وإن مات أحد المتراهنين، فقد قال في الرهن: إذا مات المرتهن لم ينفسخ. وقال في التفليس: إذا مات الراهن لم يكن للمرتهن قبض الرهن، فمن أصحابنا من جعل ما قال في التفليس قولًا [آخر] (^١) أن الرهن ينفسخ بموت الراهن ونقل جوابه فيه إلى المرتهن وجوابه في المرتهن إليه، وجعلهما على قولين؛ أحدهما: ينفسخ بموتهما؛ لأنه عقد لا يلزم بحال، فانفسخ بموت العاقد؛ كالوكالة والشركة.
والثاني: لا ينفسخ؛ لأنه عقد يؤول إلى اللزوم فلم ينفسخ بالموت؛ كالبيع في مدة الخيار، ومنهم من قال: يبطل بموت الراهن ولا يبطل بموت المرتهن؛ لأن بموت الراهن يحل الدين، ويتعلق بالتركة، فلا حاجة إلى بقاء الرهن، وبموت المرتهن لا يحل الدين، فالحاجة باقية إلى بقاء الرهن، ومنهم من قال: لا يبطل بموت واحد منهما قولًا واحدًا؛ لأنه إذا لم يبطل بموت المرتهن على ما نص عليه، والعقد غير لازم في حقه بحال، فلئلا يبطل بموت الراهن والعقد لازم له بعد القبض أَوْلى، وما قال في التفليس لا حجة فيه؛ لأنه لم يرد أن الرهن ينفسخ، وإنما أراد أنه إذا مات الراهن لم يكن
_________________
(١) زيادة من المطبوع من المهذب.
[ ٢ / ١١٢ ]
للمرتهن قبض الرهن من غير إذن الورثة.
حقيقة المتراهنين أن يكون الرهن من كل منهما، كما قال الشاعر:
يراهنني فيرهنني بنيه … وأرهنهُ بَنِيَّ بما أقول (^١)
ومراد المصنف: الراهن والمرتهن، كأنه سمي المرتهن راهنًا مجازًا حيث قبل الرهن؛ أو لأن الرهن العقد وقد حصل منهما، فأطلق على كلٍّ مِن شقيه رهنًا، أو من باب: طارقت النعل وعاقبت اللص.
وصورة المسألة: أن يموت أحدهما قبل القبض، ونصه في الرهن كذا موجود في "المختصر" (^٢) و"الأم" قال: "ولو مات المرتهن قبل القبض فللراهن تسليم الرهن إلى وارثه ومنعه" ونصه الآخر رأيته هنا قبل ذلك بسطور في "الأم" في أول الرهن الكبير قال: "ولو مات الراهن، قيل: يقبض المرتهن الرهن لم يكن للمرتهن قبض الرهن وكان هو والغرماء فيه أسوة سواء، ولو لم يمت الراهن ولكن أفلس قيل: يقبض المرتهن الرهن كان المرتهن والغرماء فيه أسوة وبعد ذلك بأسطر قال؛ قال: ولو رهنه عبدًا فلم يقبضه المرتهن حتى هرب العبد وسلطه على قبضه، فإن لم يقدر على قبضه حتى يموت الراهن أو يفلس، فليس برهن" (^٣). انتهى.
وهذا صريح في الانفساخ، وهكذا نص في الهبة، قال في "الأم" في الجزء التاسع قبل باب الوصية بالثلث: "وكل ما لا يملك إلا بالقبض
_________________
(١) جمهرة أشعار العرب (ص ٥١٨).
(٢) مختصر المزني (٨/ ١٩١).
(٣) الأم (٣/ ١٤٢).
[ ٢ / ١١٣ ]
فحكمه حكم واحد لا يختلف، ألا ترى أن الواهب والناحل والمتصدق لو مات قيل: يقبض الموهوب له والمنحول له والمتصدق عليه ما صُيّر لكل واحد منهم بطل ما صنع" (^١). انتهى.
وهذا نص في بطلان الهبة، وإذا ثبت ذلك في الهبة، فالرهن أولى، ولا جرم كان الصحيح عند الأصحاب طريقه إجراء القولين، والأظهر منهما: أنه لا ينفسخ بموت واحد منهما؛ لأنه يؤول إلى اللزوم؛ كالبيع في زمن الخيار.
والثاني: ينفسخ بموتهما؛ لأنه لا يلزم بحال، كذا عللهما المصنف وغيره وظاهر هذين التعليلين التعارض والمصادرة.
ووجه تصحيحهما: أن قوله: "لا يلزم بحال"؛ أي: من الجانبين، وإن لزم من أحدهما بعد القبض.
وقوله: "يؤول إلى اللزوم"، أي: في جانب الراهن بعد القبض، وبهذا يعلم أنه أخذ شبهًا بالبيع في زمن الخيار من وجه دون وجه، فكل من القولين راعى شبهًا، وبذلك فارق الوكالة التي لا تلزم بحال من الأحوال، فهو رتبة متوسطة بين البيع في زمن الخيار والوكالة؛ فلذلك جرى القولان؛ وترجح إلحاقه بالبيع؛ لما بينهما من اللزوم، والمناسب للانفساخ ألا يكون لزوم البتة، كما في الوكالة، فحيث كان في العقد من حيث الجملة لزوم بوجه ما لا يرتفع بالموت، وقد نسب القول بالانفساخ إلى أبي إسحاق، وهو اختيار لأحد القولين وموافق لما تقدم عنه من تشبيهه الرهن بالوكالة، والصحيح خلافه، وقد قدمنا رجوع أبي إسحاق، وفي "البحر" عنه الاحتجاج للرجوع بأن الرهن لا يبطل بموت المرتهن بالإجماع.
_________________
(١) الأم (٤/ ١١٠).
[ ٢ / ١١٤ ]
والطريقة الثانية: أنه يبطل بموت الراهن دون المرتهن تقريرًا للنصين اللذين ذكرهما المصنف، وحكيت هذه الطريقة عن أبي إسحاق وهذه الطريقة قوية؛ لأنه ليس للشافعي فيما أعلم نص صريح ولا ظاهر في الانفساخ بموت المرتهن، وسأتكلم على ما ذكره المصنف من الفرق.
والطريقة الثالثة: أنه لا ينفسخ بموت واحد منهما، وما ذكره المصنف فيها من الاحتجاج والتأويل للنص جيِّد لكنا حكينا نصين في بطلانه بموت الراهن، والأول منهما يمكن الجواب عنه؛ ولذلك قال الشيخ أبو حامد: لست أعرف للشافعي أنه قال: يبطل الرهن بموت الراهن، وإنما قال: إذا مات كان المرتهن أسوة الغرماء وهذا لا يفيد البطلان في الرهن. انتهى.
ولو سلم له ذلك، فما يصنع في النص الثاني، وقول الشافعي، فليس بِرَهْنٍ، والممكن في تأويله أن يقدر فليس برهن يقدر فيه على القبض بالتسليط السابق، ولكن هذا تأويل بعيد لا ضرورة إليه، والأقرب أن صاحب هذه الطريقة لم يقف على هذا النص وصاحب هذه الطريقة فيما قيل: هو القاضي أبو حامد، وقال الشيخ أبو حامد، والبندنيجي: إنها المذهب والذي يظهر لي أنها ضعيفة؛ لمخالفتها النص الذي حكيناه، ولا يمكن تأويله إلا بتعسف، وإنما النظر في الطريقين الأُوليَيْن، ولم يحك الماوردي غيرهما ولم يذهب أحد إلى أنه يبطل بموت المرتهن دون الراهن من جهة أنه من جهة المرتهن جائز دائمًا فأشبه الوكالة ومن جهة الراهن لازم في حال، فأشبه البيع في زمن الخيار؛ وذلك لأن النظر إلى العقد من حيث هو واللزوم بوجه ما قد ثبت للمرتهن، فلا يبطل بموته بخلاف الوكالة أو لا تثبت في حالة ما في أحد طرفيه، فيبطل بموت الراهن بخلاف البيع في زمن الخيار، وبهذا يعلم الجواب عمن جوز مجيء طريقة رابعة من
[ ٢ / ١١٥ ]
جهة المأخذ المذكور ولا فرق في جريان هذا الخلاف بين أن يكون الرهن تبرعًا أو مشروطًا في بيع هذا هو المشهور، وبه قال أبو الطيب بن سلمة. وقال ابن أبي هريرة: موضع القولين رهن التبرع، أما المشروط في البيع، فلا يبطل بالموت؛ قطعًا لتأكده بالشرط واقترانه بالبيع اللازم، فلا يبعد أن يكتسب منه صفة اللزوم (^١).
فرع
"سواء قلنا بالبطلان أو قلنا: لا يبطل ولم يتحقق الوفاء بالرهن المشروط فيثبت الخيار في البيع" قاله الرافعي (^٢)، وظاهره يقتضي أَنَّا متى قلنا بالبطلان؛ ثبت الخيار وقال الماوردي: "كان بالخيار بين إمضاء البيع بلا رهن وفسخه، فإن أحب ورثة الراهن إقباض الرهن للمرتهن، فهو مستأنف لعقده لفسخ العقد المتقدم، فإن كان ممَّن يجوز أن يستأنف رهنه؛ لجواز أمره من غير أن يتعلق به حق الغرماء والوصايا، جاز أن يستأنفه بعقد جديد وقبض جديد، فإذا فعل ذلك، فلا خيار للمرتهن البائع لحصول ما شرطه من الرهن.
وفيه وجه آخر: أن له الخيار في فسخ البيع، وإن أجاب الورثة إلى إقباضه لأن فسخ الرهن قد أوجب له خيار البيع فلم يسقط بما حدث من تطوع الوارث بالرهن" (^٣). انتهى.
وكلام الماوردي يقتضي أن الخيار يثبت بالموت إذا قلنا: ينفسخ الرهن وإن [أجابه] (^٤) الوارث إلى الرهن والإقباض يسقط خياره بعد ثبوته، وهذا كما يقول فيما إذا زال البائع أو الموجب العيب على الفور، أنه يسقط خيار
_________________
(١) فتح العزيز (٤/ ٤٧٨).
(٢) المصدر السابق.
(٣) الحاوي الكبير (٦/ ١٧).
(٤) المخطوطة: "بإجابة"، ولعل الصواب ما أثبتناه.
[ ٢ / ١١٦ ]
المشتري والمستأجر، وإذا حملناه على هذا لا يبقى مخالفًا لكلام الرافعي، بل زائدًا عليه بحكم، ونقل ابن الرفعة عن الماوردي هذا الكلام بعبارة أخرى تقتضي المخالفة فإنه قال: إن كان الوارث رشيدًا ولا دين لغير المرتهن ولا وصية، فإن لم يرهن ذلك من المرتهن ثبت له الخيار عند الشرط وإن رهنه منه، فالأصح أن لا خيار.
وفيه وجه: أنه يثبت له الخيار إذا كان الرهن مشروطًا في بيع؛ قاله الماوردي. انتهى.
فأما نقله الأصح، فكأنه أخذ ذلك من مقتضى إيراد الماوردي، وأما ما أفهمه كلامه من توقف ثبوت الخيار على عدم رهن الوارث، فهو مخالف لكلام الرافعي والماوردي ولو كان منقولًا كان له وجه؛ لأن الحق انتقل إلى الوارث، وقام مقام المورث في ملك المبيع وما استحق عليه، ألا ترى أنه لو مات المشتري قبل الرهن، وكان قد شرطه في البيع، فإن الذي يظهر أن وارثه يقوم مقامه، ولا يثبت للبائع الخيار حتى يمتنع الوارث من الرهن، وإذا كان كذلك كان هُنا مثله لا يثبت الخيار حتى يمتنع الوارث، وإن كان الوارث غير رشيد أو تعلق بالرهن ديون أو وصايا؛ لم يجز استئناف عقد الرهن وإقباضه، ويكون البائع بالخيار، فإن فرض حيث يجوز للولي ابتداء الرهن، فاستئنافه كابتدائه هذا إذا قلنا: انفسخ الرهن، وإن قلنا: لم ينفسخ فإن كان الميت الراهن فإن لم يكن دين ولا وصية والوارث رشيد، فهو في الإقباض بالخيار، فإن امتنع وكان الرهن مشروطًا في بيع ثبت الخيار للبائع وإن كان الوارث محجورًا عليه، فإن لم يكن الإقباض مصلحة لم يفعله الولي وإلا فوجهان، وإن كان دينٌ لغير المرتهن أو وصية لم يجز للوارث الإقباض حتى يقضي، ويثبت الخيار للبائع إذا كان مشروطًا، وحيث قبض
[ ٢ / ١١٧ ]
فلا خيار، وحيث امتنع القبض ثبت الخيار إذا كان مشروطًا وإن كان الميت المرتهن، فالراهن بالخيار في تسليم الرهن لورثته فإن قبضوا فلا خيار لهم وإن امتنع ثبت الخيار إن كان مشروطًا في بيع، ثم إن كانوا رُشَداء فعلوا ما شاء وإلا فإن لم يكن حظ في الإمضاء بلا رهن وجب على الولي فسخ البيع، وإن كان في إمضائه حظ فإن كان المشتري معسرًا أو غير أمين فعلى الولي الفسخ وإن كان موسرًا أمينًا فوجهان في "الحاوي" وقال: إنهما مخرجان من الوجهين الماضيين في ولي وارث الراهن، وإن مات الراهن والمرتهن معًا فالكلام في ورثتهما على ما سبق وإن ماتا بعد القبض فالرهن بحاله لا ينفسخ.