﷽
مقدِّمة
الحمد لله الذي سهَّل لعباده المتقين إلى مرضاته سبيلًا، وأوضح لهم طريق الهداية، وجعل اتّباع الرسول عليه دليلًا، واتخذهم عبيدًا له، فأقروا له بالعبودية، ولم يتخذوا من دونه وكيلًا.
والحمد لله الذي أقام في أزمنة الفترات مَنْ يكون ببيان سنن المرسلين كفيلًا، واختص هذه الأمة بأنه لا تزال طائفة فيها على الحق لا يضرُّهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمره، ولو اجتمع الثقلان على حربهم قبيلًا (^١).
أحمده - والتوفيق للحمد من نعمه - وأشكره - والشكر كفيل بالمزيد من فضله وكرمه وقسمه - وأستغفره وأتوب إليه من الذنوب التي توجب زوال نِعَمِه وحلول نِقَمه.
وأشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، شهادة أشهد بها مع الشاهدين، وأدخرها عند الله عُدّة ليوم الدين. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الصادق الأمين - صلى الله عليه وآله وأصحابه والتابعين -، ومن لزم طريقه واستن بسنته إلى يوم الدين.
وبعد:
فإن الاشتغال بالعلم من أفضل القُرَب وأجلِّ الطاعات، وأهم أنواع الخير
_________________
(١) مختصر من مقدمة ابن القيم لـ "مفتاح دار السعادة".
[ ١ / ٥ ]
وآكد العبادات، وأَوْلَى ما أُنفقت فيه نفائسُ الأوقات، وشَمَّرَ في إدراكه والتمكُّن فيه أصحاب الأنفس الزَّكيَّات، وقد تظاهر على ذلك جملٌ من الآيات الكريمات، والأحاديث الصحيحة المشهورات، وأقاويل السلف ﵃ النيِّرات.
ومن ذلك: قول الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩].
وقوله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١].
وقول النبي ﷺ: "مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا؛ يُفَقِّهُهُ فِي الدِّينِ" (^١).
وقوله ﷺ: "إنَّ مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضًا، فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا منها وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفة منها أخرى، إنما هي قيعان لا تمسك الماء ولا تنبت كلأً، فذلك مَثَلُ مَنْ فَقُهَ في دين الله ونفعه ما بعثني الله به، فعَلِم وعَلَّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا، ولم يقبل هُدى الله الذي أُرسلت به" (^٢).
وقال الشافعيُّ: "كفى بالعلم فضيلة؛ أن يدَّعِيَه مَنْ ليس فيه، ويفرح إذا نُسب إليه، وكفى بالجهل شَيْئًا؛ أن يتبرأ منه مَنْ هو فيه، ويغضب إذا نُسب إليه" (^٣).
والكلام في فضل العلم وشرفه والحثِّ عليه متَّسِع كبير، يحوي من الآيات والأحاديث والآثار - فوق ما ذُكر - الكثير والكثير.
_________________
(١) البخاري (٧١)، ومسلم (١٠٣٧) من حديث معاوية بن أبي سفيان ﵄.
(٢) البخاري (٧٩)، ومسلم (٢٢٨٢) - واللفظ له - من حديث أبي من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.
(٣) "حلية الأولياء" لأبي نعيم (٩/ ١٤٦)، وعزا النوويُّ في "المجموع" (١/ ١٩) هذا القول لعلي ابن أبي طالب ﵁.
[ ١ / ٦ ]