ولا يجوز تأخير قبض رأس المال عن المجلس لقوله ﷺ: "أَسْلِفُوا فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، والإسلاف: هو التقديم، ولأنه إنما سُمِّي سلمًا؛ لما فيه من تسليم رأس المال، فإذا تأخر لم يكن سلمًا: فلم يصح.
الحديث تقدم والاستدلالان جيدان بشرط أن يثبت أن ذلك معناه لغة أو شرعًا، وقال الشافعي في "الأم": "ولا يقع اسم التسليف عليه حتى يعطيه ما سلفه فيه قبل أن يفارقه من سلفه" (^١)، وقول الشافعي حجة في اللغة، واستدل غيره بأن تأخير التسليم نازل منزلة الدينية في الصرف وغيره، والمسلم فيه دين في الذمة، فلو تأخر تسليم رأس المال (^٢) لصار في معنى بيع الكالئ بالكالئ، وبأن الغرر في المسلم فيه احتمل للحاجة، فخبر ذلك يتأكد العوض الثاني بالتعجيل كيلا يعظم الضرر في الطرفين.
وهذه الأدلة إنما يحتاج إليها في المعين، أما إذا كان رأس المال دينًا وتفرقًا قبل قبضه وتعيينه، فهو بيع الكالئ بالكالئ بعينه، وجمهور العلماء
_________________
(١) الأم (٣/ ٩٥).
(٢) في المخطوطة: "رأس"، ولعل الصواب ما أثبتناه.
[ ١ / ٥٣٦ ]
يوافقون لنا على اشتراط قبض رأس المال في المجلس، وحكي عن مالك (^١) أنه أجاز تأخيره اليومين والثلاثة، ويحكى عنه أكثر من ذلك ما لم يكن ذلك مشروطًا.
وَلَوْ تفرقا قبل تسليم بعضه قال في "البويطي": "فالسلم فاسد" (^٢)، وقيل: يفسد منه بقدر ما بقي، واختلف الأصحاب على ثلاث طرق: إحداها وبها قال البصريون من الأصحاب: إن العقد باطل في الجميع، ونص عليه في "الأم"، وهو الذي قدمه في "البويطي".
ونقله ابن المنذر (^٣) عن الشافعي (^٤)، وسفيان الثوري، وابن شبرمة، وأحمد (^٥).
والثانية: وبها قال البغداديون: يصح بقدر ما قبض ويفسد بقدر ما بقي، كما حكاه في "البويطي" (^٦)، قال: هؤلاء خيار لتفرقهما عن رضا.
والثالثة، وهي الصحيحة: يخرج على تفريق الصفقة، وممن صححها الشاشي في "الحلية".
اختلف هؤلاء، فقال ابن القاص: هو من التفريق في الابتداء، وبه أخذ القاضي حسين، وقال غيره: هو من التفريق في الدوام، وهو الذي أورده الرافعي، وقال الإمام: "إنه متردد بين الابتداء والانتهاء، وإنه إلى
_________________
(١) انظر: التاج والإكليل (٤/ ٤١٠)، مواهب الجليل (٦/ ٣٠٣)، حاشية الخرشي (٥/ ١٠٩)، حاشية الدسوقي (٣/ ٩٥)، منح الجليل (٥/ ١١٣).
(٢) مختصر البويطي (ص: ٦٠٩).
(٣) الإشراف على مذاهب العلماء لابن المنذر (٦/ ١٠٧).
(٤) انظر: نهاية المطلب (٥/ ٣١)، البيان (٥/ ٣١)، فتح العزيز (٨/ ٣١١).
(٥) انظر المبدع شرح المقنع (٣/ ٣٩٨)، الإنصاف (٤/ ٢٥٨، كشاف القناع (٣/ ١٩٦)، مطالب أولي النهى (٣/ ٧٢).
(٦) انظر المصادر السابقة.
[ ١ / ٥٣٧ ]
الابتداء أقرب من جهة أن القبض في السَّلم ركن العقد، فالانفساخ طرأ قبل تمامه" (^١)، فإن صححنا على هذه الطريقة قال الماوردي: يثبت الخيار للمسلم إليه في أن يصحح العقد أو يفسخ، ولا يثبت للمسلم.
ولو تفرقا فوجد بالثمن عيبًا، فإن كان يخرجه من الجنس بأن كان زيفًا، فإن كان بالجميع فالعقد باطل، وإن كان ببعضه، فعلى القولين في قبض بعضه، وتأخر بعض، نص عليه في "البويطي" (^٢).
وإن كان العيب لا يخرجه من جنس الأثمان وهو باقٍ، فإن كان العقد ورد على عينه يخير بين الرضا وفسخ العقد، وإن ورد على الذمة، فعلى الخلاف في الصرف.
ورأيت في "البويطي" "أنه إذا أعطاه عرضًا بطعام إلى أجل، فوجد عيبًا، ففي أحد القولين "باطل" (^٣)، ولم يظهر لي إطلاق هذا اللفظ، وإن اطلع على العيب، وقد تعذر رأس المال بعتق أو غيره، وأقبض الرجوع بالأرش سقط من المسلم فيه ذلك المقدار، مثاله: إذا كان العيب ينقضي عُشْر قيمة رأس المال سقط عُشر المسلم فيه؛ قاله البغوي (^٤) وغيره.
قال القاضي حسين، والإمام (^٥): ولا يبطل في الباقي قولًا واحدًا؛ لأن رأس المال قَدْ قبض، وإنما هذا استدراك.
هذا اعتذار الإمام، وأما القاضي حسين فقال: إنا حكمنا بانفساخ البعض؛ لأنا نعطي الصفة حكم الجزء من حيث إن الثمن والعوض يختلف
_________________
(١) نهاية المطلب (٦/ ٢٥) بتصرف.
(٢) مختصر البويطي (ص: ٦٢٧).
(٣) مختصر البويطي (ص: ٦١١).
(٤) التهذيب (٣/ ٣٦٠).
(٥) نهاية المطلب (٦/ ٢٥).
[ ١ / ٥٣٨ ]
بوجودها وعدمها عند تعذر الرد، غير أنها من حيث كونها صفة في الحقيقة، لم يحكم بتعدي البطلان عنها إلى غيرها قولًا واحدًا.
قلت: وقد تقدم عن القاضي أبي الطيب: أنه يتخرج على تفريق الصفقة، قال الإمام: وإذا سقط الأرش، فلا يثبت لسببه خيار؛ لأن هذا مستحقٌّ شرعًا، ولا خيرة مع حكم الشرع" (^١)، ونقل الإمام هنا أن الأرش هل يثبت بنفس الاطلاع عند قوات الرد أو لابد من الطلب الجازم؟ فيه وجهان أرجحهما عنده الثاني، وشبههما بالخلاف في الشفيع.
ولو حدث برأس المال عيب، ثم اطلع على عيب قديم، فقال المسلم: اغرم لي الأرش عن الحادث حتى أقبل منك، فهل يلزمه إعطاء الأرش؟ فيه وجهان، في "تعليقة القاضي حسين".
إن قلنا: يلزمه فإذا امتنع بطل حقه، ولزمه جميع المسلم فيه، وإن قلنا: لا يلزمه، فحكم حكم ما لو هلك في يده، ثم اطلع على عيب قديم.
ويجوز أن يجعل رأس المال منفعة عبد، أو دار مدة معلومة، وقبضها بقبض العين، ولو جعل رأس المال تعليم سورة من القرآن قال الروياني في "البحر": "يسلم نفسه إليه ثم يتخايرا ويفارقه برضاه من غير امتناع لينقطع بأحد هذين الأمرين خيار المجلس" (^٢)؛ لأن تسليم ما ينتفع به جار مجرى تسليم المنفعة في باب الأعواض.
ولابد في القبض أن يكون محققًا؛ فلا تكفي الحوالة به في المجلس إذا لم يقبضها قطعًا، وإن قُلنا: إنها استيفاء وتكون فاسدة، ولو قبضها المحتال في المجلس: فكذلك عند القاضي حسين، والرافعي (^٣)؛ لأنه يؤديه عنه لا
_________________
(١) نهاية المطلب (٦/ ٢٦).
(٢) بحر المذهب (٥/ ١٧١).
(٣) فتح العزيز (٩/ ٢١٤).
[ ١ / ٥٣٩ ]
عن المسلم، وقد سبق في نظيره من الصرف وجهان، وأنه إن قلنا: إنها استيفاء جاز، وقياس ذلك أن يأتي هنا قال الرافعي: "ولو قبضه المسلم وسلمه إلى المُسَلَّم إليه جاز" (^١).
قلت: هذا بناء على ما ذكره؛ فإن الحوالة حينئذ تكون فاسدة، ووجودها، كعدمها، أما إن قلنا بالصحة على ما ذكر في الصرف، فالحق بسببها انتقل، فلا يصح قبل المسلم بعد ذلك ولا إقباضه للمسلم إليه.
ولو قال للمحال عليه: سلمه إليه، ففعل قال الرافعي: "لم يكف لصحة السلم؛ لأن الإنسان في إزالة ملكه لَا يصير وكيلًا للغير، لكن يجعل المسلم إليه وكيلًا عن المسلم في قبض ذلك، ثم السَّلم يقتضي قبضًا، ولا يمكنه أن يقبض من نفسه" (^٢).
قلت: هذا على قوله بأن الحوالة فاسدة؛ فيكون كمديون قال له صاحب الدين: سلم ديني إلى فلان عمالة عليَّ لا يصح، وفي كون المسلم إليه يصير وكيلًا عن المسلم نظر؛ لأنه لم يأذن له في القبض، وإنما أذن لذاك في الدفع، ولو أحال المسلم إليه برأس المال فتفرقا قبل التسليم، فالعقد باطل، وإن جعلنا الحوالة قبضًا؛ لأن المعتبر في السلم القبض الحقيقي، ولو أحضر المسلم رأس المال؛ فقال المسلم إليه له سلمه إلى المحتال ففعل صح، ويكون المحتال وكيلا عن المسلم إليه في القبض، كذا قال الرافعي (^٣).
ولا نزاع في أن المسلم إليه إذا وكل بقبض رأس المال يجوز إذا قبض الوكيل في المجلس، ولو كان رأس المال دراهم في الذمة فصالح عنها على مالٍ لم يصح، وإن قبض ما صالح عليه ولو كان عبدًا فأعتقه المسلم إليه قبل
_________________
(١) فتح العزيز (٩/ ٢١٣).
(٢) المصدر السابق (٩/ ٢١٣ - ٢١٤).
(٣) المصدر السابق (٩/ ٢١٤).
[ ١ / ٥٤٠ ]
القبض لم يصح إن لم يصحح إعتاق المشتري قبل القبض، وإن صححناه وهو المشهور فوجهان والفرق أنه قبض حكم، وهو غير كافٍ من السلم.
فعلى هذا إن تفرقا قبل قبضه بطل العقد، وإن تفرقا بعده صح، وفي نفوذ العتق وجهان وإذا وجدنا، رأس المال في يد المسلم إليه واختلفا، فقال المسلم: أقبضته له بعد التفرق، وقال الآخر: قبله، وأقام كل منهما بينة؛ فبينة المسلم إليه أولى؛ لأنها ناقلة. يحكى ذلك عن ابن سريج.
وعلله الشيخ أبو حامد بأن معها زيادة، وهو القبض قبل التفرق. قال هو والروياني (^١): وهكذا لو وجدناه في يد المسلم؛ فقال: تفرقت قبل القبض، وقال المسلم إليه: بل بعده، ثم أودعت له، أو غصبته، وأقام كل منهما بينة.
قال: ولو لم تكن بينة فالقول قول مدعي الصحة قد كان بالضد؛ فقال وقال المسلم إليه: تفرقنا قبل القبض، وأنكر المسلم، قال الروياني: فبينته أولى، والعقد بحاله؛ فإن لم تكن بينة، فالقول قول من معه سلامة العقد.
قلت: وقد تقدم في باب اختلاف المتبايعين تفصيل فيه نظير المسألة؛ فلينظر هناك.
"ولو قبض المسلم إليه رأس المال، ثم أودعه المسلم قبل التفرق جاز، ولو رده عليه بدين كان له عليه، قال أبو العباس الروياني (^٢): لا يصح؛ لأنه تصرف قبل انبرام ملكه عليه؛ فإذا تفرقا، فعن بعض الأصحاب أنه يصح السلم لحصول القبض وانبرام الملك، ويستأنف إقباضه للدين" (^٣)، هكذا نقله الرافعي عن الروياني، وسكت عليه.
_________________
(١) بحر المذهب (٥/ ١٧٢ - ١٧٣).
(٢) انظر مصدره السابق.
(٣) فتح العزيز (٩/ ٢١١ - ٢١٢).
[ ١ / ٥٤١ ]
فأما حمله بأن أعطاه عن دينه لا يصح؛ فقد تقدم لنا أن أحد المتصادقين إذا اقترض من الآخر فأقبضه ورده عليه عما بقي له، فيه وجهان بنوهما على أن القرض بماذا يملك، وسبق اختلاف في التصحيح، والبحث مع الرافعي فيه، وأن الذي رجحه جماعة الصحة.
فإن قلنا بالصحة هناك أو بالفساد لكون القرض لا يملك إلا بالتصرف، فها هنا يصح أن يرده عن الدين، وإن قلنا هناك بأنه لا يصح لكونه تصرفا قبل انبرام صح قول الروياني هاهنا وقوله: إذا تفرقا، فعن بعض الأصحاب أنه يصح السلم يوهم أن في صحة السلم خلافًا، وهو بعيد إن صح، وسيأتي أن تسليم المسلم فيه لا يغني عن تسليم رأس المال.