتطوع الراهن فيجعله قصاصًا" (^١). انتهى.
وهذا الإطلاق يقتضي أن ثمنه رهن، سواء كان ينقص بالتجفيف أم لا، وقد سبق عن الماوردي أن فيما لا ينقص بالتجفيف يبطل الرهن.
* * *
_________________
(١) الأم (٣/ ١٥٦).
[ ٢ / ٢١٦ ]
قال: