كان ﵀ ورعًا متعففًا، صاحب ديانة، سالكًا سبيل الأقدمين على سَننٍ من رب العالمين، لا يهتم بأمور الدنيا وأموالها، قال والده لأمه ذات يوم: "هذا الشاب ما يطلب قط درهمًا ولا شيئًا، فلعله يرى شيئًا يريد أن يأكله فضعي في منديله درهمًا أو درهمين، فوضعت نصف درهم، فاستمر نحو جمعتين وهو يعود والمنديل معه والنصف فيه إلى أن رمى به إلى أمه وقال: أيش أعمل بهذا خذوه عني" (^٢).
قال عنه ولده تاج الدين السبكي في مدح عظيم أنقله بنصِّه؛ لصدق قائله، وعظيم محبته لوالده: "كان من الورع والدين وسلوك سبيل الأقدمين، على سنن ويقين؛ إن الله مع المتقين، صادع بالحق لا يخاف لومة لائم، صادق في النية لا يخشى بطشة ظالم، صابر وإن ازدحمت الضراغم.
منوط به أمر المشكلات في دياجيها، محطوط عن قدره السماء ودراريها، مبسوط قلمه ولسانه في الأمة وفتاويها.
شيخ الوقت حالًا، وعلمًا، وإمام التحقيق حقيقة ورسمًا، وعَلَمُ الأعلام فعلًا واسمًا.
إذا تغلغل فكر المرء في طرف … من مجده غرقت فيه خواطره
_________________
(١) "طبقات الشافعية الكبرى"، لتاج الدين السبكي (١٠/ ٣٠٧ - ٣١٥)، بتصرف يسير.
(٢) "طبقات الشافعية الكبرى"، لتاج الدين السبكي (١٠/ ١٤٥)، بتصرف يسير.
[ ١ / ٢٧ ]
لا يرى الدنيا إلَّا هباءً منثورًا، ولا يدري كيف يجلب الدرهم فرحًا والدينار سرورًا، ولا ينفك يتلو القرآن قائمًا وقاعدًا، راكبًا وماشيًا ولو كان مريضًا معذورًا.
وكانت دعواته تخترق السبع الطباق، وتفترق بركاتها فتملأ الآفاق، وتسترق خبر السماء وكيف لا! وقد رفعت على يد ولي الله تفتح له أبوابها ذوات الأغلاق.
وكانت يداه بالكرم مبسوطتين لا يقاس إلَّا بحاتم، ولا ينشد إلَّا:
"على قدر أهل العزم تأتي العزائم"
ولا يعرف إلَّا العطاء الجزل:
"وتأتي على قدر الكرام المكارم"
يد تلوح لأفواه تقبلها … فتستقل الثريا أن تكون فما
وللمعاني الحسان الغر تكتبها … بأحسن الخط لمَّا تمسكُ القلما
وللعفاة لِتُولِيهمْ عوائدها … فلا يرى الغيث شيئًا لو وفى وهَمَى
وللدعاء طوال الليل يرفعها … إلى الإله لِيُولِينَا به النعما
أعظم بها نعمًا كالبحر ملتطِمًا … والغيث منسجمًا والجود منقسمًا (^١)
يواظب على القرآن سرًّا وجهرًا، لا يقرن ختام ختمة إلا بالشروع في أخرى، ولا يفتتح بعد الفاتحة إلَّا سورًا تترى.
مع تقشف لا يتدرَّع معه غير ثوب العفاف، ولا يتطلع إلى ما فوق مقدار الكفاف، ولا يتنوّع إلا في أصناف هذه الأوصاف.
يقطع الليل تسبيحًا وقرآنًا، وقيامًا لله لا يفارقه أحيانًا، وبكاء يفيض من
_________________
(١) هذه الأبيات لولده تاج الدين السبكي، نظمها في مدح أبيه التقي السبكي، انظر: "معجم الشيوخ" للتاج السبكي (١/ ٢٨٠).
[ ١ / ٢٨ ]
خشية الله ألوانًا.
أقسم بالله أنه لفوق ما وصفته، وإني لناطق بها وغالب ظني أني ما أنصفته، وإن الغبي سيظن في أمرٍ ما تصورته.
وما عليَّ إذا ما قلت معتقدي … دع الحسود يظن السوء عدوانَا
هذا الذي تعرف الأملاك سيرته … إذا ادلهمَّ دُجى لم يبق سهرانا
هذا الذي يسمع الرحمن صائحه … إذا بكى وأفاض الدَّمع ألوانا
هذا الذي يسمع الرحمن دعوته … إذا تقارب وقت الفجر أو حانا
هذا الذي تعرف الغبراء جبهته … من السجود طوال الليل عرفانا
هذا الذي لم يغادر سيل مدمعه … أركان شيبته البيضاء أحيانًا
والله والله والله العظيم ومن … أقامه حجة في العصر برهانا
وحافظا لنظام الشرع ينصره … نصرًا يلقيه من ذي العرش غفرانا
كل الذي قلت بعضٌ من مناقبه … ما زدت إِلَّا لَعلِّي زدت نقصانا
وما زال في علمٍ يرفعه، وتصنيفٍ يضعه، وشتات تحقيقٍ يجمعه، إلى أن سار إلى دار القرار، وما ساد أحد ناوأه ولا كان ذا استبصار، ولا ساء مَنْ والاه بل عَمَّه بالفضل المدرار، ولا ساغ بسوى طريقه الاهتداء والاعتبار، ولا ساح بغير ناديه نيل يُخْجِل وابل الأمطار، ولا ساخ قدمُ فتى قام بنصرته وقال: أنصر بقية الأنصار، ولا سُئل إلَّا ويداه مبسوطتان وابل كرم في هذه الديار، ولا سامه أحد بسوء إلا وكانت عليه دائرة الفلك الدوَّار، ولا ساقه الله حين قبضه إلَّا إلى جنة عدن، أعدت لأمثاله من المتقين الأبرار" (^١).
وقال عنه الحافظ الذهبي: "تفقَّه على جماعة من الأئمة، وبرع في الأصول والفروع، وانتهى إليه الحفظ ومعرفة الأثر بمصر، وصنف
_________________
(١) "طبقات الشافعية الكبرى"، لتاج الدين السبكي (١٠/ ١٤١ - ١٤٤).
[ ١ / ٢٩ ]
التصانيف المحررة المطوّلة العديمة النظير، مع الدين والورع وحسن الطويَّة، والعقل التام، والتدين بالحديث" (^١). وقال الزركلي عنه: "شيخ الإسلام في عصره، وأحد الحفاظ المفسرين المناظرين" (^٢). وقال ابن الملقِّن الشافعي عنه: "ذو الفنون، تقى الدين أبو الحسن بقية العلماء" (^٣).