مذهبنا التحالف مطلقًا، سواء أكانت السلعة قائمة أو تالفة، وسواء أكان قبل القبض -وهي قائمة- أو بعد القبض (^١)، وبه قال محمد بن الحسن (^٢)، ومالك في أصح الروايات عنه (^٣)، وأحمد في أصح الروايتين (^٤).
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: يتحالفان حال قيام السلعة، ولا يتحالفان حال تلفها، بل يكون القول قول المشتري (^٥)، وهو الرواية الأخرى عن أحمد (^٦)، والرواية الثانية عن مالك (^٧).
وقال مالك في الرواية الثالثة عنه: إن كان قبل القبض تحالفا، وإن كان بعد القبض؛ فالقول قول المشتري (^٨).
_________________
(١) انظر: البيان (٥/ ٣٨٥)، فتح العزيز (٩/ ١٥٤)، روضة الطالبين (٣/ ٥٥٧).
(٢) انظر: بدائع الصنائع (٦/ ٢٥٩)، الهداية شرح البداية (٣/ ١٦١)، البحر الرائق (٧/ ٢١٩).
(٣) انظر: التلقين (٢/ ١٥٧)، المقدمات الممهدات (٢/ ١٩٨)، بداية المجتهد (٣/ ٢٠٧) حاشية الخرشي (٥/ ١٩٦).
(٤) انظر: شرح الزركشي (٢/ ٧٨)، الإنصاف، (٤/ ٣٢٢)، كشاف القناع (٣/ ٢٣٦).
(٥) نفس المصدر.
(٦) نفس المصدر.
(٧) نفس المصدر.
(٨) نفس المصدر.
[ ١ / ٥٣ ]
وقال زفر (^١) وأبو ثور (^٢): القول قول المشتري بكل حال مع يمينه. وذكر القاضي أبو الطيب أنها رواية عن مالك (^٣)، ونقله الماوردي (^٤) عن داود (^٥)، فهذه أربعة مذاهب.
ونقل الماوردي عن مالك: "أن القول قول مَن الشيء في يده؛ لأن اليد دالة على ملكه" (^٦)، وبه تجتمع عن مالك خمس روايات.
ونقل عن شُرَيْح (^٧) وَالشَّعْبِيّ (^٨) في ذلك شيء، فالذي نقله الماوردي عنهما: "أن القول قول البائع" (^٩).
_________________
(١) انظر مراجع الأحناف السابقة.
(٢) وافقه النقل عنه ابن المنذر في الإشراف (٦/ ١٢٧) وابن قدامة في المغني (٤/ ١٤٤)، وابن رشد الحفيد في بداية المجتهد (٣/ ٢٠٧). أبو ثور: إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان أبو ثور الكلبي البغدادي، قيل: كنيته أبو عبد الله، ولقبه أبو ثور، كان أحد أئمة الدنيا؛ فقهًا وعلمًا وورعًا، وفضلًا وخيرًا، كان يتفقه بمذهب الأحناف، حتى قدم الشافعي بغداد، فلزمه، وهو من جهابذة الحديث، الذابين عن السنة توفي: سنة (٢٤٠ هـ). انظر: الوافي بالوفيات (٥/ ٢٢٦).
(٣) انظر مراجع المالكية السابقة.
(٤) الحاوي الكبير (٥/ ٢٩٧).
(٥) انظر: المحلى بالآثار (٧/ ٢٥٧).
(٦) الحاوي الكبير (٥/ ٢٩٧).
(٧) شريح: شريح بن الحارث بن قيس بن الجهم الكندي، من أشهر القضاة في الإسلام، وأخباره مستفيضة في "أخبار القضاة" لوكيع، يقال: له صحبة، ولم يصح، أسلم في حياة النبي ﷺ، ولي قضاء الكوفة في زمن عمر، وعثمان، وعلي، ومعاوية، واستعفى في أيام الحجاج، توفي سنة (٧٨ هـ). انظر: تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٤٣)، وفيات الأعيان (٢/ ٤٦٠).
(٨) الشعبي: عامر بن شراحيل بن عبدِ ذي كِبار، الشعبي الحِمْيري، أبو عمرو، ولد ونشأ ومات فجأة بالكوفة، كان ضئيلًا نحيفًا، ولد لسبعة أشهر، وسئل عما بلغ إليه حفظه، فقال: ما كتبت سوداء في بيضاء، ولا حدثني رجل بحديث إلَّا حفظته، وهو من رجال الحديث الثقات، توفي سنة: (١٠٣ هـ). انظر: الطبقات الكبرى، ط العلمية (٦/ ٢٥٩)، الثقات لابن حبان (٥/ ١٨٥).
(٩) الحاوي الكبير (٥/ ٢٩٧). بمعناه.
[ ١ / ٥٤ ]
وبه تصير المذاهب ستة (^١).
والذي نقله ابن المنذر (^٢): أن الشعبي كان يقول: "القول قول البائع أو يترادان البيع، وبه قال أحمد. وقال: القول قول البائع مع يمينه، أو يترادان" (^٣).
قال ابن المنذر: "وفيه قولٌ ثانٍ: وهو أن يستحلفا بالله، فإن حلفا أو نكلا، ترادَّا البيع، وإن حلف أحدهما ونكل الآخر، كان للذي خلف، هذا قول شريح" (^٤) - هذا كلام ابن المنذر - ثم حكى بعد ذلك مذهب الشافعي، ومذهب أبي ثور (^٥).
فأما ما نقله عن الشعبي وأحمد: فهو كلفظ الحديث الذي فيه: "الْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ أَوْ يَتَتَارَكَانِ". فإن كانا قد حملاه على أن المراد أن يتتاركا بترك الخصومة أو يفصلاها، فيكون القول قول البائع مع يمينه، وإذا حلف يحكم له، فهذا محتمل، ويصح مع ذلك أن ينقل عنهما أن القول قول البائع، ويكون ذلك رواية ثالثة عن أحمد، وهو المذهب السادس الذي تقدم، وأما ما نقله ابن المنذر عن شريح، فليس فيه مخالفة لمذهب الشافعي، إلا أن الشافعي يبدأ بتحليف البائع.
ومقتضى كلام شريح: أنهما مستويان.
وفيه (^٦) أيضًا: تصريح بأن نكولهما لحلفها وهو كذلك على الراجح عندنا - على ما سيأتي في فرع عند كلام المصنف على كيفية اليمين - فإذا أخذت
_________________
(١) الحاوي الكبير (٥/ ٢٩٧).
(٢) الإشراف على مذاهب العلماء (٦/ ١٢٦).
(٣) نفس المصدر.
(٤) نفس المصدر (٦/ ١٢٧).
(٥) نفس المصدر.
(٦) جاءت في الأصل وفيه وفيه، ولعل ما أثبتناه هو الصواب.
[ ١ / ٥٥ ]
مذهب شريح بهذا الترتيب كانت المذاهب سبعة، وإلَّا فهي ستة لا غير.
ثم إن المشهور في مذهب أبي حنيفة الاقتصار في اليمين على النفي، ومذهبنا الجمع بين النفي والإثبات، فإذا أخذت المذاهب مقيدة بكيفية التحالف جاءت سبعة أيضًا أو ثمانية، وأضعفها من فرق بين قيام السلعة وتلفها، وسيأتي بيان ضعفه عند ذكر المصنف لهذا الحكم إن شاء الله، وكذلك تخصيص التحالف بما قبل القبض، وقبول قول المشتري مطلقًا، فيه مخالفة لحديث ابن عباس وابن مسعود معًا، وأما قبول قول: مَنْ الشيء في يده، فهو وإن كان مخيلًا لكن صاحب اليد إذا اعترف بترتبها على يد أخرى، صارت اليد الأولى هي الأصلية.
وأيضًا: إلزام المشتري بالثمن الذي يدعيه البائع، وإن كانت العين في يد البائع تقيد، فلم يبق إلا التحالف كما ذهبنا إليه، أو قبول قول البائع، كما حكى عن الشعبي وأحمد، إلا أن هذا المذهب مخالف للرواية التي فيها إثبات الخيار للمشتري.
فإنا إذا قلنا: قول البائع مطلقًا وألزمنا المشتري الثمن، لم يثبت له خيار، فوجب المصير إلى القول بالتحالف، كما قال به الشافعي وغيره، وقد تقدم أن مذهب شريح موافق لمذهبنا في أصل التحالف.
قال الإمام: "ومعتمد الباب، إما الخير، وإما مصلحة ناجزة حاقَّة خصيصَةٌ بالباب، هي أولى بالاعتبار من الأمر الكلِّي، وهي أن المتعاقدَين يعم اختلافُهما، وكل واحدٍ منهما جالبٌ باذلٌ، فلو خصصنا بالتصديق أحدهما، جرَّ ذلك عُسرًا عظيمًا، فرعاية مصلحة العقد أولى من النظر إلى عموم القول في براءة الذمَّة" (^١).
_________________
(١) نهاية المطلب (٥/ ٣٣٩). إذا أطلق الإمام في المذهب الشافعي فيقصد به: الإمام الجويني.
[ ١ / ٥٦ ]
وهذا من الإمام ﵀ فيه إشعار بأن التحالف على خلاف القياس، ولكن الأصحاب في الكلام مع الحنفية - كما سيأتي - يبالغون في تقدير أن ذلك على وقف القياس، ويمنعون من تسليم أن البائع موافق للمشتري على شيء ممَّا يدعيه، وإن كان في كلام الإمام إشعار بتسليم ذلك.
واعلم أن قوله في الحديث: "الْقَوْلُ مَا قَالَهُ الْبَائِعِ أَوْ يَتَتَارَكَا".
ظاهره أنهما يتتاركان بغير تحالف، وكذلك نقل عن مذهب ابن مسعود، والشعبي، وأحمد (^١)، ولعل ذلك على وجه المقابلة وأنها فاصلة للخصومة؛ فإن لم يفعلا، فالقول قول البائع، وظاهر هذا أنه إذا حلف يقضى له، لكن الرواية الأخرى تقتضي تمكين المشتري من الأخذ والترك بعد حلف البائع، وأصحابنا (^٢) يجعلون ذلك بحلفه أيضًا، إن حلف حصل الترك، وإلَّا أخذها بما حلف عليه البائع، وظاهر الحديث لا يقتضي ذلك؛ فلو قيل بأنه: إذا حلف البائع يخير المشتري بين الأخذ والترك بغير يمين، كان محتملًا، وهو نوع من التتارك الذي خيَّر الشارع بينه وبين قول البائع، ويكون التتارك إما قبل حلف البائع باتفاقهما، وإما بعد حلفه باختيار المشتري، لكن هذا نوع من الخيار غريب، ولم أرَ من قال به.
وقد اختار أبو الحسن بن المغلس (^٣): أن حديث ابن مسعود ثابت، وأن الواصل له ابن أبي ليلى، وأن حكم النبي ﷺ بالبينة على المدعي واليمين على المدعى عليه معارض له، وإذا امتنع الحكم بالنسخ للجهل بالتاريخ،
_________________
(١) الروايتين والوجهين (١/ ٣٤٧)، المغني (٤/ ١٤٤)، شرح الزركشي (٢/ ٧٨)، المبدع شرح المقنع (٤/ ٥ - ٦)، الإنصاف (٤/ ٣٢٢).
(٢) البيان (٥/ ٣٨٥)، فتح العزيز (٩/ ١٥٤)، روضة الطالبين (٣/ ٥٥٧).
(٣) أبو الحسن بن المغلس: عبد الله بن أحمد بن محمد بن المغلِّس، عالم فاضل، وفقيه يميل إلى المذهب الظاهري، من تصانيفه: الموضح، والمفصح، توفي سنة (٣٢٤ هـ). انظر: الوافي بالوفيات (١٧/ ٢٥)، سير أعلام النبلاء (١٥/ ٧٧).
[ ١ / ٥٧ ]
فالواجب النظر، والنظر يوجب قبول قول المشتري الاتفاق على حصول الملك له، فيقبل قوله في اليمين مع يمينه، وهذا الذي قاله من الاتفاق على حصول الملك غير مفيد؛ لأن الملك نتيجة البيع، ولم يتفقا على بيع خاص.
وقول المصنف: مقدار الثمن هكذا عادة الأصحاب يفرضون الكلام في الاختلاف في مقدار الثمن، والحكم عام فيما إذا اختلفا في المقدار كما ذكر، أو في الجنس، بأن يقول: بعتك داري هذه بهذا الثوب، وقال المشتري: بل بعتنيها بهذا العبد، أو في الوصف، كما إذا قال: بعتك بصحاح، فقال: بل بمكسرة، كل ذلك يوجب التحالف إذا اتفقا على المبيع.
وقد يختلفان في المبيع أيضًا مع الاتفاق على الثمن - وسيأتي في كلام المصنف.
وقد يختلفان في المبيع والثمن معًا، فإن لم يحصل اتفاق على واحد منهما سواء أكانا معينين كما إذا قال: بِعْتُك هذا العبد بهذا الثوب، فقال: بل هذه الجارية بهذا العبد؛ أم في الذمة كما إذا قال: بعتك هذا العبد بمائة درهم أو صحاح، فقال: بل هذه الجارية بمائة دينار أو مكسرة، فلا تحالف أصلًا.
وإن حصل اتفاق في بعض ذلك كما إذا قال: بعتك هذا العبد بألف، فقال: بل بعتنيه مع هذه الجارية بألفين، فهاهنا يتحالفان أيضًا.
وقوله: ولم تكن بينة؛ أي: واحدة؛ فلو كان لكل منهما بينة وتعارضا.
فإن قلنا بالتساقط، فكذلك.
وإن قلنا بالاستعمال فهل يقرع أو يتوقف، وجهان اقتصر الرافعي (^١)
_________________
(١) فتح العزيز (٩/ ١٥٤).
[ ١ / ٥٨ ]
على الثاني، ولا تجيء القسمة على ما صرح به ابن التلمساني (^١).
فرع
أطلق المصنف التحالف عند الاختلاف، ولم يفصل بين أن يكون الاختلاف في زمن الخيار أو لا، والذي قاله الماوردي في كتاب السلم فيما إذا اختلفا في الأجل، فإن كان بعد التفرق تحالفا، وإن كانا في المجلس، فلا عقد بينهما (^٢)، ووافقه القاضي حسين، فقطع بانتفاء التحالف (^٣)، ونازعه الإمام فيه (^٤)، ثم إنه زعم أن القاضي لا يلزمهما التحالف، وكان لو اختلفا وراما التحالف، عرض الأيمان عليهما، ثم استشكل هذا ومال إلى موافقة القاضي حسين، وبين كلام الماوردي وكلام القاضي حسين بعض التقارب.
فإن ظاهر كلام الماوردي؛ أن العقد انفسخ بالتناكر.
وظاهر كلام القاضي حسين: أنه لا ينفسخ لكنهما لا يتحالفان؛ لقدرتهما على الفسخ.
وأما التحالف في القراض، فإن كان قبل الخوض في العمل، فلا معنى له، وبعده يجزئ؛ لأن فيه فائدة.
* * *
_________________
(١) في كتابه: شرح التنبيه، كما نقله عنه ابن الرفعة في كفاية النبيه (٩/ ٢٩١)، (١٣/ ٣٠٤).
(٢) الحاوي الكبير (٥/ ٤٠٢ - ٤٠٣).
(٣) انظر: نهاية المطلب (٥/ ٣٣٧). والقاضي حسين: هو الحسين بن محمد بن أحمد أبو علي المروزي، وهو الذي إذا أطلق المراوزة (القاضي) فإياه يعنون (توفي: ٤٦٢ هـ). انظر: طبقات الشافعية الكبرى للسبكي (٤/ ٣٥٦).
(٤) نهاية المطلب (٥/ ٣٣٧ - ٣٣٨).
[ ١ / ٥٩ ]
قال المصنف ﵀: