إذا أعسر الزوج بنفقة المعسر فلها أن تفسخ النكاح.
لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ في الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته قال: يفرق بينهما " ولانه إذا ثبت لها الفسخ بالعجز عن الوطئ - والضرر فيه أقل - فلان يثبت بالعجز عن النفقة والضرر فيه أكثر أولى.
وإن أعسر ببعض
نفقة المعسر ثبت لها الخيار، لان البدن لا يقوم بما دون المد، وإن أعسر بما زاد على نفقة المعسر لم يثبت لها الفسخ، لان ما زاد غير مستحق مع الاعسار.
وإن أعسر بالادم لم يثبت لها الفسخ، لان البدن يقوم بالطعام من غير أدم.
وإن أعسر بالكسوة ثبت لها الفسخ، لان البدن لا يقوم بغير الكسوة، كما لا يقوم بغير القوت.
وإن أعسر بنفقة الخادم لم يثبت لها الفسخ لان النفس تقوم بغير خادم.
وان أعسر بالمسكن ففيه وجهان
(أحدهما)
يثبت لها الفسخ لانه يلحقها الضرر لعدم المسكن
(والثانى)
لا يثبت لانها لاتعدم موضعا تسكن فيه
(فصل)
وان لم يجد الا نفقة يوم بيوم لم يثبت لها الفسخ، لانه لا يلزمه في كل يوم أكثر من نفقة يوم، وان وجد في أول النهار ما يغديها وفي آخره ما يعشيها ففيه وجهان
(أحدهما)
لها الفسخ لان نفقة اليوم لاتتبعض.
(والثانى)
ليس لها الفسخ لانها تصل إلى كفايتها وان كان يجد يوما قدر الكفاية ولا يجد يوما ثبت لها الفسخ لانه لا يحصل لها في كل يوم إلا بعض النفقة.
وان كان نساجا ينسج في كل أسبوع ثوبا تكفيه أجرته الاسبوع، أو صانعا يعمل في كل ثلاثة أيام تكة يكفيه ثمنها ثلاثة أيام لم يثبت لها الفسخ لانه يقدر أن يستقرض لهذ المدة ما ينفقه فلا تنقطع به النفقة.
وإن كانت نفقته في عمل فعجز عن العمل بمرض نظرت.
فإن كان مريضا يرجى زواله في اليومين والثلاثة
[ ١٨ / ٢٦٧ ]
لم يثبت لها الفسخ، لانه يمكنها أن تستقرض ما نفقته ثم تقضيه.
وإن كان مريضا مما يطول زمانه ثبت لها الفسخ لانه يلحقها الضرر لعدم النفقة، وإن كان له مال غائب - فإن كان في مسافة لا تقصر فيها الصلاة لم يجز لها الفسخ.
وإن كان في
مساقة تقصر فيها الصلاة ثبت لها الفسخ لما ذكرناه في المرض، وإن كان له دين على موسر لم يثبت لها الفسخ.
وإن كان على معسر ثبت لها الفسخ، لان يسار الغريم كيساره، وإعساره كإعساره في تيسير النفقة وتعسيرها (الشرح) حديث أبى هريرة أخرجه الدارقطني والبيهقي في السنن الكبرى من طريق عاصم القارى عن أبى صالح عن أبى هريرة وأعله أبو حاتم، ولكن للحديث شواهد عن سعيد بن المسيب عند سعيد بن منصور والشافعي وعبد الرزاق في الرجل لا يجد ما ينفق على أهله قال " يفرق بينهما " قال أبو الزناد: قلت لسعيد سنة؟ قال سنة.
وهذا مرسل قوى وعن عمر بن عند عبد الرزاق والمنذري والشافعي " أنه كتب إلى أمراء الاجناد في رجال غابوا عن نسائهم إما أن ينفقوا وإما أن يطلقوا ويبعثوا نفقة ما حبسوا " وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ " خير الصدقة ماكان من ظهر غنى واليد العليا خير من اليد السلفي وابدأ بمن تعول.
فقيل من أعول يارسول الله؟ قال امرأتك ممن تعول، تقول أطعمني وإلا فارقني، جاريتك تقول أطعمني واستعملني، ولدك يقول إلى من تتركني؟ " ورواه أحمد والدارقطني بإسناد صحيح وأخرجه الشيخان في الصحيحين وأحمد من طريق آخر، وجعلوا الزيادة المفسرة فيه من قول أبى هريرة.
وقد حسن إسناده الحافظ بن حجر مع كونه من رواية عاصم عن أبى صالح، وفي حفظ عاصم مقال والحديث الذي أخرجه البخاري عن أبى هريرة لفظه قَالَ " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أفضل الصدقة ما كان عن ظهر غنى واليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول.
تقول المرأة: اما أن تطعمني واما أن تطلقني، ويقول العبد أطعمني واستعملني.
ويقول الابن أطعمني والى من تدعني؟ قالو أبا هريرة سَمِعَتْ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ لا، هذا من كيس أبى هريرة "
[ ١٨ / ٢٦٨ ]
أما الاحكام: فإنه إذا كان الزوج موسرا فصار معسرا فإنه ينفق على زوجته نفقة المعسر، ولا يثبت لها الخيار في فسخ النكاح، لان بدنهايقوم بنفقة المعسر وان أعسر بنفقة المعسر كانت بالخيار بين أن تصبر وبين أن تفسخ النكاح، وبه قال عمر وعلي وأبو هريرة وابن المسيب والحسن البصري وحماد بن أبى سلمة وربيعة ومالك وأحمد وقال عطاء والزهرى والثوري وأبو حنيفة وأصحابه: لا يثبت لها الفسخ، بل يرفع يده عنها لتكتسب.
وحكاه المسعودي قولا آخر لنا.
وليس بمشهور.
دليلنا قوله تعالى الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان " فخير الله الزوج بين الامساك بالمعروف، وهو أن يمسكها وينفق عليها، وبين التسريح بإحسان.
فإذا تعذر عليه الامساك بمعروف تعين عليه التسريح وروى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال " إذا أعسر الرجل بنفقة امرأته يفرق بينهما " ولانه روى ذلك عن عمر وعلي وأبى هريره ولا مخالف لهم في الصحابة الا ما رواه صاحب الفتح عن الكوفيين من أنه يلزم المرأة الصبر وتتعلق النفقة بذمة الزوج.
وحكاه في البحر من كتب العترة عن عطاء والزهرى والثوري والقاسمية.
وقالوا عن الاحاديث انها معتلة وأما ما ورد في الصحيحين من حديث أبى هريره فقالوا هو من قول أبى هريره كما وقع التصريح به منه حيث قال " انه من كيسه " أي من استنباطة من المرفوع وقد وقع في رواية الاصيلى بفتح الكاف أي من فطنته ونجيب عن ذلك بأن الاحاديث المذكورة يقوي بعضها بعضا مع أنه لم يكن فيها قدح يوجب الضعف فضلا عن السقوط.
والآية " لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا الا وسعها ما آتاها " وكذا
قولهم " وإذا أعسر ولم يجد سببا يمكنه به تحصيل النفقة فلا تكليف عليه بدلالة الآية فيجاب عنه بأنا لم نكلفه النفقه حال اعساره، بل دفعنا الضرر عن امرأته وخلصناها من حباله لتكتسب لنفسها أو يتزوجها رجل آخر.
واحتجوا بما في صحيح مسلم من حديث جابر " أنه دخل أبو بكر وعمر على النبي ﷺ فوجداه حوله نساؤه واجما ساكنا وهن يسألنه النفقه،
[ ١٨ / ٢٦٩ ]
فقام كل منهما إلى ابنته أبو بكر إلى عائشة وعمر إلى حفصة فوجا أعناقهما فاعتزلهن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ ذلك شهرا " فضربهما لابنتيهما في حضرته ﷺ لاجل مطالبتهما بالنفقة التي لا يجدها يدل على عدم التفرقة لمجرد الاعسار عنها.
قالوا ولم يزل الصحابة فيهم الموسر والمعسر ومعسورهم أكثر ويجاب عن هذا بأن زجرهما عن المطالبة بما ليس عِنْدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يدل على عدم جواز الفسخ لاجل الاعسار، ولم يرو أنهن طلبنه ولم يجبن إليه، كيف؟ وقد خيرهن ﷺ بعد ذلك فاخترنه.
ومحل النزاع هل يجوز الفسخ عند الاعسار أم لا؟ وقد أجيب عن هذا الحديث بأن أزواجه ﷺ لم يعد من النفقة بالكلية، لانه ﷺ قد استعاذ من الفقر المدقع، ولعل ذلك إنما كان فيما زاد على قوام البدن.
قال الشوكاني في نيل الاوطار: وظاهر الادلة؟ أنه يثبت الفسخ للمرأة بمجرد عدم وجدان الزوج لنفقتها بحيث يحصل عليها ضرر من ذلك.
أه إذا ثبت هذا فإن كان لا يجد إلى نفقة يوم بيوم لم يثبت لها الخيار في الفسخ لانه قادر على الواجب عليه، وإن كان لا يجد في أول النهار إلا ما يغديها ووجد في آخره ما يعشيها فهل يثبت لها الفسخ؟ فيه وجهان حكاهما المصنف
(أحدهما)
يثبت لها الفسخ لان نفقة اليوم لاتتبعض
(والثانى)
لا يثبت لها الفسخ لانها تصل إلى كفايتها.
وإن كان يجد نفقة يوم ولا يجد نفقة يوم ثبت لها الفسخ لانها لايمكتها الصبر على ذلك.
فهو كما لم يجد كل يوم الانصف مد (فرع)
وإن كان نساجا ينسج في كل أسبوع ثوبا تكفيه أجرته الاسبوع لم يثبت لها الفسخ، لانه يستطيع أن يستقرض لهذه الايام ما تقضتيه لنفقتها فلا تنقطع به النفقة عليها، لان الاجر إذا كان يكفيه وحده بدونها فإنه يستطيع أن يقترض كما قررنا فلا يثبت لها الفسخ وان كانت نفقته بالعمل فعجز عنه بمرض - فإن كان مرضا يرجى زواله بالومين والثلاثة لم يثبت لها الفسخ لانه لم يلحقها الضرر.
وإن كان له مال غائب - فإن كان على مسافة لا تقصر فيها الصلاة - لم يجز لها الفسخ ولا ثبت لها
[ ١٨ / ٢٧٠ ]
الفسخ لما ذكرناه في المرض وان كان له دين على ملئ لم يثبت لها الفسخ كما قلنا في الزكاة إذا كان بعض النصاب دين على ملئ وجب على الدائن الزكاة فيه، لان يسار الغريم كيساره، واعساره كإعساره في تيسير النفقة واعسارها (فرع)
وان علمت المرأة بإعسار الرجل بالنفقة فتزوجته ثبت لها الفسخ.
لانه قد يكتسب بعد العقد أو يقترض أو يتهب، فلما جاز أن يعتبر حاله لم يلزمها حكم علمها به، وان تزوجته مع علمها به بإعساره بالمهر فهل يثبت لها الفسخ؟ فيه وجهان
(أحدهما)
يثبت لها الفسخ كالنفقة
(والثانى)
لا يثبت لها الفسخ لانها رضيت بتأخيره لانه معسر به بخلاف النفقة فإنها تجب بعد العقد.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
وان كان الزوج موسرا وامتنع من الانفاق لم يثبت لها الفسخ لانه يمكن الاستيفاء بالحاكم.
وان غاب وانقطع خبره لم يثبت لها الفسخ، لان
الفسخ يثبت بالعيب بالاعسار، ولم يثبت الاعسار.
ومن أصحابنا من ذكر فيه وجها آخر أنه يثبت لها بالفسخ لان تعذر النفقة بانقطاع خبره كتعذرها بالاعسار
(فصل)
إذا ثبت لها الفسخ بالاعسار واختارت المقام معه ثبت لها في ذمته ما يجب على المعسر من الطعام والادم والكسوة ونفقة الخادم، فإذا أيسر طولب بها لانها حقوق واجبة عجز عن أدائها، فإذا قدر طولب بها كسائر الديون، ولا يثبت لها في الذمة ما لا يجب على المعسر من الزيادة على نفقة المعسر لانه غير مستحق.
(فصل)
وان اختارت المقام بعد الاعسار لم يلزمها التمكين من الاستمتاع ولها أن تخرج من منزله، لان التمكين في مقابلة النفقة، فلا يجب مع عدمها.
وان اختارت المقام معه على الاعسار ثم عن لها أن تنفسخ فلها أن تنفسخ، لان النفقة يتجدد وجوبها في كل يوم فتجدد حق الفسخ.
وان تزوجت بفقير مع العلم بحاله ثم أعسر بالنفقة فلها أن تنفسخ، لان حق الفسخ يتجدد بالاعسار بتجدد النفقة.
(فصل)
وان اختارت الفسخ لم يجز الفسخ الا بالحاكم لانه فسخ مختلف
[ ١٨ / ٢٧١ ]
فيه فلم يصح بغير الحاكم كالفسخ بالنعنين، وفي وقت الفسخ قولان، أحدهما أن لها الفسخ في الحال، لانه فسخ لتعذر العوض فثبت في الحال كفسخ البيع بإفلاس المشتري بالثمن.
الثاني أنه يمهل ثلاثة أيام لانه قد لا يقدر في اليوم ويقدر في غد ولا يمكن إمهاله أبدا لانه يؤدى إلى الاضرار بالمرأة والثلاث في حد القلة فوجب إمهاله.
وعلى هذا لها أن تخرج في هذه الايام من منزل الزوج، لانها لا يلزمها التمكين من غير نفقة.
(الشرح) الاحكام: إذا كان الزوج موسرا حاضرا، فطالبته بنفقتها فمنعها
إياها لم يثبت لها الفسخ، لانه يمكنها التوصل إلى استيفاء حقها بالحكم.
وفيه وجه آخر حكاه المسعودي أنه يثبت لها الفسخ، لان الضرر يلحقها بمنعه النفقة فهو كالمعسر، وليس بشئ لان العسرة عيب وإن غاب عنها الزوج وانقطع خبره ولا مال له ينفق عليها منه فهل يثبت لها الفسخ؟ فيه وجهان
(أحدهما)
يثبت كتعذرها بالاعسار
(والثانى)
وهو قول الشيخ أبى حامد أنه لا يثبت لها الفسخ، لان الفسخ إنما يثبت بالاعسار بالنفقة ولم يثبت إعساره (فرع)
إذا ثبت اعسار الزوج وخيرت بين ثلاثة أشياء: بين أن تفسخ النكاح وبين أن تقيم معه وتمكنه من الاستمتاع بها ويثبت لها في ذمته ما يجب على المعسر من النفقة والادم والكسوة ونفقة الخادم إلى أن يوسر، وبين أن يقيم على النكاح ولكن لا يلزمها أن تمكنه من نفسها، بل تخرج من منزله، لان التمكين انما يجب عليها ببذل النفقة، ولا نفقة هناك، ولا تستحق في ذمته نفقة في وقت انفرادها عنه، لان النفقة انما تجب في مقابلة التمكين من الاستمتاء ولا تمكين منها له.
فإن اختارت المقام معه ثم عن لها أن تفسخ النكاح كان لها ذلك، لان وجوب النفقة لها يتجدد ساعة بساعة ويوما بيوم، فإذا عفت عن الفسخ وجوب نفقة وقتها ورضيت به تجدد لها الوجوب فيما بعد فثبت لها الفسخ بخالف الصداق إذا أعسر به فرضيت بالمقام معه، فإن خيارها يسقط لانه يجب دفعة واحدة ولا يتجدد وجوبه
[ ١٨ / ٢٧٢ ]
وإن اختارت الفسخ قال الطبري في العدة: قولان.
أحدهما قال: ولم يذكر الشيخ أبو حامد غيره: إنها لا تفسخ بنفسها، بل ترفع الامر إلى الحاكم حتى يأمره بالطلاق أو يطلق عليه - لانه موضع اجتهاد واختلاف - فكان إلى
الحاكم كالفسخ بالعنة، والثانى أنها تفسخ بنفسها كالمعتقة تحت عبد.
وهل يؤجل؟ فيه قولان
(أحدهما)
لا يؤجل لان الفسخ للاعسار وقد وجد الاعسار فثبت الفسخ في الحال كالعيب في الزوجين
(والثانى)
يؤجل ثلاثة أيام لان المكتسب قد ينقطع كسبه ثم يعود والثلاث في حد القلة فوجب إنظاره ثلاثا ولا يلزمها المقام معه في هذه الثلاث في منزله، لانه لا يلزمها التمكين من غير نفقة، فإذا قلنا بهذا فوجد في اليوم الثالث نفقتها وتعسرت عليه النفقة في اليوم الرابع فهل يجب أن يستأنف لها إمهال ثلاثة أيام؟ فيها وجهان
(أحدهما)
يجب لان العجز الاول ارتفع
(والثانى)
لا يجب لانها تستضر بذلك.
(فرع)
وإن كانت الزوجة صغيرة أو مجنونة فأعسر زوجها بالنفقة لم يكن لوليها أن يفسخ النكاح، لان ذلك يتعلق بشهوتها واختيارها، والولى لا ينوب عنها في ذلك، وان زوج الرجل أمته من رجل فأعسر الزوج بنفقتها.
فإن كانت الزوجة معتوهة أو مجنونة قال ابن الحداد فلا يثبت الفسخ للسيد، لان الخيار إليها وليست من أهل الخيار فلا ينوب عنها السيد في الفسخ كما لو عن الزوج عنها ويلزم السيد أن ينفق عليها ان كان موسرا بحكم الملك، وتكون نفقتها في ذمة زوجها إلى أن يوسر، فإذا أيسر قال القاضى أبو الطيب: فإنها تطالب زوجها بها فإذا قبضتها أخذها السيد منها لانها لا تملك المال، وحاجتها قد زالت بإنفاق السيد عليها، قال ابن الصباغ: وهذا فيه نظر، لان الامة إذا كانت لا تملك العين فكذلك الدين، فيجب أن يكون ما ثبت من الدين للسيد وله المطالبة به دونها.
[ ١٨ / ٢٧٣ ]
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
إذا وجد التمكين الموجب للنفقة ولم ينفق حتى مضت مدة صارت النفقة دينا في ذمته ولا تسقط بمضي الزمان، لانه مال يجب على سبيل البدل في عقد معاوضة فلا يسقط بمضي الزمان كالثمن والاجرة والمهر، ويصح ضمان ما استقر منها بمضي الزمان، كما يصح ضمان سائر الديون وهل يصح ضمانها قبل استقرارها بمضي الزمان؟ فيه قولان على القولين في النفقة هل تجب بالعقد أو بالتمكين؟ فيه قولان.
قال في الجديد تجب بالتمكين وهو الصحيح، لانها لو وجبت بالعقد لملكت المطالبة بالجميع كالمهر والاجرة.
وعلى هذا لا يصح ضمانها لانه ضمان ما لم يجب وقال في القديم: تجب بالعقد لانها في مقابلة الاستمتاع والاستمتاع يجب بالعقد فكذلك النفقة، وعلى هذا يضمن منها نفقة موصوفة لمدة معلومة
(فصل)
إذا اختلف الزوجان في قبض النفقة فادعى الزوج أنها قبضت وأنكرت الزوجة فالقول قولها مع يمنها لقوله ﵇ " اليمين على المدعى عليه " ولان الاصل عدم القبض.
وان مضت مدة لم ينفق فيها وادعت الزوجة أنه كان موسرا فيلزمه نفقة الموسر، وادعى الزوج أنه كان معسرا فلا يلزمه الا نفقة المعسر نظرت - فإن عرف لها مال - فالقول قولها - لان الاصل بقاؤه، وان لم يعرف له مال قبل ذلك القول قوله لان الاصل عدم المال.
وان اختلفا في التمكين فادعت المرأة أنها مكنت وأنكر الزوج فالقول قوله لان الاصل عدم التمكين وبراءة الذمة من النفقة، وان طلق زوجته طلقة رجعية وهي حامل فوضعت واتفقا على وقت الطلاق واختلفا في وقت الولادة
فقال الزوج طلقتك قبل الوضع فانقضت العدة فلا رجعة لى عليك ولا نفقة لك على.
وقالت المرأة بل طلقتني بعد الوضع فلك على الرجعة ولى عليك النفقة، فالقول قول الزوج أنه لا رجعة لى عليك، لانه حق له فقبل اقراره فيه.
والقول قول المرأة في وجوب العدة لانه حق عليها فكان القول قولها، والقول قولها مع يمينها في وجوب النفقة، لان الاصل بقاؤها.
والله أعلم
[ ١٨ / ٢٧٤ ]
(الشرح) الاحكام: نفقة الزوجة لا تسقط بمضي الزمان، فإذا مكنت المرأة الزوج من نفسها زمانا ولم ينفق عليها وجبت لها نفقة ذلك الزمان، سواء فرضها الحاكم أو لم يفرضها، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يسقط عنه إلا أن يفرضها الحاكم.
دليلنا أنه حق يجب مع اليسار والاعسار فلا يسقط بمضي الزمان كالدين.
وفيه احتراز من نفقة الاقارب - فإن أعسر الزوج بنفقة ما مضى - لم يثبت لها الفسخ، لان الفسخ جعل ليرجع إليها ما في مقابلة بالنفقة، والنفقة للزمان الماضي في مقابلة تمكين قد مضى.
فلو فسخت النكاح لاجلها لم يرجع إليها ما في مقابلتها، فهو كما لو أفلس المشترى والمبيع بألف، فإنه لا يثبت للبائع الرجوع إلى المبيع.
وإن أبرأت الزوج عنها صحت براءتها، لانه دين معلوم فصحت البراءة منه كسائر الديون.
(فرع)
إذا تزوج الرجل امرأة ومكنته من نفسها زمانا ثم اختلفا في النفقة فادعى الزوج أنه قد أنفق عليها، وقالت لم ينفق على ولا بينة للزوج فالقول قول الزوجة مع يمينها، سواء كان الزوج معها أو غائبا عنها، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَقَالَ مَالِكٌ إن كان الزوج غائبا عنها فالقول قولها، وإن كان حاضرا معها فالقول قول الزوج مع يمينه، لان الظاهر أنها لاتسلم نفسها إليه إلا بعد أن تتسلم النفقة وهكذا قال في الصداق
ودليلنا قوله ﷺ " البينه على المدعى واليمين على من أنكر " والزوجة تنكر القبض فكان القول قولها، ولانهما زوجان اختلفا في قبض النفقه فكان القول قولها، كما لو سلمت نفسها والزوج غائب وإن سلمت نفسها إليه زمانا ولم ينفق عليها فيه أو أنفق عليها فيه نفقة معسر وادعت أنه كان موسرا فيه، وادعى أنه كان معسرا ولا بينة لها على يساره ذلك الوقت فإن عرف لها مال قبل ذلك فالقول قولها مع يمينها، لان الاصل بقاء المال، وان لم يعرف له مال فالقول قوله مع يمينه لان الاصل عدم اليسار (فرع)
إن ادعت الزوجه أنها مكنت الزوج من نفسها وأنكر فالقول قوله مع يمينه، لان الاصل عدم التمكين وإن طلق امرأته طلقة رجعيه وولدت واتفقا على وقت الطلاق واختلفا في
[ ١٨ / ٢٧٥ ]
الولادة فقال الزوج ولدت بعد الطلاق فلا رجعة لى ولا نفقه لك، وقالت المرأة بل ولدت قبل الطلاق فلى العدة ولك الرجعة ولى عليك النفقة فلا رجعة للزوج لانه أقر بسقوط حقه منها وله أن يتزوج بأختها وبأربع سواها، وعلى الزوجه العدة لانها مقرة بوجوبها عليها، وتحلف المرأة أنها ولدت قبل أن يطلقها وتستحق النفقه لانهما اختلفا في وقت ولادتها وهي أعلم بها، ولانهما اختلفا في سقوط النفقه والاصل بقاؤها حتى يعلم سقوطها، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى
باب نفقة المعتدة إذا طلق امرأته بعد الدخول طلاقا رجعيا وجب لها السكنى والنفقه في العدة لان الزوجية باقيه التمكين من الاستمتاع موجود، فإن طلقها طلاقا بائنا وجب لها السكنى في العدة، حائلا كانت أو حاملا، لقوله ﷿ " أسكنوهن
من حيث سكنتم من وجدكم، ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن " وأما النفقه فإنها إن كانت حائلا لم تجب، وان كانت حاملا وجبت لقوله ﷿ " وان كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن " فأوجب النفقه مع الحمل، فدل على أنها لا تجب مع عدم الحمل، وهل تجب النفقه للحمل؟ أو للحامل بسبب الحمل؟ فيه قولان قال في القديم تجب للحمل لانها تجب بوجوده وتسقط بعدمه وقال في الام تجب للحامل بسبب الحمل وهو الصحيح - لانها لو وجبت للحمل لتقدرت بكفايته، وذلك يحصل بما دون المد فإن قلنا تجب للحمل لم تجب إلى على من تجب عليه نفقة الولد، فإن كانت الزوجه أمة والزوج حرا وجبت نفقتها على مولاها، لان الولد مملوك له، وان قلنا تجب النفقه للحامل وجبت على الزوج، لان نفقتها تجب عليه وان كان الزوج عبدا وقلنا ان النفقة للحامل وجبت عليه.
وان قلنا تجب للحمل لم تجب لان العبد لا يلزمه نفقة ولده
[ ١٨ / ٢٧٦ ]
(فصل)
إذا وجبت النفقة للحمل أو للحامل بسبب الحمل ففي وجوب الدفع قولان
(أحدهما)
لا يجب الدفع حتى تضع الحمل لجواز أن يكون ريحا فانفش، فلا يجب الدفع مع الشك
(والثانى)
يجب الدفع يوما بيوم، لان الظاهر وجود الحمل، ولانه جعل كالمتحقق في منع النكاح وفسخ البيع في الجارية المبيعة والمنع من الاخذ في الزكاة ووجوب الدفع في الدية فجعل كالمتحقق في دفع النفقه فإن دفع إليها ثم بان أنه لم يكن بها حمل - فإن قلنا تجب يوما بيوم - فله أن يرجع عليها لانه دفعها على أنها واجبه، وقد بان أنها لم تجب فثبت له الرجوع.
وان قلنا انها لا تجب الا باوضع، فإن دفعها بأمر الحاكم فله أن يرجع
لانه إذا أمره الحاكم لزمه الدفع فثبت له الرجوع، وان دفع من غيره أمره فإن شرط أن ذلك عن نفقتها ان كانت حاملا فله أن يرجع لانه دفع عما يجب وقد بان أنه لم يجب.
وان لم يشرط لم يرجع لان الظاهر أنه متبرع (الشرح) الاحكام: إذا طلق امرأته بعد الدخول طلاقا رجعيا فإنها تستحق على الزوج جميع ما تستحق الزوجة إلا القسم إلى أن تنقضي عدتها، وهو إجماع وإن كان الطلاق بائنا وجب لها السكنى حائلا كانت أو حاملا.
وأما النفقة فإن كانت حائلا لم يجب لها.
وان كانت حاملا وجبت.
وقال ابن عباس وجابر: لاسكنى للبائن وبه قال أحمد وإسحاق.
وقال أبو حنيفة تجب النفقة للبائن سواء كانت حاملا أو حائلا.
ودليلنا قوله تعالى " أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن، وان كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن، فأوجب السكنى للمطلقات بكل حال، وأوجب لهن النفقة بشرط ان كن أولات حمل.
فدل على أنهن إذا لم يكن أولات حمل لانفقة لهن.
وروى أن فاطمة بنت قيس طلقها زوجها ثلاثا وهو غائب بالشام فحمل إليها وكيله كفا من شعير فسخطته، فقال لها لانفقة لك إلا أن تكوني حاملا، إنما هو متطوع عليك، فأتت النبي ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ بِذَلِكَ فَقَالَ لها لانفقة لك الا أن تكوني حاملا، واعتدى عند أم شريك
[ ١٨ / ٢٧٧ ]
إذا ثبت هذا فهل تجب النفقة للحمل أو للحامل لاجل الحمل؟ فيه قولان.
(أحدهما)
أنها تجب للحمل لانها تجب عليه بوجوده ولا تجب عليها مع عدمه فدل على أنها تجب له.
(والثانى)
أنها تجب للحامل لاجل الحمل وهو الاصح، لانه تجب عليه نفقة
الزوجة مقدرة.
ولو وجبت للحمل لتقدرت بقدر كفايته كنفقة الاقارب.
والجنين يكتفي بدون المد.
وان تزوج الحر أمة فطلقها طلاقا بأئنا وهى حامل، فإن قلنا ان النفقة تجب للحمل لم تجب عليه النفقة لان ولده منها مملوك لسيدها، ونفقة المملوك على سيده، وان قلنا ان النفقة للحامل وجب على الزوج نفقتها، وان تزوج العبد بحرة أو أمة فأبانها وهى حامل - فإن قلنا ان النفقة للحمل - لم يجب عليه النفقة، لان ولده من الامة مملوك لسيد الامة، وولده من الحرة لا تجب عليه نفقته لان العبد لا يجب عليه نفقة ولده ولا والده، وان قلنا ان النفقة للحامل وجبت عليه النفقة.
وان كان الحامل غنيا وقلنا ان النفقة للحمل فهل تجب على أبيه؟ فيه وجهان حكاهما القاضى في كتاب الخناثى قال الشاشى من أصحابنا: ويصح ابراء الزوجة عنها على القولين.
وان طلق امرأة طلاقا بائنا وهى حامل فأرتدت الزوجة فقد قال ابن الحداد تسقط نفقتها، فمن أصحابنا من وافقه وقال تسقط نفقتها قولا واحدا لانها تتعلق بمصلحتها وهى المستحقة لها فسقطت بردتها.
ومنهم من خالفه وقال: إذا قلنا ان النفقه للحامل سقطت بردتها، وان قلنا ان النفقه للحمل فلا تسقط بردتها لان الحمل محكوم بإسلامه فلا يسقط حقه بردتها وان أسلمت الزوجة وتخلف الزوج في الشرك فعليه نفقتها إلى أن تنقضي عدتها حائلا كانت أو حاملا، فمن أصحابنا من وافقه ومنهم من خالفه وقال: هذا إذا قلنا ان النفقة للحامل.
فأما إذا قلنا ان النفقة للحمل وجبت له النفقة، لانه محكوم بإسلامه.
وان مات الزوج قبل وضع الحمل وخلف أبا فقد قال أبو إسحاق المروزى تسقط النفقة لانه محكوم بإسلامه، وان مات الزوج قبل وضع الحمل وخلف أبا
[ ١٨ / ٢٧٨ ]
فقد قال أبو حامد إذا قلنا ان النفقة تجب للحمل أوجبت على جده، لانه تجب عليه نفقة ولده.
(مسألة) إذا طلق امرأته وهى حامل فهل يحب عليه أن يدفع إليها النفقة يوما بيوم أو لا يجب عليه الدفع حتى تضع؟ فيه قولان
(أحدهما)
لا يجب عليه دفع النفقة حتى تضع، فإذا وضعت الولد وجب عليه دفع نفقتها لما مضى لانه لا يجب عليه الدفع بالشك والحمل غير متحقق الوجود قبل الوضع، بل يجوز أن يكون ريحا فينفش.
والقول الثاني: أنه يجب عليه أن يدفع إليها نفقة يوم بيوم وهو الاصح، لقوله تعالى " وان كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن " فأمرنا بالانفاق عليهن حتى يضعن حملهن، وهذا يقضتى وجوب الدفع، ولان للحمل أمارات وعلامات، فإذا وجدت تعلق الحكم بها في وجوب فدفع النفقة، كما تعلق الحكم بها في منع أخد الحمل في الزكاة، وفي جواز رد الجارية المبيعة، وفي منع وطئ الجارية المسبية والمشتراة وفي جواز أخذ الخلفة في الدية فإذا قلنا لا يجب الدفع حتى تضع لم تحتج إلى علامة وأمارة بل تعتد، فإذا وضعت ولدا يجوز أن يكون منه لزمه أن يدفع إليها النفقة من حين الطلاق إلى حين الوضع، فإن ادعت أنها وضعت وصدقها فلا كلام.
وان كذبها فعليها أن تقيم البينة على الوضع شاهدين أو شاهدا وامرأتين أو أربع نسوة، لانه يمكنها اقامة البينة على ذلك.
وان قلنا يجب عليه أن يدفع إليها نفقة كل يوم بيوم فادعت أنها حامل فان صدقها الزوج جب عليه أن يدفع إليها نفقة كل يوم من وقت الطلاق إلى حين الحكم بقولهن أنها حامل دفعة واحدة، ووجب عليه أن يدفع إليها نفقة كل يوم
بيوم من حين الحكم بقولهن إلى حين الوضع ولو سألته أن يحلف لها ما يعلم أنها حامل: فالذي يقتضى المذهب أنه يلزمه أن يحلف لجواز أن يخاف من اليمين فيقر أنها حامل أو ينكل عن اليمين فيرد عليها فإذا حلفت وجب عليه الدفع لان يمينها مع نكوله كإقراره في أحد القولين، وكبينة يقيمها في القول الآخر.
والجميع يجب به الدفع
[ ١٨ / ٢٧٩ ]
(فرع)
فإن طلقها طلاقا بائنا فقال القوابل إن بها حملا فأنفق عليها فبان أنه لاحمل، أو ولدت ولدا لا يجوز أن يكون منه - فان قلنا إنه يجب عليه أن يدفع إليها نفقة كل يوم بيوم كان له أن يرجع عليها بما دفع إليها من النفقة سواء دفعه بأمر الحاكم أو بغيره أمره، وسواء شرط أنه نفقة أو أطلق، لانه دفع إليها النفقة على أنها واجبة عليه، وقد بان أنه لانفقة عليه لها وإن قلنا إنه لا يجب عليه الدفع إلا بعد الوضع نظرت - فان كان قد دفع إليها بحكم الحاكم - كان له الرجوع، لان الحاكم أوجب عليه الدفع وقد بان أنها لم تكن واجبة عليه، وإن دفعها بغير حكم الحاكم، فان كان قد شرط أن ذلك عن نفقتها ان كانت حاملا، فله أن يرجع عليها لانه بان أنها ليست بحامل ولا نفقة عليه.
وإن دفعها من غير شرط لم يرجع عليها بشئ، لان الظاهر أنه تطوع بالانفاق عليها.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
فان تزوج امرأة ودخل بها ثم انفسخ النكاح برضاع أو عيب، وجب لها السكنى في العدة.
وأما النفقة فانها - إن كانت حائلا - لم تجب: وإن كانت حاملا وجبت، لانها معتدة عن فرقة في حال الحياة، فكان حكمها في النفقة والسكنى ما ذكرناه كالمطلقة.
وإن لاعنها بعد الدخول - فان لم ينف الحمل - وجبت النفقة، وان نفى
الحمل لم تجب النفقة، لان النفقة تجب في أحد القولين للحمل.
والثانى تجب لها بسبب الحمل والحمل منتف عنه فلم تجب بسببه نفقة.
وأما السكنى ففيها وجهان
(أحدهما)
تجب لانها معتدة عن فرقة في حال الحياة، فوجب لها السكنى كالمطلقة
(والثانى)
لا تجب لما روى ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قضى أن لا تثبت لها " من أجل أنهما يفترقان من غير طلاق ولا متوفى عنها زوجها.
ولانها لم تحصن ماءه فلم يلزمه سكناها
[ ١٨ / ٢٨٠ ]
(الشرح) حديث ابن عباس رواه البزار " أن رجلا طلق امرأته فجاءت إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: لا نفقة لك ولاسكنى " قال الهيثمى في مجمع الزوائد: وفيه ابراهيم بن اسماعيل بن أبى حبيبة وهو متروك أما الاحكام فقد قال الشافعي: وان كان يملك رجعتها فلم تعتد بثلاث حيض أو كان حيضها مختلفا فيطول ويقصر لم أجعل لها إلا الاقصر.
اه واختلف أصحابنا في تأويلها، فقال أبو إسحاق تأويلها هو أن يطلق امرأته طلاقا رجعيا فأنفق عليها وظهر بها حمل في العدة، ووضعت لاكثر من أربع سنين من وقت الطلاق - فان قلنا انه يلحقه - فعليه نفقتها إلى أن وضعت فلا كلام.
وان قلنا انه لايلحقه وينتفى عنه بغير لعان فانها لا تكون معتدة به عنه ولا نفقة عليه لها مدة حملها، وانما عدتها بالاقراء، وتسأل من أين الحمل؟ فان قالت هو من غير بشبهة أو زنا قلنا لها أي وقت حملت به؟ فان قالت بعد انقضاء عدتي بالاقراء على الاول فعلى الاول نفقتها مدة عدتها بالاقراء لا غير.
وان قالت حملت به بعد أن مضى من عدته قرء ان كان على الزوج نفقتها مدة عدتها في القرءين قبل الحمل، ومدة عدتها بالقرء الثالث بعد الحمل وان قالت هذا الولد من هذا الزوج وطئني في عدتي، أو راجعني ثم وطئني
فان أنكرها جاب، لان الاصل عدم ذلك، فإذا حلف بطل أن تعتد بالحمل منه وقلنا له فسر أنت كيف اعتدت منك، فان قال حملت به قبل أن يمضى لها شئ من الاقراء فانها تعتد بثلاثة أقراء عنه بعد الوضع ولها نفقة ذلك الوقت.
وان قال انقضت عدتها منى بالاقراء ثم حملت به بعد ذلك فقد اعترف أنها اعتدت عنه بالاقراء، فان كان حيضها لا يختلف فلا نفقة مدة ثلاثة أقراء، وان كان حيضها يختلف فتارة تمضى أقراء في سنة وتارة في ستة أشهر وتارة في ثلاثة أشهر واختلفا في عدتها كان لها نفقة ثلاثة أشهر لانه اليقين ومن أصحابنا من قال: تأويلها أن يطلقها طلاقا رجعيا، وأتت بولد لاكثر من أربع سنين من وقت الطلاق وقلنا لا يلحقه - فان عدتها بالاقراء عنه، فيرجع إليها كيف الاعتداد منها بالاقراء، فإذا ذكرت - فان كان حيضها
[ ١٨ / ٢٨١ ]
لا يختلف - كانت لها نفقة ثلاثة أقراء، وإن كان يختلف فيطول ويقصر لم يكن لها إلا نفقة الا قصر لانه اليقين.
وبهذا قال أحمد ومن أصحابنا من قال: تأويلها إذا طلقها طلاقا رجعيا وحكمنا لها بالنفقة وأتت بولد لاكثر من أربع سنين من وقت الطلاق - وقلنا لايلحقه وكانت تحيض على الحمل، وقلنا إنه حيض - فانها تعتد عنه بالاقراء الموجودة على الحمل، فان كان حيضها لا يختلف فلها نفقة ثلاثة أقراء.
وإن كان يختلف لم يكن لها إلا نفقة الاقصر لانه اليقين.
قال العمرانى في البيان: وهذا ضعيف جدا وعلل ذلك بأنها على هذا القول يكون لها نفقة الاقراء على الحمل طالت أو قصرت ومن أصحابنا من قال: تأويلها إذا طلقها طلاقا رجعيا فذكرت أن حيضها ارتفع بغير عارض، فانها تتربص على ما مضى، فإذا زعمت أن حيضها ارتفع
بغير عارض فقد اعترفت تحقيق حق لها وهو العدة والرجعة فيقبل قولها فيه، وحق لها وهو النفقة فلا يقبل قولها فيه بل يجعل لها نفقة الا قصر لانه اليقين والتأويل الاول أصح فأما إذا طلقها طلاقا بها أمارت الحمل فأنفق عليها ثم بان أنه لم يكن حملا وإنما كان ريحا فأنفش فانه يسترجع نفقة ما زاد على ثلاثة أقراء، فيقال لها كم كانت مدة أقرائك - فان أخبرت بذلك - كان القول قولها مع يمينها وإن قالت: لا أعلم في كم انقضت عدتي إلا أن عادتي في الحيض كذا وعادتي في الطهر كذا حسبنا ذلك ورجع الزوج بنفقة ما بعد ذلك.
وإن قالت: حيضى يختلف ولا أعلم قدر الثلاثة الاقراء نظرنا إلى أقل ما تذكره من الحيض والطهر فحسبنا لها ثلاثة أقراء ورجع عليها بما زاد على ذلك وان قالت لاأعلم قدر حيضى وطهري، فحكى ابن الصباغ أن الشافعي قال، جعلنا الاقراء ثلاثة أشهر لان ذلك هو الغالب في النساء ورجع بالباقي (فرع)
قال أبو إسحاق المروزى " ولا يجب للبائن الكسوة، وان وجبت لها النفقة " والله أعلم
[ ١٨ / ٢٨٢ ]
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
وإن نكح امرأة نكاحا فاسدا ودخل بها وفرق بينهما لم تجب لها السكنى، لانها إذا لم تجب مع قيام الفراش واجتماعهما على النكاح، فلان لا تجب مع زوال الفراش والافتراق أولى، وأما النفقة فانها إن كانت حائلا لم تجب لانها إذا لم تجب في العدة عن نكاح صحيح فلان لا تجب في العدة عن النكاح الفاسد أولى وإن كانت حاملا فعلى القولين، إن قلنا ان النفقة للحامل لم تجب، لان حرمتها في النكاح الفاسد غير كاملة، وان قلنا انها تجب الحمل وجبت، لان الجماع في النكاح الفساد كالحمل في النكاح الصحيح
(فصل)
وان كانت الزوجة معتدة عن الوفاة لم تجب لها النفقة، لان النفقة انما تجب للمتمكن من الاستمتاع، وقد زال التمكين بالموت أو بسبب الحمل، والميت لا يستحق عليه حق لاجل الولد، وهل تجب له السكنى؟ فيه قولان.
(أحدهما)
لا تجب، وهو اختيار المزني، لانه حق يجب يوما بيوم فلم تجب في عدة الوفاة كالنفقة
(والثانى)
تجب، لما روت فريعة بنت مَالِكٍ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ " اعتدى في البيت الذي أتاك فيه وفاة زوجك، حتى يبلغ الكتاب أجله أربعة أشهر وعشرا " ولانها معتدة عن نكاح صحيح فوجب لها السكنى كالمطلقة.
(الشرح) حديث فريعة بنت مالك مضى في العدد تخريجه.
قال ابن عبد البر في الاستيعاب: فريعة بنت مالك بن سنان أخت أبى سعيد الخدرى، كان يقال لها الفارعة شهدت بيعة الرضوان: وأمها أم حبيبة بنت عبد الله بن أبى بن سلول.
روت عن الفريعة هذه زينب بنت كعب بن عجرة حديثها في سكنى المتوفى عنها زوجها في بيتها حتى يبلغ الكتاب أجله.
استعمله أكثر فقهاء الامصار اه أما الاحكام فقد قال الشافعي ﵁ وكل ما وصفنا من متعة أو نفقة أو سكنى فليست إلى في نكاح صحيح وجملة ذلك أنه إذا تزوج امرأة تزويجا فاسدا، كالنكاح بلا ولى ولا شهود
[ ١٨ / ٢٨٣ ]
أو في عدتها فانه يفرق بينهما، فان كان قبل الدخول فانه لا يتعلق بالنكاح حكم وان كان بعد الدخول فلها مهر المثل، وعليها العدة ولا سكنى لها: لان السكنى تجب عن نكاح صحيح ولا نكاح ههنا.
وأما النفقة فان كانت حائلا فلا نفقة لها، لانه إذا لم تجب النفقة للبائن الحائل في النكاح الصحيح فلان لا تجب لها في النكاح الفاسد أولى.
وان كانت
حاملا - فان قلنا ان النفقة تجب للحامل - لم تجب لها ههنا نفقة لان النفقة انما تجب عن نكاح صحيح له حرمة، وهذا النكاح لا حرمة له.
وان قلنا ان النفقة للحمل وجب لها النفقة، لان هذا الولد لاحق به، فهو كما لو حملت منه في نكاح صحيح.
وأما إذا وقع النكاح صحيحا ثم انفسخ برضاع أو عيب بعد الدخول فانه يجب عليها العدة.
قال الشيخ أبو إسحاق ويجب لها السكنى في العدة وأما النفقة - فان كانت حائلا - لم تجب وان كانت حاملا وجبت لانها معتدة عن فرقة في حال الحياة، فكان حكمها ما ذكرناه كالطلاق.
وقال الشيخ أبو حامد وابن الصباغ " حكمها في السكنى والنفقة حكم النكاح الفاسد، لان حكم النكاح الذي ينفسخ بعد الدخول حكم النكاح الذي يقع فاسدا (فرع)
وان قذف امرأته وهي حامل ونفى حملها فلا عنها انفسخ النكاح بينهما فاعتدت بوضع الحمل ولا نفقة لها في حال العدة، لان النفقة للحمل في أحد القولين ولها لاجل الزوجية في الثاني والحمل غير لاحق به فلم تجب لها النفقة، وهل تجب لها السكنى؟ حكم القاضي ابو الطيب والشيخ أبو إسحاق فيه وجهين
(أحدهما)
لا يجب لها السكنى لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى في المتلاعنين أن يفرق بينهما ولا يجتمعان أبدا ولا نفقة لها ولابيت لانهما يفترقان بغير طلاق (والثاني) أن لها السكنى.
قال ابن الصباغ ولم يذكر الشيخ أبو حامد غيره، لانها معتدة عن فرقة في حال الحياة فهي كالمطلقة.
قال ابن الصباغ: وقد ذكرنا فيما مضى أن الفسخ الطارئ بمنزلة النكاح الفاسد، وهذا فسخ، وايجاب السكنى يناقضه، غير أنه تعلق بقول الزوج، فجرى مجرى قطع النكاح بغير الطلاق.
[ ١٨ / ٢٨٤ ]
وكما قلنا في الخلع إذا قلنا إنه فسخ.
وإن لاعنها ولم ينف الحمل قال الشيخ أبو إسحاق هنا وجبت لها النفقة.
وإن أبان زوجته بالثلاث وبالخلع وظهر بها حمل فنفاه - وقلنا يصح لعانه قبل الوضع فلا عن - سقطت عنه النفقة، وهل يسقط عنه السكنى - ان قلنا للملاعنة السكنى في التي قبلها - فههنا أولى.
وإن قلنا في التي قبلها: لا سكنى لها قال القاضى أبو الطيب: احتمل ههنا وجهين.
(أحدهما)
لها سكنى لانها اعتدت عن الطلاق
(والثانى)
لاسكنى لها لان نفقتها سقطت لاجل اللعان فكذلك السكنى.
فإن أكذب الزوج بعد اللعان لحقه نسب الولد وكان عليه النفقة لها لما مضى وإلى أن تضع فان قيل فهلا قلتم إنه لا نفقة لها لما مضى على القول الذي يقول إن النفقة للحمل، لان نفقة الاقارب تسقط بمضي الزمان؟ قلنا إنما نقول ذلك إذا كان القريب هو المستوفى لنفقته، وهنها المستوفى لها هي الزوجة فصارت كنفقة الزوجة، فلا تسقط بمضي الزمان.
وأما المعتدة المتوفى عنها زوجها فلا يجب لها النفقة حائلا كانت أو حاملا، وبه قال ابن عباس وجابر.
وروى أنهما قالا لا نفقة لها.
حسبها الميراث.
وذهب بعض الصحابة إلى أنها إذا كانت حاملا فلها النفقة.
وعند أحمد أن المعتدة من الوفاة ان كانت حائلا فلا نفقة لها ولا سكنى.
وان كانت حاملا ففيها روايتان (احداهما) لها السكنى والنفقة لانها حامل من زوجها فكانت لها السكنى والنفقة كالمفارقة في الحياة (والثانية) لا سكنى لها ولا نفقة لان المال قد صار للورثة ونفقة الحامل وسكناها انما هو للحمل أو من أجله ولا يلزم ذلك الورثة، لانه ان كان الميت ميراث فنفقة الحمل من نصيبه، وان لم يكن له ميراث لم يلزم وارث الميت الانفاق على حمل امرأته كما بعد الولادة
قال القاضى وهذه الرواية أصح عند ابن قدامة وغيره.
ودليلنا أنه لا يخلو اما أن يقال هذه النفقة للحامل أو للحمل فبطل أن يقال أنها للحامل لانها لا تستحق النفقة إذا كانت حائلا، وبطل أن يقال انها للحمل
[ ١٨ / ٢٨٥ ]
لان الميت لا يستحق عليه نفقة الاقارب فلم تجب، وهل تجب لها السكنى؟ فيه قولان مضى بيانهما في العدد.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
إذا حبست زوجة المفقود أربع سنين فلها النفقة لانها محبوسة عليه في بيته، فإن طلبت الفرقة بعد أربع سنين ففرق الحاكم بينهما، فإن قلنا بقوله القديم إن التفريق صحيح فهى كالمتوفى عنها زوجها لانها معتدة عن وفاة فلا تجب لها النفقة، وفي السكنى قولان، فإن رجع الزوج فان قلنا تسلم إليه عادت إلى نفقته في المستقبل، وإن قلنا لاتسلم إليه لم يكن لها عليه نفقة، فان قلنا بقوله الجديد وأن التفريق باطل، فلها النفقة في مدة التربص ومدة العدة لانها محبوسة عليه في بيته، وإن تزوجت سقطت نفقتها لانها صارت كالناشزة، وان لم يرجع الزوج ورجعت إلى بيتها وقعدت فيه، - فان قلنا بقوله القديم - لم تعد النفقة، وان قلنا بقوله الجديد، فهل تعود نفقتها بعودها إلى البيت؟ فيه وجهان: أحدهما: تعود لانها سقطت بنشوزها، فعادت بعودها
(والثانى)
لاتعود لان التسليم الاول قد بطل فلا تعود إلى بتسلم مستأنف كما أن الوديعة إذا تعدى فيها ثم ردها إلى المكان لم تعد الامانة.
ومن أصحابنا من قال: ان كان الحاكم فرق بينهما وأمرها بالاعتداد، وأعتدت وفارقت البيت، ثم عادت إليه لم تعد نفقتها لان التسليم الاول قد بطل لحكم الحاكم.
وان كانت
تربصت فاعتدت ثم فارقت البيت ثم عادت النفقة لان التسليم الاول لم يبطل من غير حكم الحاكم.
والله أعلم (الشرح) الاحكام: إذ غاب الرجل عن امرأته وهي في مسكنه الذي أسكنها فيه وانقطع خبره عنها، فان اختارت المقام على حالتها فالنفقة واجبة على الزوج لانها مسلمة لنفسها، وان رفعت الامر إلى الحاكم وأمرها بالتربص أربع سنين فلها النفقة على زوجها، لان النفقة انما تسقط بالنشوز أو بالبينونة ولم
[ ١٨ / ٢٨٦ ]
يوجد واحد منهما، فإن حكم الحاكم بالفرقة بينهما بعد أربع سنين واعتدت أربعة أشهر وعشرا، فإن قلنا بقوله القديم وأن الفرقة قد وقعت ظاهرا وباطنا، أو ظاهرا فانها كالمعتدة عن الوفاة فلا يجب لها النفقة فيها، وهل يجب لها السكنى؟ فيه قولان، فإن رجع زوجها، فإن قلنا: ان الفرقة وقعت ظاهرا وباطنا فهي أجنبية منه ولا تجب لها عليه نفقة ولا سكنى.
وان قلنا ان الفرقة وقعت في الظاهر دون الباطن ردت إليه ووجبت لها النفقة من حين ردت إليه.
وان قلنا بقوله وأن حكم الحاكم لا ينفذ، فإنهاما لم تتزوج فنفقتها على الاول لانها محبوسة عليه، وإنما تعتقد هي أن الفرقة قد وقعت، وهذا الاعتقاد لا يؤثر في سقوط نفقتها، فان تزوجت بعد أربعة أشهر وعشر سقطت نفقتها عن الاول لانها كالناشزة عن الاول فسقطت نفقتها عنه، فإن دخل الثاني بها وفرق بينهما فعليها أن تعتد عنه ولا نفقة لها على الاول لانها معتدة عن الثاني، فان رجعت إلى منزل الاول بعد انقضاء عدة الثاني أو قبل أن يدخل بها الثاني، فهل تستحق النفقة على الاول؟ قال الشافعي في المختصر: لا نفقة لها في حال الزوجية ولا في حال العدة.
وهذا يقتضى أن لها النفقة بعد انقضاء العدة
وقال في الام: لا نفقة لها في حال الزوجية ولا في حال العدة ولا بعدها واختلف أصحابنا فيها على طريقين.
قال العمرانى من أصحابنا من قال فيها قولان وحكاهما الشيخ أبو إسحاق (يعنى الشيرازي) وجهين
(أحدهما)
تجب لها النفقة من حين عادت إلى منزله، لان النقفة سقطت بنشوزها، وقد زال النشوز فعادت نفقتها
(والثانى)
لا يجب لها النفقة لان التسليم الاول قد سقط بنشوزها فلم تعد الا بتسليم ثان، وليس ههنا من يتسلمها، فعلى هذا الطريق إذا خرجت امرأة الحاضر من منزلها ناشزة ثم عادت إليه، فهل تعود نفقتها من غير أن يتسلمها الزوج فيه وجهان بناء على هذين الوجهين ومن أصحابنا من قال ليست على قولين، وانما هي على اختلاف حالين فالموضع الذي دل عليه مفهوم كلامه أن النفقة لها أراد إذا تزوجت بالثاني من غير أن
[ ١٨ / ٢٨٧ ]
يحكم لها الحاكم بالفرقة فإذا عادت إلى منزل الزوج عادت نفقتها، لان نفقتها سقطت بأمرضعيف وهو نشوز فعادت برجوعها، وحيث قال في الام لانفقة لها، أراد إذا حكم لها الحاكم بالفرقة وتزوجت بآخر، لان نفقتها سقطت بأمر قوي وهو حكم الحاكم فلا تعود إلا بأمر قوى، وهوأن يتسلمها الزوج، فعلى هذا الطريق إذا نشزت امرأة الحاضر من منزلها وعادت إليه وجبت لها النفقة، وإن لم يتسلمها الزوج.
وأما وجوب نفقتها على الثاني، فإن قلنا بقوله القديم، فإن التفريق صحيح فانها تستحق عليه النفقة بنفس العقد في قوله القديم، ونفقة كل يوم بيومه في قوله الجديد لان نكاحه صحيح.
وإن قلنا بقوله الجديد وان التفريق غير صحيح فإنها لا تستحق عليه النفقة
ولا السكنى في حال الزوجية، لانه لازوجية بينهما، فإذا فرق بينهما بعد الدخول فلا سكنى لها في حال العدة.
وأما النفقة فإن كانت حائلا لم تجب لها، وان كانت حاملا - فإن قلنا النفقة للحمل - وجبت، وإن قلنا للحامل لم تجب (فرع)
إذا تربصت امرأة المفقود وتزوجت بآخر بعد قضاء عدتها فرجع الاول - فإن قلنا بقوله الجديد - لا تقع الفرقة، أو قلنا تقع الفرقة في الظاهر دون الباطن فأتت بولد يمكن أن يكون من الثاني ولا يمكن أن يكون من الاول فإن عدتها تنقضي من الثاني بوضعه، وترد إلى الاول بعد وضع الولد.
وإن أتت بولد يمكن أن يكون من كل واحد منهما - فإن قلنا بقوله القديم وأن الفرقة تقع ظاهرا وباطنا فاولد للثاني.
وان قلنا بقوله الجديد وقلنا الفرقة تقع في الظاهر دون الباطن، فإن لم يدعه الاول فهو للثاني، لانها قد استبرأت رحمهما يفينا عن الاول.
وإن أدعاه الاول سئل عن وجه دعواه، فإن قال هذا الولد منى لانها زوجتى وغبت عنها والزوجية لم تنقطع فهو ولدى، لانها أتت به على فراشي، لم يتلفت إلى هذه الدعوي ولحق بالثاني، لانا قد تيقنا براءة رحمها من ماء الاول فلا يمكن أن يكون منه.
وإن قال: كنت عدت إليها في الخفية ووطئتها وهذا الولد منى وأمكن أن
[ ١٨ / ٢٨٨ ]
يكون صادقا عرض الولد على القافة، فإذا ألحقوه بأحدهما لحقه.
وكل موضع الحق الولد بالثاني، فليس للزوج الاول أن يمنعها من أن تسقيه اللبا لانه لا يعيش الا بذلك.
فذا سقته اللبا - فان لم توجد امرأة ترضعه وتكفله - لم يكن له منعها من ذلك لان يؤدى إلى اتلافه.
وان وجد له امرأة ترضعه وتكفله كان له منعها لانها متطوعة بارضاعه، وللزوج منع زوجته من فعل التطوع كالصلاة والصوم فلان يمنعها من الرضاع أولى
فان أرضعته في موضع منعناها من ارضاعه فيه، فان أرضعته في بيت زوجها فلها النفقة عليه، لانها في قبضته.
وان أخرجت من منزله إلى غيره بغير اذنه وأرضعته سقطت نفقتها لانها ناشزة، وان خرجت إلى غيره باذن زوجها وأرضعته - فان كان زوجها معها لم تسقط نفقتها - وان لم يكن معها ففيه وجهان بناء على القولين في السفر باذنه (فرع)
وان تربصت امرأة المفقود وفرق الحاكم بينهما وتزوجت بآخر بعد انقضاء عدتها، ودخل بها ثم مات الثاني، وبان أن زوجها الاول كان حيا عند نكاحها للثاني وأن الاول مات بعد ذلك - فان قلنا بقوله القديم، وأن الحكم بالفرقة صحيح ظاهرا وباطنا - فقد بانت من الاول، ونكاح الثاني صحيح، وقد بانت عنه بموته واعتدت عنه، ولا تأثير لحياة الاول وان قلنا بقوله الجديد ان الحكم بالفرقة لا يصح أو قلنا تقع الفرقة في الظاهر دون الباطن، فعلى هذا نكاح الثاني باطل وعليها العدة بموت الاول أربعة أشهر وعشرا.
وعليها عدة وطئ الشبهة للثاني ثلاثة أقراء، ولا يصح أن تعتد من أحدهما الا بعد أن يفرق بينها وبين الثاني، وفيه ثلاث مسائل (احداهن) أن يعلم موت كل واحد من الزوجين في وقت بعينه، ويعلم غير ذلك الزوج.
(الثانية) أن يعلم أن أحدهما مات في وقت بعينه ولم يعلم وقت موت الآخر (الثالثة) أن لا يعلم موت كل واحد منهما بعينه (فأما الاولة) وهو إذا علم موت كل واحد منهما في وقت بعينه ففيه مسألتان احداهما أن يعلم أن الاول مات في أول شهر رمضان، والثانى مات في أول شوال
[ ١٨ / ٢٨٩ ]
فيجب عليها أن تعتد ههنا عن الاول أربعة أشهر وعشرا، وابتداؤها من أول
شوال بعد زوال فراش الثاني، لانه لا يمكن أن تكون فراشا للثاني معتدة عن الاول، فإذا انقضت عدتها عن الاول اعتدت عن الثاني بثلاثة أقراء لان عدة الاول أسبق فقدمت، ولانها أقوى لانها وجبت بسبب مباح والثانية وجبت بسبب محظور.
وإن مات الثاني في أول رمضان والاول في أول شوال، فإن الثاني لما مات شرعت في عدته، وان كانت زوجة الاول، لان النكاح يتأبد فراشه فلا يمكن قطعه لاجل العدة، بخلاف الفراش في النكاح الثاني فإنه لا يتأبد، فلذلك وجب قطعه للعدة ولم تصبح العدة مع وجوده فإن مات الاول في أثناء عدة الثاني انتقلت إلى عدة الاول لانها آكد، فإذا أكملت عدة الاول أربعة أشهر وعشرا أكملت عدة الثاني بالاقراء (المسألة الثانية) أن يعلم أن أحدهما مات في وقت بعينه ولم يعلم وقت موت الآخر: مثل أن يعلم أن الثاني مات في أول شوال، ثم جاء الخبر أن الاول حى في بلد كذا ومات فلم يعلم وقت موته، فانه يقال أقل وقت يمكن أن يصل فيه الخبر من الموضع الذي كان فيه كم هو؟ فان قيل مثلا عشرة أيام، جعل في التقدير كأنه مات قبل مجئ خبره بعشرة أيام، فان وافق ذلك وقت موت الثاني بأن كان الخبر ورد لعشر خلون من شوال فقد اتفق موتهما في وقت واحد، فتعتد عن الاول بأربعة أشهر وعشر، وتعتد بعد ذلك عن الثاني بثلاثة أقراء، وإن تقدم موت الثاني أو تأخر عنه فالحكم فيه على ما ذكرناه في المسألة الاولة (المسألة الثالثة) أن لا يعلم وقت موت كل واحد منهما بعينه، مثل أن يعلم أن أحدهما مات في أول شهر رمضان، والآخر مات في أول شوال ولا يعلم أيهما مات أولا، فيجب عليها بيقين، هذا إذا لم تحبل من الثاني، فإذا حبلت
من الثاني ثم ظهر موت الاول فان الولد لاحق بالثاني، لانها قد اعتدت عن الاول واستبرأت رحمها منه.
وقد مات الاول قبل أن يدعيه فلم يلحق به،
[ ١٨ / ٢٩٠ ]
فتعتد بوضع الحمل عن الثاني، فإذا وضعته اعتدت عن الاول بأربعة أشهر وعشر، ومتى تبتدئ بها؟ فيها وجهان
(أحدهما)
من حين انقطاع دم النفاس، لان دم النفاس تابع للحمل من الاول فهو كمدة الحمل.
(والثانى)
وهو المذهب أن ابتداءها من بعد وضع الحمل، لان هذا عدة من وفاة، وعدة الوفاة لا يراعى فها الدم وزواله، ولان وقت دم النفاس ليس من عدة الثاني فاحتسب به من عدة الاول وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى: