قال المصنف ﵀: باب اختلاف المتراهنين إذا اختلف المتراهنان فقال الراهن ما رهنتك، وقال المرتهن رهنتني فالقول قول الراهن مع يمينه لان الاصل عدم العقد.
(فصل)
إذا اختلفا في عين الرهن فقال الراهن رهنتك العبد وقال المرتهن بل رهنتني الثوب فالقول قول الراهن أنه لم يرهن الثوب فإذا حلف خرج الثوب عن أن يكون رهنا بيمينه وخرج العبد عن أن يكون رهنا برد المرتهن.
(الشرح) الاحكام: أولا: إذا اختلف المتراهنان، فقال أحدهما للآخر لقد رهنتني عينا بدين لى عليك، فقال الآخر: ما رهنتكها - ولم تكن ثم بينه، فالقول قول من عليه الدين مع يمينه أنه ما رهنه، لان الاصل عدم الرهن.
ثانيا: اختلفا في عين الرهن فادعى المرتهن أنه ارتهن منه راديو (مذياع) فقال الراهن: ما رهنتك هذا المذياع وإنما رهنتك مرناة (تليفزيون) حلف الراهن أنه ما رهنه الراديو وإنما رهنه التليفزيون.
فخرج المذياع عن أن يكون رهنا بيمين الراهن وخرج التليفزيون عن أن يكون رهنا بإنكار المرتهن له.
ثالثا: اختلفا في قدر الرهن، فقال المرتهن: رهنتني هاتين الدراجتين بعشرة جنيهات فقال الراهن: بل رهنتك إحداهما بعشرة.
رابعا: اختلفا في قدر الدين المرهون به فقال المرتهن: رهنتني هذه السيارة
بمائة لى عليك، وقال الراهن: بل رهنتكها بخمسين.
فالقول في الثالث والرابع قول الراهن مع يمينه في كل من المثلين، وبه قال أبو حنيفة وأحمد ﵄ وقال مالك ﵁: القول قول من الظاهر معه، فإن كانت الدراجة التى أقر الراهن برهنها تساوى عشرة أو دونها ويرهن مثلها بعشرة فالقول قول الراهن وان كانت لا تساوى عشرة ولا يرهن مثلها في العادة بعشرة فالقول قول المرتهن
[ ١٣ / ٢٥٢ ]
وكذلك في السيارة القول قول المرتهن في قدر الرهن إن كانت قيمة السيارة مائة، وإن كانت قيمتها أكثر من مائة فالقول قول الراهن.
دليلنا قوله ﷺ " البينة على من ادعى واليمين على من أنكر " وهذا الراهن منكر فيهما، ولانهما لو اختلفا في أصل العقد لكان القول قول الراهن، فكذلك إذا اختلفا في قدر المعقود عليه.
خامسا: ان كان له عليه ألف مؤجلة وألف معجلة فرهنه سيارة بألف ثم اختلفا، فقال المرتهن: رهنتنيه بالالف الحال.
وقال الراهن: بل رهنتكه بالالف المؤجل، فالقول قول الراهن مع يمينه، لما ذكرناه في المسائل قبلها.
قال المصنف ﵀:
(فصل)
وإذا اختلفا في قدر الرهن فقال الراهن رهنتك هذا العبد وقال: بل رهنتني هذين العبدين فالقول قول الراهن، لان الاصل عدم الرهن إلا فيما أقر به، ولان كل من كان القول قوله إذا اختلفا في أصله كان القول قوله إذا اختلفا في قدره كالزوج في الطلاق فإن رهنه أرضا وأقبضه ووجد فيها نخيل يجوز أن يكون حدث بعد الرهن، ويجوز أن يكون قبله فقال الراهن حدث بعد الرهن فهو خارج من الرهن.
وقال المرتهن: بل كان قبل الرهن ورهنتنيه مع الارض فالقول قول الراهن.
وقال المزني: القول قول المرتهن لانه في يده وهذا خطأ
لما ذكرناه في العبدين.
وقوله: إنه في يده لا يصح، لان اليد إنما يقدم بها في الملك دون العقد، ولهذا لو اختلفا في أصل العقد كان القول قول الراهن، وإن كانت العين في يد المرتهن، فان رهن حمل شجرة تحمل حملين وحدث حمل آخر وقلنا: إنه يصح العقد فاختلفا في مقدار الحمل الاول، فالقول قول الراهن، وقال المزني: القول قول المرتهن، لانه في يده، وهذا لا يصح، لان الاصل أنه لم يدخل في العقد إلا ما أقر به، وأما اليد فقد بينا أنه لا يرجح بها في العقد.
(الشرح) الاحكام: إذا رهنه أرضا ووجد فيها نخل أو شجر، فقال المرتهن: كان هذا موجودا وقت الرهن فهو داخل في الرهن.
وقال الراهن:
[ ١٣ / ٢٥٣ ]
بل حدث بعد الرهن فهو خارج من الرهن، فإن كان ما قاله المرتهن غير ممكن كان يكون النخل صغيرا وكان العقد من مدة لا تسمح بأن يكون النخل باقيا على صغره لحداثة مظهره فلا يجوز من ثم أن يكون النخل موجودا وقت العقد، فالقول قول الراهن من غير يمين، لانه لا يمكن صدق المرتهن.
وإن كان ما قاله الراهن غير ممكن، كأن يكون لعقد الرهن مدة لا يمكن حدوث النخل بعدها لكبر النخل وقصر مدة العقد وما إلى ذلك فالقول قول المرتهن بلا يمين لان ما يقوله الراهن مستحيل فلم يقبل قوله.
وإن كان يمكن صدق كل منهما كأن يكون احتمال وجود النخل مساويا لاحتمال حدوثه بعد العقد، قال الشافعي ﵁: فالقول قول الراهن مع يمينه.
قال المزني قولا ضعيفا في المذهب: القول قول المرتهن، لانه في يده.
والمذهب الاول، لان المرتهن قد اعترف للراهن بملك النخل، وقد صار يدعى عليه عقد الرهن، والراهن ينكر ذلك، فكان القول قول الراهن، كما لو ادعى
عليه عقد الرهن في النخل مفردا دون الارض واما اليد التى تعلل بها المزني فلا يرجح بها في دعوى لعقد وانما يرجح بها في دعاوى الملك فإذا حلف الراهن نظرت فإن كان الرهن في القرض أو كان متطوعا به في الثمن غير مشروطا في البيع بقى الرهن في الارض ولا كلام وإن كان الرهن مشروطا في البيع فإن هذ الاختلاف يوجب التحالف وقد حلف الراهن وخرج الرهن عن الراهن، فان رضى المرتهن بذلك فلا كلام، وان لم يرض حلف المرتهن أن النخل كان داخلا في الرهن.
وهل ينفسخ البيع والرهن بنفس التحالف أو بالفسخ؟ على الوجهين في التحالف.
فان قلنا لا ينفسخ فتطوع الراهن بتسليم النخل رهنا فليس للمرتهن فسخ البيع.
قال المصنف ﵀:
(فصل)
وإن اختلفا في قدر الدين فقال الراهن: رهنتك هذا العبد بألف وقال المرتهن: بل رهنتيه بألفين فالقول قول الراهن، لان الاصل عدم الالف فان قال رهنته بألف وزادني ألفا آخر على أن يكون رهنا بالالفين.
وقال المرتهن
[ ١٣ / ٢٥٤ ]
بل رهنتني بالالفين، وقلنا: لا تجوز الزيادة في الدين في رهن واحد ففيه وجهان أحدهما: أن القول قول الراهن لانهما لو اختلفا في أصل العقد كان القول قوله فكذلك إذا اختلفا في صفته.
والثانى: أن القول قول المرتهن، لانهما اتفقا على صحة الرهن والدين، والراهن يدعى أن ذلك كان في عقد آخر، والاصل عدمه، فكان القول قول المرتهن، فان بعث عبده مع رجل ليرهنه عند رجل بمال ففعل، ثم اختلف الراهن والمرتهن فقال الراهن أذنت له في الرهن بعشرة، وقال المرتهن بل بعشرين نظرت، فان صدق الرسول الراهن حلف الرسول أنه ما رهن إلا بعشرة، ولا يمين على الراهن، لانه لم يعقد العقد، وإن صدق الرسول المرتهن فالقول قول
الراهن مع يمينه، فإذا حلف بقى الرهن على عشرة، وعلى الرسول عشرة، لانه أقر بقبضها.
(الشرح) إذا اختلفا فقال الراهن رهنتك شيئا بمائة بعقد ثم زدتني مائة أخرى فعقدت الرهن بها على هذا الشئ قبل فسخ العقد، إذا حدث هذا وقلنا: لا يصح ذلك، وقال المرتهن بل ارتهنته منه بالمائتين بعقد واحد ففيه وجهان.
(أحدهما)
القول قول الراهن مع يمينه، لانهما لو اختلفا في أصل العقد لكان القول قوله، فكذلك إذا اختلفا في صفته
(والثانى)
القول قول المرتهن مع يمينه، لانهما اتفقا على عقد الرهن، والراهن يدعى معنى يقتضى بطلانه، والاصل عدم ما يبطله.
(فرع)
إذا قال الرجل لغيره هذه السيارة التى عندي هي لك رهنتنيها بألف لى عليك، فقال له: هذه السيارة لى وديعة لى عندك، وإنما رهنتك بألف على سيارة أخرى أحرقتها، وأنا استحق عليك قيمتها، فالقول قول المقر مع يمينه، أنه ما أحرق له سيارة ولا شئ له عليه من القيمة لان الاصل براءة ذمته والقول قول المقر له مع يمينه أنه ما رهنه هذه السيارة، وعليه الالف لانه مقر بوجوبها (فَرْعٌ)
قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ فِي الْأُمِّ " إذا قال الرجل لغيره رهنتك عبدى هذا بألف درهم لك على، فقال المرتهن بل رهنتنيه أنا وزيدا بألفى درهم ألف درهم لى وألف درهم لزيد، وادعى زيد بذلك، فالقول قول الراهن أنه
[ ١٣ / ٢٥٥ ]
ما رهن زيدا شيئا، فإذا حلف كان العبد رهنا عند الذى أقر له به " قال الشيخ أبو حامد: وهذا لا يجئ على أصل الشافعي ﵀، لان المالك أقر للمرتهن برهن جميع العبد، وهو لا يدعى نصفه، وإنما ادعى وقد حلف له المالك، فيجب ألا يبقى عند المقر له إلا نصف العبد مرهونا.
قال الشافعي ﵀: وأما إذا قال لغيره رهنتك عبدى هذا بألف درهم لك على، فقال المرتهن هذا الالف الذى أقررت أنه لى رهنتني به العبد هو لى ولزيد قيل ذلك لانه إقرار في حق نفسه فقبل، فيكون بينه وبين زيد قال الشيخ أبو حامد، ولم يذكر الشافعي ﵀ حكم الرهن ها هنا، ولكن يكون العبد رهنا بالالف لان المرتهن اعترف بالحق الذى أرهن به أنه له ولغيره فقبل إقراره في ذلك، كما لو كان له ألف برهن، فقال هذا الالف لزيد، كان له الالف بالرهن، كذلك هذا مثله.
قال المصنف رحمه الله تعالى
.
(فصل)
قال في الام " إذا كان في يد رجل عبد لآخر فقال رهنتنيه بألف وقال السيد بل بعتكه بألف حلف السيد أنه ما رهنه بألف: لان الاصل عدم الرهن، ويحلف الذى في يده العبد انه ما اشتراه، لان الاصل عدم الشراء، ويأخذ السيد عبده، فإن قال السيد رهنتكه بألف قبضتها منك قرضا، وقال الذى في يده العبد بل بعتنيه بألف قبضتها منى ثمنا، حلف كل واحد منهما على نفى ما ادعى عليه، لان الاصل عدم العقد، وعلى السيد الالف لانه مقر بوجوبها، فان قال الذى في يده العبد " بعتنيه بألف " وقال السيد بل رهنتكه بألف حلف السيد انه ما باعه، فإذا حلف خرج العبد من يد من هو في يده لان البيع قد زال والسيد معترف بأنه رهن، والمرتهن ينكر، ومتى أنكر المرتهن الرهن زال الرهن.
(الشرح) ذكر الشافعي ﵀ في باب الرسالة من الام أربع مسائل الاول، إذا دفع لرجل ثوبا، وأرسله ليرهنه له بحق عند رجل فرهنه، ثم اختلف الراهن والمرتهن، فقال المرتهن جاءني برسالتك في أن أسلفك عشرين
[ ١٣ / ٢٥٦ ]
فأعطيته إياها فكذبه الرسول، فالقول قول الرسول والمرسل، ولا أنظر إلى قيمة الرهن.
قال العمرانى فيحلف الرسول أنه ما رهنه إلا بعشرة ولا يمين على المرسل، لان الرسول هو الذى باشر العقد قال ابن الصباغ: وعندي أن المرتهن إذا ادعى مع المرسل أنه أذن له في ذلك وقبض منه عشرين بإذنه أن له أن يحلفه، لان المرسل لو أقر بذلك لزمه ما قاله، فإذا أنكره حلف له.
الثانية: ولو صدقه الرسول فقال: قد قبضت منك عشرين ودفعتها إلى المرسل، وكذبه المرسل، كان القول قول المرسل مع يمينه ما أمره إلا بعشرة ولا دفع إليه إلا هي، وكان الرهن بعشرة، وكان الرسول ضامنا للعشرة التى أقر بقبضها مع العشرة التى أقر بها المرسل - بفتح السين - بقبضها.
قال ابن الصباغ وعندي أن المرتهن إذا صدق الرسول أن الراهن أذن له في ذلك لم يكن له الرجوع على الرسول لانه يقر أن الذى ظلمه هو المرسل الثالثة: قال الشافعي ولو دفع إليه ثوبا فرهنه عند رجل.
وقال الرسول أمرتنى برهن الثوب عند فلان بعشرة فرهنته، وقال المرسل أمرتك أن تستسلف من فلان عشرة بغير رهن.
ولم آذن لك في رهن الثوب، فالقول قول صاحب الثوب والعشرة حالة عليه.
ولو كانت المسألة بحالها فقال أمرتك بأخذ عشرة سلفا في عبدى فلان، وقال الرسول بل في ثوبك هذا أو عبدك هذا العبد غير الذى أقر به الآمر فالقول قول الآمر والعشرة حالة عليه ويسوق العمرانى في البيان المسألة بصورة أخرى فيقول: إذا دفع إليه ثوبا وعبدا وأمره أن يرهن أحدهما عند رجل بشئ يأخذه له منه فرهن الرسول العبد ثم قال المرسل إنما أذنت له في رهن الثوب، وأما العبد فوديعة، وقال الرسول أو المرتهن، إنما أذنت له في رهن العبد، حلف المرسل أنه ما أذن له في رهن
العبد وخرج العبد عن الرهن بيمينه.
وخرج الثوب عن الرهن لانه لم يرهن.
الرابعة: إذا قال المرسل أمرتك برهن الثوب ونهيتك عن رهن العبد، وأقام على ذلك بينة، وأقام الرسول بينة أذن له في رهن العبد فيصح، وإذا احتمل هذا
[ ١٣ / ٢٥٧ ]
وهذا فقد وجد من الرسول عقد الرهن على العبد، والظاهر أنه عقد صحيح، فلا يحكم ببطلانه لامر محتمل.
قال المصنف رحمه الله تعالى
(فصل)
وان اتفقا على رهن عين، ثم وجدت العين في يد المرتهن، فقال الراهن قبضته بغير اذنى، وقال المرتهن بل قبضته بإذنك فالقول قول الراهن لان الاصل عدم الاذن، ولانهما لو اختلفا في أصل العقد والعين في يد المرتهن كان القول قول الراهن، فكذلك إذا اختلفا في الاذن، فان اتفقا على الاذن فقال الراهن رجعت في الاذن قبل القبض.
وقال المرتهن لم يرجع حتى قبضت فالقول قول المرتهن، لان الاصل بقاء الاذن، وان اتفقا على الاذن واختلفا في القبض فقال الراهن لم تقبضه، وقال المرتهن بل قبضت، فان كانت العين في يد الراهن فالقول قوله لان الاصل عدم القبض، وان كان في يد المرتهن فالقول قوله لانه أذن في قبضه والعين في يده، فالظاهر أنه قبضه بحق، فكان القول قوله.
وان قال رهنته وأقبضته ثم رجع، وقال ما كنت أقبضته حلفوه أنه قبض، فالمنصوص أنه يحلف.
وقال أبو إسحاق ان قال وكيلى أقبضه وبان لى أنه لم يكن أقبضه حلف.
وعليه تأول النص.
وان قال أنا أقبضته ثم رجع لم يحلف لان اقراره المتقدم يكذبه.
وقال أبو على بن خيران وعامة أصحابنا انه يحلف لانه يمكن صدقه بأن يكون قد وعده بالقبض فأقر به، ولم يكن قبض.
(الشرح) إذا كان في يد رجل شئ لغيره فقال من بيده الشئ للمالك رهنتني هذا بألف هي لى عليك قرضا.
وقال المالك بل بعتكه بألف هي لى عليك ثمنا حلف المالك أنه ما رهنه هذا الشئ، لان الاصل عدم الرهن، ويحلف من بيده الشئ أنه ما اشتراه، لان الاصل عدم الشراء، ويبطل العقدان ويسقط المالان ويرد الشئ إلى صاحبه.
فان قال من بيده الشئ رهنتنيه بألف أقبضتكها، وقال المالك بل رهنتكه بألف لم أقبضها - فالقول قول المالك مع يمينه - لان الاصل عدم القبض
[ ١٣ / ٢٥٨ ]
قال العمرانى في البيان: وإن قال من بيده العبد (إن كان الرهن عبدا) بعتنيه بألف وقال السيد: رهنتكه بألف، حلف السيد أنه ما باعه العبد، فإذا حلف خرج العبد من يد من هو بيده لان المبيع زال بيمين السيد، وبطل الرهن، لان المالك يقر له به والمرتهن ينكره، ومتى أنكر المرتهن الرهن زال الرهن ثم قال قال الشيخ أبو إسحاق في المهذب والمحاملى في المجموع: فإن قال السيد: رهنتكه بألف قبضتها منى ثمنا حلف كل واحد منهما على نفى ما ادعى عليه، لان الاصل عدم العقد، وعلى السيد الالف، لانه مقر بوجوبها.
قلت: والذى يقتضى القياس عندي أنه لا يمين على الذى بيده العبد لانه ما ارتهن العبد لما ذكرناه في المسألة قبلها.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
وإن رهن عصيرا وأقبضه، ثم وجده خمرا في يد المرتهن فقال: أقبضتنيه وهو خمر، فلى الخيار في فسخ البيع.
وقال الراهن: بل أقبضتكه وهو عصير، فصار في يدك خمرا، فلا خيار لك، ففيه قولان.
(أحدهما)
أن القول قول المرتهن، وهو اختيار المزني، لان الراهن يدعى
قبضا صحيحا، والاصل عدمه.
(والثانى)
أن القول قول الراهن، وهو الصحيح، لانهما اتفقا على العقد والقبض.
واختلفا في صفة يجوز حدوثها فكان القول قول من ينفى الصفة، كما لو اختلف البائع والمشترى في عيب بعد القبض، وإن اختلفا في العقد فقال المرتهن رهنتنيه وهو خمر.
وقال الراهن: بل رهنتكه وهو عصير.
فصار عندك خمرا، فقد اختلف أصحابنا فيه، فقال أكثرهم: هي على قولين.
وقال أبو على بن أبى هريرة: القول قول المرتهن قولا واحدا، لانه ينكر العقد والاصل عدمه.
فإن رهن عبدا فأقبضه في محمل أو ملفوفا في ثوب، ووجد ميتا.
فقال المرتهن أقبضتنيه وهو ميت، فلى الخيار في فسخ البيع.
وقال الراهن أقبضتكه حيا ثم مات عندك، فلا خيار لك ففيه طريقان.
(أحدهما)
وهو الصحيح: أنه على القولين كالعصير
(والثانى)
وهو قول
[ ١٣ / ٢٥٩ ]
أبى على الطبري أن القول قول المرتهن، لان هذا اختلاف في اصل القبض لان الميت لا يصح قبضه، لانه لا يقبض إلا ظاهرا، بخلاف العصير، فانه يقبض في الظرف، والظاهر منه الصحة.
(الشرح) الاحكام: إذا رهنه عينا فوجدت في يد المرتهن، فقال المرتهن.
قبضتها بإذنك رهنا.
وقال الراهن لم آذن لك بقبضها، وإنما غصبتنيها أو أجرتها منك، فقبضتها عن الاجارة فالقول قول الراهن مع يمينه، لان الاصل عدم الاذن، وإن اتفقا على الرهن والاذن والقبض، ولكن قال الراهن رجعت في الاذن قبل أن يقبض، وقال المرتهن لم ترجع، ولم تقم بينة على الجوع فالقول قول المرتهن مع يمينه أنه ما يعلم أنه رجع، لان الاصل عدم الرجوع.
وان اتفقا على الرهن والاذن، واختلفا في القبض، فقال الراهن.
لم تقبض
وقال المرتهن بل قبضت.
قال الشافعي في موضع القول قول المرتهن وقال في موضع القول قول الراهن قال أصحابنا ليست على قولين وإنما هي على حالين فان كانت العين في يد الراهن فالقول قول الراهن لان الاصل عدم القبض والذى يقتضى المذهب عندي أن يحلف أنه ما يعلم أنه قبض، لا يحلف على نفى فعل غيره، وإن كانت العين في يد المرتهن حلف أنه قبض لان الظاهر أنه قبض بحق.
(فرع)
وإن أقر أنه رهن عند غيره عينا وأقبضه إياها ثم قال الراهن لم يكن قبضها، وأراد منعه من القبض لم يقبل رجوعه عن إقراره بالقبض، لان إقراره لازم، فإن قال الراهن للمرتهن.
احلف أنك قبضتها.
قال الشافعي ﵁ أحلفته.
قال في البيان واختلف أصحابنا فيه فقال أبو إسحاق ان كان المرهون غائبا فقال أقررت بالقبض لان وكيلى أخبرني أنه أقبضه ثم بان لى أنه لم يقبضه أحلف المرتهن لانه لا يكذب لنفسه، وانما يدعى أمرا محتملا.
فأما إذا كان الرهن حاضرا أو أقر أنه أقبضه بنفسه ثم رجع.
وقال لم يقبض، لم تسمع دعواه، ولم يحلف المرتهن لانه يكذب نفسه.
وقال أبو على بن خيران وعامة أصحابنا يحلف المرتهن بكل حال وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ ﵁ أما مع غيبة الرهن فلما ذكر الشيخ أبو إسحاق مع
[ ١٣ / ٢٦٠ ]
حضوره فلانه قد يستنيب غيره بالاقباض، فيخبره بأن المرتهن قد قبض، ثم يبين له أنه خان في إخباره، وأيضا فإنه قد يعده بالاقباض مقر له به قبل فعله، فكانت دعواه محتملة.
قالوا: وهكذا لو أن رجلا أقر بأنه أقبض من رجل ألفا ثم قال بعد ذلك: لم أقبضها، وإنما وعدني أن يقرضنى فأقررت به ثم لم يفعل استحلف المقرض، لانه لا يكذب نفسه، فأما إذا شهد شاهدان بأنه رهنه عبده وأقبضه ثم ادعى أنه لم يقبضه، وطلب يمين المرتهن لم تسمع دعواه، ولم يحلف
المقر له، لان في ذلك قدحا في البينة اه.
قال المصنف ﵀:
(فصل)
وإن كان لرجل عبد، وعليه ألفان لرجلين لكل واحد منهما ألف فادعى كل واحد منهما أنه رهن العبد عنده بدينه، والعبد في يد الراهن أو في يد العدل نظرت، فإن كذبهما فالقول قوله مع يمينه، لان الاصل عدم الرهن، وإن صدقهما وادعى الجهل بالسابق منهما فالقول قوله مع يمينه، فإذا حلف فسخ الرهن على المنصوص، لانه ليس أحدهما بأولى من الآخر فبطل، كما لو زوج امرأة وليان من رجلين، وجهل السابق منهما، ومن أصحابنا من قال: يجعل بينهما نصفين، لانه يجوز أن يكون مرهونا عندهما بخلاف الزوجة، وإن صدق أحدهما وكذب الآخر أو صدقهما وعين السابق منهما، فالرهن للمصدق، وهل يحلف للآخر؟ فيه قولان.
(أحدهما)
يحلف
(والثانى)
لا يحلف بناء على القولين فيمن أقر بدار لزيد.
ثم أقر بها لعمرو، فهل يغرم لعمرو شيئا أم لا؟ فيه قولان.
فان قلنا لا يغرم لم يحلف، لانه إن نكل لم يغرم فلا فائدة في عرض اليمين، وان قلنا يغرم حلف لانه ربما نكل فيغرم للثاني قيمته، فان قلنا لا يحلف فلا كلام.
وان قلنا يحلف نظرت، فان حلف انصرف الآخر، وإن نكل عرضت اليمين على الثاني، فان نكل انصرف، وإن حلف بنينا على القولين في يمين المدعى مع نكول المدعى عليه.
فان قلنا انها كالبينة نزع العبد وسلم إلى الثاني.
وان قلنا انه كالاقرار، ففيه ثلاثة أوجه.
[ ١٣ / ٢٦١ ]
أحدها: أنه ينفسخ لانه أقر لهما وجهل السابق منهما.
والثانى: يجعل بينهما لانهما استويا، ويجوز أن يكون مرهونا عندهما فجعل
بينهما.
والثالث: يقر الرهن في يد المصدق ويغرم للآخر قيمته، ليكون رهنا عنده، لانه جعل كأنه أقر بأنه حال بينه وبين الرهن فلزمه ضمانه، وان كان العبد في يد أحد المرتهنين نظرت، فان كان في يد المقر له أقر في يده، لانه اجتمع له اليد والاقرار؟ وهل يحلف للثاني؟ على القولين، فان كان في يد الذى لم يقر له فقد حصل لاحدهما اليد وللآخر الاقرار، وفيه قولان.
(أحدهما)
يقدم الاقرار لانه يخبر عن أمر باطن.
(والثانى)
يقدم اليد وهو قول المزني، لان الظاهر معه، والاول أظهر، لان اليد انما تدل على الملك لا على العقد، وان كان في يدهما فللمقر له الاقرار.
واليد على النصف.
وفى النصف الآخر له الاقرار.
وللآخر يد، وفيه قولان.
أحدهما: يقدم الاقرار فيصير الجميع رهنا عند المقر له.
والثانى يقدم اليد فيكون الرهن بينهما نصفين.
(الشرح) الاحكام: إذا باعه شيئا بشرط أن يرهنه عصيرا فرهنه العصير.
وقبض المرتهن فوجد خمرا.
فقال المرتهن: أقبضتنيه خمرا فلى الخيار في فسخ البيع.
وقال الراهن: بل صار خمرا بعد أن أخذته في يدك فلا خيار لك: ففيه قولان.
أحدهما: أن القول قول المرتهن مع يمينه.
وهو قول أبى حنيفة والمزنى لان الراهن يدعى قبضا صحيحا والاصل عدمه.
والثانى: أن القول قول الراهن وهو الصحيح لانهما قد اتفقا على العقد والتسليم.
واختلفا في تغير صفته.
والاصل عدم التغيير.
وبقاء صفته كما لو باعه شيئا وقبضه فوجد به عيب في يد المشترى يمكن حدوثه بيده.
فان القول قول البائع.
وان قال المرتهن: رهنتنيه وهو خمر.
وقال الراهن: رهنتكه وهو عصير.
وقبضته عصيرا.
وانما صار خمرا في يدك.
فاختلف أصحابنا فيه.
فقال أبو على بن أبى هريرة: القول قول المرتهن قولا واحدا.
لانه ينكر أصل العقد.
وقال عامة أصحابنا هي على قولين
كالتى قبلها وهو المنصوص في مختصر المزني وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[ ١٣ / ٢٦٢ ]
قال المصنف ﵀.
(فصل)
وإن رهن عبدا وأقبضه ثم أقر أنه جنى قبل الرهن على رجل وصدقه المقر له، وأنكر المرتهن ففيه قولان
(أحدهما)
أن القول قول المرتهن وهو اختيار المزني لانه عقد إذا تم منع البيع فمنع الاقرار كالبيع
(والثانى)
أن القول قول الراهن، لانه أقر في ملكه بما لا يجر نفعا إلى نفسه فقبل إقراره كما لو لم يكن مرهونا، ويخالف هذا إذا باعه لان هناك زال ملكه عن العبد فلم يقبل اقراره عليه وهذا باق على ملكه فقبل اقراره عليه، فان قلنا ان القول قول الراهن فهل يحلف؟ فيه قولان
(أحدهما)
لا يحلف لان اليمين انما يعرض ليخاف فيرجع إن كان كاذبا والراهن لو رجع لم يقبل رجوعه، فلا معنى لعرض اليمين، ولانه أقر في ملكه لغيره فلم يحلف عليه كالمريض إذا أقر بدين
(والثانى)
يحلف لانه يحتمل أن يكون كاذبا بأن واطأ المقر له ليسقط بالاقرار حق المرتهن فحلف فإذا ثبت أنه رهنه وهو جان ففى رهن الجاني قولان
(أحدهما)
أنه باطل
(والثانى)
أنه صحيح، وقد بينا ذلك في أول الرهن، فإن قلنا انه باطل وجب بيعه في أرش الجناية، فإن استغرق الارش قيمته بيع الجميع، وإن لم يستغرق بيع منه بقدر الارش.
وفى الباقي وجهان
(أحدهما)
أنه مرهون لانه إنما حكم ببطلانه لحق المجني عليه، وقد زال.
(والثانى)
أنه لا يكون مرهونا لانا حكمنا ببطلان الرهن من أصله فلا يصير مرهونا من غير عقد، وإن قلنا إنه صحيح فإن استغرق الارش قيمته بيع الجميع وان لم يستغرق بيع منه بقدر الارش ويكون الباقي مرهونا، فإن اختار السيد أن يفديه على هذا القول فبكم يفديه؟ فيه قولان
(أحدهما)
يفديه بأقل الامرين
من قيمته أو أرش الجناية
(والثانى)
يفديه بأرش الجناية بالغا ما بلغ أو يسلم المبيع فان قلنا إن القول قول المرتهن لم يقبل قوله من غير يمين، لانه لو رجع قبل رجوعه فحلف فإذا ثبت أنه غير جان فهل يغرم الراهن أرش الجناية؟ ففيه قولان بناء على القولين فيمن أقر بدار لزيد ثم أقر بها لعمرو.
أحدهما يغرم لانه منع بالرهن حق المجني عليه.
والثانى لا يغرم لانه إن كان كاذبا فلا حق عليه،
[ ١٣ / ٢٦٣ ]
وإن كان صادقا وجب تسليم العبد، فإن قلنا انه لا يغرم فرجع إليه تعلق الارش برقبته كما لو أقر على رجل أنه أعتق عبده ثم ملك العبد فإنه يتق عليه.
وان قلنا يغرم فكم يغرم؟ فِيهِ طَرِيقَانِ.
مِنْ أَصْحَابِنَا مِنْ قَالَ فِيهِ قولان كالقسم قبله.
ومنهم من قال يغرم أقل الامرين قولا واحدا، لان القول الثاني انما يجئ في الموضع الذى يمكن بيعه فيمتنع.
وههنا لا يمكن بيعه فصار كجناية أم الولد، وان نكل المرتهن عن اليمين فعل من ترد اليمين؟ فيه طريقان
(أحدهما)
ترد على الراهن وان نكل، فهل ترد على المجني عليه.
فيه قولان كما قلنا في غرماء الميت.
ومن أصحابنا من قال نرد اليمين على المجني عليه أولا، فإن نكل فهل ترد على الراهن.
على قولين لان المجني عليه يثبت الحق لنفسه وغرماء الميت يثبتون الحق للميت.
(الشرح) الاحكام: في هذا الفصل وان كان المثل فيها بالعبد، وكان المثل لا يقتضيه ولا يسوغه عصرنا، لما قام عليه الاجماع البشرى من تحرير الرقاب الآدمية، وكان هذا من مقاصد الشريعة السمحة، وأهدافها وغاياتها، على ما سنبينه ان شاء الله تعالى في أبواب العتق، فإنه يمكن أن ينطبق الحكم على نحو شئ آخر يمتلك ويرتهن ويقع عليه الخلاف احتمالا، فنقول وبالله التوفيق: إذا كان لرجلين على رجل مائتا دينار، ولكل واحد منهما مائة وله سيارة،
فادعى عليه كل واحد منهما أنه رهن عنده السيارة وأقبضه اياها ولا بينة لهما، فان كذبهما حلف لكل واحد منهما يمينا، لان الاصل عدم الرهن، سواء كانت السيارة في أيديهما أو في يده لان اليد لا ترجح بها في العقد، وان صدق أحدهما وكذب الآخر حكم بالرهن للمصدق، وسواء كانت السيارة في يد المصدق أو المكذب، وهل يحلف الراهن للمكذب، فيه قولان بناء على من أقر بدار لزيد ثم أقر بها لعمرو، هل يغرم لعمرو قيمتها.
فيه قولان، فان قلنا يغرم حلف ها هنا لجواز أن يخلف اليمين فيقر للمكذب فيثبت له القيمة.
فان قلنا لا يغرم لم يحلف، لانه لو أقر له بعد الاقرار الاول لم يحكم له بشئ فلا فائدة في تحليفه، وان أقر لهما بالرهن والتسليم فادعى كل واحد منهما أنه هو
[ ١٣ / ٢٦٤ ]
السابق بالرهن والتسليم رجع إلى الراهن.
فإن قال لا أعلم السابق منكما بذلك فان صدقاه أنه لا يعلم ولا بينة لهما ففيه وجهان
(أحدهما)
وهو المنصوص أن الرهن ينفسخ لانهما قد استويا في ذلك، والبيان من جهته قد تعذر، فحكم بانفساخ العقدين كما تقول في المرأة إذا زوجها وليان لها من رجلين، وتعذر معرفة السابق منهما، والثانى يقسم بينهما لانه يمكن قسمته بينهما، ويمكن أن يكون رهن عند كل واحد منهما نصفه.
وإن كذباه وقال بل نعلم السابق من العقدين والتسليم فيه فالقول قول الراهن مع يمينه لان الاصل عدم العلم، قال الشيخ أبو حامد: فيحلف لكل منهما يمينا أنه لا يعلم أنه السابق، فإذا أحلف لهما كانت على وجهين سبق ذكرهما، حيث قلنا: المنصوص أنه ينفسخ العقدان.
والوجه الثاني يقسم بينهما وإن نكل عن اليمين - أي خاف منها وامتنع من أدائها - عرضنا اليمين عليهما فان حلف كل واحد منهما أن الراهن يعلم أنه السابق.
قال ابن الصباغ: كانت على
الوجهين الاولين.
المنصوص أن الرهنين ينفسخان.
والثانى يقسم بينهما.
وان حلف أحدهما ونكل الآخر حكم بالرهن للحالف دون الآخر وإن اعترف الراهن أنه يعلم السابق منهما، وقال هذا هو السابق - لم يخل اما أن يكون الرهن في يد الراهن أو في يد أجنبي، أو في يد المقر له بالسبق حكم بالرهن للمقر له لانه اجتمع له اليد والاقرار، وهل يحلف الراهن للآخر.
فيه قولان.
وحكاهما الشيخ ابو حامد وجهين، المنصوص أنه لا يحلف له لانه ربما خاف من اليمين وأقر للثاني لم ينزع الرهن، فنؤخذ منه القيمة فيكون رهنا مكانه.
فإذا قلنا لا يمين عليه فلا كلام، وان قلنا عليه اليمين نظرت، فان حلف للثاني انصرف، وان أقر للثاني أنه رهنه أولا وأقبضه وخاف من اليمين رفضنا هذا الاقرار في حق المقر له أولا بانتزاع الرهن منه، ولكن يؤخذ من المقر قيمة الرهن وتجعل رهنا عند المقر له الثاني، لانه حال بينه وبينه باقراره المتقدم قال في البيان: وان نكل عن اليمين ردت على الثاني، وان لم يحلف قلنا له اذهب فلا حق لك، وان حلف، فان قلنا ان يمين المدعى مع نكول المدعى عليه كالبينة انتزع الرهن من الاول وسلم إلى الثاني
[ ١٣ / ٢٦٥ ]
قال الشيخ أبو حامد وابن الصباغ: إلا أن أصحابنا لم يفرعوا على هذا القول وهذا يدل على ضعفه قال العمرانى: وإن قلنا إن يمين المدعى مع نكول المدعى على كالاقرار، فذهب أبو إسحاق في المهذب في هذا ثلاثة أوجه (أحدها) ولم يذكر في التعليق والشامل غيره، أن الرهن لا ينزع من يد الاول، ويلزم المقر أن يدفع قيمته إلى المقر له الثاني ليكون رهنا عنده لانه حال بينه وبينه باقراره الاول.
(والثانى)
يجعل بينهما لانهما استويا في الاقرار، ويجوز أن يكون مرهونا عنده منها (والثالث) ينفسخ الرهنان لانه أقر لهما، وجهل السابق منهما، وان كان الرهن في يد الذى لم يقر له، فقد حصل لاحدهما الاقرار وللآخر اليد، وفيه قولان
(أحدهما)
أن صاحب اليد أولى، فيكون القول قوله مع يمينه أنه السابق كما لو قال " بعت هذا العبد من أحدهما " وكان في يد أحدهما فالقول قوله مع يمينه
(والثانى)
أن القول قول الراهن أن الآخر هو السابق، لانه إذا اعترف أن السابق هو الآخر فهو يقر أنه لم يرهن من بيده شيئا، ومن بيده يدعى ذلك، كما لو ادعى عليه أنه رهنه فإذا قلنا بهذا فهل يحلف الراهن لمن بيده؟ على القولين فيمن أقر لزيد بدار ثم أقر بها لعمرو على ما سبق، وان كان الرهن في يد المرتهنين فقد اجتمع لاحدهما اليد والاقرار في النصف، فيكون أحق به، وهل يحلف للآخر عليه، على القولين وأما النصف الذى في يد الآخر فهل اليد أقوى أم الاقرار، على القولين الاولين، فان قلنا ان اليد أقوى حلف من هو بيده عليه وكان رهنا بينهما، وهل يحلف لمن يقر له على النصف الذى بيد المقر له، على القولين فان قلنا الاقرار أولى انتزع الرهن فجعل رهنا للمقر له.
وهل يحلف للآخر على جميعه، على القولين فيمن أقر بدار لزيد، ثم أقر بها لعمرو، والمنصوص أنه لا يحلف.
[ ١٣ / ٢٦٦ ]
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
وإن أعتق الراهن العبد المرهون ثم اختلفا فقال الراهن أعتقته باذنك، وأنكر المرتهن الاذن فالقول قوله لان الاصل عدم الاذن، فإن نكل
عن اليمين حلف الراهن وان نكل الراهن فهل ترد على العبد؟ فيه طريقان.
(احدهما) أنه على قولين بناء على رد اليمين على غرماء الميت.
قال في الجديد لا ترد، لانه غير المتراهنين فلا ترد عليه اليمين، وقال في القديم: ترد لانه يثبت لنفسه حقا باليمين، ومن أصحابنا من قال: ترد اليمين على العبد قولا واحدا لان العبد يثبت باليمين حقا لنفسه وهو العتق خلاف غرماء الميت.
(فصل)
وإن كان المرهون جارية فادعى الراهن أنه وطئها بإذن المرتهن، فأتت بولد لمدة الحمل وصدقه المرتهن، ثبت نسب الولد وصارت الجارية أم ولد وان اختلفا في الاذن أو في الولد أو في مدة الحمل فأنكر المرتهن شيئا من ذلك فالقول قوله، لان الاصل في هذه الاشياء العدم.
(فصل)
فان كان عليه ألف برهن وألف بغير رهن فدفع إليه ألفا ثم اختلفا نظرت، فان اختلفا في اللفظ فادعى المرتهن أنه قال هي عن الالف التى لا رهن بها.
وقال الراهن بل قلت هي عن الالف التى بها الرهن، فالقول قول الراهن لانه منه ينتقل إلى المرتهن.
فكان القول قوله في صفة النقل.
وان اختلفا في النية فقال الراهن نويت أنها عن الالف التى بها الرهن.
وقال المرتهن بل نويت أنها عن الالف التى لا رهن بها فالقول قول الراهن لما ذكرناه في اللفظ، ولانه أعرف بنيته، وإن دفع إليه الالف من غير لفظ ولا نية ففيه وجهان.
قال أبو إسحاق يصرفه إلى ما شاء منهما، كما لو طلق إحدى المرأتين.
وقال أبو على بن أبى هريرة يجعل بينهما نصفين لانهما استويا في الوجوب فصرف القضاء اليهما.
(فصل)
وإن أبرأ المرتهن الراهن عن الالف ثم اختلفا نظرت.
فان اختلفا في اللفظ فادعى الراهن أنه قال أبرأتك عن الالف التى بها الرهن.
وقال المرتهن بل قلت أبرأتك من الالف التى لا رهن بها فالقول قول المرتهن، لانه هو الذى يبرئ، فكان القول في صفة الابراء قوله، فان اختلفا في النية فقال الراهن:
[ ١٣ / ٢٦٧ ]
نويت الابراء عن الالف التى بها الرهن، وقال المرتهن نويت الابراء عن الالف التى لا رهن بها، فالقول قول المرتهن، لما ذكرناه في اللفظ، ولانه أعرف بنيته فإن أطلق صرفه إلى ما شاء منهما في قول أبى إسحاق، وجعل بينهما في قول أبى على بن أبى هريرة.
(فصل)
وان ادعى المرتهن هلاك الرهن فالقول قوله مع يمينه، لانه أمين، فكان القول قوله في الهلاك كالمودع، وإن ادعى الرد لم يقبل قوله، لانه قبض العين لمنفعة نفسه فلم يقبل قوله في الرد كالمستأجر.
(فصل)
وان كان الرهن على يد عدل قد وكل في بيعه فاختلفا في النقد الذى يبيع به باعه بِنَقْدِ الْبَلَدِ، فَإِنْ كَانَ فِي الْبَلَدِ نَقْدَانِ متساويان باع بما هو أنفع للراهن لانه ينفع الراهن ولا يضر المرتهن، فوجب به البيع، فإن كانا في النفع واحدا فان كان أحدهما من جنس الدين باع به، لانه أقرب إلى المقصود، وهو قضاء الدين، فان لم يكن واحد منهما من جنس الدين باع بأيهما شاء، لانه لا مزية لاحدهما على الآخر ثم يصرف الثمن في جنس الدين.
(الشرح) الاحكام: أظهر ما يدخل في هذا الفصل أنه إذا كاتب عبدا ثم أقر أنه كان جنى قبل ذلك لم يقبل إقراره بذلك لان المكاتب بمنزلة من زال ملكه عنه لان أرش الجناية لا يرجع عليه، وان كاتبه ثم أقر أنه أعتقه أو باعه قبل ذلك.
قال الشيخ أبو حامد: عتق في الحال وسقط المال عنه لان اقراره بذلك ابراء منه له من مال الكتابة وكلام المصنف في سائر الفصل ظاهر.
والفصول الاخرى بعضها ظاهر المعنى، والآخر مر في الباب أحكامه وتفصيله فلا حاجة بنا للاطالة في اعادته وبالله التوفيق.
[ ١٣ / ٢٦٨ ]
قال المصنف رحمه الله تعالى: