الرهن في الأصل مصدر، يقال: رهنت الشيء عند الرجل أرهنه رهنًا إذا وضعه عنده وثيقة، قال تعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١]؛ أي: مرهون، ويقال: رهينة، والهاء للمبالغة، ومنه الحديث: "كُلُّ غُلَامٍ رَهِينَةٌ بِعَقِيقَتِهِ" (^١). ويقول: رهنته الشيء متعديًا إلى اثنين، بمعنى: رهنت عنده الشيء.
قال عبد الله بن همام السلولي:
فلما خشيتُ أظافيرهم … نجوت وأرهنُهم مالكَا (^٢)
هذه رواية الأصمعي بنون مضمومة بعدها الهاء على أنه عطف فعلًا مضارعًا على فعلٍ ماضٍ والواو للحال، ورواه الفراء: "وأرهنتهم" بسكون النون بعدها تاء قبل الهاء ماضيًا رباعيًّا، واحتج به على أنها لغة. وأنكره الأصمعي.
وقال ثعلب: "إن الرواة كلهم رووه رباعيًّا إلا الأصمعي، فإنه رواه ثلاثيًا" (^٣).
وقال أبو زيد: "أرهنت السلعة، أي: غاليت بها، وهو من الغلاء
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٢٨٣٧)، والترمذي (١٥٢٢)، والنسائي (٤٢٢٠)، وابن ماجه (٣١٦٥).
(٢) المخصص لابن سيده (٤/ ١٨).
(٣) الصحاح (٥/ ٢١٢٨) بنحوه.
[ ٢ / ٥ ]
خاصة" (^١).
وقال ابن السكيت: "أرهنت فيها، بمعنى أسلفت" (^٢)، وأرهنت به ولدي إرهانًا: أخطرتهم به خطرًا، والرهينة واحدة الرهائن، ويُطْلَقُ الرهن على المرهون تسمية للمفعول بالمصدر، ومنه قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨)﴾ [المدثر: ٣٨]، أي: رهن؛ إذ لو كانت بمعنى مفعولة لَحُذِفَتِ الهاء منها، وهكذا الحديث المتقدم فيه "رَهِينَةٌ"، أي: رهن، وأطلق الرهن عليه مجازًا، وإطلاق رهين على رهن كشيم على شيم كما قال:
… رهينة نفس ذي تراب وجندل
أي: رهن نفسٍ، فصار لرهين استعمالان؛ أحدهما: بمعنى: مفعول.
والآخر: بمعنى المصدر؛ ولذلك يطلق الرهن على المصدر كما سبق، ويطلق على المرهون؛ ولذلك جُمِعَ، فإن المصدر لا يُجْمَعُ، قال تعالى: "فَرُهُن مقبوضة". قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، بضم (^٣) الراء والهاء من غير ألف، والباقون: ﴿فَرِهَانٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] بكسر الراء وفتح الهاء وألف بعدها (^٤)، وَجَمْعُ "رهن" على "رهان معروف" كحبل وحبال، وأما على رهن لقراءة أبي عمرو، فإما أن يكون جمع الجمع كأنه جمع رهنًا على رهان، ثم جمع على رهانًا على رهن كفراش وفرش، وأما أن يكون كسقف وسقف، وجمع فعل علي فعل قليل، ولعل هذا منه، فيكون فصيحًا في الاستعمال لا في القياس، ومثل هذا يرد في القرآن.
_________________
(١) انظر المصدر السابق.
(٢) إصلاح المنطق (ص ١٨٠) بنحوه.
(٣) في المخطوطة: "وبضم". والصواب ما أثبتناه.
(٤) انظر: تفسير البغوي (١/ ٣٩٦).
[ ٢ / ٦ ]
وأما مَن قال: إنها قبيحة، فلا يُقْبَل منه (^١)؛ لأنها ثابتة في السبعة، وأبو عمرو إمام النحو قرأ بها، واشتقاق الرهن من قولهم: رهن الشيء إذا دام وثبت، يقال: نعمة راهنة، أي: دائمة ثابتة، ويقال من هذا المعنى: أرهنت لهم الطعام إرهانًا وهو طعام راهن، أي: دائم، فَسُمِّيَ الرهن رهنًا لثباته عند المرتهن ودوامه.
قال الواحدي: "ومن ثَمَّ يبطل الرهن إذا خرج من يد المرتهن؛ لزوال إدامة الإمساك" (^٢). وهذا الذي قاله الواحدي لا يأتي على مذهبنا، فإنه يجوز أن يوضع في غير يد المرتهن، ولا يبطل الرهن، والرهن في الشرع يُطْلَقُ على المعنيين اللَّذين يُطْلَق عليهما في اللغة، يُطْلَق مصدرًا على جعل عين المال وثيقة بدين يستوفي منها عند تعذر استيفائه ممن عليه، ويُطْلَق اسمًا على العين المرهونة.
وعند الحنفية: الرهن: جعل المال محبوسًا بحق يمكن استيفاؤه من الرهن (^٣)، ونحن نوافقهم على هذه العبارة، لكنهم شرحوها بما لا نوافقهم عليه، وهو أنه عقد استيفاء، بمعنى أنه: إذا قبضه المرتهن وتلف في يده، يقدر استيفاؤه للدَّين من وقت القبض؛ ولهذا يقولون: إنه مضمون؛ لأنه مقبوض قبض استيفاء.
وقالوا: إن للدين طرفين: طرف وجوب وطرف استيفاء (^٤)، فالضمان وثيقة لطرف الوجوب، والرهن وثيقة لطرف الاستيفاء، وحرَّروا أن حكم الرهن عندهم صيرورته محبوسًا بالدين بإثبات يد الاستيفاء عليه. وعندنا،
_________________
(١) انظر: معاني القرآن للأخفش (١/ ٢٠٦).
(٢) التفسير البسيط (٤/ ٥١٥).
(٣) انظر: تبيين الحقائق (٦/ ٦٢) بنحوه.
(٤) انظر المصدر السابق.
[ ٢ / ٧ ]
تعلق الدين بالعين ليستوفي منها بالبيع، ويخرج على هذا الأصل أكثر المسائل المختلف فيها بيننا وبينهم، ونحن ننازعهم في هذا الأصل الذي أصَّلوه؛ لأنه لا يفهم من الرهن لغة وشرعًا وعرفًا إلا ما ذكرناه.
* * *
[ ٢ / ٨ ]
قال:
يجوز الرهن على الدين في السفر؛ لقوله ﷿: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣].
تقدم بعض الكلام على الآية الكريمة، والصجيج أن رهنًا ورهانًا جمعان؛ لأن جمع الجمع لا ينقاس.
وحُكِيَ عن أبي عمرو أنه قال: إنما قُرِأَتْ "فرُهُن" للفصل بين الرهان في الخيل، وبين جمع رُهن في غيرها، والرُّهُن في الرهن أكثر، والرِّهان في الخيل أكثر (^١). انتهى.
وأبو عمرو إمام نحو وقراءة ولغة، وإليه المرجع في ذلك، واختار الزجاج (^٢) هذه القراءة لموافقتها المصحف، على أن الأخرى موافقة؛ لأن حرف الألف في الخط من أمثالها كثير في المصحف، والآية صريحة في جواز الرهن في السفر عند عدم وجدان الكاتب، ويلزم من اشترط السفر أن يشترط ذلك أيضًا، والحق عدم اشتراطهما، وأن مقتضى الآية، الإرشاد إلى الرهن بالشرطين المذكورين، وعند عدمهما إنما ينتفي أمر الإرشاد ولا يلزم انتفاء الجواز.
وقيل: إنما خص تعالى السفر؛ لأنه إذا ندب إليه في السفر مع شغل المسافر وما يلحقه؛ كان الحضر أولى أن يكون مندوبًا إليه.
_________________
(١) انظر: التفسير البسيط (٤/ ٥١٤).
(٢) معاني القرآن (١/ ٣٦٧).
[ ٢ / ٩ ]
:قال
ويجوز في الحضر؛ لما روى أنس ﵁، أن النبي ﷺ: "رَهَنَ دِرْعًا عِنْدَ يَهُودِيٍّ بِالْمَدِينَةِ، وَأَخَذَ مِنْهُ شَعِيرًا لِأَهْلِهِ".
حديث أنس في البخاري (^١)، ومتن الحديث متفق عليه (^٢)، من رواية عائشة، ولفظه: "اشْتَرَى طَعَامًا مِنْ يَهُودِيٍّ إِلَى أَجَلٍ، وَرَهَنَهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ". وصح في بعض رواياته، أنه بالمدينة (^٣)، وقوله في حديث الكتاب: "بِالْمَدِينَةِ" ليس نصًّا في أن الرهن كان بالمدينة؛ لاحتمال أن يُرَاد عند يهوديٍّ من يهود المدينة، لكن ابن المنذر قال: "إن النبي ﷺ: رهن درعه بالمدينة، وهو حاضر غير مسافر" (^٤).
ورُوي عن أبي رافع قال: نزل برسول الله ﷺ ضيف، فقال لي: "اذْهَبْ إِلَى فُلَانٍ الْيَهُودِيِّ، فَقُلْ لَهُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: بِعْنِي إِلَى رَجَبٍ" فأتيته، فقال: والله لا أبيعه إلا برهن، فأتيته فأخبرته، فقال: "اذْهَبْ بِدِرْعِي الْحَدِيدِ إِلَيْهِ" (^٥) فرهنه بطعام إلى أجل مُسَمًّى، فصح الاستدلال به على جواز الرهن في الحضر.
قال ابن المنذر: "لا نعلم أحدًا خالف في ذلك في القديم والحديث إلا
_________________
(١) (٢٠٦٩).
(٢) أخرجه البخاري (٢٠٦٨)، ومسلم (١٦٠٣)، بنحوه.
(٣) أخرجه البخاري (٢٠٦٩) من حديث أنس ﵁.
(٤) الإشراف (٩/ ١٧٩).
(٥) أخرجه البزار (٩/ ٣١٥).
[ ٢ / ١٠ ]
مجاهدًا، فإنه قال: ليس الرهن إلا في السفر (^١)، ونقل غيره ذلك عن الضحاك وداود" (^٢).
وسبب رهن النبي ﷺ عند اليهودي؛ إما لبيان جواز معاملة الكفار إذا لم يتحقق تحريم ما معهم، وذلك مُجْمَعٌ عليه، وإما لأنه كان يعلم أن الصحابة يبذلون أنفسهم له، فكيف بأموالهم، فلو شعروا بحاجته ﷺ إلى ما عندهم لبذلوه له، ولم تطب أنفسهم بأخذ ثمنه فضلًا عن أخذ الرهن عليه، فعدل ﷺ إلى معاملة اليهودي؛ لئلا يُضيِّق على أصحابه، وإما لأنه لم يكن عندهم ما يفضل عن حاجتهم، واليهودي المذكور ورد في رواية منقطعة أنه أبو الشحم رجل من بني ظفر؛ كذا رواه الشافعي (^٣).
وقال إسماعيل الحضرمي: إن الدرع التي رهنها كانت قيمتها أربعمائة.
قال الماوردي: "واختلف الناس هل مات رسول الله ﷺ قبل فكاك درعه؟
فقال قوم: افتكه قبل موته؛ لأنه ﵇ يقول: "نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى"، وهذه صفة تُنتفى عنه ﷺ.
وقال آخرون وهو الصحيح: إنه مات قبل فكاكه؛ لرواية عكرمة عن ابن عباس قال: توفى رسول الله ﷺ ودرعه مرهونة عند رجل من اليهود بثلاثين صاعًا من شعيرٍ. فعلى هذا يكون قوله: "نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى" محمولًا على مَن مات، ولم يترك وفاء" (^٤).
_________________
(١) الإشراف (٦/ ١٧٩).
(٢) البناية شرح الهداية (١٢/ ٤٦٨).
(٣) مسند الشافعي (ص ١٣٩).
(٤) انظر: كفاية النبيه (٩/ ٣٩٥).
[ ٢ / ١١ ]
قلت: وسواء صح حمله على مَن لم يترك وفاء أو كان على عمومه فيه وفي غيره، فالنبي ﷺ خارج منه؛ لأن دينه ليس لمصلحة نفسه؛ لأنه ﷺ غني بالله تعالى، وإنما أخذ الشعير لأهله وهو ﷺ متصرف عليهم بالولاية العامة، ولا يتعلق الدين به، بل بهم، ويصرف من ذلك المال المأخوذ الذي أرصد منه نفقة نسائه ومؤنة عامله لا تعلق له بذمة النبي ﷺ كما تتعلق ديون غيره بذممهم بعد الوفاة، معاذ الله أن يكون رسول الله ﷺ، كذلك، وقد ذكر ابن سعد في "الطبقات" (^١) من قضاء دين رسول الله ﷺ وعداته (^٢) بعد موته، وما قضاه الصديق لجابر وفاء لقول النبي ﷺ: "لَوْ قَدْ جَاءَنَا مَالُ البَحْرَيْنِ أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا". وأشار بكفيه، فأمر الصديق، فأخذ بكفيه، فعدها خمس مائة، فأعطاه ألفًا وخمس مائة من مال البحرين.
وقال بإسناده إلى جابر قال: "قضى علي بن أبي طالب دين رسول الله ﷺ، وقضى أبو بكر عداته" (^٣).
ورُوي عن عبد الواحد بن أبي عون: "أن رسول الله ﷺ لما تُوفي، أمر عليّ صائحًا يصيح: مَن كان له عند رسول الله ﷺ عدة أو دين فليأتني، فكان يبعث كل عام عند العقبة يوم النحر مَن يصيح بذلك حتى تُوفي علي، ثم كان الحسن بن علي يفعل ذلك حتى تُوفي، ثم كان الحسين يفعل ذلك فانقطع ذلك بعده. قال ابن أبي عون: فلا يأتي أحد من خلق الله إلى علي بحق ولا باطل إلا أعطاه" (^٤). انتهى.
ولم يرد في أمر هذا الشعير شيء، ولم يثبت أنه كان على النبي ﷺ ديون
_________________
(١) الطبقات الكبرى لابن سعد (٢/ ٢٤٢ - ٢٤٣).
(٢) جاء في الهامش الأيسر ما نصه: "قول عداته جمع عدة … ".
(٣) الطبقات الكبرى (٢/ ٢٤٣).
(٤) انظر المصدر السابق.
[ ٢ / ١٢ ]
وإنما هذه الآثار رواها ابن سعد، فقد تكون من قبيل العدات، وإن ثبت دين، فلا شك أنه لمصالح المسلمين، وإذا استدان الإمام الأعظم لمصالح المسلمين كان عليهم لا عليه، فإن قال أحد من المتفقهة: إن هذا يمشي فيما استدانه للجهات العامة، فإنه يقضي من مصارفها أو من بيت المال، أما الذي أخذه لأهله فليس كذلك، فإنه إن كان وكيلًا عنهم، فالوكيل تتعلق به العهدة والتصرف عليهم بالولاية العامة يستدعي الحجر وهم أهل رشد.
فالجواب: أن النبي ﷺ الأولى بالمؤمنين من أنفسهم، فهو يتصرف عليهم بهذه الولاية التي ليست لغيره من الأمة، وليس في الحديث أن الدين كان عليه، بل فيه أن الشعير لأهله، ونتحقق نحن ذلك كما أنه ﷺ كان لا يدخر لنفسه شيئًا ويدخر لأهله قوت سنتهم (^١)، وتأتيه الوفود والضيفان، فينفد ما عندهم، فيأخذ لهم ما يحتاجون إليه.
* * *
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٣٥٧)، ومسلم (١٧٥٧) بنحوه.
[ ٢ / ١٣ ]
قال: