إذا طلق الرجل امرأته بعد الدخول وتزوجت في عدتها بآخر ووطئها جاهلا بتحريمها وجب عليها اتمام عدة الاول واستئناف عدة الثاني، ولا تدخل عدة أحدهما في عدة الاخر، لما روى سعيد بن المسيب وسليمان بن بشار " أن طليحه كانت تحت رشيد الثقفى فطلقها فنكحت في عدتها فضربها عمر ﵁، وضرب زوجها بمخفقة ضربات، ثم قال أيما امرأة نكحت في عدتها فإن كان زوجها الذي تزوجها لم يدخل بها فرق بينهما، ثم اعتدت بقية عدتها من زوجها الاول، وكان خاطبا من الخطاب " وان كان دخل بها فرق بنيهما ثم اعتدت بقية عدتها من زوجها الاول، ثم اعتدت من الاخر ولم ينكحها أبدا ولانهما حقان مقصودان لآدميين فلم يتداخلا كالدينين فان كانت حائلا انقطعت عدة الاول بوطئ الثاني إلى أن يفرق بينهما، لانها صارت فراشا للثاني فإذا فرق بينهما أتمت ما بقى من عدة الاول ثم أستأنفت العدة من الثاني، لانهما عدتان من جنس واحد فقدمت السابقة منهما.
وان كانت حاملا نظرت فان كان الحمل من الاول انقطعت عدتها منه بوضعه ثم استأنفت العدة من الثاني بالاقراء بعد الطهر من النفاس، وان كان الحمل من الثاني انقضت عدتها منه بوضعه ثم أتمت عدة الاول، وتقدم عدة الثاني ههنا على عدة الاول لانه لا يجوز أن يكون الحمل من الثاني وتعتد به من الاول، وان أمكن أن يكون من كل واحد منهما عرض على القافة، فان ألحقته بالاول انقضت به عدته، وان ألحقته بالثاني انقضت به عدته، وان ألحقته بهما أو نفته عنهما أو لم نعلم أو لم تكن قافة لزمها أن تعتد بعد الوضع بثلاثة أقراء، لانه
ان كان من الاول لزمها للثاني ثلاثة أقراء، وان كان من الثاني لزمها اكمال العدة من الاول فوجب أن تعتد بثلاثة أقراء ليسقط الفرض بيقين، وان لم يمكن أن يكون من واحد منهما ففيه وجهان.
[ ١٨ / ١٩٠ ]
(أحدهما)
لا تعتد به عن أحدهما، لانه غير لاحق بواحد منهما، فعلى هذا إذا وضعت أكملت عدة الاول ثم تعتد من الثاني بثلاثة أقراء
(والثانى)
تعتد به عن أحدهما لا بعينه، لانه يمكن أن يكون من أحدهما، ولهذا لو أقر به لحقه فانقضت به العدة كالمنفى باللعان فعلى هذا يلزمها أن تعتد بثلاثة أقراء بعد الطهر من النفاس
(فصل)
إذا تزوج رجل امرأة في عدة غيره ووطئها ففيه قولان.
قال في القديم تحرم عليه على التأييد لما رويناه عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: ثم لا ينكحها أبدا، وقال في الجديد لا تحرم عليه على التأييد، وإذا انقضت عدتها من الاول جاز له أن يتزوجها لانه وطئ شبهة فلا يوجب تحريم الموطوءة على الواطئ على التأييد الوطئ في النكاح بلا ولى، وما روى عن عمر ﵁ فقد روى عن علي كرم الله وجهه أنه قال: إذا انقضت عدتها فو خاطب من الخطاب، فخطب عمر ﵁ وقال: ردوا الجهالات إلى السنة.
فرجع إلى قول علي كرم الله وجهه.
(فصل)
إذا طلق زوجته طلاقا رجعيا ثم وطئها في العدة، وجبت عليها عدة بالوطئ لانه وطئ في نكاح قد تشعث فهو كوطئ الشبهة، فإن كانت من ذوات الاقراء أو من ذوات الشهور لزمها أن تستأنف العدة وتدخل فيها البقية من عدة الطلاق لانهما من واحد وله أن يراجعها في البقية لانها من عدة الطلاق فإذا مضت البقية لم يجز أن يراجعها لانها في عدة وطئ شبهة، وان حملت من الوطئ وصارت
في عدة الوطئ حتى تضع، وهل تدخل فيها بقية عدة الطلاق؟ فيه وجهان
(أحدهما)
تدخل لانهما لواحد فدخلت إحدهما في الاخرى، كما لو كانتا بالاقراء
(والثانى)
لا تدخل لانهما جنسان فلم تدخل إحداهما في الاخرى، فإن قلنا يتداخلان كانت في العدتين إلى أن تضع لان الحمل لا يتبعض، وله أن يراجعها إلى أن تضع، لانها في عدة الطلاق.
وان قلنا لا يتداخلان فإن لم ترد ما على الحمل أو رأت وقلنا انه ليس بحيض فهى معتدة بالحمل عن وطئ الشبهة إلى أن تضع، فإذا أتمت عدة الطلاق وله أن يراجعها في هذه البقية لانها في عدة الطلاق.
وهل له أن يراجعها قبل الوضع؟ فيه وجهان
[ ١٨ / ١٩١ ]
(أحدهما)
ليس له أن يراجعها لانها في عدة وطئ الشبهة
(والثانى)
له أن يراجعها لانها لم تكمل عدة الطلاق، فإذا رأت الدم على الحمل وقلنا انه حيض كانت عدتها من الوطئ بالحمل وعدتها من الطلاق بالاقراء التي على الحمل، لان عليها عدتين، إحداهما بالاقراء والاخرى بالحمل فجاز أن يجتمعا، فإذا مضت ثلاثة أقراء قبل وضع الحمل فقد انقضت عدة الطلاق، وان وضعت قبل انقضاء الاقراء فقد انقضت عدة الوطئ وعليها إتمام عدة الطلاق، فإذا راجعها في بقية عدة الطلاق صحت الرجعة، وان راجعها قبل الوضع ففي صحة الرجعة وجهان على ما ذكرناه.
فأما إذا كانت قد حبلت من الوطئ قبل الطلاق كانت عدة الطلاق بالحمل وعدة الوطئ بالاقراء.
فان قلنا إن عدة الاقراء تدخل في عدة الحمل كانت عدتها من الطلاق والوطئ بالحمل فإذا وضعت انقضت العدتان جميعا، وان قلنا لا تدخل عدة الاقراء في الحمل، فان كانت لا ترى الدم على الحمل أو تراه وقلنا انه ليس بحيض فان عدتها من الطلاق تنقضي بوضع الحمل وعليها استئنأف عدة الوطئ
بالاقراء.
وان كانت ترى الدم وقلنا انه حيض، فان سبق الوضع انقضت العدة الاولى وعليها إتمام العدة الثانية، فان سبق انقضاء الاقراء انقضت عدة الوطئ ولا تنقضي العدة الاولى الا بالوضع (الشرح) قال الشافعي ﵁: أخبرنا مالك عن أبن شهاب عن سعيد ابن المسيب وسليمان أن طليحة كانت تحت رشيد الثقفى فطلقها البتة فنكحت في عتدها، فضربها عمر بن الخطاب ﵁ وضرب زوجها بالمخفقة ضربات وفرق بينهما، ثم قال عمر: أيما امرأة نكحت في عدتها فان كان الزوج الذي تزوج بها لم يدخل فرق بينهما ثم أعتدت بقية عدتها من زوجها الاول وكان خاطبا من الخطاب.
وان كان دخل بها فرق بينهما ثم أعتدت بقية عدتها من زوجها الاول، ثم أعتدت من زوجها الآخر ثم لم ينكحها أبدا قال الشافعي، قال سعيد ولها مهرها بما استحل منها، ثم قال: أخبرنا يحيى
[ ١٨ / ١٩٢ ]
ابن حسان عن جرير عن عطاء بن السائب عن زاذان أبى عمر عن علي ﵁ أنه قضى في التي تزوج في عدتها أنه يفرق بينهما ولها الصداق بما استحل من فرجها وتكمل ما أفسدت من عدة الاول وتعتد من الآخر قال أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَجِيدِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ، أخبرنا عطاء أن رجلا طلق امرأته فاعتدت منه حتى إذا بقي شئ من عدتها نكحها رجل في آخر عدتها جهلا ذلك وبنى بها، فأتى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عنه في ذلك ففرق بينهما وأمرها أن تعتد ما بقى من عتدها الاولى ثم تعتد من هذا عدة مستقبلة، فإذا انقضت عدتها فهي بالخيار إن شاءت نكحت وإن شاءت فلا قال وبقول عمر وعلى نقول في المرأة تنكح في عدتها تأتى بعدتين معا، وبقول على نقول إنه يكون خاطبا من الخطاب ولم تحرم عليه، وذلك أنا إذا جعلنا النكاح
الفاسد يقوم مقام النكاح الصحيح في أن على المنكوحة نكاحا فاسدا إذا اصيبت عدة كعدتها في النكاح الصحيح فنكحت امرأه في عدتها فأصيبت فقد لزمتها عدة الزواج الصحيح ثم لزمها عدة من النكاح الفاسد فكان عليها حقان بسبب زوجين ولا يؤديهما عنها إلا بأن تأتى بهما معا.
وكذلك كل حقين لزماها من وجهين لا يؤديهما عن أحد لزماه أحدهما دون الآخر ولو أن امرأة طلقت أو ميت عنها فنكحت في عدتها ثم على ذلك فسخ نكاحها، فإن كان الزوج الآخر لم يصبها أكملت عدتها من الاول ولا يبطل عنها من عدتها شئ في الايام التي عقد عليها فيها النكاح الفاسد، لانها في عدتها ولم نصب، فإن أصابها أحصت ما مضى من عدتها قبل اصابة الزوج الآخر وأبطلت كل ما مضى منها بعد اصابته حتى يفرق بينه وبينها واستأنفت البنيان على عدتها التي كانت قبل اصابته من يوم فرق بينه وبينها حتى تكمل عدتها من الاول ثم تستأنف عدة أخرى من الآخر، فإذا أكملتها حلت منها والاخر خاطب من الخطاب إذا مضت عدتها من الاول: وبعد لا تحرم عليه لانه إذا كان يعقد عليها النكاح الفاسد فيكون خاطبا إذا لم يدخل بها، فلا يكون دخوله بها في النكاح الفاسد أكثر من زناه بها.
وهو لو زنى بها في العدة كان له أن ينحكها إذا انقضت
[ ١٨ / ١٩٣ ]
عدتها من الاول فللآخر أن يخطبها في عدتها منه: وأحب إلى لو كف عنها حتى تنقضي عدتها من مائه الفاسد اه ولو كانت تحيض فاعتدت حيضة أو اثنتين ثم أصابها الزوج الاخر فحملت وفرق بينهما اعتدت بالحمل، فإذا وضعته لاقل من ستة أشهر من يوم نكحها فهو للاول.
وان كانت وضعته لستة أشهر من يوم نكحها الاخر فأكثر إلى أقل من أربع سنين من يوم فارقها الاول دعى له القافة.
وان كانت وضعته لاكثر من
أربع سنين ساعة من يوم فارقها الاول فكان طلاقه لا يملك الرجعة فهو للآخر وان كان طلاقه يملك الرجعة وتداعياه أو لم يتداعياه ولم ينكراه ولا واحد منهما أريه القافة فبأيهما ألحقوه به لحق، وان ألحقوه بالاول فقد انقضت عدتها من الاول وحل للآخر خطبتها، وتبتدئ عدة من الآخر، فإذا قضتها حلت خطبتها للاول وغيره، فان ألحقوه بالاخر فقد انقضت عدتها من الاخر وتبتدئ فتكمل على ما مضى من عدة الاول، وللاول عليها الرجعة في عدتها منه ان كان طلاقه يملك الرجعة وقد سبق لنا في فصول سابقة من كتاب العدد بيان أن أقصى مدة الحمل أربع سنين - وبه قال أحمد وهو المشهور عن مالك - وذكرنا الاوجه والاقوال في ذلك فارجع إليه.
قال المصنف رحمه الله تعالى
(فصل)
إذا خالع امرأته بعد الدخول فله أن يتزوجها في العدة.
وقال المزبى لا يجوز كما لا يجوز لغيره، وهذا خطأ لان نكاح غيره يؤدى إلى اختلاط الانساب ولا يوجد ذلك في نكاحه.
وان تزوجها انقطعت العدة.
وقال أبو العباس: لا تنقطع قبل أن يطأها، كما لا تنقطع إذا تزوجها أجنبي قبل أن يطأها - وهذا خطأ - لان المرأة تصير فراشا بالعقد، ولايجوز أن تبقى مع الفراش عدة، ولانه لا يجوز أن تكون زوجته وتعتد منه: ويخالف الأجنبي فان نكاحه في العدة فاسد فلم تصر فراشا الا بالوطئ، فان وطئها ثم طلقها لزمها عدة مستأنفة وتدخل فيها بقية الاولى.
[ ١٨ / ١٩٤ ]
وإن طلقها قبل أن يطأها لم يلزمها استئناف عدة لانها مطلقة في نكاح قبل المسيس فلم تلزمها عدة كما لو نزوج امرأة وطلقها قبل الدخول، وعليها أن تتمم ما بقى
عليها من العدة الاولى، لانا لو أسقطنا البقية أدى ذلك إلى اختلاط المياه وفساد الانساب، لانه يتزوج امرأة ويطأها ثم يخلعها ثم يتزوجها آخر فيطأها ثم يخلعها ثم يتزوجها آخر، ويفعل مثل ذلك إلى أن يجتمع على وطئها في يوم واحد عشرون، وتختلط المياه وتفسد الانساب
(فصل)
إذا طلق امرأته بعد الدخول طلقة ثم راجعها نظرت، فإن وطئها بعد الرجعة ثم طلقها لزمها أن تستأنف العدة وتدخل فيها بقية العدة الاولى، فان راجعها ثم طلقها قبل يطأها ففيه قولان
(أحدهما)
ترجع إلى العدة الاولى وتبنى عليها، كما لو خالعها ثم تزوجها في العدة ثم طلقها قبل أن يطأها
(والثانى)
أنها تستأنف العدة، وهو اختيار المزني، وهو الصحيح، لانه طلاق في نكاح وطئ فيه فأوجب عدة كاملة، كما لو لم يتقدمه طلاق ولا رجعة وتخالف المختلعة لان هناك عادة إليه بنكاح جديد ثم طلقها من غير وطئ، وههنا عادت إلى النكاح الذي طلقها فيه، فإذا طلقها استأنفت العدة، كما لو ارتدت بعد الدخول ثم أسلمت ثم طلقها وإن طلقها ثم مضى عليها قرء أو قرآن ثم طلقها من غير رجعة ففيه طريقان قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ وَأَبُو عَلِيٍّ بْنُ خيران رحمهما الله هي كالمسألة قبلها فتكون على قولين، وللشافعي ﵀ ما يدل عليه، فإنه قال في تلك المسألة: ويلزم أن نقول ارتجع أو لم يرتجع سواء، والدليل عليه أن الطلاق معنى لو طرأ على الزوجية أوجب عدة، فإذا طرأ على الرجعية أوجب عدة كالوفاة في إيجاب عدة الوفاة.
وقال أبو إسحاق: تبنى على عدتها قولا واحدا لانهما طلاقان لم يتخللهما وطئ ولا رجعة فصار كما لو طلقها طلقتين في وقت واحد
(فصل)
وإن تزوج عبد أمة ودخل بها ثم طلقها طلاقا رجعيا ثم أعتقت
الامة وفسخت النكاح ففيه طريقان
[ ١٨ / ١٩٥ ]
(أحدهما)
أنها على قولين، أحدهما تستأنف العدة من حين الفسخ، والثانى لا تستأنف.
والطريق الثاني أنها تستأنف العدة من الفسخ قولا واحدا لان إحدى العدتين من طلاق والاخرى من فسخ فلا تبنى إحداهما على الاخرى.
(الشرح) إذا خالع الرجل أو فسخ نكاحه فله أن يتزوجها في عدتها في قول جمهور الفقهاء، وبه قال سعيد بن المسيب وعطاء وطاوس والزهرى والحسن وقتادة ومالك والشافعي وأصحاب الرأى: وشذ المزني وبعض أصحابنا فقال لا يجوز ولا يحل له نكاحها ولا خطبتها لانها معتدة ووجه كون هذا القول خطأ أن العدة لحفظ نسبه وصيانة مائه ولا يصان ماؤه عن مائه إذا كانا من نكاح صحيح، فإذا تزوجها انقطعت العدة، لان المرأة تصير فراشا له بعقده ولا يجوز أن تكون زوجة معتدة، فان وطئها ثم طلقها لزمتها عده مستأنفة، ولا شئ عليها من الاول لانها انقطعت وارتفعت.
وان طلقها قبل أن يمسها فهل تستأنف العدة أو تبنى على ما مضى؟ مذهبنا أنه لا يلزمها استئناف عدة، وبه قال محمد بن الحسن، وهو احدى الروايتين عن أحمد.
وقال أبو حنيفة " تستأنف " لانه طلاق لا يخلو من عدة، فأوجب عدة مستأنفة كالاول.
دليلنا أنه طلاق في نكاح قبل المسيس فلم يوجب عدة لعموم قوله تعالى " ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فمالكم عليهن من عدة تعتدونها " (فرع)
إذا طلقها طلاقا رجعيا ثم ارتجعها في عدتها ووطئها ثم طلقها انقطعت العدة الاولى برجعته، لانه زال حكم الطلاق وتستأنف عدة من الطلاق الثاني، لانه طلاق من نكاح اتصل به المسيس، وان طلقها قبل أن يمسها فهل تستأنف
عدة أو تبنى على العدة الاولى؟ فيه قولان ولاحمد روايتان كالقولين عندنا ١ - أن تستأنف لان الرجعة أزالت شعث الطلاق الاول وردتها إلى النكاح الاول، فصار الطلاق الثاني طلاقا من نكاح اتصل به المسيس ٢ تبنى لان الرجعة لا تزيد على النكاح الجديد، ولو نكحها ثم طلقها قبل المسيس لم يلزمها لذلك الطلاق عدة فكذلك الرجعة، فان فسخ نكاحها
[ ١٨ / ١٩٦ ]
قبل الرجعة بخلع أو غيره احتمل أن يكون حكمه حكم الطلاق، لان موجبه في العدة موجب الطلاق، وقد مضى في شرح الفصول قبله ما فيه من طرق وأوجه تداخل العدتين فلا داعى للتكرار
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
وإذا خلا الرجل بامرأته ثم اختلفا في الاصابة، فادعاه أحدهما وأنكر الآخر ففيه قولان.
قال في الجديد قول المنكر، لان الاصل عدم الاصابة.
وقال في القديم قول المدعى لان الخلوة تدل على الاصابة
(فصل)
وإن اختلفا في انقضاء العدة بالاقراء فادعت المرأة انقضاءها لزمان يمكن فيه انقضاء العدة وأنكر الزوج، فالقول قولها، وإن أختلفا في وضع ما تنقضي به العدة، فادعت المرأة أنها وضعت ما تنقضي به العدة وأنكر الزوج فالقول قولها لقوله ﷿ " ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن " فخرج النساء على كتمان ما في الارحام كما حرج الشهود على كتمان الشهادة فقال: ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه.
ثم يجب قبول شهادة قول الشهود فوجب قبول قول النساء، ولان ذلك لا يعلم إلا من جهتها فوجب قبول قولها فيه كما يجب على التابعي قبول ما يخبره به الصحابي عن رسول الله صلى عليه وسلم حين لم يكن له سبيل إلى معرفته إلا من جهته.
وإن ادعت المرأة انقضاء العدة بالشهور وأنكر الزوج فالقول قوله، لان ذلك أختلاف في وقت الطلاق فكان القول فيه قوله.
(فصل)
وإن طلقها فقالت المرأة طلقني وقد بقى من الطهر ما يعتد به قرءا وقال الزوج طلقتك ولم يبق شئ من الطهر فالقول قول المرأة لان ذلك اختلاف قي وقت الحيض، وقد بينا أن القول في الحيض قولها.
(فصل)
وإن طلقها وولدت واتفقا على وقت الولادة واختلفا في وقت الطلاق، فقال الزوج طلقتك بعد الولادة فلى الرجعة، وقالت المرأة طلقتني قبل الولادة فلا رجعة لك فالقول قول الزوج، لانهما لو اختلفا في أصل الطلاق كان
[ ١٨ / ١٩٧ ]
القول قوله فكذلك إذا اختلفا في وقته، ولان هذا اختلاف في قوله وهو أعلم به فرجع إليه.
وإن اتفقا في وقت الطلاق واختلفا في وقت الولادة، فقال الزوج ولدت قبل الطلاق فلى الرجعة، وقالت المرأة بل ولدت بعد الطلاق فلا رجعة لك فالقول قولها لانهما لو اختلفا في أصل الولادة كان القول قولها فكذلك إذا اختلفا في وقتها.
وان جهلا وقت الطلاق ووقت الولادة وتداعيا السبق فقال الرجل تأخر الطلاق وقالت المرأة تأخرت الولادة، فالقول قول الزوج لان الاصل وجوب العدة وبقاء الرجعة، فإن جهلا وقتهما، أو جهل السابق منهما لم يحكم بينهما لانهما لا يدعيان حقا.
وإن ادعت المرأة السبق وقال الزوج لا أعرف السابق قال له الحاكم ليس هذا بجواب، فإما أن تجيب جوابا صحيحا أو نجعلك ناكلا، فإن استفتى أفتيناه بما ذكرناه في المسألة قبلها، وأن للزوج الرجعة لان الاصل وجوب العدة وبقاء الرجعة، والورع أن لا يراجعها
(فصل)
فإن أذن لها في الخروج إلى بلد آخر ثم طلقها واختلفا، فقالت المرأة
نقلتني إلى البلد الآخر ففيه أعتد، وقال الزوج بل أذنت لك في الخروج لحاجة فعليك أن ترجعي فالقول قول الزوج لانه أعلم بقصده، وان مات واختلفت الزوجة والوارث فالقول قولها لانهما استويا في الجهل بقصد الزوج ومع الزوجة ظاهر، فان الامر بالخروج يقتضى خروجا من غير عود قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ فِي الْقَدِيمِ: إذا اختلفا في الاصابة بعد الخلوة فالقول قول المدعى لان الخلوة تدل على الاصابة.
وقال في الجديد، قال الله ﵎ " إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فمالكم عليهن من عدة تعتدونها " فكان بينا في حكم الله ﷿ أن لا عدة على المطلقة قبل أن تمس، وأن المسيس هو الاصابة، ولم أعلم في هذا خلافا ثم اختلف بعض المفتين في المرأة يخلو بها زوجها فيغلق بابا ويرخى سترا وهى غير محرمة ولا صائمة، فقال ابن عباس وشريح وغيرهما لا عدة عليها الا بالاصابة نفسها، لان الله ﷿ هكذا قال
[ ١٨ / ١٩٨ ]
أخبرنا مسلم عن أبن جريح عن ليس عن طاوس عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أنه قال في الرجل يتزوج المرأة فيخلو بها ولا يمسها ولا يطلقها: ليس لها إلا نصف الصداق، لان الله ﷿ يقول " وإن طلتقموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم، قال الشافعي وبهذا أقول وهو ظاهر كتاب الله عز ذكره اه قلت، قال تعالى " ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن " قال عكرمة والزهرى والنخعي من الحيض.
وقال عمر وابن عباس الحمل، وقال مجاهد الحيض والحمل معا، وهذا على أن الحامل تحيض، والمعنى المقصود من الآية أنه لما دار أمر العدة على الحيض والاطهار ولا اطلاع عليهما إلا من جهة النساء
جعل القول قولها إذا ادعت انقضاء العدة أو عدمها، وجعلهن مؤتمات على ذلك وهو مقتضى قوله تعالى " ولا يحل لهن أن يكتمن " الاية وقال سيلمان بن يسار: ولم نؤمر أن نفتح النساء فننظر إلى فروجهن، ولكن وكل ذلك اليهن إن كن مؤتمات.
ومعنى النهى عن الكتمان النهى عن الاضرار بالزوج وإذهاب حقه، فإذا قالت المطلقة حضت وهى لم تحض ذهت بحقه من الارتجاع.
وإذا قالت لم أحض وهى قد حاضت ألزمته من النفقة ما لم يلزمه فأضرت به، أو تقصد بكذبها في نفى الحيض ألا ترتجع حتى تنقضي العدة ويقطع الشرع حقه، وكذلك الحامل تكتم الحمل لتقطع حقه من الارتجاع.
قال قتادة: كانت عادتهن في الجاهلية أن يكتمن الحمل ليلحقن الولد بالزوج الجديد، ففى ذلك نزلة الاية.
قال ابن المنذر: وقال كل من حفظت عنه من أهل العلم، إذا قالت المرأة في عشرة أيام قد حضت ثلاث حيض وانقضت عدتي إنها لاتصدق ولا يقبل ذلك منها إلا أن تقول قد أسقطت سقطا قد استبان خلقه، واختلفوا في المدة التي تصدق بها المرأة.
فقال مالك " إذا قالت انقضت عدتي في أمد تنقضي في مثله العدة قبل قولها، فإن أخبرت بانقضاء العدة في مدة تقع نادرا فقولان، قال في المدونة إذا قالت حضت ثلاث حيض في شهر صدقت إذا صدقها النساء.
وبه قال شريح وقال له على بن أبي طالب " قالون " أي أصبت وأحسنت، وقال في كتاب
[ ١٨ / ١٩٩ ]
محمد " لاتصدق إلا في شهر ونصف " ونحوه قول أبى ثور.
قال أبو ثور أقل ما يكون في ذلك سبعة وأربعين يوما، وذلك أن أقل الطهر خمسة عشر يوما.
وأقل الحيض يوما وقال الشافعي لا تصدق في أقل من سنين يوما وقال به أبو حنيفة.
(فرع)
قال الشافعي ﵁ " ولو طلق الرجل امرأته وولدت فلم تدر هي أوقع الطلاق عليها قبل ولادها أو بعده.
وقال هو وقع بعد ما ولدت فلى عليك الرجعة وكذبته، فالقول قوله وهو أحق بها، لان الرجعة حق له والخلو من العدة حق لها، فإذا لم تدع حقها فتكون أملك بنفسها لانه فيها دونه لم يزل حقه إنما يزول بأن تزعم هي أنه زال.
قال ولو لم يدر هو ولاهى أوقع الطلاق قبل الولاد أو بعده بأن كان عنها غائبا حين طلقها بناحية من مصرها أو خارج منه كانت عليها العدة، لان العدة تجب على المطلقة فلا نزيلها عنها إلا بيقين أن تأتى بها وكان الورع أن لا يرتجعها لانى لاأدرى لعلها قدحلت منه، ولو ارتجعها لم أمنعه لانه لا يجوز لى منعه رجعتها إلا بيقين أن قد حلت منه (فرع)
قال الشافعي ﵁، ولو قال لها اخرجي إلى مصر كذا أو موضع كذا فخرجت إليه، أو منزل كذا من مصر فخرجت إليه ولم يقل لها حجى ولا أقيمي ولا ترجعي منه ولا لاترجععى الا ان تشائى ولا تزورى فيه اهلك أو بعض معرفتك ولا تتنزهى إليه كانت هذه نقلة وعليها ان تعتد في ذلك الموضع من طلاقه ووفاته.
فإذا اختلفا فقالت نقلتني إلى البلد الآخر ففيه أعتد ونفى هو فعلى ما بينه المصنف.
وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[ ١٨ / ٢٠٠ ]
قال المصنف رحمه الله تعالى: