وأما بيان موضع التسليم، فإنه إن كان العقد في موضع لا يصلح للتسليم كالصحراء وجب بيانه، وإن كان في موضع يصلح للتسليم، ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: يجب بيانه؛ لأنه يختلف الغرض باختلافه، فوجب بيانه كالصفات (^١).
والثاني: لا يجب بل يحمل على موضع العقد، كما يقول في بيع الأعيان. والثالث: أنه إن كان لحمله مؤنة وجب بيانه؛ لأنه يختلف الثمن باختلافه، فوجب بيانه كالصفات التي يختلف الثمن باختلافها، وإن لم يكن لحمله مؤنة لم يجب بيانه؛ لأنه يختلف الثمن باختلافها، فلم يجب بيانه؛ كالصفات التي لا يختلف الثمن باختلافها.
أطلق الشافعي في "الأم" في موضع؛ أنه يستحب أن يشترط الموضع، وأطلق في "البويطي" (^٢) أنه يحتاج إلى ذكره، وقال في "الأم" في باب السلف في الحنطة: "ويصف الموضع الذي يقبضها فيه، والأجل الذي يقبضها إليه، فإن ترك من هذا شيئًا لم يجز.
_________________
(١) زيدَ هنا في المخطوطة كلمة: "التي".
(٢) مختصر البويطي (ص: ٦١٠).
[ ١ / ٥٣١ ]
قال الشافعي: وقال غيرنا: إن ترك صفة الموضع الذي يقبضها فيه، فلا بأس، ويقبضه حيث أسلفه ثم قال: وكل ما كان لحمله مؤنة، لم يجز عندى أن يدع شرط الموضع كما قلت في الطعام" (^١)، في المسألة سبع طرق: إحداها: عن أبي إسحاق المروزي: أنه إن كان العقد في موضع لا يصلح للتسليم وجب بيانه، وإن لم يجب.
والثانية: عن ابن القاص أن المسلم فيه إن كان لحمله مؤنة وجب بيانه وإلَّا فلا، وهاتان باقيتان للخلاف، والثالثة عن صاحب "الإفصاح" والقاضي أبي حامد وابن المنذر أن المسألة على قولين مطلقًا، أحدهما: يجب، وبه قال سفيان الثوري وأهل الرأي (^٢).
والثاني: لا يجب، وبه قال أحمد (^٣) وإسحاق، وطائفة من أهل الحديث.
وقال الأوزاعي: تركه مكروه، واختاره ابن المنذر (^٤) لعدم ذكره في حديث ابن عباس.
والرابعة: إن لم يكن الموضع صالحًا وجب، وإلَّا فقولان.
والخامسة: إن لم يكن لحمله مؤنة لم يجب، وإن كان له مؤنة فقولان.
والسادسة: إن كان لحمله مؤنة وجب، وإلا فقولان، وهي أصح الطرق عند الإمام (^٥)، ويروى عن اختيار القفال وعليها يدل ما قدمته من نص الشافعي.
_________________
(١) الأم (٣/ ١٠٣).
(٢) انظر: المبسوط (١٢/ ١١٠)، بدائع الصنائع (٥/ ٢١٣)، المحيط البرهاني (٧/ ١٦٣)، تبيين الحقائق (٤/ ١١٦)، فتح القدير (٧/ ٩١).
(٣) انظر: الإنصاف (٥/ ٧٠ - ٧١) كشاف القناع (٣/ ٢٩٢) مطالب أولي النهى (٣/ ٢١١).
(٤) الإشراف لابن المنذر (٦/ ١٠٢).
(٥) نهاية المطلب (٦/ ٣٨).
[ ١ / ٥٣٢ ]
وهذه الطرق الستة ذكرها وحكى الماوردي من ذلك الثانية والثالثة، لكنه جعلهما فيما إذا كان الموضع يصلح للتسليم.
أما الذي لا يصلح، فجزم فيه بوجوب التعيين، وهو موافق لما قاله المصنف؛ فإن الطريقين يخرج منهما ثلاثة أوجه، ويكون ذلك طريقة سابعة إن لم يكن الموضع صالحًا وجب، وإلا فثلاثة أوجه، وهي أقرب من حكاية الرافعي الطريقتين على الإطلاق؛ فإنه كيف يقال لعدم الوجوب إذا لم يكن الموضع صالحًا للتسليم.
قال الرافعي: "والفتوى من ذلك كله على وجوب التعيين إذا لم يكن الموضع صالحًا، أو كان لحمله مؤنة، وعدم الاشتراط في غير هاتين الحالتين" (^١).
قلت: وهو صحيح، ونص الشافعي يشهد له، ومتى شرطنا التعيين، فلم يعين فسد العقد، وإن لم يشترطه فإن عين تعين، وعن أحمد (^٢) رواية أنه يفسد السلم، وإن لم يعين حمل على مكان العقد.
وفي "التتمة": أنه إذا لم يكن لحمله مؤنة سَلَّمه في أي موضع صالح شاء، وذكر وجهًا فيما إذا لم يكن الموضع صالحًا أنه يحمل على أقرب موضع صالح، ولو عين موضعًا صالحًا، فخرب، وخرج عن صلاحية التسليم فثلاثة أوجه عن ابن كج، أحدها: يتعين ذلك الموضع.
والثاني: لا وللمسلم الخيار.
والثالث: يتعين أقرب موضع صالح.
وقال النووي: "إنه أقيسها" (^٣)، ولو شرط التسليم ببلد لزمه في أولها،
_________________
(١) فتح العزيز (٩/ ٢٥٤).
(٢) انظر: شرح الزركشي (٢/ ١٠٣)، الإنصاف (٥/ ٨٣)، كشاف القناع (٣/ ٣٠٦).
(٣) روضة الطالبين (٤/ ١٣).
[ ١ / ٥٣٣ ]
ولا يكلف نقله إلى منزله.
ولو قال: على أن تسلمه إليَّ في أي موضع شئت من البُلْدان فسد السَّلم.
ولو قال: في أي موضع شئت (^١) من البلد الفلاني، فإن كان ذلك البلد واسعًا؛ كالبصرة وبغداد لم يجز، وإن كان صغيرًا لحده، والجار جاز.
ولو قال: بالبصرة أو ببغداد لم يجز.
ولو قال: بالبصرة وببغداد، فوجهان:
أحدهما: يفسد.
والثاني: يحمل على التنصيف. هذا كله في السَّلم المؤجل.
أما الحال، فلا حاجة فيه إلى بيان موضع التسليم كالبيع، ويتعين مكان العقد كذلك، قال الشيخ أبو حامد والرافعي (^٢) وغيرهما: لكن لو عين موضعًا آخر جاز بخلاف البيع؛ لأن السلم يقبل التأجيل؛ فيقبل شرطًا يتضمن تأخير التسليم بالإحضار والأعيان لا تحمل ذلك، فلو أسلم حالًّا في موضع لا يصلح للتسليم ولم يعين.
قال في "التهذيب" (^٣): ولا يعين لمكان العقد ذلك الموضع لعينه بل تلك المحلة صنعًا؛ فالذي يظهر فساد العقد، وعليه يدل كلام الماوردي.
قال في "التتمة": والأجرة إذا كانت دينًا، وكذا الصداق، وعوض الخلع، والكتابة، ومال الصلح عن دم العمد، وكل عوض ملتزم في الذمة لها حكم السلم إن عين للتسليم مكانًا جاز، وإلا تعين موضع العقد؛ لأن كل الأعواض الملتزمة في الذمة تقبل التأجيل كالمُسلم فيه.
_________________
(١) في المخطوطة كرر كلمة" "شئت" مرتين.
(٢) فتح العزيز (٩/ ٢٥٥).
(٣) التهذيب (٣/ ٥٧٢).
[ ١ / ٥٣٤ ]
وأما العين المعينة فلا يشترط فيها ذكر موضع التسليم، ويتعين موضع العقد؛ فعليه التسليم فيه؛ فإن عينا مكانًا آخر بطل البيع، وقال القاضي حسين: إذا أتى البائع بالمبيع في أي مكان كان أجبر المشتري على القبض، وأي موضع طلبه المشتري وقد وفر الثمن أو قلنا بإجبار البائع، فإنه يجبر على التسليم، هكذا قاله القاضي حسين في آخر كتاب السلم.
* * *
[ ١ / ٥٣٥ ]
قال: