وأما ما لا يضبط بالصفة، فلا يجوز السلم فيه؛ لأنه يقع البيع فيه على مجهول، وبيع المجهول لا يجوز.
هذا صحيح، والجهالة في الدّين أشد منها في العين، وقد استدل على اشتراط الضبط بالصفة بحديث ابن عباس أيضًا؛ لأنه لما شرط العلم في الكيل والأجل دل على اشتراطه في غيرها فما هو مقصود.
* * *
[ ١ / ٤٠٩ ]
قال:
قال الشافعي ﵀:
ولا يجوز السلم في النبل؛ لأن دقته وغلظه مقصود وذلك لا يضبط.
نص الشافعي على ذلك في «المختصر» (^١) و«الأم» (^٢)، وقسمها الأصحاب ثلاثة أقسام:
الأول: قبل النحت يجوز السلم فيه قطعًا، ويصفه بصفات الخشب، يذكر نوعه، وطوله، وعرضه، ومنبته من سهل أو جبل، وإن كان مدُورًا ذكر دوره بدل عرضه، كما في الخشب، ولا يشترط ذكر الوزن في الأصح.
الثاني: بعد النحت تركيب النصل والريش، فلا يجوز قطعًا لمعنيين:
أحدهما: أنه من المختلطات لما فيه من العقب، والريش، والنصل، والغراء، والخشب.
والثاني: اختلاف وسطه وطرفيه دقة، وغلظًا، ومن أي موضع يأخذ في الدقة والغلظ، فإن وسطه غليظ، وطرفاه دقيقان، ويقدر ضبط ذلك، وقد يكون الريش الذي عليه ريش النسور وهو نجس.
الثالث: بعد النحت، وقبل تركيب النصل والريش، فالمشهور: أنه لا يجوز أيضًا للمعنى الثاني، ويدل عليه إطلاق نصه في «المختصر» (^٣).
_________________
(١) مختصر المزني (٨/ ١٩٠).
(٢) الأم (٣/ ١٢٧).
(٣) مختصر المزني (٨/ ١٩٠).
[ ١ / ٤١٠ ]
وحكى الماوردي (^١) فيه قولين أصحهما عنده: الجواز، ونسبه إلى نصه في «الأم».
قال الماوردي: وكذلك حكم الْقِسِيِّ (^٢) على هذه الأقسام الثلاثة والأجوبة.
قال: وأما الرماح، فما طال منها واختلف طول القبة، لم يجز السلم فيها، وما قصر منها واستوت أكعب أسفله وأعلاه جاز إذا عرفت ذلك، فقول المصنف: لأن دقته وغلظه مقصوده ظاهره أن هذا التعليل من كلام الشافعي، ويقتضي ذلك أنه لا فرق بين المريش وغيره.
والذي رأيته في «المختصر» (^٣) و«الأم» (^٤): «في النبل المريش، وعلله بأنه لا يقدر على ذرع ثخانتها ولا صفة ما فيها من ريش وعقب وغيره».
فيحمل كلام المصنف على أن التعليل من جهته على ما ارتضاه من العلة، والنبل السهام العربية لا واحد لها من لفظها، وجمعها نبال وأنبال، ومن غلط العامة قولهم في واحدها: نبلة، وإنما هو: سهم، وقدح، ووصف النبل بالمَرِيش، كما في «التنبيه» (^٥) هو بفتح الميم وكسر الراء، يقال: رشته أريشه ثلاثي ومصدره: ريش.
_________________
(١) الحاوي الكبير (٥/ ٤٠٦).
(٢) القسي: هو ثوب يخالطه الحرير منسوب إلى بلاد يقال لها: القس. انظر: الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٣/ ٩٦٣)، مختار الصحاح (ص: ٢٥٣).
(٣) مختصر المزني (٨/ ١٩٠).
(٤) الأم (٣/ ١٢٧).
(٥) التنبيه (ص: ٩٨).
[ ١ / ٤١١ ]
فرع: قال الإمام: «إذا امتنع السلم في النشاب، فالقوس المركب، وهو قوس العجم أولى بالمنع.
والنبعة (^١) التي يتخذ منها قوس العرب تأخذ في التخريط من الطرفين، فتتطرق إليه الجهالة» (^٢).
* * *
_________________
(١) النبعة واحدة النبع: شجر ينبت في قُلّة الجبل، تتخذ منه القسي. انظر: القاموس المحيط (ص: ٧٦٥)، المعجم الوسيط (٢/ ٨٩٨).
(٢) نهاية المطلب (٦/ ٦٢).
[ ١ / ٤١٢ ]
قال:
ولا يجوز في الجواهر؛ كاللؤلؤ، والعقيق، والياقوت، والفيروزج، والمرجان؛ لأن صفاءها مقصود، وعلى قدر صفائها يكون ثمنها، وذلك لا يضبط بالوصف.
المنع من ذلك وتعليله بعدم ضبطه بالوصف، بأن الكبر فيه، والوزن، مقصودان في «المختصر» (^١)، وبأن الصفاء فيه، مقصود في كتب العراقيين، ورأى الإمام (^٢) تعليل ذلك بعزة الوجود، إذا ضبط بالصفات التي يجب ذكرها؛ لأن ضبطها بالصفات متصور بأن يقول: ياقوتة وزنها وشكلها كذا، لحمية أو حمرية، أو وردية أو رمانية، ولؤلؤة مدحرجة صافية براقة البياض، وزبرجد أخضر ريحاني، أو سلقي، وإنما المنع أن الأوصاف إن لم يذكرها كانت مجهولة وإن ذكرت عز وجودها.
واستثنى الخراسانيون، والبغوي (^٣)، والرافعي (^٤) من ذلك اللآلئ الصغار التي لا يعز وجودها؛ لقلة الأوصاف المقصودة فيها، ثم اختلفوا فضبطها أكثرهم بما يطلب للسحق والتداوي، وضبطها الشيخ أبو محمد بما وزنه سدس دينار، وإن قصد للتحلي والتزين؛ لعموم وجوده، ولم يتعرض العراقيون لذلك.
_________________
(١) مختصر المزني (٨/ ١٩٠).
(٢) نهاية المطلب (٦/ ٦٠).
(٣) التهذيب (٣/ ٥٨٢).
(٤) فتح العزيز (٩/ ٢٧٩).
[ ١ / ٤١٣ ]
قال الرافعي: «والوجه أن يكون اعتبار السدس بالتقريب» (^١)، وحيث جوزنا، فيجوز بالوزن والكيل، قاله الرافعي، وهو مقتضى قول الأصحاب، ويأتي فيه ما سنذكره عن الإمام من أن ما لا يُعد الكيل فيه ضبطًا لا يصح السَّلم فيه كيلًا، وذكره الرافعي عنه هناك، ولم يذكره هنا.
قال النووي (^٢): فكأنه اختار هنا ما أطلقه الأصحاب، ووافقنا أكثر العلماء على منع السلم في الجواهر، وأجاز ذلك مالك (^٣).
فرع: كما لا يجوز السلم في الجوهر، لا يجوز أن يكون صداقًا، قاله الشيخ أبو حامد في الكلام مع الحنفية في مسألة السلم في الحيوان وكذلك الْقِسِيِّ.
* * *
_________________
(١) فتح العزيز (٩/ ٢٨٠).
(٢) روضة الطالبين (٥/ ٣٠٢).
(٣) انظر: الذخيرة (٥/ ٢٤١)، الخرشي (٥/ ٢٢٦)، حاشية الدسوقي (٣/ ٢١٩).
[ ١ / ٤١٤ ]
قال:
ولا يجوز السلم في الجلود؛ لأن جلد الأوراك غليظ، وجلد البطن رقيق، ولا يُضبط قدر رقته وغلظه، ولأنه مجهول المقدار؛ لأنه لا يمكن ذرعه لاختلاف أطرافه.
نص «المختصر» (^١) و«البويطي» (^٢) وغيرهما هكذا مطلق، وهو فيما إذا كانت غير مقطوعة على التناسب لا خلاف فيه، وفيما إذا كانت مقطوعة على التناسب وجهان في «الحاوي» (^٣) و«النهاية» (^٤) و«الوسيط» (^٥).
قال أبو الفياض، وأبو حامد: يجوز لانتفاء الغرر، وبه جزم البغوي (^٦) وابن داود في «شرح المختصر»، والرافعي (^٧)، وهو الأفقه، وهو الأصح عند الإمام (^٨).
وقال الأكثرون: وهو ظاهر النص لا يجوز للتفاوت في الرقة والغلظ، ومثل الإمام (^٩) والغزالي (^١٠) محل الخلاف بالنعال السِّبتية؛ يعني: جلود
_________________
(١) مختصر المزني (٨/ ١٩٠).
(٢) مختصر البويطي (ص: ٦١٨).
(٣) الحاوي الكبير (٥/ ٤٠٦).
(٤) نهاية المطلب (٦/ ٦١).
(٥) الوسيط في المذهب (٣/ ٤٤٢).
(٦) التهذيب (٣/ ٥٨٢).
(٧) فتح العزيز (٩/ ٣١٨).
(٨) انظر مصدره السابق.
(٩) انظر مصدره السابق.
(١٠) الوسيط في المذهب (٣/ ٤٤٢).
[ ١ / ٤١٥ ]
البقر المدبوغة بالقرظ، ومراده بها هنا: التي هي طاق واحدة، وكذلك ذكرها البغوي (^١)، وجزم فيها بالجواز، وفي مربعات الصرم، ومثله الماوردي (^٢) بقلعة من جلود السِّبت مقدره الطول، والعرض، موصوفه اللون والثخن، وعلل المنع بأنه من جملة لا يصح السلم فيها، وبه جزم الشيخ أبو حامد، والقلعي هي النعال غير المشركة.
قال ابن الرفعة: «وقد ذكر بعض الشارحين أن وجه الجواز معتد بما إذا ضبط بالوزن، وذلك إن كان بمفرده كان الأشبه البطلان، وإن كان مع الدرع، فقد يفضي إلى عزة الوجود فلا يصح» (^٣).
قلت: والبغوي (^٤) والرافعي (^٥) حيث ذكرا الجواز فبدأه بالوزن، والإمام (^٦) أيضًا، قال: والاعتماد لا محالة على الوزن، وما ذكره ابن الرفعة من عزة الوجود فيه نظر، فإن من المسلم فيه ما يمتنع الجمع فيه بين ذلك كالثياب على الأصح، ومنه ما لا يمتنع، كما سيأتي في الآجر والبطيخ، فإلحاق الجلود بأحد القسمين فيه نظر.
* * *
_________________
(١) التهذيب (٣/ ٥٨٢).
(٢) الحاوي الكبير (٥/ ٤٠٦).
(٣) كفاية النبيه (٩/ ٣٤٥، ٣٤٦). بمعناه.
(٤) المصدر السابق.
(٥) المصدر السابق.
(٦) المصدر السابق.
[ ١ / ٤١٦ ]
قال:
ولا يجوز في الرَّق؛ لأنه لا يضبط رقته وغلظه.
هو منصوص عليه أيضًا، وفيه مع ذلك أنه ذلك أنه يقطع الشَّعر من عليه، فربما أثر ذلك فيه ويشبه أن يأتي فيها الوجه المتقدم في الجلود.
* * *
[ ١ / ٤١٧ ]
قال:
ويجوز في الورق؛ لأنه معلوم القدر معلوم الصفة.
نص عليه في «البويطي» (^١)، وعامة الأصحاب، الشيخ أبو حامد، والماوردي (^٢)، والرافعي (^٣)، وغيره.
قال الروياني (^٤): ورأيت عن بعض أصحابنا وجهًا: أنه لا يجوز كالجلد وهو غلط، ويشترط فيه بيان النوع والطول والعرض والجودة والدقة أو الغلظ واستواء الصنعة هذا.
قال الشافعي في «الأم»: «وعلق القول بجوازه على أن يكون معروفًا بهذه الصفات، فإن اختلف بالبلد ذكرها. قال: فإن ترك من هذا شيئًا لم يجز.
قال: ولا أحسبها بهذا إلَّا مضبوطة، أو ضبطها أصح من ضبط الثياب أو مثله» (^٥)، وبقي مما لم يذكره الشافعي الزمان، ولا بد منه مثل كونه [صيفيًّا] (^٦) أو مستويًا، وقد يقال: إنه إذا ذكر النوع والبلد والزمان كقوله: فرخ مصري صيفي أغنى عن ذكر الطول والعرض؛ لأنه قطع معروف، وكذلك المنصوري والدمشقي وغيرها كل نوع منها معروف المقدار، فليحمل اشتراط ذلك على ما إذا لم يكن معلومًا، ولا بد من ذكر الصقال.
_________________
(١) مختصر البويطي (ص: ٦١٨).
(٢) الحاوي الكبير (٥/ ٣٥٣).
(٣) المصدر السابق.
(٤) بحر المذهب (٥/ ١٣٣).
(٥) الأم (٣/ ١٢٥ - ١٢٦).
(٦) في المخطوطة: «صفيًّا».
[ ١ / ٤١٨ ]
وأما الرقة والثخن، فلا يمكن ضبطه، وإن كان يختلف باختلاف عرف الورق، فيحمل على الوسط من ذلك.
قال الماوردي (^١): ويجوز السلم فيه [رسوبًا] (^٢) عددًا، فأما القراطيس الظهور، فإن كانت للغسل؛ جاز السلم فيها وزنًا لا غير، وإن كانت من الظهور المقروءة لم يجز السلم فيها لاختلافها، وكذلك غير الماوردي صرح بجواز السلم فيه بالعدد، وقالوا هم والرافعي (^٣): إن الوزن فيه أحوط، والروياني (^٤) لما ذكر الجواز قيده بالوزن، ولعل ذلك منه ليس على سبيل الاشتراط.
* * *
_________________
(١) الحاوي الكبير (٥/ ٣٥٣).
(٢) رسمت هكذا.
(٣) الحاوي الكبير (٥/ ٣٥٣).
(٤) بحر المذهب (٥/ ١٣٣).
[ ١ / ٤١٩ ]
قال: