* يجوز عقد الجعالة وهو أن يبذل الجعل لمن عمل له عملا من رد ضالة ورد آبق وبناء حائط وخياطة ثوب وكل ما يستأجر عليه من الاعمال، والدليل عيله قوله تعالى (ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم) وروى أبو سعيد الخدرى (أن ناسا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أتو احيا من أحياء العرب فلم يقروهم، فبينما هم كذلك إذ لدغ سيد أولئك فقالوا هل فيكم راق فقالوا لم تقرونا فلا نفعل أو تجعلوا لنا جعلا فجعلوا لهم قطيع شاء فجعل رجل يقرأ بام القرآن ويجمع بزاقة ويتفل فبرا الرجل فأتوهم بالشاء فقالوا: لا نأخذها حتى نَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فسألوا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذلك فضحك وقال: ما أدراك إنها رقية؟ خذوها واضربوا إلى فيها بسهم ولان الحاجة تدعو إلى ذلك من رد ضالة وآبق وعمل لا يقدر عليه فجاز كالاجارة والمضاربة.
(فصل)
ويجوز ان يعقد لعامل غير معين للآية، ولانه قد يكون له عمل
ولا يعرف من يعمله، فجاز من غير تعيين، وروى المزني في المختصر عن الشافعي ﵀ في المنثور انه قال إذا قال أول من يحج عنى فله مائة فحج عنه رجل أنه يستحق المائة.
وقال المزني: ينبغى أن يستحق أجرة المثل لانه اجازة فلم تصح من غير تعيين، وهذا خطا، لان ذلك جعالة، وقد بينا ان الجعالة تجوز من غير تعيين العامل.
(فصل)
وتجوز على عمل مجهول للآية، ولان الحاجة تدعو إلى ذلك فجاز مع الجهالة كالمضاربة، ولا تجوز الا بعوض معلوم، لانه عقد معاوضة فلا تجوز بعوض مجهول كالنكاح، فان شرط له جعلا مجهولا فعمل استحق أجرة المثل، لان كل عقد وجب المسمى في صحيحه وجب المثل في فاسده، كالبيع والنكاح.
[ ١٥ / ١١٣ ]
(فصل)
ولا يستحق العامل الجعل الا بإذن صاحب المال، فأما إذا عمل له عملا من غير إذنه بأن وجد له آبقا فجاء به، أو ضالة فردها إليه، لم يستحق الجعل لانه بذل منفعته من غير عوض، فلم يستحق العوض، فان عمل باذنه ولم يشرط له الجعل، فعلى الاوجه الاربعة التى ذكرناها في الاجارة، فان اذن له وشرط له الجعل فعمل استحق الجعل، لانه استهلك منفعته بعوض فاستحق العوض كالاجير، فان نادى فقال: من رد عبدى فله دينار فرده من لم يسمع النداء لم يستحق الجعل لانه متطوع بالرد من غير بدل، فان أبق عبد لرجل فنادى غيره ان من رد عبد فلان فله دينار، فرده رجل وجب الدينار على المنادى، لانه ضمن العوض فلزمه، فان قال في النداء: قال فلان: من رد عبدى فله دينار فرده رجل لم يلزمه المنادى، لانه لم يضمن.
وانما حكى قول غيره.
(فصل)
ولا يستحق العامل الجعل الا بالفراغ من العمل، فان شرط له
جعلا على رد الآبق فرده إلى باب الدار ففر منه أو مات قبل ان يسلمه لم يستحق شيئا من الجعل، لان المقصود هو الرد، والجعل في مقابلته ولم يوجد منه شئ، وان قال: من رد عبدى الآبق من البصرة فله دينار وهو ببغداد فرده رجل من واسط استحق نصف الدينار، لانه رد من نصف الطريق، وان رده من أبعد من البصرة لم يستحق اكثر من الدينار، لانه لم يضمن له لما زاد شيئا.
وان أبق له عبدان فقال من ردهما فله دينار، فرد رجل أحدهما استحق نصف الجعل، لانه عمل نصف العمل.
وان قال: من رد عبدى فله دينار، فاشترك في رده اثنان اشتركا في الدينار، لانهما اشتركا في العمل فاشتركا في الجعل وان قال لرجل: ان رددت عبد فلك دينار، وقال لآخر: ان ردته فلك ديناران، فاشتركا في الرد استحق كل واحد منهما نصف ما جعل له، وان جعل لاحدهما دينارا وللآخر ثوبا مجهولا فرداه استحق صاحب الدينار نصف دينار وصاحب الثوب نصف أجرة المثل، لان الدينار جعل صحيح، فاستحق نصفه، والثوب جعل باطل فاستحق نصف اجرة المثل، وان قال لرجل ان رددت عبدى فلك دينار فشاركه غيره في رده، فان قال: شاركته معاونة له كان الدينار للعامل
[ ١٥ / ١١٤ ]
لان العمل كله له فكان الجعل كله له، وان قال شاركته لاشاركه في الجعل كان للعامل نصف الجعل، لانه عمل نصف العمل، ولا شئ للشريك لانه لم يشرط له شيئا.
(الشرح) هي بتثليث الجيم عند ابن مالك وغيره.
واقتصر النووي والجوهري والفيومى صاحب المصباح على كسرها، وابن الرفعة في الكفاية والمطالب على فتحها، وهى لغة اسم لما يجعله الانسان لغيره على شئ يفعله، وكذا الجعل والجعيلة، وأما تعريفها شرعا فهو التزام عوض معلوم على عمل معين معلوم أو
مجهول بمعين أو مجهول.
وقد أورد المصنف الجعالة عقب الاجارة، وكذلك فعل النووي في الروضة وصاحب الشرح، لان التلازم بين الاجارة والجعالة واضح، لانها عقد على عمل، إلا أن أكثر المصنفين في الفقه جعلوها بعد اللقطة، لانها طلب النقاط الدابة الضالة.
وقد استدل المصنف على انها من العقود الجائزة بقوله تعالى (ولمن جاء به حمل بعير) واعتبر الرملي سوقه الاية استئناسا وليس استدلالا، وعلل ذلك الشبراملسى في حاشيته على النهاية هذه العبارة بان شرع من قبلنا ليس شرعا لنا وان ورد في شرعنا ما يقرره.
اما الحديث الذى ساقه المصنف عن أبى سعيد فقد رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه، وأتم هذه الطرق جميعا رواية البخاري ولفظها (انطلق نفر مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ في سفرة سافروها حتى نزلوا على حى من احياء العرب فاستضافوهم فابوا ان يضيفوهم، فلدغ سيد ذلك الحى فسعوا له بكل شئ، لا ينفعه شئ، فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا لعلهم ان يكون عندهم بعض شئ، فاتوهم فقالوا: يا ايها الرهط إن سيدنا لدغ وسعينا له بكل شئ لا ينفعه فهل عند احد منكم من شئ؟ قال بعضهم إنى والله لا رقى لكن والله لقد استضفناكم فلم تضيفونا فما انا براق لكم حتى تجعلوا لنا جعلا، فصالحوهم على قطيع من غنم فانطلق يتفل عليه، ويقرأ الحمد لله
[ ١٥ / ١١٥ ]
رب العالمين، فكانما نشط من عقال، فانطلق يمشى وما به قلبة، قال فاوفواهم جعلهم الذى صالحوهم عليه، فقال بعضهم: اقتسموا، فقال الذى رقى: لا تفعلوا حتى ناتى النبي ﷺ فنذكر له الذى كان، فننظر الذى
يامرنا، فقدموا على النبي صلى الله عليه واسلم فذكروا له ذلك فقال: وما يدريك انه رقية؟ ثم قال: قد اصبتم واضربوا إلى معكم سهما، وضحك النَّبِيُّ ﷺ، وَقَدْ رَوَى البخاري رواية عن ابن عباس بلفظ (أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مروا بماء فيهم لديغ أو سليم فعرض لهم رجل من اهل الماء فقال: هل فيكم من راق فان الماء رجلا لديغا أو سليما، فانطلق رجل منهم فقرا بفاتحة الكتاب على شاء، فجاء بالشاء إلى اصحابه فكرهوا ذلك وقالوا: اخذت على كتاب الله اجرا؟ حتى قدموا المدينة فقالوا: يا رسول الله اخذ على كتاب الله اجرا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ان احق ما أخذتم عليه اجرا كتاب الله) قوله (فاستضافوهم) في رواية للترمذي انهم ثلاثون رجلا.
وقد روى الحاكم رواية أبى سعيد الخدرى على انه هو الرقى، وهى على شرط مسلم.
قال الزركشي: ويستنبط منه جواز الجعالة على ما ينتفع به المريض من داوء أو رقبة وان لم يذكروه.
وهو متجه ان حصل به تعب والا فلا اخذا مما ياتي.
على ان الاجماع منعقد على جوازها لما تدعو إليه الحاجة من ضالة، أو عمل لا يقدر عليه ولا يجد من يتطوع به، ولا تصح الاجارة عليه لجهالة، فجاز ان يجعل له جعلا كالاجارة والقراض.
واركان الجعالة اربعة: صيغة ومتعاقدان وعمل وعوض.
ولما كان الجعل لا يستحق الا باذن صاحب المال كالاجارة، فانه فارق الاجارة في استحاقه بالعمل، اما الاجارة فانها تستحق بالعقد، لانه لو قال: من رد على ضالتي فله درهم قبلها بطل، هكذا افاده الغزالي في كتاب الدور، وعدم اشتراط قبضه في المجلس مطلقا، ويشترط في المللتزم للجعل مالكا أو غيره ان يكون مطلق التصرف كما في الاجارة فلا يصح بالتزام الصبى أو المحجور عليه للسفه أو
المجنون.
كما يشترط في العامل المعين اهلية العمل بان يكون قادرا عليه ولا
[ ١٥ / ١١٦ ]
تشترط الحرية وغير المكلف، وان يقوم بالعمل باذن وبغير اذن، كما قال ذلك السبكى خلافا لابن الرفعة في اشتراط اذن السيد، ويخرج بذلك العاجز عن العمل كالصغير والضعيف إذا غلبهما العمل، فاشبه استئجار الاعمى للحراسة.
هكذا افاده الزركشي وابن العماد ونقل المزني ان الشافعي نص في المنشور أَنَّهُ إذَا قَالَ الْمَعْضُوبُ: مَنْ حَجَّ عَنَى فَلَهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ، فَحَجَّ عَنْهُ إنْسَانٌ اسْتَحَقَّ الْمِائَةَ.
قَالَ الْمُزَنِيّ: يَنْبَغِي أَنْ يَسْتَحِقَّ أُجْرَةَ الْمِثْلِ، لِأَنَّ هَذَا إجَارَةٌ فَلَا يَصِحُّ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ الْأَجْرِ.
هَذَا كَلَامُ الشَّافِعِيِّ وَالْمُزَنِيِّ، والمسألة التى ساقها المصنف بذكر النووي ﵁ ان للاصحاب فيها ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ الصَّحِيحُ وُقُوعُ الْحَجِّ عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ ويستحق الاجرة المسماة.
وبهذا نص الشافعي واختاره النووي، لِأَنَّهُ جَعَالَةٌ وَلَيْسَ بِإِجَارَةٍ.
وَالْجَعَالَةُ تَجُوزُ عَلَى عمل مجهول، فمن باب اولى المعلوم،
(وَالثَّانِي)
وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُزَنِيّ: أَنَّهُ يَقَعُ عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ وَيَسْتَحِقُّ الْأَجِيرُ أُجْرَةَ الْمِثْلِ لَا الْمُسَمَّى.
وقد حَكَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَنَّ مُعْظَمَ الْإِصْحَابِ مَالُوا إلى هذا.
قال النووي.
وَلَيْسَ كَمَا قَالَ.
وَهَذَا الْقَائِلُ يَقُولُ: لَا تَجُوزُ الْجَعَالَةُ عَلَى عَمَلٍ مَعْلُومٍ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ.
(وَالثَّالِثُ) أَنَّهُ يَفْسُدُ الْإِذْنُ وَيَقَعُ الْحَجُّ عَنْ الْأَجِيرِ، لِأَنَّ الْإِذْنَ غَيْرُ مُتَوَجِّهٍ إلَى إنْسَانٍ بِعَيْنِهِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ: وَكَّلْتُ مَنْ أَرَادَ بَيْعَ دَارِي فِي بَيْعِهَا.
فَالْوَكَالَةُ بَاطِلَةٌ وَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُ الْبَائِعِ اعْتِمَادًا عَلَى هَذَا التَّوْكِيلِ.
وَهَذَا الْوَجْهُ حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ.
وذكر امام الحرمين ان شيخ وَالِدَهُ أَبَا مُحَمَّدٍ أَشَارَ إلَيْهِ فَقَالَ: لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَحْكُمَ بِفَسَادِ الْإِذْنِ، وَهَذَا الْوَجْهُ ضَعِيفٌ جِدًّا بَلْ بَاطِلٌ مُخَالِفٌ لِلنَّصِّ وَالْمَذْهَبِ
وَالدَّلِيلِ.
فَإِذَا قُلْنَا بِالْمَذْهَبِ وَالْمَنْصُوصِ.
فَقَالَ مَنْ حج عنى فَلَهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ فَسَمِعَهُ رَجُلَانِ وَأَحْرَمَا عَنْهُ.
قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْأَصْحَابُ: إنْ سَبَقَ إحْرَامُ أَحَدِهِمَا وَقَعَ عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ الْقَائِلِ وَيَسْتَحِقُّ السَّابِقُ المائة.
واحرام الثاني يقع عَنْ نَفْسِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ فَصَارَ كَمَنْ عَقَدَ نِكَاحَ أُخْتَيْنِ بِعَقْدٍ وَاحِدٍ.
وَلَوْ قَالَ مَنْ حَجَّ عَنِّي فَلَهُ مائة دينار فحج عَنْهُ رَجُلَانِ.
أَحَدُهُمَا بَعْدَ الْآخَرِ.
[ ١٥ / ١١٧ ]
وَقَعَ إحْرَامُ السَّابِقِ بِالْإِحْرَامِ عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ الْقَائِلِ وله عليه المائة.
ولو احراما معا وقع حج كل منهما عن نفسه ولا شئ لهما على القائل، لانه لَيْسَ فِيهَا أَوَّلٌ.
وَلَوْ كَانَ الْعِوَضُ مَجْهُولًا بأن قال: من حج عنى فله ثوب أو دراهم أو ناقة وقع الحج عن القائل بأجرة المثل.
(فرع)
استدل المصنف من قوله تعالى (ولمن جاء به) على جواز عقدها لغير المعين، كما في المثال الذى سبق فيمن يحج عنه، كما استدل بالآية أيضا على جوازها على عمل مجهول.
وكذلك لو قال: من رد ضالتي من سامعي ندائى فله كذا فرده من علم ندائه ولم يسمع منه لم يستحق، هكذا أفاده الماوردى وصرح بمثله القاضى حسين.
قال الاذرعى، وقول القاضى فان رده بنفسه أو بعده استحق، يفهم عدم الاستحقاق إذا استقل العبد بالرد.
قال النووي، ولو قال أجنبي من رد عبد زيد فله كذا استحقه الراد على الأجنبي.
قال الرملي استحقه الراد العالم به على الأجنبي لانه التزمه فصار كخلع الأجنبي، وكما لو التمس إلقاء متاع غيره في البحر لخوف الهلاك وعليه ضمانه.
إذا ثبت هذا فان العامل بلا إذن لا يستحق الجعالة، لانه لو أذن لشخص
فعمل غيره فلا شئ له ولو كان معروفا برد الضال بعوض لانه لم يلتزم عوضا له فوقع عمله تبرعا.
وقال الشبراملسى عند قوله (فلو عمل أحد بلا إذن فقال ومن ذلك ما جرت به العادة في قرى مصرنا من أن جماعة اعتادوا حراسة الجرين نهارا وجماعة اعتادوا حراسته ليلا، فان اتفقت معاقدتهم على شئ من أهل الجرين أو من بعضهم باذن الباقين لهم في العقد استحق الحارسون ما شرط لهم ان كانت الجعالة صحيحة وإلا فأجرة المثل وأما ان باشروا الحراسة بلا إذن من أحد اعتمادا على ما سبق من دفع أرباب الزرع للحارس سهما معلوما عندهم لم يستحقوا شيئا.
وليس كما لو التزم الثمن في شراء غيره أو الثواب في هبة غيره، لانه عوض تمليك فلا يتصور وجوبه على غير من حصل له الملك، والجعل ليس عوض تمليك.
واستشكل ابن الرفعة هذه بأنه لا يجوز لاحد وضع يده على مال غيره بقول
[ ١٥ / ١١٨ ]
الأجنبي بل يضمنه فكيف يستحق الاجرة.
وأجيب بأنه لا حاجة إلى الاذن في ذلك لان المالك راض به قطعا، أو بأن صورة ذلك أن يأذن المالك لمن شاء في الرد والتزم الأجنبي بالجعل، أو يكون للاجنبي ولاية على المالك، وقد يصور أيضا بما إذا ظنه العامل المالك أو عرفه وظن رضاه.
وظاهر كلام المصنف أنه يلزمه العوض المذكور وإن لم يقل على.
قال الرملي: وهو كذلك فقد قال الخوارزمي في الكافي: ولو قال الفضولي: من رد عبد فلان فله على دينار، أو قال فله دينار، فمن رده استحق على الفضولي ما سمى.
وصرح به ابن يونس في شرح التعجيز، فانه صور المسألة بما إذا قال على ثم قال وألحق الائمة به قوله فله كذا.
وإن لم يقل عليه، لان ظاهره التزام.
ولو قال أحد الشريكين في رقيق: من رد رقيقي فله كذا فرده شريكه فيه استحق
الجعل.
وصورة المسألة إذا لم يكن القائل ولى المالك.
فأما إذا كان وليه وقال ذلك عن محجوره على وجه المصلحة بحيث يكون الجعل قدر أجرة مثل ذلك العمل أو أقل استحقه الراد في مال المالك بمقتضى قول وليه، ويعلم مما تقرر أنه لا يتعين على العامل المعين العمل بنفسه.
فلو قال لشخص معين: إن رددت على ضالتي فلك كذا لم يتعين عليه السعي بنفسه، بل له أن يستعين بغيره، فإذا حصل الفعل استحق الاجرة.
قاله الغزالي في البسيط قال الرملي: وحاصله أن توكيل العامل المعين غيره في الرد كتوكيل الوكيل فيجوز له أن يوكله فيما يعجز عنه وعلم به القائل أو لا يليق به كما يستعين به، وتوكيل غير المعين بعد سماعه النداء غيره، كالتوكيل في الاحتطاب والاستقاء ونحوهما فيجوز، فعلم أن العامل المعين لا يستنيب فيها إلا إن عذر وعلم به الجاعل حال الجعالة.
اه (فرع)
تصح الجعالة على عمل مجهول كما ذكر ذلك المصنف لان الجهالة احتملت في القراض لحصول زيادة، فاحتمالها في رد الحاصل أولى، وهو مقيد كما أفاده جمع بما إذا عسر ضبطه لا كبناء حائط فيذكر محله وطوله وسمكه وارتفاعه وما يبنى به، وخياطة ثوب فيصفه كالاجارة.
أما صحتها على المعلوم فأولى.
ومثال ذلك قوله: من رد على ضالتي من مكان كذا فله كذا، وهذا هو الاصح.
[ ١٥ / ١١٩ ]
(والثانى)
المنع للاستغناء عنه بالاجارة، وقد عرفت أنه لا بد من كون العمل فيه كلفة أو مؤنة، كرد آبق أو ضال، أو أداء حج أو خياطة ثوب أو تعليم علم أو حرفة، أو إخبار فيه غرض وصدق فيه، فلو رد من هو بيده ولا كلفة فيه فلا شئ له، إذ مالا كلفة فيه لا يقابل بعوض فلو قال من دلنى على مالى فله كذا فدله غير من هو بيده استحق، لان الغالب
أنه تلحقه مشقة.
قال الاذرعى ويجب أن يكون هذا فيما إذا بحث عنه بعد جعل المالك.
أما البحث السابق والمشقة السابقة قبل الجعل فلا عبرة بهما ويلزم عدم التوقيت في الجعالة.
لانه لو قال من رد على ضالتي إلى شهر كذا فله كذا لو يصح كما في القراض، لان تقدير المدة مخل بمقصود العقد، فقد لا يظفر به فيها فيضيع سعيه ولا يحصل الغرض، سواء أضم إليه من محل كذا أم لا، وغير واجب على العامل.
فلو قال من دلنى على مالى فله كذا فدله من المال في يده لم يستحق شيئا لان ذلك واجب عليه شرعا، فلا يأخذ عليه عوضا.
وكذا لو قال من رد مالى فله كذا فرده من هو في يده ويجب عليه رده.
وقضيته أنه لو كان الدال أو الراد غير مكلف استحق.
وقد أفتى الامام النووي كما حكى ذلك صاحب نهاية المحتاج فيمن حبس ظلما فبذل مالا لمن يتكلم في خلاصه بجاهه وغيره بأنها جعالة مباحة، وأخذ عوضها حلال، ونقله عن جماعه، ثم قال وفى ذلك كلفة تقابل بأجرة عرفا (قلت) فإذا كان العرف هو الذى يبنى عليه حد الاباحة والمنع في الجعالة فمقتضى العرف الذى نعلمه اليوم أن ذلك رشوة، فإذا كان صاحب جاه يستطيع أن يرفع ظلما وقع على إنسان بجاهه وجب عليه العمل على رفعه، وبذلك تبطل الجعالة، لانها لا تكون إلا عوضا عما لا يجب على العامل.
ومقتضى النصيحة والعمل لاحقاق الحق الذى يلزمه كل مسلم يمنع هذه الصورة التى أفتى بها النووي رحمه الله تعالى.
ولانهم قالوا إن السعي والعمل وبذلك المجهود هي مع حصول المقصود توجب
[ ١٥ / ١٢٠ ]
الجعالة، وجعلو إخبار الطبيب للمريض بدوائه عملا تافها لا جهد فيه ولا سعى
فلا يستحق عليه جعلا، فكيف بمن له جاه يمكن أن يؤثر به في رفع ظلم أو قضاء مصلحة بدون مشقة أو جهد أو سعى إلا أن يتفوه بكلمة هل يحل له أن يأخذ جعالة؟ إن قياس المذهب والبناء على أصله يمنع ذلك.
ولا أعلم في ذلك خلاف في الاصل الذى بنينا عليه، لانه يستمد قوته من قوله ﷺ (الحلال بين والحرام بين) ويشترط لصحة العقد كون الجعل مالا معلوما لانه عوض كالاجرة والمهر ولانه عقد جوز للحاجة، ولا حاجة لجهالة العوض بخلاف العمل، ولان جهالة العوض تفوت مقصود العقد إذ لا يرغب أحد في العمل مع جهالة العوض، ويحصل العلم بالمشاهدة إن كان معينا، وبالوصف إن كان في الذمة.
فلو قال: من رد ضالتي فله ما حملت، وكان ما تحمله معروفا كسرجها ولجامها أو شيئا آخر تنقله ضلت به وكان معروفا للعامل، واستشكل ابن الرفعة اعتبار الوصف في المعين لانهم منعوه في البيع والاجارة وغيرهما.
قال البلقينى: ويمكن الفرق بدخول التخفيف هنا فلم يشدد فيها بخلاف نحو البيع، وقياسه صحته فله نصفه إن علم، وإن لم يعرف محله وهو أوجه الوجهين.
وما قاسه عليه الرافعى من استئجار المرضعة بنصف الرضيع بعد الفطام أجاب عنه في الكفاية بأن الاجرة المعينة تملك بالعقد فجعلها جزءا من الرضيع بعد الفطام يقتضى تأجيل ملكه، وهنا إنما تملك بتمام فلا مخالفة لمقتضى العقد ولا عمل يقع في مشترك، كذا أفاده الرملي (فرع)
إذا قال: من رد على ضالتي من بلد كذا فرده من جهه ذلك البلد لكن من أبعد منه فلا زيادة له لتبرعه بها.
أما إذا قال: من رده من بلد كذا فرده من أقرب منه فلا يستحق الاقسطه من الجعل، لانه جعل كل الجعل
في مقابلة العمل، فبعضه في مقابلة بعضه، فإن رده من نصف الطريق استحق نصف الجعل.
[ ١٥ / ١٢١ ]
فإذا كانت الطريق غير متساوية في الحزونة والسهولة بأن كان النصف الذى قطعه يمكن أن تكون أجرته ضعف أجرة النصف الآخر استحق الثلثين من الجعل، فإن كان من البلد أو من مسافة مثل مسافته ولو من جهة أخرى استحق المسمى.
ولو رد من البلد المعين، ورأى المالك في نصف الطريق فدفعه إليه استحق نصف الجعل.
ولو قال: من رد على ضالتي فله كذا، فرد احدهما استحق نصف الجعل، استوت قيمة الضالتين أو اختلفت.
ولو قال لرجلين ان رددتما ضالتي فلكما كذا فرد أحدهما احداهما استحق الربع أو كليهما استحق النصف أو رداهما استحقا المسمى.
ولو قال أول من يرد ضالتي فله كذا فرداها استحقا المسمى مناصفة لوصفهما بالاوليه في الرد.
ولو قال لكل واحد من ثلاثة ردها ولك دينار، فردوها جميعا استحق كل واحد منهم ثلث دينار توزيعا بالحصص على الرؤوس، هذا إذا عمل كل منهم لنفسه ليأخذ الدينار.
أما لو قال: أعنت صاحبي فلا شئ له ويقتسمان في الدينار، أو قال اثنان ذلك أخذ الثالث الدينار وحده ولا شئ لهما وللآخر جميع المشروط، فان شاركهم رابع فلا شئ له.
أما إذا قصد بمعاونته المالك أو أخذ الجعل منه فلكل واحد من الثلاثة ربع المشروط، فان أعانا أحدهما فلكل واحد من الاثنين ربع المشروط وللمعاون
بفتح الواو النصف، فان شرط لاحدهم جعلا مجهولا، ولكل من الآخرين دينارا فردوه فله ثلث أجرة المثل ولهما ثلثا المسمى.
وهكذا قال النووي إذا اشترك اثنان في رده اشتركا في الجعل.
ولو التزم جعلا لمعين فشاركه غيره في العمل ان قصد اعانته فله كل الجعل.
[ ١٥ / ١٢٢ ]
وهنا يقول صاحب النهاية: لان قصد الملتزم الرد ممن التزم له بأى وجه أمكن فلم يقصر لفظه على المخاطب وحده بخلاف ما مر فيما إذا أذن لمعين فرد نائبه مع قدرته، لان المالك لم يأذن فيه اصلا.
ولا شئ للمعين إلا إن التزم له المخاطب أجرة، ويؤخذ من كلامهم هنا، وفى المساقاة كما أفاده السبكى جواز الاستنابة في الامامة والتدريس وسائر الوظائف التى تقبل النيابة، أي ولو بدون عذر فيما يظهر، ولو لم يأذن الواقف إذا استناب مثله أو خيرا منه، ويستحق المستنيب جميع المعلوم، وان أفتى ابن عبد السلام والنووي بأنه لا يستحقه واحد منهما، إذ المستنيب لم يباشر والنائب لم يأذن له الناظر، فلا ولاية له، وما نازع به الاذرعى من كون ذلك سببا لفتح باب أكل أرباب الجهالات مال الوقف دائما مما أرصد للمناصب الدينية، واستنابة من لا يصلح أو يصلح بنذر يسير.
قال غيره: وهكذا جرى فلا حول ولا قوه إلا بالله مردود باشتراط كونه مثله أو خيرا منه.
ولو قال لواحد: إن رددته فلك دينار.
وقال لآخر: إن رددته أرضيك، أو أحلى بالحلوى فمك، فرداه، فللاول نصف الدينار، وللآخر نصف أجرة مثل عمله.
وينقسم العقد باعتبار لزومه وجوازه إلى ثلاثة أقسام: (أحدها) لازم من الطرفين قطعا كالبيع والاجارة والسلم والصلح والحواله
والمسافاة والهبة لغير الفروع بعد القبض والخلع، ولازم من أحدهما قطعا، ومن الاخر على الاصح وهو النكاح فإنه لازم من جهة المرأة قطعا، ومن جهة الزوج على الاصح، وقدرته على الطلاق ليست فسخا.
(ثانيها) لازم من أحد الطرفين جائز من الاخر قطعا كالكتابة، والرهن وهبة الاصول للفروع بعد القبض والضمان والكفالة.
(ثالثها) جائز من الطرفين كالشركة والوكالة والعارية والوديعة، وكذا الجعل له قبل فراغ العمل.
[ ١٥ / ١٢٣ ]
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
ويجوز لكل واحد منهما فسخ العقد لانه عقد على عمل مجهول بعوض، فجاز لكل واحد منهما فسخه كالمضاربة، فإن فسخ العامل لم يستحق شيئا لان الجعل يستحق بالفراغ من العمل، وقد تركه فسقط حقه، وإن فسخ رب المال، فان كان قبل العمل لم يلزمه شئ، لانه فسخ قبل أن يستهلك منفعة العامل فلم يلزمه شئ، كما لو فسخ المضاربة قبل العمل، وإن كان بعدما شرع في العمل لزمه أجرة المثل لما عمل، لانه استهلك منفعته بشرط العوض فلزمه أجرته، كما لو فسخ المضاربة بعد الشروع في العمل.
(فصل)
وتجوز الزيادة والنقصان في الجعل قبل العمل، فان قال: من رد عبدى فله دينار، ثم قال: من رده فله عشره، فرده رجل استحق عشرة، وان قال: من رد عبدى فله عشرة، ثم قال: من رده فله دينار، استحق الدينار، لانه مال بذل في مقابلة عمل في عقد جائز فجائز والزيادة والنقصان فيه قبل العمل كالربح في المضاربة.
(فصل)
وإن اختلف العامل ورب المال فقال العامل: شرطت لى الجعل
وأنكر رب المال، فالقول قول رب المال، لان الاصل عدم الشرط وعدم الضمان، وان اختلفا في عين العبد فقال السيد: شرطت الجعل في رد غيره.
وقال العامل: بل شرطت الجعل في رده، فالقول قول المالك، لان العامل يدعى عليه شرط الجعل في عقد، الاصل عدمه، فكان القول فيه قوله، وان اختلفا في قدر الجعال تحالفا كما قلنا في البيع، فإذا تحالفا رجع إلى أجرة المثل كما رجع في البيع بعد هلاك السلعة إلى قيمة العين.
وان اختلف العامل والعبد فقال العامل: أنا رددته.
وقال العبد جئت بنفسى وصدقة المولى، فالقول قول المولى مع يمينه، لان الاصل عدم الرد، وعدم وجوب الجعل، وبالله التوفيق.
(الشرح) قلنا: ان العقود منها الجائز من الطرفين كالشركة والوكالة والعارية
[ ١٥ / ١٢٤ ]
والوديعة (والجعالة قبل الفراغ من العمل) ومن ثم يجوز لاى منهما الفسخ قبل تمام العمل، لانه عقد جائز من الطرفين، أما من جهة الجاعل فمن حيث إنها تعلن استحقاق بشرط فأشبهت الوصية.
وأما من جهة العامل فلان العمل فيها مجهول، وما كان كذلك لا يتصف باللزوم كالفراض، وإنما يتصور الفسخ من العامل في الابتداء إذا كان معينا بخلاف غيره فلا يتصور فسخه إلا بعد شروعه في العمل، والمراد بالفسخ رفع العقد ورده، وخرج بقوله: قبل العمل، ما بعده، فإنه لا أثر للفسخ، لان الجعل قد لزم واستقر، وعلم من جوازها انفساخها بموت أحد المتعاقدين أو جنونه أو إغمائه.
فلو مات المالك بعد الشروع في العمل فرده إلى وارثه استحق قسط ما عمله في الحياة من المسمى.
وإن مات العامل فرده وارثه استحق القسط منه أيضا، فإن فسخ قبل الشروع
أو فسخه العامل بعد الشروع فلا شئ له، لانه لم يعمل شيئا في الاولى، ولان الجعل إنما يستحق في الثانية بتمام العمل، وقد فوته باختياره.
وان فسخ المالك بعد الشروع في العمل فعليه أجرة المثل لما مضى في الاصح لان جوازه يقتضى التسلط على رفعه، وإذا ارتفع لم يجب المسمى كسائر الفسوخ لكن عمل العامل وقع محترما فلا يحبط بفسخ غيره فرجع إلى بدله وهو أجرة المثل كالاجارة إذا فسخت بعيب.
والثانى: لا شئ للعامل كما لو فسخ بنفسه، ولا فرق على هذا القول بين أن يكون ما صدر من العامل لا يحصل به مقصود أصلا كرد الضال إلى بعض الطريق أو يحصل به بعضه كما لو قال: ان علمت ابني القرآن فلك كذا ثم منعه من تعليمه ولا يشكل ما رجحوه هنا كما يقول الرملي من استحقاق أجرة المثل بقولهم: إذا مات العامل أو المالك في أثناء العمل حيث ينفسخ ويجب القسط من المسمى لان الجاعل أسقط حكم المسمى في مسئلتنا بفسخه بخلافه في تلك، وما فرق به بعض الشراح من أن العامل في الانفساخ تمم العمل بعده ولم يمنعه المالك منه
[ ١٥ / ١٢٥ ]
بخلافه في الفسخ، محل نظر، إذ لا أثر له في الفرق بين خصوص الوجوب من المسمى تارة، ومن أجرة المثل أخرى كما هو ظاهر للمتأمل.
(فرع)
ويجوز للمالك أن يزيد وينقص في العمل وفى الجعل ولو من غير جنسه ونوعه قبل الفراغ كالمبيع في زمن الخيار، سواء ما قبل الشروع في العمل أو بعده، لانه عقد جائز، فلو قال: من رد ضالتي فله عشرة، ثم قال من ردها فله خمسة أو عكس فالاعتبار بالاخير من قوليه، أما بعد الشروع ففائدته وجوب أجرة المثل له، لان النداء الاخير فسخ للاول، والفسخ في أثناء العمل يقتضى
الرجوع إلى أجرة المثل، ومحله قبل الشروع أن يعلم العامل بالتغيير، فإن لم يعلم به فيما إذا كان معينا ولم يعلن به الملتزم فيما إذا كان غير معين، هكذا أفاده في النهاية.
وقال الغزالي في الوسيط: ينقدح أن يقال: يستحق أجرة المثل وهو الراجح وقال الماوردى والرويانى وأقره السبكى: يستحق الجعل الاول، كما أقر ذلك البلقينى وغيره، فعلى الاول لو عمل من سمع النداء الاول خاصة، ومن سمع النداء الثاني استحق الاول نصف أجرة المثل والثانى نصف المسمى الثاني، وعلى قول الماوردى والرويانى والسبكي والبلقيني للاول نصف الجعل الاول وللثاني نصف الثاني.
أما التغيير بعد الفراغ فلا يؤثر، لان المال قد لزم، ويتوقف لزوم الجعل على تمام العمل، ولهذا قال النووي: ولو مات الآبق في بعض الطريق أو هرب فلا شئ للعامل.
قال الشراح: لانه لم يرده والاستحقاق معلق بالرد، ويخالف موت أجير الحج في أثناء العمل فإنه يستحق من الاجرة بقدر ما عمله في الاصح لان القصد بالحج الثواب، وقد حصل للمحجوج عنه الثواب بالبعض، والقصد هنا الرد ولم يوجد، ولو لم يجد المالك سلم المردود إلى الحاكم واستحق الجعل، فإن لم يكن حاكم أشهد واستحقه، ويجرى ذلك في سائر ما يتلف من محال الاعمال.
[ ١٥ / ١٢٦ ]
(فرع)
إذا اختلف المالك والعامل فقد قال النووي ﵁ يصدق المالك بيمينه إذا أنكر شرط الجعل أو سعى العامل اه.
والاول كأن يقول: ما شرطت الجعل، أو شرطته في شئ آخر.
والثانى كأن يقول: لم ترده أنت وانما رده غيرك، أو عادت الضالة بنفسها
من غير سعى منك، لان الاصل عدم الرد والشرط وبراءة ذمته، فلو اختلفا بعد الاستحقاق في قدر الجعل أو جنسه أو صفته أو في قدر العمل كأن قال شرطت مائة على رد ضالتين فقال العامل بل على رد هذا فقط تحالفا، وللعامل أجرة المثل كما في القراض والاجارة ن كل هذا إذا اختلفا بعد الفراغ من العمل والتسليم، أو قبل الفراغ فيما إذا وجب للعامل قسطه من العمل الذى عمله وجعالة، فان كان العمل مضبوطا مقدرا فاجارة ولو احتاج إلى تردد غير مضبوط فجعالة والمراد أنه يجوز عقد الاجارة في الشق الاول دون الثاني، ويد العامل على المأخوذ إلى رده يد أمانة.
ولو رفع يده عنه وخلاه بتفريط كأن خلاه بمضيعة ضمنه لتقصيره، وان خلاه بلا تفريط كأن خلاه عند الحاكم لم يضمنه ونفقته على مالكه، فان انفق عليه مدة الرد فمتبرع الا ان أذن له الحاكم فيه أو أشهد عند فقده ليرجع، والله تعالى أعلم بالصواب.
[ ١٥ / ١٢٧ ]
قال المصنف رحمه الله تعالى: