ولا يجوز [أخذ] (^١) الرهن على الأعيان؛ كالمغصوب والمسروق والعارية والمأخوذ على وجه السوم؛ لأنه إن رهن على قيمتها إذا تلفت لم يصح؛ لأنه رهن على دين قبل ثبوته، وإن رهن على عينها لم يصح؛ لأنه لا يمكن استيفاء العين من الرهن.
تقدم التنبيه على أن المرهون به لا بد أن يكون دينًا، فالأعيان لا يجوز الرهن بها سواء كانت مضمونة ضمان يد؛ كالمغصوب، والمسروق، والعارية والمأخوذ على وجه السوم، والمأخوذ بالبيع الفاسد، أو ضمان عقد كالمبيع قبل القبض أم أمانة، كالوديعة والرهن وما أشبه ذلك. وقال مالك: "يجوز الرهن بالأعيان المضمونة" (^٢).
وقال أبو حنيفة: "يجوز بكل عين مضمونة بالمثل أو القيمة، ولا يجوز بالمضمونة ضمان عقد" (^٣).
_________________
(١) زيادة من المطبوع.
(٢) انظر: فتح العزيز (٤/ ٤٥٨).
(٣) انظر المصدر السابق.
[ ٢ / ٦٦ ]
ولنا وجه: أن الرهن بالعهدة جائز، وقد سبق، ووجه أن ضمان الأعيان المضمونة جائز، ومقتضى التسوية بين الضمان والرهن أن يأتي في الرهن بها كمذهب مالك، وقد حكاه الرافعي عن نقل الإمام (^١).
وقال ابن الرفعة: إنه لم ير هذا الوجه في كلام الإمام صريحًا، بل هو يؤخذ منه؛ لأنه قال: ولا يجوز الرهن في العين في المذهب الظاهر، ثم قال في فصل بعده: "إن الرهن يجاري الضمان في محل الوفاق والخلاف في القديم والجديد، إلا في أمثال ضمان العهدة فإن الرهن ينفصل في ظاهر المذهب عن الضمان؛ ويجري وجه مطرد للقفال في تنزيل الرهن في منزلة الضمان" (^٢).
قلت: وهذا الكلام من الإمام يمكن تنزيله على ضمان العهدة، ولا يلزم إجراؤه في سائر الأعيان المضمونة، فإن الصحيح صحة ضمان العهدة، والصحيح أنه لا يصحُّ ضمان الأعيان المضمونة، أعني: إذا أريد أن قيمتها تضمن عند التلف، أما التكفل بردها، فالصحيح جوازه، كما يجوز كفالة الأبدان، فإن صحَّ وجه في الرهن بها، فيكون منتزعًا، إما من الوجه الضعيف القائل بصحة ضمانها، وإما من الوجه الصحيح القائل بضمان ردها، وقد فرَّق الرافعي بين الضمان والرهن بأن الضمان التزام في الذمة، فلو لم يتلف العين المضمونة لم يجرّ الالتزام ضررًا، وفي الرهن دوام الحجر في المرهون يجرّ ضررًا ظاهرًا (^٣). انتهى.
ومفهوم هذا الكلام يقتضي أنها إذا تلفت يجرُّ الضمان ضررًا؛ وهو لذلك
_________________
(١) فتح العزيز (٤/ ٤٥٨).
(٢) كفاية النبيه (٩/ ٣٩٦).
(٣) فتح العزيز (٤/ ٤٥٨).
[ ٢ / ٦٧ ]
في ضمانها نفسها؛ لأنه يضمن قيمتها، وكذا في ضمان ردِّها على القول بأن المكفول ببدنه إذا مات غرم الكفيل ما عليه، وقد سبق شيء من الكلام في الرهن بالأعيان به، وبما ذكرناه هنا يتم المقصود، وقدمنا أن الأمانات لا يرهن بها؛ ولذا لا تضمن، فإن قلت: هل يجري الوجه الذي حكاه ابن كج في الرهن بالدين قبل ثبوته هنا قلت: إن كان الواجب ردها فقط، وقلنا:
إنها إذا تلفت لا يغرم، فلا ويتعين القطع بامتناع الرهن؛ لعدم إمكان استيفاء الحق منه، وإن كان الواجب ردها عند البقاء وغرمها عند التلف، فيحتمل أن يجري، ويحتمل أن يمنع بجهالة القيمة؛ ولأن في الدين الموعود به يتمكن الراهن من الرجوع عن الاستدانة وفسخ الرهن، وهنا الضرر دائم، وأن يخيل جريان وجه في الرهن بالأعيان المضمونة، فلا يتخيل جريانه فيمن عليه حدٌّ أو قصاص؛ لأنه حقٌّ غير مالي، والرهن إنما يكون على مال والأعيان المضمونة حق مال في الجملة.
* * *
[ ٢ / ٦٨ ]
قال:
فصْل