ولا ينفك من الرهن شيء حتى يبرأ الراهن من جميع الدَّين؛ لأنه وثيقة محضة، فكان وثيقة بالدَّين، وبكل جزء منه كالشهادة والضمان.
نقل ابن المنذر الإجماع على ذلك (^١)، وقال الشيخ أبو حامد: عندنا أن الرهن كله وكل جزء منه مرهون بالحق له وكل جزء منه، فإذا رهن شيئين، فتلف أحدهما؛ كان الباقي رهنًا بجميع الحق، ولو قضى الحق إلا درهمًا كان جميع الرهن مرهونًا بذلك الدرهم.
وعن أبي حنيفة روايتان أصحهما عنه - كما قلنا - والأخرى أن الرهن يتقسط على الحق وهي شاذة عنه. انتهى.
وإنما يظهر الخلاف بيننا وبين أبي حنيفة فيما إذا رهن عينين فسلم إحداهما ولم يُسلم الأخرى، عندنا تكون المُسَلّمة رهنًا بجميع الثمن، خلافًا له، وسلم فيما إذا سلمهما فتلف أحدهما، أنه يبقي الباقي رهنًا بباقي الدَّين على أصله في أنه سقط بعضه بتلف بعض المرهون، ولو كانتا باقيتين وقضى
_________________
(١) الإجماع لابن المنذر (ص ١٠٢).
[ ٢ / ١٢٩ ]
بعض الدين لم ينفك شيء، فلا منافاة بينه وبين ما نقله ابن المنذر من الإجماع، وما قاله المصنف إلا في تحرير عبارة، ولو رهن دارًا فانهدمت كانت عرصتها وما فيها من الخشب وغيره من أجزائها رهنًا بحاله، ومن المعلوم أن بتلف المرهون ينفك الرهن، وبتلف بعضه ينفك في التالف وإنما مقصود المصنف أنه لا ينفك من الرهن شيء مع بقائه، ولا فرق في انهدام الدار بين أن يكون بعد القبض أو قبله، وإذا انهدمت إحدى الدارين المرهونتين قبل القبض أو امتنع من تسليمها، ولم يسلم إلا الأخرى، وكان الرهن مشروطًا في بيع ثبت الخيار.
واعلم أن الانفكاك أخص من الفسخ، فإن الانفكاك يحصل بأمور منها الفسخ يرتفع به العقد، ومن ضرورته الانفكاك، ومنها تلف المرهون بآفة سماوية وهو انفكاك، وليس بفسخ هذا إذا كان بعد القبض، أما قبل القبض فقد قدمنا أن التلف فسخ، فإما أن يكون ذلك على ضرب من التجوز، وإما أن يكون لكون العقد جائزًا، وأما تلفه بسبب مضمون بعد القبض صرحوا بأنه ليس بفسخ، ولا فك، بل يبقى الرهن في البدل وفيما قبل القبض هل نقول: هو كذلك، ويبقى الرهن في القيمة جائزًا أو نقول: انفسخ لضعفه قبل القبض، والأقرب الأول، ويمكن أن يؤخذ من قول صاحب "التنبيه": "وإن جنى عقبه تعلق حق المرتهن بالأرش" (^١)، فإنه لم يفصل فيه بين أن يكون بعد القبض أو لا، وكذلك من أطلق من الأصحاب هذا الحكم، وقد أجرى الإمام منه خلافًا نذكره فيما إذا رهن مالًا يتسارع إليه الفساد، ثم طرأ قبل القبض ما يعرضه للفساد، وعبارة المصنف هنا أحسن من عبارته في "التنبيه".
_________________
(١) التنبيه (ص ١٠١).
[ ٢ / ١٣٠ ]
وقوله: "حتى يقضي جميع الدين"؛ لأن البراءة تشمل القضاء والإبراء والحوالة على المديون أو منه، كما صرح به المتولي في الحوالة والإقالة والمعاوضة، ولا خلاف أن العين التي اعتاضها عن الدين لو تلفت قبل القبض عادت وثيقة الرهن كما كانت، وكذا لو تقايلا عقد المعاوضة، كما صرح به القاضي أبو الطيب وغيره.
وقوله: محضه احترازٌ من حق حبس المبيع، فإن الملك مقابل بالملك، بقى التسليم موقوفًا على التسليم، فلم يكن وثيقة محضة، فجرى فيه خلاف والرهن ليس عوضًا عن الدين، ولا إمساكه في مقابلة إمساك شيء، وإنما هو وثيقة ثبتت ابتداءً، فهو كالشهادة والضمان وهذا كله إذا كان الرهن في عقد واحد من شخص واحد عند واحد، والمديون واحد، وكذلك مالك الرهن كله إذا كان الرهن في عقد واحد من شخص واحد عند واحدٍ والمدين واحد، وكذلك مالك الرهن أو من انتقل إليه بالإرث، فلو رهن نصف العين بعشرة ونصفها الآخر بعشرة فلكل نصف حكم الرهن الكامل؛ لتعذر العقد، وإن رهن واحد عينًا عند اثنين أو عكسه، فسيذكره المصنف ولو تعدد المديون والراهن وكيل، فالأصح التعدد، كما لو باشر مَن عليه الدين بنفسه، ولو تعدد مالك الرهن في صورة الاستعارة والراهن واحد وقصد فك نصيب أحدهما بدفع ما عليه، فالأظهر من القولين في "عيون المسائل" و"الحاوي" وغيرهما الانفكاك، وقد ذكر المصنف القولين في باب العارية، وذكر الشيخ أبو حامد هنا أن الشافعي في "الأم" نص على عدم الانفكاك، وأنه قال: وفيه قول آخر: أنه ينفك النصف، وضعّفه - يعني: الشافعي - وقد رأيت ذلك في "الأم" في الرهون الصغير في رهن المشاع، ولفظه: وإن كان عبد بين رجلين، فأذن أحدهما للآخر أن يرهن العبد،
[ ٢ / ١٣١ ]
فالرهن جائز، وهو كله رهن بجميع الحق لا يفك بعضه دون بعضه، وفيها قول آخر: أن الراهن إن فك نصيبه منه، فهو مفكوك، ويجبر على فك نصيب شريكه في العبد إن شاء ذلك شريكه فيه، وإن فك نصيب صاحبه، فهو مفكوك وصاحب الحق على حقه في نصف العبد الباقي. انتهى.
وللشافعي فيه نص آخر أيضًا لفظه: "وإذا استعار رجل من رجلين عبدًا، فرهنه بمائة ثم جاء بخمسين، فقال: هذه فكاك حق فلان فقولان" (^١)، والظاهر أن هذا النص هو الذي نقل منه أكثر الأصحاب.
وروى المحاملي وغيره قولًا ثالثًا: "أن المرتهن إن كان عالمًا بأنه لمالكين فللراهن فك نصيب أحدهما بأداء نصف الدين، وإن كان جاهلًا فلا" (^٢). قال الإمام: "ولا يعرف لها وجهًا" (^٣).
ولو أدى شائعًا ولم يقصد تخصيص حصة أحدهما لم ينفك شيء، وينبغي أن يأتي فيه ما سنحكيه عن أبي إسحاق، وابن أبي هريرة في فرع عن "الحاوي" ولو اتحد الرهن والمدين، وكان المرهون عبدين متماثلي القيمة استعار كلًّا منهما من مالك، فأدى نصف الدين ليخرج أحدهما عن الرهن، فطريقان؛ إحداهما: القطع بانفكاكه لانضمام تعذر المحل إلى تعدد المالك، والأظهر: طرد القولين، كما حكاهما ابن الصباغ وغيره عن الرهن الصغير (^٤). وإذا قلنا بالانفكاك، فلو كان الرهن مشروطًا في بيع، فهل للمرتهن الخيار إذا كان جاهلًا بأن المرهون لمالكين، فيه وجهان أو قولان أصحهما أن له الخيار.
_________________
(١) الأم (٣/ ١٩٧).
(٢) انظر: فتح العزيز (٤/ ٥٢٣).
(٣) الوسيط في المذهب (٦/ ٢٦٠) بمعناه.
(٤) انظر: كفاية النبيه (٩/ ٤٢٥).
[ ٢ / ١٣٢ ]
فرع
لو مات الراهن وخلف ولدين، فأدى أحدهما نصف الدين لا ينفك نصف المرهون على أصح الطريقين وبه قطع قاطعون، وقول الانفكاك رواه صاحب "التقريب" (^١) واستبعده الإمام، وقال: "إنما ينقدح في فك قدر نصيبه من التركة إذا أدى قدر حصته من الدين بناء على أنه إذا أقر بدين على مورثه وأنكر الآخر لا يلزمه إلا قدر حصته من الدين ومقتضى هذا البناء أن يكون هذا القول هو الصحيح؛ لأن الجديد أنه لا يلزم المقر إلا قدر حصته" (^٢). وأيده الرافعي بأن تعلق الدين بالتركة، هل هو كتعلق الرهن أو الجناية؟! فيه خلاف، فإن كان الأول؛ فهو كتعدد الراهن، وإن كان الثاني، فهو كما لو جنى العبد، المشترك، فأدى أحد الشريكين نصيبه، فإنه ينقطع عنه التعلق، لكنه خص ذلك بما إذا لم يسبق الموت مرض (^٣)، وقال: فيما إذا سبقه مرض: "إن التعلق يكون سابقًا على ملك الورثة؛ لأن للدين أثرًا بينًا في الحجر على المريض، فيشبه أن يكون القول في انفكاك نصيبه، كما في الصورة السابقة - يعني: في الرهن" (^٤).
قال ابن الرفعة: "وما قاله أخيرًا فيه نظر فإن تصرف المريض في ماله لا يختلف على المذهب بين أن يكون عليه دين أو لا.
نعم، حكي وجه أنه إذا وفَّى بعض ديونه في المرض بجميع ماله أن لمن بقى من أرباب الديون مقاسمته بعد الموت، فإن أراد هذا فصحيح لكن لا يعكر هذا على المذهب" (^٥). انتهى.
_________________
(١) انظر: نهاية المطلب (٦/ ٨٩)، وكفاية النبيه (٩/ ٤٢٦).
(٢) نهاية المطلب (٦/ ٨٩). بمعناه.
(٣) فتح العزيز (٤/ ٥٢٤).
(٤) فتح العزيز (٤/ ٥٢٤ - ٥٢٥) بمعناه.
(٥) كفاية النبيه (٩/ ٤٢٦).
[ ٢ / ١٣٣ ]
والأمر كما قال لكن الوجه المذكور هو القياس، والمذهب مشكل لعلنا ننظر في تحقيقه في كتاب الوصايا إن شاء الله تعالى.
والرافعي حكاه هناك وسكت عليه، وحكى فيه الوجه المذكور وأنه مذهب أبي حنيفة، وإنما يتم بحثه هنا عليه حتى يصير حجر المرض بمنزلة الرهن السابق.
وقال النووي في "الروضة": "قول الإمام الرافعي: الحكم بالانفكاك إنما يظهر إلى آخره خلاف مقتضى إطلاق الإمام والغزالي، والظاهر أن المسألة على إطلاقها، وليست هذه الصورة من الأولى في شيء؛ لأن الأولى في انفكاك نصيب الابن من العين التي رهنها الميت والثانية في انفكاك نصيبه من تعلق التركة، وليس للرهن في الثانية وجود، ففي قول: ينفك تعلق الدين بنصيبه، فينفذ تصرفه فيه، وفي قول: لا ينفك التعلق، ولا ينفذ تصرفه في نصيبه إذا منعنا تصرف الوارث في التركة قبل قضاء الدين" (^١). انتهى.
وكان مراده: إنا وإن حجرنا بالمرض، فليس الحجر بمنزلة الرهن، وإنما يتعلق الدين بالتركة بعد الموت، ولهذا سوَّغنا أن نخص بعض الغرماء بقضاء دينه، لكن للرافعي أن يقول: إنا إذا حجرنا عليه لحق الغرماء بدليل أنه لا ينفذ تبرعه في الثلث عند مزاحمة الدين صار كالمرهون، ويحتمل أن يقال: إنه ليس كالمرهون؛ لأن له أن يصرفه في ملاذه وشهواته، وإنما يمنعه من التبرع فقط بشرط الموت، فلا تعلق للدين بمال المريض إلا في منع التبرع المذكور، فلا يشبه الرهن وبهذا يظهر ما قاله النووي وأطلقه الإمام، والغزالي، من عدم الفرق بين أن يسبق مرض أو لا، وتزول شبهة،
_________________
(١) روضة الطالبين (٤/ ١١١) بمعناه.
[ ٢ / ١٣٤ ]
ما قاله الرافعي مع إخالتها، ثم إن النووي سكت على ذلك بعدما قدم من كلام الرافعي أن مقتضى البناء أن يكون الأصح: الانفكاك، وإذا ركب هذا مع ما قاله النووي من الإطلاق؛ ينتج أن الأصح: الانفكاك مطلقًا، سواء سبق المرض أم لا، وذلك مخالف لما تقدم أنه أصح الطريقين، فالوجه عدم البناء، وإنما يظهر البناء فيما إذا لم يتقدم رهن ومات، فإنَّا حينئذ نجعلها رهنًا على الورثة، وإنما يرهن نصيب كل وارث على ما يلزمه أداؤه، فيظهر البناء على القولين، وإن الأصح: الانفكاك في نصيب أحدهما بأدائه ما يلزمه، أما الرهن المتقدم من المورث، فقد أثبت حقًّا للمرتهن قبل ملك الورثة، وتعلقًا بجميع الدين بكل جزء من الرهن، فإذا انتقل إلى الورثة انتقل إليهم هكذا بالحق الذي عليه، فلذلك كان الأصح عدم الانفكاك والقائل الآخر يلحقه بالرهن الحادث بالموت، وحينئذ يبني على القولين، وكلام الإمام ليس صريحًا في البناء من الأصل، وإنما معناه أن لهذا القول بعض انقداح على ذلك القول، واكتفى بما تقدم في كلامه من الاستبعاد، ولو صح البناء من الأصل لم يستبعد، وقد تلخص أنه حيث لم يتقدم الرهن، بل ثبت بمقتضى الموت فتعدد الورثة، كتعدد الراهن ينفك في نصيب كل منهم بأدائه ما يلزمه كالراهنين، فإنهما كذلك عندنا قطعًا خلافًا لأبي حنيفة.
وقيل: إن تعدد الورثة في هذه الصورة ليس كتعدد الراهن، فلا ينفك إلا بأداء الجميع وهما مبنيان على الذي يلزم كل واحد أداؤه وهو جنوح إلى مذهب أبي حنيفة، وحيث تقدم الرهن، فالورثة كالمورث، فلا مبالاة بتعددهم، وقيل: كما لو لم يتقدم الرهن، ولك أن تجمع المسألتين وتقول في انفكاك نصيب كل وارث بأدائه قدر حصته ثلاثة أوجه: ثالثها: وهو الأصح إن كان الرهن من المورث لم ينفك، وإلا فينفك.
[ ٢ / ١٣٥ ]
وقولنا: "قدر حصته"، يعني به: مما يلزمهم أداؤه، فإن الدين قد يكون أكثر من التركة، وإنما يلزم مجموع الورثة أقل الأمرين من الدين وقيمة التركة.
فرع
لو استعار من رجلين ورهن من رجلين، فنصيب كلٍّ من المالكين مرهون من الرجلين، فلو أراد فك نصيب أحدهما بقضاء نصف دين كل واحد من المرتهنين، فعلى القولين المتقدمين عن "عيون المسائل" وغيرها، وإن أراد فك نصف العبد بقضاء دين أحدهما، فله ذلك بلا خلاف.
ولو استعار اثنان من واحد ورهنا عند واحد، ثم قضى أحدهما ما عليه؛ انفك النصف؛ لتعدد العاقد.
قال الرافعي: "هذا هو المنقول، وقد يخطر بالبال أنه إذا تعدد المالك، واتحد العاقد ينظر إلى تعدد المالك على رأي، فَلِم لا ينظر إلى اتحاده إذا اتحد المالك، وتعدد العاقد؟ قال: ويجوز أن يجاب عنه، بأنَّا إنما نلاحظ جانبه بما ينفعه لا بما يضره" (^١).
فرع
قال في "التهذيب": "لو استعار ليرهن من واحد، فرهن من اثنين أو بالعكس لا يجوز" (^٢) أما في الصورة الأولى؛ فلأنه لم يأذن، وأما بالعكس، فلأنه إذا رهن من اثنين ينفك بعض الرهن بأداء دين أحدهما، وإذا رهن من واحدٍ لم ينفك شيء إلا بأداء الجميع، ونقل صاحب "التتمة" وغيره في الطرفين الجواز والأول أصح.
_________________
(١) فتح العزيز (٤/ ٥٢٤).
(٢) التهذيب (٤/ ٦٨) بمعناه.
[ ٢ / ١٣٦ ]
فرع
لو مات المرتهن عن ابنين، فوفى الراهن لأحدهما نصف الدين، قال ابن الرفعة: ها هنا يظهر أن يكون الصحيح أو المقطوع به: أن ينفك نصيبه من جهة أن الدين انتقل إليهما على السواء بالإرث، وعند انتقاله يجب أن يوزع المرهون على النصيبين، وإن كان في الابتداء بكلِّ الدين، وبكلِّ جزء منه؛ لأن الحق في الابتداء الواحد، فلا استحالة وهنا لو دام ذلك؛ لزم أن يكون مرهونًا من كلٍّ منهما، وذلك محال في الابتداء، فكذا في الدوام.
نعم، يأتي وجه من جهة أن المقبوض لا يختص به القابض وإن عين له؛ وعند ذلك يستوي حالة ارتهانهما على دين ورثاه وإرثهما دينًا واحدًا، قد ارتهن به مورثهما - يعني: فيأتي فيه الوجه الغريب الآتي عن رواية صاحب "التقريب".
ولك أن تنازعه في أن الصحيح الانفكاك، وفي استحالة ذلك في الدوام، فإن الحق إذا انتقل للورثة قد لا يتجزأ، بل يثبت لكل منهم بخلاف المال، ألا ترى أن خيار الشرط إذا انتقل للورثة لكل منهم أن يفسخ في الجميع، كما كان للمورث، وإن لم يملك إلا بعض العين، والقول بأن ذلك مستحيل في الابتداء فيه نظر؛ لاختلاف العلماء فيه، وكيف يختلفون في مستحيل، وإنما ذلك نظر فيما يقتضيه وضع الرهن، والفرق بين الابتداء والدوام أن في الابتداء لا تعلق لكلٍّ منهما بالآخر، وهنا حق ثبت لمورثهما، فينتقل لهما، وبالجملة جميع الرهن كان رهنًا بكل من النصفين، فمن ادعى أنه بموت المرتهن يتغير هذا الحكم يحتاج إلى دليل، والموت لا يغير حكمًا من الأحكام لا في جانب المستحِق، ولا في جانب المستحَق عليه، سوى الانتقال للوارث وأشياء ليست من غرضنا.
[ ٢ / ١٣٧ ]
فإن قلت: أنت قدمت أن بموت الراهن بعد القبض يتغير الحكم، ويصير مرهونًا بأقل الأمرين من الدين وقيمة التركة بعد ما كان مرهونًا بالدين عينًا.
قلت: إذا كانت قيمة التركة أقل من الدين؛ فقد برئت ذمة الميت عن الزائد عليها في الأحكام الدنيوية، فكان كتوفية ذلك القدر في حال الحياة، فلم يتغير الحكم في المعنى.
فرع
لم يختلف أصحابنا في أن الرهن محبوس بالدين، وبكل جزء منه، واختلفوا في حق الحبس في المبيع على وجهين؛ أصحهما: أنه كذلك.
والثاني: أنه فيما يقبل القسمة يجب تسليم نصفه إذا قبض نصف الثمن، والفرق بينه وبين الرهن أن حق الحبس في الرهن وقع مقصودًا لا مقابل له، وحق الحبس في المبيع تابع وله مقابل يوزع عليه الملك، فيوزع عليه حق التوثق؛ كما سبقت الإشارة إليه في الاحتراز.
فرع
لو شرط في الرهن أن كل ما قضى شيئًا انفك بقدره، كما لو قال: رهنتك هذا بألفٍ على أني كلما قضيت مائة خرج عشر من الرهن كان الشرط كذا فاسدًا؛ لاشتراط ما ينافيه. قاله الماوردي.
فرع
قال الرافعي في آخر الباب: "ليس للراهن أن يقول: أحضر المرهون [وأنا] (^١) أؤدي دينك من مالي، بل لا يلزمه الإحضار
_________________
(١) في المخطوطة: "ولنا"، والمثبت من فتح العزيز.
[ ٢ / ١٣٨ ]
بعد الأداء أيضًا، وإنما عليه التمكين كالمودع، والإحضار وما يحتاج إليه من مؤنة على رب المال، ولو احتاج إلى بيعه في الدين، لم يكن عليه الإحضار أيضًا بل يكلف الراهن مؤنته، ويحضره القاضي بنفسه" (^١)، هذا ما ذكره الرافعي.
وقال الماوردي هنا: "ليس على الراهن دفع الحق إلا بعد إحضار الرهن، فإذا حضر لم يلزم المرتهن دفعه إلا بعد قبض الحق" (^٢)، وقال في موضع آخر في مؤنة ردّه بعد فكاك الرهن: "وجهان؛ أحدهما: على الراهن.
والثاني: على المرتهن؛ لأن عليه رده بعد استيفاء الحق، فكانت مؤنة الرد على من وجب عليه الرد" (^٣)، وبناهما القاضي حسين على قبول قوله في الرد، يعني: إن قبلناه، فلا يجب الردّ ولا مؤنته كالوديعة وإلا صار كالأمانات الشرعية، كما لو طيرت الريح ثوبًا إلى داره، وهو الذي اختاره ابن الصباغ (^٤)، لكن القاضي أبو الطيب فرق بأن المرتهن وضع يده بالإذن، وهذا يوافق ما قاله الرافعي، وممن قاله الإمام (^٥)، والغزالي (^٦)، وللشافعي نصٌّ يشعر به عند الكلام في كون الرهن أمانة، لكن أولوه على أن مقصوده الرد على من يقول: إنه مضمون.
وقول الرافعي: "إن القاضي يحضره"، ليس معناه أن الراهن لا يلزمه الإحضار، وإنما المرتهن قد لا يثق بيده، فلا يسلمه إليه، ولا تنفصل
_________________
(١) فتح العزيز (٤/ ٥٤٤).
(٢) الحاوي الكبير (٦/ ٣٠).
(٣) الحاوي الكبير (٦/ ٢١٢).
(٤) انظر: فتح العزيز (٤/ ٥٠٨).
(٥) نهاية المطلب (٦/ ١٨١).
(٦) الوسيط في المذهب (٣/ ٥٢١).
[ ٢ / ١٣٩ ]
الخصومة إلا بأن يبعث القاضي من يعتمد عليه يكون هو المحضر، كذا يقتضيه كلام الإمام.
وقال الروياني: "ظاهر المذهب أن مؤنة الرد بعد الفكاك على الراهن. وقيل: فيه وجهان؛ أحدهما: على المرتهن؛ لأنه يجب عليه رده.
والثاني: لا كالمودع" (^١)، وصرح الإمام بأن "على الراهن إذا أراد قضاء الدين من ثمن الرهن أن يتكلف إحضاره، ويبذل مؤنة إن مست الحاجة إلى بذلها، ثم قد لا يثق المرتهن بيده، فيبعث القاضي من يعتمده يكون هو المحضر" (^٢).
وقال الصيمري: "إنه لا يلزم الراهن دفع الحق حتى يأتي المرتهن بالرهن"، وهذا مثل ما قال الماوردي، قال: "وقال في "الإيضاح" - يعني للصيمري - وهكذا لو تبع الرهن بدنانير وألحق بدراهم؛ لم يكن للمرتهن المطالبة بحقه إلا بعد إحضار الدنانير".
* * *
_________________
(١) بحر المذهب (٥/ ٣٢٨).
(٢) نهاية المطلب (٦/ ١٨١) بمعناه.
[ ٢ / ١٤٠ ]
قال:
فإن رهن اثنان عند رجل عينًا بينهما بدين له عليهما فبرئ أحدهما، أو رهن رجل عند اثنين عينًا بدين عليه لهما، فبرئ من دين أحدهما انفك نصف العين من الرهن؛ لأن الصفقة إذا حصل في أحد شطريها عاقدان، فهما عقدان فلا يقف انفكاك في أحدهما على انفكاك في الآخر، كما لو فرق بين العقدين.
المسألتان ينظمهما إذا كانت صيغة العقد واحدة، ولكن تعدد العاقد إما الراهن، وإما المرتهن، فيحكم بتعدد الصفقة، كما تقرر في باب البيع إذا تعدد البائع أو المشتري، وهناك وجه أو قول مخرج أنها لا تتعدد بتعدد المشتري، فقياسه أن يجري هنا في تعدد المرتهن والمصنف هناك قاطع بالتعدد، فلذلك جزم هنا في المسألتين ولم يذكر الأصحاب هذا الخلاف هنا، بل ذكروا في المسألة الثانية عن رواية صاحب "التقريب" وجهًا غريبًا: "أنه إذا اتحد جهة الدينين كما لو أتلف عليهما مالًا أو ابتاع منهما لم ينفك شيء بالبراءة عن دين أحدهما، وإنما ينفك إذا اختلفت الجهتان" (^١) وهذا الوجه مغاير لما حاولنا إثباته ومع ذلك قال الإمام: "إن هذا الوجه الذي رواه صاحب "التقريب" غلط؛ إذ لا يتحقق الشيوع في الدين، وكل واحدٍ يطالب بحقه من غير مزيد" (^٢).
قال ابن الرفعة: وفي تغليظه نظر؛ من حيث إنه يجوز تفريعه على أن ما يقبضه من الدين المتحد الجهة يقع مشتركًا؛ كما هو وجه، إلا أن يرد
_________________
(١) انظر: فتح العزيز (٤/ ٥٢٢).
(٢) نهاية المطلب (٦/ ٢٥٨) بمعناه.
[ ٢ / ١٤١ ]
التغليظ إلى الوجه المبني عليه وسواء أثبت الخلاف أم لا؟! فالصحيح ما قاله المصنف، وقد نص الشافعي على ذلك.
وقال أبو حنيفة: "لا ينفك شيء حتى يؤدي دينيهما جميعًا"، ومن العجب أنه لا يجوز رهن المشاع وجوَّز هذا، وفي الحقيقة ما هو مرهون عند كلٍّ منهما، فاحتاج لأجل ذلك أن يقول: لا ينفك حتى يبرأ منهما، كأنه يجعلهما بمثابة الرجل الواحد لما عقد معهما بصيغة واحدة، وأما المسألة الأولى، فلا خلاف عندنا فيها، وإنه إذا برئ أحدهما مما عليه انفك نصيبه، ووافق أبو حنيفة على صحة الرهن فيها (^١)، والعجب فيها أكثر، لأن كل واحد إنما له النصف مشاعًا، وهو الذي يرهنه، ثم مشى على ما احتاج إليه في الخلاص عن هذا الإشكال، فقال فيما حكاه الصيدلاني وغيره: "إنه لا ينفك حتى يبرأ كل منهما عمَّا له عليهما" (^٢)، فجعلهما كالرجل الواحد أيضًا.
وحاصله: أن تعدد الراهن والمرتهن عنده لا أثر له، ولعله يقول: أما تعدد الراهن، فليس فيه أكثر من أن كل واحد رهن ملكه على ما عليه وعلى غيره من الدين، وقد عهدنا جواز رهن ملك شخص على دين آخر بالعارية، فقدر أن كل واحدٍ معير وراهن عن نفسه، وتعدد الدين لا يقدح كما في الدين الواحد يكون الرهن بكل جزء منه، فلا استحالة في جعل كل نصف رهنًا بالدينين جميعًا، وأما تعدد المرتهن، فإذا أمكن أن تكون العين الواحدة رهنًا بدينين لشخص واحد، فما المانع من كونها رهنًا بدينين لشخصين إذا قضى أحدهما بقى الآخر متعلقًا بجميعها، واللفظ محتمل إذا قال الواحد: رهنت منكما أو قال: الاثنان رهنًا منك لما قلناه بخلاف، ما
_________________
(١) انظر: بحر المذهب (٥/ ٣١٢).
(٢) انظر: فتح العزيز (٤/ ٥٢٢).
[ ٢ / ١٤٢ ]
إذا قال كلٌّ منهما: رهنت نصيبي، أو قال الواحد لكل من الاثنين: رهنتك النصف لا يحتمل ما قلناه، ويتحقق فيه الشيوع وإنما قلنا هذا؛ لئلا يتوهم بما قدمناه من العجب بعد هذا المذهب عن التوجيه، وليس كذلك بل هو محتمل وكل من أقوال الأئمة ﵃ لا بد أن يكون لها مآخذ (^١) لا ندرك نحن منها إلا اليسير.
وأبو حنيفة يحافظ على أنه لا يكون الرهن مشاعًا لا في الابتداء ولا في الانتهاء (^٢)، ويقول لو انفك في بعضه صار مشاعًا في الانتهاء.
فرع
تصوير المصنف يعرفك أن مستحق الدين، ومن هو عليه باشَرا الرهن بأنفسهما مع اتحاد المستحق في الأولى وتعدده في الثانية والمديون بالعكس، ولو اتحدا فقد قدمناه، ولو تعددا بأن رهن رجلان عند رجلين عينًا بدين، فحكمهما يعرف مما سبق بتأمل ولو كان الراهن أو المرتهن وكيلًا، فلا اعتبار به على الصحيح، كما سبق، وإنما ينظر إلى المديون والمستحق بخلاف البيع؛ حيث اعتبر العاقد في الأصح، وإن كان وكيلًا، والفرق أن الرهن ليس بعقد ضمان، حتى ينظر فيه إلى المباشر، وقد ظهر لك أن قول المصنف بدين له عليهما ليس بحشو، بل أخرج الوكيل ويدخل فيه إذا كان مستعارًا، وقد قدمنا تفاصيله.
فرع
عبد مشترك قال مالكاه: رهنَّا العبد بالألف الذي لك على فلان، "يكون نصيب كل واحد منهما رهنًا بجميع الألف" قاله صاحب "التتمة" (^٣) في كتاب الضمان وقاس عليه إذا قال رجلان: ضمنا مالَك عن
_________________
(١) رسمت هكذا: مآ أخذ.
(٢) انظر: الحاوي الكبير (٦/ ٢١٨).
(٣) انظر: حاشية البجيرمي على شرح منهج الطلاب (٢/ ٣٩٥).
[ ٢ / ١٤٣ ]
فلان يطالب كل منهما بجميع الدين على الصحيح (^١).
وقوله: لأن الصفقة إذا حصل في أحد شطريها عاقدان، تعليل للمسألتين جميعًا.
وقوله: فهما عقدان أخذه مسلمًا من البيع، ولو قال: فهي عقدان؛ كان أحسن؛ لأن الضمير للصفقة، وما ذكره جائز باعتبار الخبر؛ لأنه مثنى.
وقوله: فلا يقف انفكاك … إلى آخره؛ هو المستدل عليه هنا، وتعدد العقد مقدمة له؛ ولذلك لم يستدل عليه، بل تسلمه من البيع.
وقوله: كما لو فرق بين العقدين - أي حسب الصيغتين - فإنه لا يقف انفكاك أحدهما على انفكاك الآخر بالإجماع.
وقوله: انفكاك في أحدهما بالتنكير أحسن مما لو قال: انفكاك أحدهما بالإضافة؛ لأن الضمير في أحدهما للعقدين والموصوف بالانفكاك العين المرهونة ينفك من العقد، فكأنه قال: لا يتوقف انفكاك شيء من العين في أحد العقدين على انفكاك شيء منها في الآخر.
فرع
إذا استعار ليرهن ذكرها المصنف في باب العارية وغيره هنا وأكثروا من فروعها، ولا بأس بذكرها تعجيلًا للفائدة ولتعلقها بالبابين، وقد قدمنا بعضها، وذكر الشيخ أبو حامد هنا جملة أخرى منها المسألتان اللتان ذكرهما المصنف، وفرضهما فيما إذا كان الراهن مستعيرًا، أو الراهنان، وذكر حكم الانفكاك كما ذكر المصنف؛ وكذلك الماوردي، وقال: "إذا استعار واحد عبدين من رجلين لكل منهما أحدهما، فرهنهما عند واحد، وكان المرتهن جاهلًا بأنه لاثنين والرهن مشروط في بيع، فإن قضاه
_________________
(١) انظر: تحفة المحتاج في شرح المنهاج (٥/ ٢٧١).
[ ٢ / ١٤٤ ]
مجتمعًا، فلا خيار وإن قضى أحدهما، وأفتكه فالخيار على قولين؛ أحدهما: لا خيار لبقاء وثيقته في باقي الحق.
والثاني: يثبت بالخيار؛ لأن فكهما معًا خير للمرتهن من فك أحدهما" (^١).
وقال الإمام: "إذا استعار عبدًا بين شريكين فرهنه، ثم أدى نصف الدين على قصد أن يفك نصيب أحدهما وقلنا: ينفك فإن كان المرتهن عالمًا بالحال، فلا خيار، وإن كان جاهلًا قطع الشيخ أبو محمد بأن له الخيار.
والثاني: لا؛ لأن الذي ظهر ليس عيبًا بالمرهون" (^٢).
قال الإمام: "ولعل الأشبه أن المرتهن إن لم يعرف كون العبد مستعارًا تخير، وإن علم فلا ضبط لمن يستعار منه، ويجوز أن يقال: الغالب في الاتحاد في السادة والوجه إثبات الخيار" (^٣).
ومنها إذا كان عبدًا بين اثنين، فرهنه أحدهما بإذن شريكه على مائة، أو إعارة لغيرهما فرهنه، وهي المسألة المتقدمة عن "عيون المسائل"، وقطع الماوردي في حالة علم المرتهن بالفك وخص القولين بحالة الجهل، وقال: إن أصحهما الفك (^٤) كما سبق عن "عيون المسائل".
ومنها إذا كان لرجلين عبدان بينهما أذن كلٌّ منهما للآخر في رهن نصيبه من أحدهما، فرهن كل منهما واحدًا بالإذن، وشرط أنه إذا قضى دينه انفك الذي رهنه، ونصيبه من الآخر، أو هو وجميع الآخر؛ بطل الرهن، وإن
_________________
(١) الحاوي الكبير (٦/ ٢٢٢).
(٢) نهاية المطلب (٦/ ٢٢٢).
(٣) نهاية المطلب (٦/ ٢٢٢ - ٢٢٣).
(٤) الحاوي الكبير (٦/ ٢٢٢).
[ ٢ / ١٤٥ ]
شرط أنه إذا قضى لا ينفك هذا العبد حتى يقضي صاحبه حقه بطل الشرط، وفي بطلان الرهن قولان، ومحل هذه عند ذكر الشروط الفاسدة.
فرع
من "الحاوي": "إذا رهن واحد عبدين عند واحد على مائتين، فإن رهنهما جميعًا بالمائتين، لم ينفك منهما شيء إلا بقضاء المائتين، وإن قبض أحدهما كان رهنًا بجميع المائتين، وإن رهن كلًّا منهما بمائة، فهما رهنان، فإن قضاه إحدى المائتين؛ انفك في المرهون بها، والرجوع فيها إلى نية الدافع والقول قوله، فلو نوى إحدى المائتين من غير تعيين ثم أراد أن يفك بها أكثر العبدين قيمة" (^١).
قال أبو إسحاق: المائة موقوفة على خيار الراهن وله ان يأخذ أيهما شاء. وقال ابن أبي هريرة: ليست موقوفة على خيار واحد منهما، بل انفك في أحدهما لا بعينه، ويوضع العبدان على يدي عدل للجهل بالمفكوك، إلا أنْ يصطلحا على معين، ولو قضاه مائة مطلقة ولم ينو بها إحدى المائتين بكمالها، فوجهان؛ أحدهما: وهو قول أبي إسحاق: إنها موقوفة، له أن يصرفها إلى أي المائتين شاء.
والثاني: وهو قول ابن أبي هريرة يكون قضاء من المائتين نصفين، ولا ينفك واحد من العبدين.
* * *
_________________
(١) الحاوي الكبير (٦/ ٢١٩) بمعناه.
[ ٢ / ١٤٦ ]
قال:
فإن أراد الراهنان في المسألة الأولى أن يقتسما، أو الراهن في المسألة الثانية أن يقاسم المرتهن الدين لم يبرأ من دينه نظرت، فإن كان مما لا تنقص قيمته بالقسمة؛ كالحبوب جاز ذلك من غير رضا المرتهن، وإن كان مما ينقص قيمته، ففيه وجهان: أحدهما: لا يجوز من غير رضا المرتهن؛ لأنه يدخل عليه بالقسمة ضرر، فلم يجز من غير رضاه.
والثاني: يجوز لأن المرهون عنده نصف العين، فلا يملك الاعتراض على المالك فيما لا حق له فيه.
إطلاق المصنف يقتضي أنه لا فرق بين أن يكون الرهن منهما باقيًا أو انفك في أحدهما، والشافعي وأكثر الأصحاب إنما صوَّروه فيما إذا انفك نصيب أحدهما، فيحتمل: أن يكون الحاصل لهم على ذلك أنه حينئذ يكون للقسمة أثر ظاهر في إطلاق التصرف في المنفك، وإذا لم يحصل انفكاك، فلا تكاد تظهر فائدة، فهذا سبب اقتصار الشافعي، وأكثر الأصحاب على تصويره بما إذا انفك أحدهما، والمصنف أطلق، بل ظاهر كلامه أنه قبل الفكاك، ويفهم ما بعده بطريق الأولى، وهو أحسن لتساوي الحكمين، وحصول فائدة في الصورتين، وإن قلت حال بقاء الرهن، وهذا هو الذي يقتضيه كلام الرافعي - أعني: أنه لا فرق - فإنه ذكر الحكم فيما إذا انفك نصيب أحدهما، ثم قال ولو أراد الراهنان القسمة قبل انفكاك شيء من المرهون، فعلى التفصيل الذي بيناه، ويحتمل أن يكون حكم الحالتين مختلفًا، كما سيتبين في أثناء الكلام من كلام ابن الرفعة، بل سنبين إن شاء
[ ٢ / ١٤٧ ]
الله تعالى عند الكلام في رهن المشاع، من بيت في دار أن الأمر بخلاف ما قال الرافعي، وأن التقييد بحالة الانفكاك لا بد منه، ولنذكر هنا ما قاله الشافعي والأصحاب في حال انفكاك نصيب أحدهما.
قال الشافعي في "المختصر" (^١): "ولو كان الرهن مما يكال كان للذي افتك نصيبه أن يقاسم المرتهن بإذن شريكه". انتهى.
وهذا فيما إذا تعدد الراهن، واتفق الأصحاب على أنه لا فرق بين المكيل والموزون.
وقال في "الأم": "ولو كان رجلان رهنا معًا شيئًا من العروض كلها؛ العبيد أو الدور أو الأرضين أو المتاع بمائة فقضى أحدهما ما عليه، فأراد القاضي والراهن منه؛ الذي لم يَقْضِ أن يخرج عبدًا من أولئك العبيد قيمته أقل من نصف الرهن لم يكن له ذلك، ولو كان ما رهنا دراهم أو دنانير أو طعامًا سواء، فقضى أحدهما ما عليه من الدين وأراد أن يأخذ نصف الرهن وقال: الذي أَدَعُ في دينك مثل ما أخذ منك بلا قيمة، فذلك له، ولا يشبه الاثنان في الرهن في هذا المعنى الواحد، فإذا رهنا الذهب والفضة والطعام الواحد فأدى أحدهما ورضي شريكه مقاسمته كان على المرتهن دفع ذلك إليه؛ لأنه قد برئت حصته كلها من الرهن وأن ليس في حصته إشكال أن ما أخذ منها كما بقي، وأنها لا تحتاج إلى أن تقوم بغيرها ولا يجوز أن يحتبس رهن أحدهما، وقد قُضي ما فيه بِرَهْن آخر لم يقض ما فيه" (^٢). انتهى.
والعراقيون وأكثر الأصحاب أخذوا بظاهر النص من غير التفات إلى أن
_________________
(١) مختصر المزني (٨/ ١٩٧) بمعناه.
(٢) الأم (٣/ ١٧٦) بمعناه.
[ ٢ / ١٤٨ ]
القسمة إفراز أو بيع بل قالوا هنا: إن كان المرهون مما ينقسم بالأجزاء، كالمكيلات والموزونات؛ جازت القسمة وأجيب إليها، وإن كان ممَّا لا ينقسم بالأجزاء؛ كعبدين أو ثوبين متساويي القيمة أراد أن ينفرد بأحدهما فلا يجاب وإن كانت أرضًا مختلفة فهل يجاب؟ وجهان؛ أحدهما: لا لما قد يدخل به من النقص على المرتهن، ولم يذكر الشيخ أبو حامد في "التعليق" غيره.
وقال الرافعي عن العراقيين "أنه الأظهر لما في القسمة من التشقيص وقلة الرغبات" (^١).
والثاني: يجاب ويجبر المرتهن، كما يجبر المالك، وفرض الرافعي المسألة فيما إذا كان المرهون أرضًا مختلفة الأجزاء، كالدار (^٢) هذه عبارته، وحكى الوجهين ابن الصباغ، وصوَّرها في حجرة واحدة من الأرض، وعبارته إذا كان الرهن حجرتين فطلب القسمة على أن يفرد نصيبه في إحدى الحجرتين؛ كان للمرتهن الامتناع، ولو رضي المرتهن؛ كان لشريكه أن يمتنع ولو كانت واحدة، فأراد قسمتها لم يكن لشريكه أن يمتنع، وهل للمرتهن أن يمتنع؟ فيه وجهان؛ أحدهما: له أن يمتنع لأنه قد يدخل منه نقص عليه، فإنه يحتاج إلى تقويم. انتهى.
وهو يقتضي أنها غير متساوية الأجزاء بأن يكون بعضها أكثر قيمة من بعض؛ لقرب من الطريق أو نحو ذلك، مما يقتضي التفاوت وصورها صاحب "البيان" (^٣) أيضًا في الحجرة، وصرح بأنها تنقص بالقسمة؛ وبذلك
_________________
(١) فتح العزيز (٤/ ٥٢٥).
(٢) انظر المصدر السابق.
(٣) البيان (٦/ ٢٦).
[ ٢ / ١٤٩ ]
يعرف أنهما الوجهان المذكوران في كلام المصنف.
أما الأرض المتساوية الأجزاء فحكمها حكم المكيل والموزون، كما صرح به الأصحاب في باب القسمة وهنا. وقال الروياني هنا: "إن كان الرهن براحًا أجزاؤه متساوية في القيمة؛ كان بمنزلة الحبوب وإن كان دارًا فطالب أحدهما بالقسمة أجبر الآخر عليه إذا لم تكن رهنًا، وإذا كانت رهنًا فيه وجهان؛ أحدهما: لا يجبر لأن ثمن نصفها مشاعًا، أكثر من ثمن نصفها مقسومًا.
والثاني: يجبر ولا يعتبر رضا المرتهن؛ لأن هذا الضرر لا يبين فيها" (^١) وقد يقال: إن قسمة العبدين المتساويي القيمة وقسمة الأرض المختلفة الأجزاء، كلاهما قسمة تعديل يجبر الشريك عليها على المذهب، فَلِمَ أجرى العراقيون الخلاف في الثانية دون الأولى؟
والجواب: أن الإجبار في الثانية أقوى، قال به من لم يقل به في الأولى، والتردد في إجبار المرتهن فرع عن القطع بإجبار الشريك، فبان بذلك الفرق بين الرتبتين على أن العبدين المتساويي القيمة أيضًا في قسمتها خلاف في "الوسيط" (^٢) وغيره يخرج من كلام الإمام فرعه، على أن قسمتهما إفراز وقطع على قول البيع بامتناعها، وهو على طريقته من النظر إلى كون القسمة إفرازًا أو بيعًا، ونحن قدمنا عن العراقيين أنهم لم ينظروا هنا إلى ذلك.
* * *
_________________
(١) بحر المذهب (٥/ ٣١٣).
(٢) الوسيط في المذهب (٣/ ٥١٩).
[ ٢ / ١٥٠ ]
فرع
أطلق الشافعي والعراقيون ما قدمناه عنهم ووافقهم غيرهم أيضًا.
قال الرافعي: "وزاد آخرون منهم أصحاب القفال، فقالوا: تجويز القسمة حيث جوزنا، مبني على أن القسمة إفراز حق، أما إذا جعلناها بيعًا فهو بيع المرهون بغيره فيمتنع" (^١). انتهى.
وهذا هو الذي ذكره الفوراني والقاضي حسين والإمام الغزالي قال الإمام: "وهذا أصل يجري على الاطراد ما يمتنع البيع فيه في إجراء القسمة قولان مبنيان على أن القسمة إفراز أو بيع، وقد يطرأ على قول البيع في بعض المواضع قول في جواز القسمة، وذلك لمكان الضرورة كما سنذكره في قسمة الوقف فإنه على التأبيد، والشركة القائمة قد تجرُّ عسرًا عظيمًا، فإذا لم تفرض ضرورة ظاهرة انطبق جواز القسمة؛ ومنعها على القولين في أن القسمة بيع أو ليست بيعًا، ومسألتنا من صور القولين، فإن الرهن ينفك عمَّا قليل، فلا تظهر الضرورة" (^٢). انتهى.
وقال الغزالي: "حيث تميز الحكم بتعدد المالك فإذا قضى أحد الشريكين نصيبه واستقسم المرتهن وكان الشيء مكيلًا أو موزونًا. قال الشافعي: له ذلك وهو تفريع على أن القسمة إفراز حق لا بيع، حتى تتصور في المرهون ثم يراجع القاضي الراهن، فإن أبى أجبر عليه، وفي مراجعة المرتهن وجهان من حيث إنه لا ملك له ولكن له حق، وإن كانت القسمة قسمة التعديل، ففي الإجبار عليها قولان؛ فإن قلنا: يجبر، فالرجوع إلى المرتهن هنا أولى؛ لأنه أقرب إلى حقيقة البيع من القسمة الجزئية" (^٣). انتهى.
_________________
(١) فتح العزيز (٤/ ٥٢٥) بمعناه.
(٢) نهاية المطلب (٦/ ٢٦١) بمعناه.
(٣) الوسيط في المذهب (٣/ ٥١٩).
[ ٢ / ١٥١ ]
وعلى طريقه هو لا يكون في قسمة المتماثلات قولان إن قلنا: إنها بيع، وهو الذي رجحه الرافعي في باب الرِّبا، واقتضى كلامه هنا ترجيحه؛ امتنع الإجبار.
وإن قلنا: إنها إفراز، وهو المشهور والمختار أجبر، وقسمة التعديل أيضًا تنخرج على القولين ولكن الصحيح المعتمد فيها أنها بيع، وظاهر النص، وكلام العراقيين وغيرهم: أنه لا نظر إلى هذا البناء بل يجبر في المتماثلات؛ لأنه لا ضرر فيها، سواء قلنا: هي إفراز أم بيع، وفي غيرها خلاف الأصح أنه لا يجبر المرتهن؛ لما فيه من الضرر عليه.
قال ابن الرفعة: والأشبه ما ذكره العراقيون من إجراء النص على ظاهره من غير تقييد بأن القسمة إفراز؛ لأن بيع المرهون لا يمتنع إلا عند الاختيار، أما عند الحاجة إليه، فلا يمتنع وينتقل حق الوثيقة إلى الثمن، ألا ترى أن العبد المرهون إذا جنى جناية ينقص أرشها عن قيمته، ولم يتيسر بيع بعضه، أو تيسر لكن بأنقص قيمة يباع كله؛ لأجل حق المجني عليه، وإن لم يتعلق حقه منه إلا بقدر الأرش، وما ذاك إلا لتعلق حق غير الراهن والمرتهن بالبيع في الحال، فلا يفوت عليه فكذا نقول فيما نحن فيه الشريك حقه في المقاسمة، لو خلا عن أن يكون راهنًا أولًا واجب على الفور، ولا يمنعه من ذلك كون القسمة بيعًا، ولو كان ذلك يمنع من الإجبار على القسمة؛ لاقتضى ألا يجوز لأحد الشريكين أن يرهن حصته إلا بإذن شريكه؛ حذرًا من إبطال حقه من القسمة ولا قائل به من أصحابنا.
فإن قلت: لمّا رهنا معًا من واحدٍ، فكان كل منهما قد دخل على بصيرة من إبطال حقه، ما دام الرهن باقيًا من الإجبار على القسمة، فيلزم به بخلاف الشريك الذي لم يكن راهنًا.
[ ٢ / ١٥٢ ]
قلت: يقتضي ذلك أن نخص الكلام بحالة الاجتماع على الرهن، وكلام الأصحاب غير خاص بهذه الحال، بل يشملها وما إذا رهن أحدهما حصته بعد الآخر.
فإن قلت: إنما بيع كل العبد الجاني إذا تعذر بيع البعض؛ لأن حق الجناية تعلق بكله، وهو مقدم على حق المالك، فكذا على حق المرتهن من طريق الأولى.
قلت: ذاك موجود فيما نحن فيه فإن حق الشريك في الإجبار يقدم على حق المالك، فعلى حق المرتهن أولى.
نعم! لو أراد الراهن الذي لم ينفك نصيبه المقاسمة، فهل يجوز؟
إن قلنا: إنها إفراز جازت، وإن قلنا بيع لم يجز؛ كما لا يجوز بيع المرهون من غير حاجة، ليكون ثمنه رهنًا مكانه. انتهى.
وهو كلام جيد في غاية الحسن هو الذي أشرت إليه فيما سبق أنه يقتضي الفرق بين حالة انفكاك نصيب أحدهما وحالة عدم انفكاك شيء، ويكون كلام الشافعي والعراقيين مختصًّا بالأولى، وكلام القفاليين متعينًا في الثانية، هذا إن صح ما قاله ابن الرفعة من الانتصار للعراقيين، وهو على حسنه عندي فيه وقفة يسيرة؛ لأن حق الشريك في القسمة لو كان كحق المجني عليه لمنع الرهن، كما يمتنع رهن العبد الجاني، فلما اتفقنا على جواز رهنه دل على أن حق الاستقسام مخالف لحق الجناية، وبعد هذا، إما أن يقال: لا يلزم من تقديم حق الجناية على حق المرتهن تقديم حق الاستقسام عليه، لا سيما مع ما تقدم عن الإمام من أن الرهن ينفك عمَّا قليل، فلا تظهر الضرورة، وأما أن يقال - وهو الحق إن شاء الله: إن حق الاستقسام يقدم على حق المرتهن لتقدمه عليه ولا يمنع من الرهن، كما أن
[ ٢ / ١٥٣ ]
حق الشفيع كذلك، إذا رهن المشتري الشقص المشفوع، فللشفيع أن يفسخ الرهن، ويأخذ وهو أشبه شيء بما نحن فيه، لكن الراهنان هنا لما اجتمعا على الرهن، فقد رضي كل منهما به، فلا يجوز له بعد ذلك طلب القسمة على قول البيع؛ لأنه رضي بالرهن المانع منها.
وقول ابن الرفعة: إن كلام الأصحاب غير خاص بهذه الحال، فهو وإن كان مطلقًا، كما قال لكن يجب تخصيصه بها؛ لأنهم قالوا فيما إذا رهن حصته من بيت في دار مشتركة ما يقتضي الاتفاق على جواز القسمة، كما سيأتي، ولا يمكن الجمع بين كلامهم هنا وهناك إلا بهذا الطريق.
وحاصله: أن المشاع إن رهنه أحد الشريكين بإذن الآخر امتنعت القسمة حتى تنفك، وإن كان بغير إذنه؛ جازت القسمة، وله المطالبة بها، وإن رهناه، فهو كما لو رهن أحدهما حصته بإذن الآخر؛ فتمتنع القسمة؛ ولهذا صورها الشافعي فيما إذا رهناه معًا، هذا كله إذا فرعنا على أنها بيع.
فإن قلنا: إفراز جازت مطلقًا، وبهذا يتبين أن فيما إذا انفرد كل منهما برهن نصيبه لا مانع إلا كون الرهن يمتنع بيعه، فإن قدمنا حق طالب القسمة على حق المرتهن أجريناها سواء، قلنا: هي إفراز أم بيع، وإن قدمنا حق المرتهن لِقُرْب انفكاك الرهن منعناها، وهذا الذي يميل إليه كلام الإمام، ولعل الوجهين في كلام المصنف وغيره منشؤهما هذا النظر، فإن صح ذلك؛ فيكون الأصح تقدم حق المرتهن لقرب مدته؛ ولضعف حق الاستقسام؛ ولذلك لا ينتقص به الوقف ونحوه، بخلاف حق الشفيع لأنهم صححوا عدم إجبار المرتهن، لكن الذي يتجه في صورة الانفراد إجباره؛ لأن الشريك الذي لم يرهن ولم يرض؛ له حق في القسمة، فكيف يعوق بالرهن والملك الذي يقتضي القسمة باق؟ ويؤيده كلامهم في مسألة
[ ٢ / ١٥٤ ]
البيت، فالوجه إجراء القسمة سواء قلنا: هي إفراز أم بيع، ويصح في هذه الصورة إطلاق العراقيين، وأما إذا أذن أحد الشريكين في الرهن، فيمنع من طلب القسمة ما دام الرهن باقيًا.
إن قلنا: إنها بيع، وكذا إن قلنا بالإفراز، وكان فيها ضرر وإلا فلا، وحكمه في ذلك حكم الراهن، وأما إذا اجتمعا على الرهن، فرهن كل منها حصته بدينه راضيًا برهن حصة الآخر بدينه، فهو كما لو أذنا والقول هنا بتجويز قسمة المتماثلات مع القول بكونها بيعًا بعيد لا يتجه إلا أن يقال: إن القسمة ليست بيعًا من كل وجه، وأكثر الأصحاب لم ينظروا إليه وبالجملة هذه مسألة مشكلة من جهة الجمع بينها وبين كلامهم في رهن حصته من بيت في دار، وسيأتي، فليتأمل الجمع بين الكلامين، وإن قيل بأن رهنهما معًا لا يلزم منه الرضا برهن الآخر لم يبعد؛ لأن صورة رهنهما معًا أن يرهن كل منهما نصيبه بدينه، أما إذا قالا: رهناك هذا العبد بالمائة التي لك علينا، وكان له على كل واحد منهما خمسون، فينبغي أن يكون كله رهنًا بجميعها لا ينفك منه شيء إلا بقضائها، وكان كل واحد رهن حصته بدينه ودين صاحبه وبهذا الاضطراب لا يلزم من تقديم حق الجناية على حق المرتهن تقديم حق الاستقسام عليه، لا سيما مع ما تقدم عن الإمام من أن الرهن ينفك عمَّا إلى قليل يقوي قول القَفَّاليين من البناء على أن القسمة إفراز أو بيع سواء أكان نصيب أحدهما قد انفك أم لا، وهذا هو المختار حيث انتهينا إلى هذا المقام.
فإن قلت: الشافعي وأكثر الأصحاب جزموا القول بصحة قسمة المرهون المثلي إذا انفك بعضه.
قلت: لا يمتنع أن يكون بناء على أنها إفراز؛ لأنه المختار عندهم على ما
[ ٢ / ١٥٥ ]
هو المشهور في قسمة المتماثلات، وهو ما أشار إليه الرافعي في "المحرر" وإن كان في "الشرح" في باب الربا رجح أنها بيع، وكذلك اقتضى كلامه في باب الرهن هنا، فتلخص أن في قسمة المرهون المتساوي الأجزاء قولين إذا انفك بعضه، فإن لم ينفك بعضه، فأولى بالمنع والصحيح في القسمين الجواز، والصحيح في المختلف الأجزاء؛ كالدار والأرض المختلفة المنع.
وحاصله: أنه حيث أجبر الشريك، فهل يجبر المرتهن خلاف، وسواء قلنا: يجبر الشريك أو لا، هل يجوز إذا كان مرهونًا بالتراضي؟! خلاف.
فرع
حيث جوزنا القسمة فسبيل الطالب أن يراجع الشريك فإن ساعده وإلا رفع الأمر إلى القاضي ليقسم، ونقل الصيدلاني (^١) والماوردي وجهًا أنه لا حاجة إلى إذن الشريك في المتماثلات؛ لأن قسمتها قسمة إجبار.
قال الرافعي: "والمذهب الأول" (^٢)، فلو قسم بنفسه، فعلى المذهب يكون ما أخذه بالقسمة بينهما وعليه ضمانه، وما تركه بينهما وليس عليه ضمانه، وعلى الوجه الآخر لو أخذ أكثر من حقه ملك منه قدر حقه وضمن الزيادة لشريكه، قال ذلك الماوردي (^٣).
وقولنا: "حيث جوزنا" نريد به في المتماثلات على الصحيح وفي قسمة التعديل على أحد الوجهين، كما سبق ونعني به بغير رضا المرتهن، وحيث
_________________
(١) انظر: فتح العزيز (٤/ ٥٢٦).
(٢) انظر المصدر السابق.
(٣) الحاوي الكبير (٦/ ٢٢٠).
[ ٢ / ١٥٦ ]
منعنا، فرضا المرتهن، فالمفهوم من كلام المعظم صحتها، وبه صرح الماوردي (^١)، وكلام المصنف ناطق به.
وقال الإمام: إنه لا يصح وإن رضي؛ لأن رضاه إنما يؤثر في فك الرهن. فأما في بيع المرهون بما ليس بمرهون ليصير رهنًا، فلا. قال الرافعي: "وهذا إشكال قوي" (^٢).
قال النووي: "ليس هو بقوي لمن تأمله، ولا يسلم الحكم الذي ادعاه والمعتمد ما قاله الأصحاب" (^٣). انتهى.
واعلم أن المرتهن إذا أذن ببيع الرهن بشرط أن يكون ثمنه رهنًا، فيه قولان نص في "الأم" على الفساد (^٤)، وفي "الإملاء" على الصحة (^٥)، رجح المَحَامِلي والغزالي الأول.
وقال النووي في "روضة الطالبين": "إنه الأظهر" (^٦)، فيلزمه أن يسلم الحكم الذي ادعاه الإمام، والإمام قال: "إن الأجوبة، وإن اختلفت في جواز نقل الرهن من عين إلى عين على حكم التراضي، فلا اختلاف في أن التبادل بصيغة البيع لا يجوز" (^٧)، "ويلزمه أن يفرق بينه وبين البيع بشرط جعل ثمنه رهنًا حيث جرى فيه الخلاف"، كذا قال ابن الرفعة (^٨).
_________________
(١) انظر المصدر السابق.
(٢) فتح العزيز (٤/ ٥٢٦).
(٣) روضة الطالبين (٤/ ١١٢).
(٤) الأم (٣/ ١٨٦).
(٥) انظر: الحاوي الكبير (٦/ ٧٣).
(٦) روضة الطالبين (٤/ ٤٣).
(٧) نهاية المطلب (٦/ ٢٦٣).
(٨) كفاية النبيه (٩/ ٤١٢).
[ ٢ / ١٥٧ ]
ويمكن جوابه: بأن القول بالصحة هناك معناه: أنه يلزم الراهن رهن الثمن كما تُشْعِر به عبارة الرافعي، وعبارة الإمام فإن كان كذلك، فظهر الفرق، وإن كان معناه أنه يصير الثمن بنفس البيع رهنًا، فهو مثله، وهو ما يشعر به تقريب الإمام وغيره الخلاف المذكور من الخلاف في نقل الوثيقة، فينبغي أن يجري الخلاف، ويكون الأصح الفساد، فالسؤال على النووي وارد على كل تقدير، وعلى الإمام على تقدير واحد على قول مرجوح، فظهر أن الإشكال قوي كما ادعاه الرافعي، وإنما يجاب عنه بأن يقال: إن القسمة ليست بيعًا من كل وجه، فاغتفر فيها هذا، والماوردي جزم في قسمة التعديل، وهي التي لا يجيز عليها عنده، فإنها لا تجوز إلا برضا الراهن، والمرتهن وقال: "لو رضيا معًا، وجعل أحدهما للآخر مقاسمة الشريك جاز وصحت القسمة، سواءٌ أقاسمه الراهن بإذن المرتهن، أم قاسمه المرتهن بإذن الراهن" (^١). انتهى.
ولا خلاف في ذلك ومُقاسمة الشريك للراهن هي الحقيقية؛ لأن الملك لهما وإذن المرتهن معتبر لتعلق حقه، وأما مقاسمته للمرتهن فإنما يكون بطريق الوكالة من المرتهن عن المالك، فإذن المالك هنا توكيل ومباشرة المرتهن رضا.
فرع
كل ما ذكرناه في اقتسام الراهنين يأتي في اقتسام الراهن والمرتهن في المسألة الثانية إذا تعدد المرتهن وانفك نصيب أحدهما، كما صرح به الرافعي وغيره، وكذا إذا لم ينفك على ما يقتضيه إطلاق المصنف ولا خفاء بما يقتضيه عود تلك التفاصيل ومواقع أحكامها، ولا خفاء بأن
_________________
(١) الحاوي الكبير (٦/ ٢٢٠ - ٢٢١).
[ ٢ / ١٥٨ ]
جميع هذا الكلام فيما يمكن انقسامه، أما العبد وكل ما لا يمكن قسمته فلا مدخل للقسمة فيه.