إذا افترق الزوجان ولهما ولد بالغ رشيد فله أن ينفرد عن أبويه لانه مستغن عن الحضانة والكفالة، والمستحب أن لا ينفرد عنهما ولا يقطع بره عنهما.
وان كانت جارية كره لها أن تنفرد، لانها إذا انفردت لم يؤمن أن يدخل عليها من يفسدها، وإن كان لهما ولد مجنون أو صغير لا يميز، وهو الذي له دون سبع سنين، وجبت حضانته، لانه إن ترك حضانته ضاع وهلك
(فصل)
ولا تثبت الحضانة لرقيق لانه لا يقدر على القيام بالحضانة مع خدمة المولى، ولا تثبت لمعتوه لانه لايمكل للحضانة ولا تثبت لفاسق، لانه لايوفى الحضانة حقها، ولان الحضانة إنما جعلت لحظ الولد ولا حظ للولد في حضانة الفاسق، لانه ينشأ على طريقته، ولا تثبت لكافر على مسلم.
وقال أبو سعيد الاصطخرى: تثبت للكافر على المسلم: لما روى عبد الحميد ابن سلمة (١) عن أبيه أنه قال: أسلم أبي وأبت أمي أن تسلم وأنا غلام، فاختصما
_________________
(١) هكذا بالمتن المطبوع، والصواب عبد الحميد بن جعفر، وهو ما اعتمدناه في الشرح، وقد وجدنا كثيرا من الفقهاء يتابعون أبا إسحاق في كونه ابن سلمة كالعمراني في البيان، وهذا خطأ، والصواب ما اعتمدناه هنا. أما عبد الحميد بن سلمة الانصاري فيقال هو ابن يزيد بن سلمة وهو مجهول. " المطيعي "
[ ١٨ / ٣٢٠ ]
إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا غلام اذهب إلى أيهما شئت، إن شئت إلى أبيك، وإن شئت إلى أمك، فتوجهت إلى أمي، فلما رأني النبي ﷺ سمعته يقول اللهم اهده فلمت إلى أبى فقعدت في حجره " والمذهب الاول،
لان الحضانة جعلت الحظ الولد ولا حظ للولد المسلم في حضانة الكافر، لانه يفتنه عن دينه وذلك من أعظم الضرر، والحديث منسوخ، لان الامة أجمعت على أنه لا يسلم الصبي المسلم إلى الكافر، ولاحضانة للمرأة إذا تزوجت، لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ " أَنَّ امرأة قالت يارسول الله ان إبنى هذا كان بطني له وعاء، وثديى له سقاء، وحجرى له حواء، وان أباه طلقني وأراد أن ينزعه مِنِّي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنت أحق به ما لم تنكحي " ولانها إذا تزوجت اشتغلت باستمتاع الزوج عن الحضانة.
فإن أعتق الرقيق وعقل المعتوه وعدل الفاسق، وأسلم الكافر عاد حقهم من الحضانة، لانها زالت لعلة فعادت بزوال العلة، وإذا طلقت المرأة عاد حقها من الحضانة وقال المزني أن كان الطلاق رجعيا لم يعد لان النكاح باق، وهذا خطأ لانه انما سقط حقها بالنكاح لاستغالها باستمتاع الزوج، وبالطلاق الرجعي يحرم الاستمتاع كما يحرم بالطلاق البائن، فعادت الحضانة
(فصل)
ولاحضانة لمن لا يرث من الرجال من ذوى الارحام وهم ابن البنت وابن الاخت وابن الاخ من الام وأبوالام والخال والعم من الام لان الحضانة انما تثبت للنساء لمعرفتهن بالحضانة أو لمن له قوة قرابة بالميراث من الرجال وهذا لا يوجد في ذوى الارحام من الرجال ولا يثبت لمن أدلى بهم من الذكور والاناث، لانه إذا لم يثبت لهم الضعف قرابتهم فلان لا يثبت لمن يدلى بهم أولى (الشرح) حديث عبد الحميد بن جعفر عن أبيه عن جده رافع بن سنان، وهو أبو الحكم الانصاري الاوسي، أخرجه أبو داود في الطلاق عن ابراهيم بن موسى الرازي والنسائي في الطلاق أيضا عن محمود بن غيلان.
ورواه أحمد بلفظ " قال أخبرني أبى عن جدى رافع بن سنان أنه أسلم وأبت امرأته أن تسلم فأتت النبي ﷺ فقالت ابنتى وهي فطيم أو شبهه، وقال رافع ابنتى، فقال
[ ١٨ / ٣٢١ ]
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اقعد ناحية، وقال لها اقعدي ناحية، فأقعد الصبية بينهما ثم قال ادعوها فمالت إلى أمها، فقال النبي ﷺ: اللهم اهدها فمالت إلى أبيها فأخذها " ووقعت هذه الصيغة في رواية عند أبى داود، كما وردت بلفظ " فجاء بابن له صغير " وأخرجه بلفظ الانثى النسائي وابن ماجه والدارقطني وفي إسناده اختلاف كثير وألفاظه مختلفة مضطربة، وقد رجح ابن القطان رواية الابن.
وقال ابن المنذر: لا يثبته أهل النقل وفي إسناده مقال.
قلت: قد صححه الحاكم وذكر الدارقطني أن البنت المخيرة اسهما عميرة.
وقال ابن الجوزى: رواية من روى أنه كان غلاما أصح.
وقال ابن القطان: لو صحت رواية من روى أنها بنت لاحتمل أنهما قصتان لاختلاف المخرجين وقد اختلف انقاد في عبد الحميد بن جعفر، فقال ابن حجر في التقريب صدوق رمى بالقدر وربما وهم.
وقال الذهبي في الميزان: عبد الحميد بن جعفر عن أبيه ونافع ومحمد بن عمرو بن عطاء وعنه يحيى القطان وأبو عاصم وعدة.
قال النسائي ليس به بأس، وكذا قال أحمد.
وقال ابن معين ثقة، وقد نقم عليه الثوري خروجه مع محمد بن عبد الله.
وقال أبو حاتم لا يحتج به، وقيل كان يرى القدر والله أعلم، نعم قال على بن المدينى: كان يقول بالقدر، وهو عندنا ثقة، وكان سفيان يضعفه.
اه أما حديث عبد الله بن عمرو فقد رواه أحمد بلفظ " أن امرأة قالت يارسول الله إن ابني هذا كان بطني له وعاء وحجرى له حواء وثديى له سقاء وزعم أبوه أنه ينزعه منى، فقال أنت أحق به ما لم تنكحي " وأخرجه أبو داود في الطلاق عن محمد بن خالد ولكن في لفظه " وأن أباه طلقني وزعم أنه يتنزعه منى "
وأخرجه البيهقى والحاكم وصححه، وهو من حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ.
أما اللغات فإن الحضانة مشتقة من الحضن وهو ما دون الابط إلى الكشح.
وقيل هو الصدر والعضدان وما بينهما، والجمع أحضان ومنه الاحتضان، وهو احتمالك الشئ وجعله في حضنك، كما تحتضن المرأة ولدها فتحتمله في أحد شقيها
[ ١٨ / ٣٢٢ ]
وفي الحديث أنه خرج محتضنا أحد ابني ابنته، أي حاملا له في حضنه، والحضن الجنب وهما حضنان.
وفي حديث أسيد بن الحضير أنه قال لعامر بن الطفيل أخرج بذمتك لئلا أنفذ حضنيك، والمحتضن الحضن.
قال الكميت كما خامرت في حضنها أم عامر لدى الحبل حتى غال أوس عيالها وحضنا الليل جانباه، وحضن الجبل ما يطيف به، وفي حديث علي كرم الله وجهه " عليكم بالحضنين " يريد يجنتبى العسكر، وحضن الطائر بيضه وعلى بيضه يحضن حضنا وحضانة وحضانا وحضونا رجن عليه للتفريخ.
قال الجوهرى حضن الطائر بيضه إذا ضمنه إلى نفسه تحت جناحيه، وكذلك المرأة إذا حضنت ولدها، وحمامة حاضن بغير هاء، واسم المكان المحضن، والمحضنة المعمولة للحمامة كالقصعة الروحاء من الطين.
وحضن الصبى يحضنه حضنا رباه، والحاضن والحاضنة الموكلان بالصبى يحفظانه ويربيانه.
وفي حديث عروة بن الزبير " عجبت لقوم طلبوا العلم حتى إذا ناوا منه صاروا حضانا لاباء الملوك " أي مربين وكافلين، وحضان جمع حضان، لان المربى والكافل يضم الطفل إلى حضنه وبه سميت الحاضنة، وهى التي تربى الطفل، والحاضنة بالفتح فعلها، والحجر بمعنى وحواء أي يحويه ويحيط به.
أما الاحكام فإذا بانت الزوجة وبينهما ولد - فإن كان بالغا رشيدا لم يجبر
على الكون مع أحدهما، بل يجوز له أن ينفرد عنهما، إلا أن المستحب له أن لا ينفرد عنهما لئلا ينفطع بره وخدمته عنهما، وهل يكره له الانفراد عنهما؟ ينظر فيه - فإن كان رحلا - لم يكره له الانفراد عنهما وان كانت امرأة، فإن كانت بكرا، كره لها الانفصال عنهما لانها لم تجرب الرجال ولا يؤمن أن تخدع وإن كانت ثيبا فارقها زوجها لم يكره لها الانفراد عنهما لانها قد جربت الرجال ولا يخشى عليها أن تخدع وقال مالك يجب على الابنة أن لا تفارق أمها حتى تتزوج ويدخل بها الزوج دليلنا أنها إذا بلغت رشيدة فقد ارتفع الحجر عنها: فكان لها أن تنفرد بنفسها ولا اعتراض عليها، كما لو تزوجت ثم بانت عنه، وان كان الولد صغيرا لا يميز
[ ١٨ / ٣٢٣ ]
وهو الذي له دون سبع سنين أو كبيرا إلا أنه مجنون أو ضعيف العقل وجبت حضانته، لانه إذا ترك منفردا ضاع.
ولا تثبت الحضانة لمعتوه - وهو ناقص العقل - ولا لمجنون لانه لا يصلح للحضانة، ولا تثبت الحضانة لفاسق لانه لا يؤمن أن ينشأ الطفل على منزعه، وإن كان أحد الابوين مسلما فالولد ولا تثبت عليه الحضانة للكافر.
وقال أبو سعيد الاصطخرى تثبت الحضانة للكافر على المسلم لحديث عبد الحميد بن جعفر عن أبيه، وقد أوردنا طرقه آنفا، وقد قال المصنف إنه منسوخ، ونقول: إن هذا الحديث استدل به القائلون بثوبت الحضانة للام الكافرة كأبى حنيفة وأصحابه وابن القاسم المالكى وأبو ثور، وذهب إلى الجمهور إلى أنه لا حضانة للكافرة على ولدها المسلم.
وأجابوا عن الحديث بما تقدم من المقال فيه وبما فيه من الاضطراب، ولكن الحديث بأسانيده وطرقه يصلح للاحتجاج به، والاضطراب ممنوع باعتبار محل
الحجة، وهو كفر الام وثبوت التخيير.
وهذا العنصران هما ما يدور حولهما الحكم.
ولعل المصنف يحتج في النسخ بأدلة عامة، كقوله تَعَالَى " وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سبيلا " وبنحو " الاسلام يعلو " وقد استدل ابن القيم بقوله تعالى " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نارا " على أن المراعى أولا في التخيير أو الاستهام بالقرعة ما هو أصلح للصغير، وأن أيا ما كان الامر من التخيير أو التعيين أو الاقتراع، فإن أولئك مقيد بقوله تعالى " قوا أنفسكم وأهليكم نارا " وحكى عن شيخه ابن تيمية أنه قال: تنازع أبوان صبيا عند الحاكم فخير الولد بينهما فاختار أباه، فقالت أمه سله لاى شئ يختاره؟ فسأله فقال: أمي تبعثني كل يوم للكاتب والفقيه يضرباني وأبى يتركني ألعب مع الصبيان فقضى به للام.
ورجح هذا ابن تيمية فإذا كانت روح الشرع تقضى بمراعاة صالح الصغير.
فإن مما لا شك فيه أن إلقاءه في أحضان قضاء على صلاحه دنيا وأخرى.
ومن ثم يتعين خطا أبى سعيد الاصطخرى وأبى حنيفة وأصحابه وابن القاسم وأبى ثور
[ ١٨ / ٣٢٤ ]
وقال العمرانى ان الحضانة لحظ الولد ولاحظ له في حضانة الكافر، لانه لا يؤمن أن يفتن عن دينه.
ثم قال: أما الحديث فغير معروف عند أهل النقل وإن صح فيحتمل أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ علم أنه يختار أباه، فلهذا خيره، فيكون ذلك خاصا لذلك الولد دون غيره اه (فرع)
وإذا تزوجت المرأة سقطت حقها من الحضانة، وبه قال مالك وابو حنيفة وقال الحسن البصري لا يسقط حقها لقولها تعالى " وربائبكم اللاتى في حجوركم من نسائكم " ولان النبي ﷺ تزوج أم سلمة ومعها بنتها زينب
فكانت عندها.
وروى ابن عباس أن عليا وجعفر ابني أبى طالب وزيد بن حارثة تنازعوا في حضانة ابنة حمزة بن عبد المطلب، واختصموا إلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ جعفر أنا أحق بها أنا ابن عمها وخالتها تحتي، وقال على أنا أحق بها أنا ابن عمها وإبنة رسول الله ﷺ تحتي - يعنى إبنة ابن عمها.
وقال زيد أنا أحق بها لانها إبنة أخى - وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ آخى بين زيد بن حارثة - فقضى رسول الله ﷺ لخالتها وقال الخالة أم.
فقضى بها للخالة وهى مزوجة ودليلنا ماروى عبد الله بن عمرو " أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ النَّبِيَّ ﷺ وقالت يارسول الله ان ابني هذا كان بطني له وعاء، وحجرى له حواء، وثديى له سقاء، وإن أباه طلقني ويرد أن ينزعه منى، فقال ﷺ أنت أحق به ما لم تنكحي " وروى أبو هريرة النبي ﷺ قال " الام أحق بولدها ما لم تتزوج " ولانها إذا تزوجت استحق الزوج الاستمتاع بها إلا في وقت العبادة، فلا تقوم بحضانة الولد.
وأما الآية فالمراد بها إذا لم يكن هناك أب أو كان ورضى وأما زينب وابنة حمزة فلانه لم يكن هناك من النساء من تستحق الحضانة خالية من الازواج.
إذا ثبت هذا فإن طلقت الزوجة طلاقا بائنا أو رجعيا عاد حقها من الحضانة وقال مالك لا يعود حقها من الحضانة بحال
[ ١٨ / ٣٢٥ ]
وقال أبو حنيفة والمزنى: ان كان الطلاق بائنا عاد حقها، وإن كان رجعيا لم يعد حقها، لان الزوجية باقية بينهما، ودليلنا أن حقها إنما سقط لاشتغالها عن
الحضانة باستمتاع الزوج، ولا يملك الزوج الاستمتاع بها بعد الطلاق البائن والرجعى، فعاد حقها من الحضانة.
وإن أعتق الرقيق، أو عقل المجنون والمعتوه، أو عدل الفاسق، أو أسلم الكافر عاد حقهم من الحضانة، لان الحضانة زالت بمعنى، وقد زال المعنى فعادت الحضانة.
(مسألة) قوله " ولاحضانة لمن لا يرث من الرجال من ذوى الارحام " وهذا صحيح مثل ابن الاخت وابن الاخ للام وأبى الام والخال وابن العم لانه ذكر لا يرث فأشبه الأجنبي.
وقال المصنف هنا: ولا تثبت الحضانة لابن البنت وهذا الذى قال لا يتصور في حضانة الصغير، وإنما يتصور في الكبير والمجنون لانا قد قلنا يجب حضانتة الصغير، ولا تثبت الحضانة لمن أدلى من النساء والرجال بهولاء الرجال، لان الحضانة إذا لم تثبت لهم بأنفسهم لم تثبت لمن أدلى بهم.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
وإن اجتمع النساء دون الرجال وهن من أهل الحضانة فالام أحق من غيرها، لما روى عبد الله بن عمر بْنِ الْعَاصِ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ " أنت أحق به ما لم تنكحي " ولانها أقرب إليه وأشفق عليه، ثم تنتقل إلى من يرث من أمهاتها، لمشاركتهن الام في الولادة والارث، ويقدم الاقرب فالاقرب، ويقدمن على أمهات الاب، وإن قربن لتحقق ولادتهن، ولانهن أقوى في الميراث من أمهات الاب، لانهن لا يسقطن بالاب، وتسقط أمهات الاب بالام، فإذا عدم من يصلح للحضانة من أمهات الام ففيه قولان.
قال في القديم تنتق إلى الاخت والخالة، ويقدمان على أم الاب، لِمَا رَوَى الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ ﵁ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قضى في بنت حمزة لخالتها وقال
الخالة بمنزلة الام " ولان الخالة تدلى بالام، وأم الاب تدلى بالاب، والام تقدم
[ ١٨ / ٣٢٦ ]
على الاب فقدم من يدلى بها على من يدلى به، ولان الاخت ركضت مع الولد في الرحم، ولم تركض أم الاب معه في الرحم، فقدمت عليها، فعلى هذا تكون الحضانة للاخت من الاب والام، ثم الاخت من الام ثم الخالة ثم لام الاب ثم للاخت من الاب ثم للعمة وقال في الجديد: إذا عدمت أمهات الام انتقلت الحضانة إلى أم الاب وهو الصحيح، لانها جدة وارثة فقدمت على الاخت والخالة كأم الام.
فعلى هذا تكون الحضانة لام الاب ثم لامهاتها وان علون، الاقرب فالاقرب، ويقدمن على أم الجد كما يقدم الاب على الجد، فإن عدمت أمهات الاب انتقلت إلى أمهات الجد ثم إلى أمهاتها وان علون، ثم تنتقل إلى أمهات أب الجد، فإذا عدم أمهات الابوين انتقلت إلى الاخوات ويقدمن على الخالات والعمات، لانهن راكضن الولد في الرحم وشاركنه في النسب، وتقدم الاخت من الاب والام ثم الاخت للاب ثم الاخت للام.
وقال أبو العباس ابن سريج، تقدم الاخت للام على الاخت للاب، لان إحداهما تدلى بالام والاخرى تدلى بالاب، فقدم المدلى بالام على المدلى بالاب كما قدمت الام على الاب، وهذا خطأ لان الاخت من الاب أقوى من الاخت من الام في الميراث والتعصيب مع البنات، ولان الاخت من الاب تقوم مقام الاخت من الاب والام في الميراث، فقامت مقامها في الحضانة.
فإن عدمت الاخوات انتقلت إلى الخالات، ويقدمن على العمات، لان الخالة تساوى العمة في الدرجة وعدم الارث وتدلى بالام والعمة تدلى بالاب: والام تقدم على الاب فقدم من يدلى بها، وتقدم الخالة من الاب والام على الخالة من الاب، ثم الخالة
من الاب ثم الخالة من الام، ثم تنتقل إلى العمات لانهن يدلين بالاب، وتقدم العمة من الاب والام ثم العمة من الاب ثم العمة من الام، وعلى قياس قول المزني وأبى العباس تقدم الخالة والعمة من الام على الخالة والعمة من الاب (الشرح) حديث عبد الله بن عمرو مضى تخريجه آنفا.
أما حديث البراء بن عازب فقد أخرجه البخاري في الحج وفيه " اعتمر النبي ﷺ في
[ ١٨ / ٣٢٧ ]
ذى القعدة قبل أن يحج وفيه قوله لجعفر " أشبهت خلقي وخلقي " وفيه صلح المشركين يوم الحديبية، وأخرجه في الجزية عن أحمد بن عثمان بن حكيم، وفي الصلح عن عبيد الله بن موسى وعن محمد بن بشار.
وأخرجه مسلم في المغازى عن محمد بن المثنى ومنمد بن بشار وعن عبيد الله بن معاذ وعن إسحاق بن ابراهيم وأحمد ابن خباب وأبو داود في الحج عن أحمد بن حنبل والترمذي في الحج عن عباس ابن محمد الدوري وفي البر عن سفيان بن وكيع وعن محمد بن أحمد بن بدوية وفي المناقب عن محمد بن.
اسماعيل البخاري.
ورواه أحمد من حديث على وفيه " والجارية عند خالتها فإن الخالة والدة " وأخرجه عن على أبو داود والحاكم والبيهقي بمعناه واللفظ المتفق عليه في رواية أحمد والبخاري ومسلم " أن إبنة حمزة اختصم فيها على وجعفر وزيد، فقال على أنا أحق بها هي إبنة عمى، وقال جعفر بنت عمى وخالتها تحتي، وقال زيد إبنه أخى، فقضى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لخالتها وقال " الخالة بمنزلة الام " قوله " وخالتها تحتي " يعنى أسماء بنت عميس وقد طعن ابن حزم في حديث البراء في كتابه وقال في إسناده اسرائيل وقد ضعفه على بن المدينى، وقد رد عليه بأنه قد وثقه سائر أهل الحديث، ولا يضره أن ينفرد ابن المدينى بتضعيفه وقد تعجب أحمد بن حنبل من حفظه وقال ثقة
وقال أبو حاتم هو أتقن أصحاب أبى إسحاق، وكفى باتفاق الشيخين على إخراج هذا الحديث دليلا أما الاحكام فإذا اجتمع النساء من القرابة وهن يصلحن للحضانة، أو لا رجل معهن وتنازعن في حضانة المولود قدمت الام على غيرها لقوله ﷺ " الام أحق بولدها ما لم تتزوج " ولانها أقرب إليه وأشفق عليها، فإن عدمت الام انتقلت الحضانة إلى أمها ثم إلى أم أمها وإن علت، فأما أمهات أبيها فلا مدخل لهن في الحضانة، فإن عدمت الجدات من قبل الام ففيه قولان قال في القديم تنتقل الحضانة إلى الاخوات والخالات وتقدمن على أمهات الاب لانهن يدلين بالام، وأمهات الاب يدلين بالاب، والام تقدم على الاب فقدم من يدلى بها على من يدلى بالاب، فعلى هذا تكون الحضانة للاخت للاب
[ ١٨ / ٣٢٨ ]
والام ويقدمان على الخالة لانهما أقرب لكونهما ركضا مع الولد في رحم واحد ثم ينتقل إلى الخالة لقوله ﷺ الخالة أم، فتكون الحضانة للخالة للاب والام ثم للخالة للاب، فإذا عدمت الاخوات للاب والام أو للام والخالات انتقلت الحاضنة إلى أم الاب ثم إلى أمهاتها ثم تنتقل إلى الاخت للاب ثم إلى العمة، ويقدمان على أمهات الجد، لان الاب أقرب من الجد فتقدم من يدلى به على من يدلى بالجد.
ثم تنتقل إلى أمهات الجد الوارثات الاقرب فالاقرب وكذا ذكر الشيخ أبو إسحاق هنا.
قال الشوكاني في النيل، واستشكل كثير من الفقهاء وقوع القضاء منه ﷺ لجعفر وقالوا ان كان القضاء له فليس بمحرم لها، وهو وعلى سواء في قرابتها، وان كان القضاء للخالة فهي مزوجة والزواج مسقط لحقها من الحضانة فسقوط حق الخالة بالزواج أولى.
وأجيب عن ذلك بأن القضاء للخالة والزواج لا يسقط حقها من الحضانة مع رضا الزوج كما ذهب إليه أحمد والحسن البصري والامام يحيى وابن حزم.
وقيل ان النكاح إنما يسقط حضانة الام وحدها حيث كان المنازع لها الاب.
ولا يسقط حق غيرها ولاحق الام حيث كان المنازع لها غير الاب.
وبهذا يجمع بين حديث البراء وحديث عبد الله بن عمرو.
اه قال ابن الصباغ والطبري تقدم الاخت للاب على الاخت للام على هذا أيضا وقال في الجديد إذا عدم من يصلح للحضانة من أمهات الام انتقلت الحضانة إلى أمهات الاب الوارثات.
فإن عدم من يصلح لها من أمهات الاب انتقلت إلى أمهات الجد ثم إلى أمهات أبى الجد، فإن عدم من يصلح لها من والجدات من قبل الاب انتقلت إلى الاخوات.
وبه قال أبو حنيفة - وهو الاصح - لانهن جدات وارثات فقدمن على الاخوات كالجدات من قبل الام، ويقدم الاخوات على الخالات والعمات لانهن أقرب فتكون الحضانة للاخت للاب والام ثم الاخت للاب ثم للاخت للام لانهن أقرب وقال أبو حنيفة والمزنى وأبو العباس بن سريج تقدم الاخت للام على الاخت للاب لانها تدلى بالام، والاخت للاب تدلى بالاب، فقدم من تدلى بالام على
[ ١٨ / ٣٢٩ ]
من تدلى بالاب، كما تقدم الام على الاب والمذهب الاول، لان الاخت للاب تقوم مقام الاخت للاب والام في التعصيب فقامت مقامها في الحضانة، ثم تنتقل إلى الخالات ويقدمن على العمات لانهن يدلين بالام فتكون الحضانة للخالة للاب والام ثم للخالة للاب ثم للخالة للام ثم للعمة للاب والام ثم للعمة للاب ثم للعمة للام.
وعلى قول من قدم الاخت للام على الاخت للاب تقدم الخالة والعمة للام على الخالة والعمة للاب.
والذى يقتضى المذهب أن الحضانة لا تنتقل إلى
الخالات إلا بعد عدم بنات الاخ وبنات الاخت لانهن أقرب، ولا تنتقل الحضانة إلى العمات إلا بعد عدم بنات الخالات
قال المصنف رحمه الله تعالى
(فصل)
وإن اجتمع الرجال وهم من أهل الحضانة وليس معهم نساء قدم الاب، لان له ولادة وفضل شفقة، ثم تنتقل إلى آبائه الاقرب فالاقرب لمشاركتهم الاب في الولادة والتعصيب، فإن عدم الاجداد انتقلت إلى من بعدهم من العصبات.
ومن أصحابنا من قال لا يثبت لغير الآباء والاجداد من العصبات لانه لا معرفة لهم في الحضانة ولا لهم ولاية بأنفسهم فلم تكن لهم حضانة كالاجانب والمنصوص هو الاول.
والدليل عليه ماروى البراء بن عازب ﵁ " أنه اختصم في بنت حمزه على وجعفر وزيد بن حارثة ﵃، فقال على ﵇ أنا أحق بها وهى بنت عمى.
وقال جعفر ابنة عمى وخالتها عندي وقال زيد بنت أخى، فقضى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لخالتها، وقال الخالة بمنزلة الام " ولو لم يكن ابن العم من أهل الحضانة لانكر النبي ﷺ على جعفر، وعلى على ﵄ ادعاءهما الحضانة بالعمومة، ولان له تعصيبا بالقرابة فثبتت له الحضانة كالاب والجد، فعلى هذا تنتقل إلى الاخ من الاب والام، ثم إلى الاخ من الاب، ثم إلى ابن الاخ من الاب والام، ثم إلى ابن الاخ من الاب، ثم إلى العم من الاب والام، ثم إلى العم من الاب ثم إلى ابن العم من الاب والام، ثم إلى ابن العم من الاب، لان الحضانة تثبت لهم قوة قرابتهم بالارث فقدم من تقدم في الارث
[ ١٨ / ٣٣٠ ]
(الشرح) الاحكام إذا اجتمع الرجال ولانساء معهم وهم من أهل الحضانة قدم الاب على غيره من الرجال لان له ولاية عليه ثم تنتقل إلى آبائه الوارثين
الاقرب فالاقرب: لانهم يلون عليه بأنفسهم فقاموا مقام الاب، وهل تثبت الحضانة لغيرهم من العمات؟ فيه وجهان.
من أصحابنا من قال لا تثبت لهم الحضانة لانه لا معرفة لهم في الحضانة ولا يلون عن ماله بأنفسهم فلم يكن لهم حق الحضانة كالاجانب إلا أن لهم تأديب الولد وتعليمه.
ومنهم من قال تثبت لهم الحضانة وهو المنصوص، لان عليا وجعفر ادعيا حضانة ابنة حمزة بكونهما ابني عم بحضرة النَّبِيَّ ﷺ وَلَمْ يُنْكِرْ النبي ﵇ عليهما دعواهما بذلك وروى عمارة الجرمى قال " خيرنى علي ﵁ بين عمى وأمى " ولان له تعصيبا بالقرابة فثبتت له الحضانة كالاب والجد، فعلى هذا إذا عدم الاجداد - قال المصنف - انتقلت الحضانة إلى الاخ للاب والام ثم إلى الاخ للاب ثم إلى ابن الاخ للاب والام ثم إلى ابن الاخ للاب ثم إلى العم للاب والام ثم إلى العم للاب ثم إلى ابني العم وقال الصباغ: تنتقل إلى الاخ للاب والام ثم إلى الاخ للاب ثم إلى الاخ للام.
قال وعلى قول أبى العباس حيث قدم الاخت للام على الاخت للاب يكون ههنا وجهان: أحدهما لا يقدم الاخ للام على الاخ للاب لانه ليس من أهل الحضانة بنفسه وإنما يستحق بقرابته بالام والاخ للاب أقوى فقدم عليه والثاني يقدم لادلائه بالام وهى أقرب من الاب فقدم من يدلى به على من يدلى بالاب ثم بنوه الاخوة وإن سفلوا ثم العم ثم بنو العم ثم عم الاب ثم بنوه
قال المصنف رحمه الله تعالى
(فصل)
وإن اجتمع الرجال والنساء والجميع من أهل الحضانة نظرت: فإن اجمتع الاب مع الام كانت الحضانة للام، لان ولادتها متحققة وولادة
الاب مظنونة، ولان لها فضلا بالحمل والوضع ولها معرفة بالحضانة فقدمت على
[ ١٨ / ٣٣١ ]
الاب، فإن اجتمع مع أم الام وان علت كان الحضانة لام الام لانها كالام في تحقق الولادة والميراث ومعرفة الحضانة، وان اجتمع مع أم نفسه أو مع الاخت من الاب أو مع العمة قدم عليهن لانهن يدلين به فقدم عليهن، وان اجمتع الاب مع الاخت من الام أو الخالة ففيه وجهان
(أحدهما)
أن الاب أحق، وهو ظاهر النص، لان الاب له ولادة وارث فقدم على الاخت والخالة كالام.
(والثانى)
وهو قول أبى سعيد الاصطخرى أنه يقدم الاخت والخالة على الاب لانهما من أهل الحضانة والتربية ويدليان بالام فقدمتا على الاب كأمهات الام.
وان اجتمع الاب وأم الاب والاخت من الام أو الخالة بنينا على القولين في الاخت من الام والخالة إذا اجتمعا مع أم الاب، فإن قلنا بقوله القديم ان الاخت والخالة يقدمان على أم الاب، قدمت الاخت والخالة على الاب وأم الاب، وان قلنا بقوله الجديد ان أم الاب تقدم على الاخت والخالة، بنينا على الوجهين في الاب إذا اجتمع مع الاخت من الام أو الخالة، فإن قلنا بظاهر النص أن الاب يقدم عليهما كانت الحضانه للاب لانه يسقط الاخت والخالة وأم نفسه فانفرد بالحضانة، وإن قلنا با وجه الآخر ان الحضانة للاخت والخالة ففي هذه المسألة وجهان.
(أحدهما)
أن الحضانة للاخت والخالة، لان أم الاب تسقط بالاب، والاب يسقط بالاخت والخالة
(والثانى)
أن الحضانة للاب، وهو قول أبى سعيد الاصطخرى رحمة الله عليه لان الاخت والخالة يسقطان بأم الاب ثم تسقط أم الاب بالاب فتصير
الحضانة للاب، ويجوز أن يمنع الشخص غيره من حق ثم لا يحصل له ما منع منه غيره كالاخوين مع الابوين فإنهما يحجبان الام من الثلث إلى السدس ثم لا يحصل لهما ما منعاه بل يصير الجميع للاب وإن اجتمع الجد أب الاب مع الام أو مع الام وإن علت قدمت عليه كما تقدم على الاب، وإن اجتمع مع أم الاب قدمت عليه لانها تساويه في الدرجة وتنفرد بمعرفة الحضانة فقدمت عليه كما قدمت الام على الاب
[ ١٨ / ٣٣٢ ]
وان اجتمع مع الخالة أو مع الاخت من الام ففيه وجهان، كما لو اجمتعنا مع الاب، وإن اجتمع مع الاخت من الاب ففيه وجهان
(أحدهما)
أن الجد أحق لانه كالاب في الولادة والتعصيب، فكذلك في التقدم على الاخت
(والثانى)
أن الاخت أحق لانها تساويه في الدرجة وتنفرد بمعرفة الحضانة (الشرح) قال الشافعي ﵁: ولاحق لاحد مع الاب غير الام وأمهاتها.
وجملة ذلك أنه إذا اجتمع الرجال والنساء وهم من أهل الحضانة نظرت - فان اجتمع الاب والام - قدمنا الام على الاب لما روى عبد الله بن عمرو " أن امرأة قالت يارسول الله إن إبنى هذا كان بطني له وعاء وحجرى له حواء وثديى له سقاء، وإن أباه طلقني وأراد أن ينزعه منى، فقال ﷺ: أنت أحق به ما لم تنكحي " ولان الام أشفق عليه، وولادتها له من طريق القطع فقدمت عليه، وان اجتمع الاب مع أم الام وان علت قدمن على الاب لانهن يقمن مقام الام في تحقق الولادة ومعرفة الحضانة فقدمن على الاب كالام، فإن امتنعت الام من الحضانة ولها أم ففيه وجهان أحدهما - وهو قول ابن الحداد - أن الحضانة تنتقل إلى الاب ولا تنتقل
إلى أم الام، لانه لا حق لام الام مع بقاء الام، فلم تنتقل إليها، كالولي إذا عضل عن النكاح فإن الولاية لا تنتقل إلى من دونه من الاولياء
(والثانى)
أن الحضانة تكون لام الام، وهو اختيار القاضى أبى الطيب وابن الصباغ، لانه لاحق للاب في الحضانة مع وجود أم الام، فإذا امتنعت الام من الحضانه انتقلت إلى أمها كما لو ماتت أو فسقت أو جنت، ويخالف ولاية النكاح فإن الحاكم يقوم مقام العاضل، وههنا لامدخل للحاكم في الحضانة بنفسه فلم يقم مقام غيره.
وان اجتمع الاب وأم نفسه قدم الاب.
ومن أصحابنا من قال: تقدم أم الاب وأمهاتها عليه (أفاده في البيان) لان حضانة النساء أصلح للصغير وأوفق له وقال القاضى أبو الطيب: وهذا يقتضى أن تكون حضانة الاخوات والخالات
[ ١٨ / ٣٣٣ ]
والعمات أولى من الاب، وهو خلاف النص، لان الشافعي قال: ولا حق لاحد من الاب غير الام وأمها، ولانها تدلى به فلم تقدم عليه.
وإن اجتمع للاب مع الاخت للام أو مع الخالة ففيه وجهان
(أحدهما)
يقدمان على الاب، وهو قول أبى العباس بين سريج وأبى سعيد الاصطخرى وأبى حنيفة، لان لها معرفة بالحضانة ويدليان بالام فقدمتا على الاب كأمهات الام
(والثانى)
وهو المنصوص، أن الاب يقدم عليهما، لان له ولادة وإذنا فقدم عليهما كالام.
(فرع)
وان اجتمع الاب وأم الاب والاخت للام أو الخالة - فإن قلنا بقوله القديم إن أمر الاب يسقط بالاخوات أو الخالات بنينا ههنا على الوجهين في الاب هل يسقط الاخت للام والخالة؟ فإن قلنا إنه يسقطها كانت الحضانة
للاب.
وان قلنا إنهما يتقدمان عليه كانت الحضانة للاخت للام ثم للخالة ثم للاب ثم لامه وان قلنا بقوله الجديد وأن أم الاب تسقط الاخوات والخالات بينا على الوجهين أيضا في الاب إذا اجتمع مع الاخت للام أو الخالة.
فإن قلنا بالمنصوص أن الاب يسقطها كانت الحضانة للاب لانه يسقطهما ويسقط أم نفسه فكانت الحضانة له.
وإن قلنا بقول أبى العباس وأبى سعيد أنهما يسقطان الاب فههنا وجهان.
قال أبو سعيد الاصطخرى، تكون الحضانة للاب، لان الاخت والخالة تسقطان بأم الاب، وأم الاب تسقط بالاب، فصارت الحضانة له، وقد يحجب الشخص غيره من شئ ثم يحصل ذلك الشئ لغير الشخص الحاجب، كما يحجب الاخوان الام من الثلث إلى السدس ويكون للاب وقال أبو العباس تكون الحضانة للاخت أو للخالة، لان الاب يسقط أم نفسه والاب يسقط بالاخت أو بالخالة فبقيت الحضانة لها.
وان اجتمع الاب والاخت للاب والام - فإن قلنا ان الاب يقدم على الخالة - قدم الاب على الاخت للاب والام.
وان قلنا ان الخالة تقدم على الاب فههنا وجهان حكاهما الشيخ أبو حامد عن أبى سعيد الاصطخرى
[ ١٨ / ٣٣٤ ]
(أحدهما)
أن الاخت أحق لان الاخت تسقط الخالة، والخالة تسقط الاب فإذا سقط الاب مع من تسقطه الاخت فلان لا يسقط معها أولى.
(والثانى)
وهو الاصح أن الاب أحق، لان الاخت تدلى به فلا يجوز أن يكون المدلى به (١)، وان اجتمع أب وأخت لاب وخالة، فان قلنا إن الاب يسقط الخالة، كان الحضانة للاب، وإن قلنا: إن الخالة تسقط الاب ففيه ثلاثة أوجه.
(أحدها) أن الحضانة للاخت، لان الاخت تسقط الخالة، والاب يسقط بالخالة، فإذا أسقطت الخالة، فلان يسقطه من يسقط الخالة أولى.
(والثانى)
أن الحضانة للاب لان الاخت تسقط الخالة والاخت تسقط بالاب لانها تدلى به فتصير الحضانة للاب، ويمتنع أن يسقط الشخص غيره من شئ ثم يحصل ذلك الشئ بغيره، كما قلنا في حجب الاخوين للام عن الثلث إلى السدس.
(والثالث) أن الحضانة للخاله، لان الخاله تسقط الاب والاب يسقط الاخت، وإذا سقطا بقيت الحضانة للخاله، فإن لم يكن أب واجتمع الجد والام وأم الام وان علت قد من على الجد كما يقد من على الاب، وإن اجتمع الجد وأم الاب قدمت عليه لانها تساويه في الدرجة، ولها ولادة، فقدمت كما قدمت الام على الاب، وان اجتمع الجد والاخت للام أو الخالة فيه وجهان كما لو اجتمع مع الاب، وان اجتمع الجد والاخت للام أو الخالة ففيه وجهان كما لو اجتمع مع الاب، وان اجتمع الجد والاخت للاب ففيه وجهان
(أحدهما)
يقدم عليها، لان له ولادة وتعصيبا فقدم عليها كالاب
(والثانى)
تقدم عليه لانها تساويه في الولادة وتنفرد بمعرفة الحضانة فقدمت عليه كما تقدم الام على الاب.
قال المصنف ﵀:
(فصل)
وإن عدم الامهات والآباء ففيه ثلاثة أوجه (أحدها) أن النساء أحق بالحضانة من العصبات، فتكون الاخوات والخالات ومن أدلى
_________________
(١) المدلى الاولى بصيغة الفاعل والثانية بصيغة المفعول
[ ١٨ / ٣٣٥ ]
بهن من البنات أحق من الاخوة وبينهم، والاعمام وبنيهم لاختصاصهن بمعرفة الحضانة والتربية.
(والثانى)
أن العصبات أحق من الاخوات والخالات والعمات ومن يدلى بهن لاخصتاصهم بالنسب، والقيام بتأديب الولد (والثالث) أنه إن كان العصبات أقرب قدموا، وإن كان النساء أقرب قدمن وإن استويا في القرب قدمت النساء لاختصاصهن بالتربية.
وإن استوى إثنان في القرابة والادلاء كالاخوين أو الاختين أو الخالتين أو العمتين أقرع بينهما لانه لا يمكن اجتماعهما على الحضانة، ولا مزية لاحداهما على الاخرى فوجب التقديم بالقرعة.
وإن عدم أهل الحضانة من العصبات والنساء وله أقارب من رجال ذوى الارحام ومن يدلى بهم ففيه وجهان
(أحدهما)
أنهم أحق من السلطان لان لهم رحما فكانوا أحق من السلطان كالعصبات
(والثانى)
أن السلطان أحق بالحضانة لانه لاحق لهم مع وجود غيرهم فكان السلطان أحق منهم كما قلنا في الميراث.
وإن كان للطفل أبوان فتثبت الحضانة للام فامتنعت منها فقد ذكر أبو سعيد الاصطخرى فيه وجهين
(أحدهما)
أن الحضانة تنتقل إلى أم الام كما تنتقل إليها بموت الام أو جنونها أو فسقها أو كفرها
(والثانى)
أنها تكون للاب، لان الام لم يبطل حقها من الحضانة، لانها لو طالبت بها كانت أحق فلم تنتقل إلى من يدلى بها (الشرح) الاحكام: ان اجتمع رجل من العصبات غير لاب والجد مع من يساويه في الدرجة من النساء، كالاخ والاخت والعم والعمة وابن العم وابنة العمة، وقلنا إن لهم حقا في الحضانة فأيهما أحق بالتقديم؟ فيه وجهان
(أحدهما)
أن الرجل أحق بالحضانة لانه أحق بتأديبه وتعليمه، فكان أحق بحضانته
(والثانى)
أن المرأة أحق بالحضانة، لانها تساويه في الدرجة وتنفرد بمعرفة الحضانة فقدمت عليه كما قدمت الام على الاب، وان اجتمع شخصان في درجة واحدة كالاختين أقرع بينهما لانه لا مزية لاحداهما على الاخرى
[ ١٨ / ٣٣٦ ]
والرجال من ذوى الارحام كالخال والاخ من الام وأبى الام وابن الاخت لا حضانة لهم مع وجود أحد من أهل الحضانة سواهم، لانه ليس بامرأة يتولى الحضانة وليس له قوة قرابة كالعصبات، ولاحضانة إلا بمن يدلى بهم كأم أبى الام وإبنة الاخال وإبنة الاخ من الام لانهن يدلين بمن لاحضانة له، فإذا لم تثبت للمدى فللمدلين به أولى، فإن لم يكن هناك غيرهم فعلى وجهين
(أحدهما)
هم أولى لان لهم رحما وقرابة يرثون بها عند عدم من هو أدنى منهم كذلك الحضانة تكون لهم عند عدم من هو أولى بها منهم
(والثانى)
لاحق لهم في الحضانة وينتقل الامر إلى الحاكم.
وقد رحج أصحاب أحمد بن حنبل الوجه الاول وان كان الوجهان محتملين عندهم، وإن كان فيمن عليه النفقة خنثى مشكل فالنفقة عليه بقدر ميراثه، فإن انكشف بعد ذلك حاله فبان أنه أنفق أكثر من الواجب عليه رجع بالزيادة على شريكه في الانفاق: وان بان أنه أنفق أقل رجع عليه
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
وان افترق الزوجان ولهما ولد له سبع سنين أو ثمان سنين وهو مميز وتنازعا كفالته خير بينهما لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ " جَاءَتْ امْرَأَةٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فقالت: يارسول الله ان زوجي يريد أن يذهب بابنى، وقد سقاني من بئر أبى عنبة وقد نفعي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هذا أبوك وهذه أمك فخذ بيد أيهما شئت، فأخذ بيد أمه فانطلقت به " فإن اختارهما أقرع بينهما، لانه لا يمكن اجمتاعهما على كفالته، ولا مزية لاحدهما على الآخر فوجب التقديم بالقرعة، وان لم يختر واحدا منهما أقرع بينهما لانه لا يمكن تركه وحده ما لم يبلغ لانه يضيع، ولا مزية لاحدهما على
الآخر فوجبت القرعه، وإن اختار أحدهما نظرت - فإن كان ابنا فاختار الام كان عندها بالليل، ويأخذه الاب بالنهار ويسلمه في مكتب أو صنعة لان القصد حظ الولد، وحظ الولد فيما ذكرناه، وان اختار الاب كان عنده بالليل والنهار ولا يمنعه من زيارة أمه لان المنع من ذلك إغراء بالعقوق وقطع الرحم.
فإن
[ ١٨ / ٣٣٧ ]
مرض كانت الام أحق بتمريضه، لان المرض صار كالصغير في الحاجة إلى من يقوم بأمره، فكانت الام أحق به، وإن كانت جارية فاختارت أحدهما كانت عنده بالليل والنهار ولا يمنع الاخر من زيارتها من غير إطالة وتبسط، لان الفرقة بين الزوجين تمنع من تبسط أحدهما في دار الاخر، وإن مرضت كانت الام أحق بتمريضها في بيتها.
وإن مرض أحد الابوين والولد عند الاخر لم يمنع من عيادته وحضوره عند موته لما ذكرناه، وإن اختار أحدهما فسلم إليه ثم اختار الاخر حول إليه، وإن عاد فاختار الاول أعيد إليه لان الاختيار إلى شهوته وقد يشتهى المقام عند أحدهما في وقت وعند الاخر في وقت فاتبع ما يشتهيه كما يتبع ما يشتهيه من مأكول ومشروب.
وإن لم يكن له أب وله أم وجد خير بينهما، لان الجد كالاب في الحضانة في حق الصغير فكان كالاب في التخيير في الكفالة، فإن لم يكن له أب ولا جد - فإن قلنا إنه لاحق لغير الاب والجد في الحضانة - ترك مع الام إلى أن يبلغ، وإن قلنا بالمنصوص إن الحضانة تثبت للعصبة، فإن كانت العصبة محرما كالعم والاخ وابن الاخ خير بينهم وبين الام، لما روى عامر ابن عبد الله قال " خاصم عمى أمي وأراد أن يأخذني فأختصما إلى علي بن أبى طالب كرم الله وجهه، فخيرني على ثلاث مرات فاخترت أمي، فدفعني إليها " فإن كان العصبة ابن عم.
فإن كان الولد إبنا خير بينه وبين الام، وإن كانت بنتا كانت عند الام إلى أن تبلغ، ولاتخير بينهما، لان ابن العم ليس بمحرم لها ولايجوز
أن تسلم إليه.
(الشرح) حديث أبى هريرة باللفظ الذي ساقه المصنف رواه النسائي وأخرجه أبو داود بلفظ فيه زياده فقال استهما عليه " ولاحمد معناه لكنها قال فيه " جاءت امرأة قد طلقها زوجها " ولم يذكر فيه قولها " قد سقاني من بئر أبى عنبة وقد نفعني " ورواه أحمد وأبن ماجه والترمذي وصححه مختصرا بلفظ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَيَّرَ غلاما بين أبيه وأمه، ورواه بلفظ المصنف أيضا بقية أهل السنن وابن أبى شيبة وصححه الترمذي وابن حبان وأما خبر عامر بن عبد الله فقد أخرجه الشافعي في الام في باب أي الوالدين
[ ١٨ / ٣٣٨ ]
أحق بالولد " أخبرنا الربيع أخبرنا الشافعي أخبرنا ابن عيينة عن يونس بن عبد الله الجرمى عن عمارة قال: خيرنى علي بين أمي وعمى، ثم قال لاخ لى أصغر منى: وهذا أيضا لو قد بلغ مبلغ هذا خيرته " وأخرجه من طريق ابراهيم بن محمد عن يونس بن عبد الله عن عمارة " خيرنى علي بين أمي وعمى وقال لاخ لى أصغر منى وهذا لو بلغ مبلغ هذا خيرته " قال ابراهيم: وفي الحديث " وكنت ابن سبع أو ثمان سنين " ومن ثم تدرك أن الرواية ليست عن عامر بن عبد الله وإنما هي عن عمارة، وقد أخرجه البيهقى في السنن الكبرى وقال: عمارة الجذامي، والصواب ما في الام.
أما اللغات، فبئر أبى عنبة على ميل من المدينة.
قال ابن الجوزى: أبو عنبة عبد الله بن عنبه من الصحابة ليس فيهم أبو عنبة غيره.
قال في المؤتلف والمختلف: أبو عنبة الخولانى له صحبة.
وفي الاستيعاب: قيل انه ممن صلى القبلتين، قديم الاسلام، وقيل إنه ممن أسلم قبل موت النبي ﷺ ولم يصحبه، وانه صحب معاذ بن جبل وسكن الشام، روى
عنه محمد بن زياد الالهانى وبكر بن زرعة وشريح بن مسروق وقوله " في مكتب أو صنعة " قال الجوهرى: الكتاب والمكتب واحد، والجمع الكتاتيب والمكاتب وهو موضع تعليم الكتابة.
وقوله " أغراء بالعقوق " من غرى غرى من باب تعب أولع به من حيث لا يحمله عليه فإذا تعدى بالهمز فقيل أغريته به اغراء فأغرى به بالبناء للمفعول والاسم الغراء بالفتح والمد والغراء مثل كتاب ما يلصق به، فكأنه يقول أغراه بالعقوق كأنه لصقه بالغراء فجعله سببا لوقوع العقوق ولصوقا به.
وقوله " وتبسط " التبسط والانبساط ترك الاحتشام، وتبسط في البلاد سافر فيها طولا وعرضا، وأصله السعة وذلك محرم على من طلق أما الاحكام.
فإن الشافعي ﵁ يقول: فإذا افترق الابوان وهما في قرية واحدة فالام أحق بولدها ما لم تتزوج وما كانوا صغارا، فإذا بلغ أحدهم سمعا أو ثمانى سنين وهو يعقل خير بين أبيه وأمه وكان عند أيهما اختار، فإن اختار أمه فعلى أبيه نفقته ولا يمنع من تأديبه، قال وسواء في ذلك الذكر والانثى
[ ١٨ / ٣٣٩ ]
ويخرج الغلام إلى الكتاب والصناعة إن كان من أهلها ويأوى عند أمه وعلى أبيه نفقته، وإن اختار أباه لم يكن لابيه منعه من أن يأتي أمه وتأتيه في الايام وإن كانت جارية لم تمنع أمها من أن تأتيها، ولا أعلم على أبيها إخراجها إليها إلا من مرض فيؤمر بإخراجها عائدة.
قال وإن ماتت البنت لم تمنع الام من أن تليها حتى تدفن، ولا تمنع في مرضها من أن تلى تمريضها في منزل أبيها.
قال وإن كان الولد مخبولا فهو كالصغير، وكذلك إن كان غير مخبول ثم خبل فهو كالصغير الام أحق به ولا يخير أبدا.
قال وإنما أخير الولد بين أبيه وأمه إذا كانا معا ثقة للولد، فإن كان أحدهما ثقة
والآخر غير ثقة فالثقة أولاهما به بغير تخيير.
قال وإذا خبر الولد فاختار أن يكون عند أحد الابوين ثم عاد فاختار الاخر حول إلى الذي اختار بعد اختياره الاول، قال وإذا نكحت المرأة فلا حق لها في كينونة ولدها عندها صغيرا كان أو كبيرا، ولو اختارها ما كانت ناكحا، فإذا طلقت طلاقا يملك فيه الزوج الرجعة أو لا يملكها رجعت على حقها فيهم اه إذا ثبت هذا فإن الغلام إذا بلغ سبعا وليس بمعتوه خير بين أبويه إذا تنازعا فيه، فمن اختاره منهما فهو أولى به، قضى بذلك عمر وعلى شريح، وهو مذهب أحمد، وقال مالك وابو حنيفة: إذا استقل بنفسه، فأكل بنفسه ولبس بنفسه فالاب أحق به.
ومالك يقول الام أحق به.
قالا وأما التخيير فلا يصح لان الغلام لا قول له ولا يعرف حظه، وربما اختار من يلعب عنده ويترك تأديبه ويمكنه من شهواته فيؤدى إلى فساده، ولانه دون البلوغ فلم يخير كمن دون السبع وَدَلِيلُنَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خير غلاما بين أبيه وأمه " وفي لفظ " جاءت امرأة إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ يارسول الله ان زوجي يريد أن يذهب بابنى وقد سقاني من بئر أبى عنبة وقد نفعني، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: هذا أبوك وهذه أمك فخذ بيد أيهما شئت، فأخذ بيد أمه فانطلقت به " ولانه اجماع الصحابة كما أوضحنا ذلك عن علي وعمر ولا معارض فإذا بلغ الغلام حدا يعرب عن نفسه ويميز بين الاكرام وضده فمال إلى أحد
[ ١٨ / ٣٤٠ ]
الابوين، دل على أنه أرفق به وأشفق عليه، فقدم بذلك، وقيدناه بالسبع لانها أول حال أمر الشرع فيها بمخاطبته بالامر بالصلاة.
ومتى اختار أحدهما فسلم إليه ثم أختار الاخر رد إليه، فإن عاد فاختار الاول أعيد إليه هكذا أبدا كلما اختار
أحدهما صار إليه، لانه اختيار شهوة لحظ نفسه فاتبع ما يشتهيه، وان خيرناه فلم يختر واحدا منهما أو اختارهما معا قدم أحدهما بالقرعة، لانه لا مزية لاحدهما على صاحبه، ولا يمكن اجتماعهما على حضانته فقد أحدهما بالقرعة (فرع)
فإن كان الاب معدوما أو من غير أهل الحضانة وحضر غيره من العصبات كالاخ والعم وابنه قام مقام الاب، فيخير الغلام بين أمه وعصبته فأشبه الاب، وكذلك ان كانت أمه معدومه أو من غير أهل الحضانة فسلم إلى الجدة، خير الغلام بينها وبين أبيه أو من يقوم مقامه من العصبات، فإن كان الابوان معدومين أو من غير أهل الحضانة فسلم إلى امرأة كأخته وعمته أو خالته قامت مقام أمه في التخيير بينهما وبين عصيانه للمعنى الذي ذكرناه في الابوين (فرع)
وان كان عند الاب كان عنده ليلا ونهارا ولا يمنع من زيارة أمه لان منعه من ذلك اغراء له بالعقوق وقطيعة الرحم، وان مرض كانت الام أحق بتمريضه في بيتها، لانه صار بالمرض كالصغير في الحاجة إلى من يقوم بأمره فكانت الام أحق به كالصغير، وان مرض أحد الابوين والولد عن الاخر لم يمنع من عيادته وحضوره عند موته، سواء كان ذكرا أو أنثى لان المرض يمنع المريض من المشى إلى ولده، فمشى ولده إليه أولى، فأما في حال الصحة فإن الغلام يزور أمه لانها عورة فسترها أولى، والام تزور ابنتها، لان كل واحدة منهما عورة تحتاج إلى صيانة - وستر الجارية أولى - لان الام قد تخرجت وعقلت بخلاف الجارية.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
وان افترق الزوجان ولهما ولد فأراد أحدهما أن يسافر بالولد - فإن كان السفر مخوفا أو البلد الذي يسافر إليه مخوفا - فالمقيم أحق به، فإن كان مميزا لم يخير بينهما، لان في السفر تغريرا بالولد، وان كان السفر مسافة
[ ١٨ / ٣٤١ ]
لا تقصر فيها الصلاة كانا كالمقيمين في حضانة الصغير ويخير المميز بينهما، لانهما يستويان في انتفاء أحكام السفر من القصر والفطر والمسح، فصارا كالمقيمين في محلتين في بلد واحد، وإن كان السفر لحاجة لا لنقلة كان المقيم أحق بالولد، لانه لاحظ للولد في حمله ورده، وإن كان السفر للنقلة إلى موضع يقصر فيه الصلاة من غير خوف فالاب أحق به، سواء كان هو المقيم أو المسافر.
لان في الكون مع الام حضانة، وفي الكون مع الاب حفظ النسب والتأديب، وفي الحضانة يقوم غير الام مقامها، وفي حفظ النسب لا يقوم غير الاب مقامه فكان الاب أحق.
وإن كان المسافر هو الاب، فقالت الام يسافر لحاجة فأنا أحق، وقال الاب أسافر للنقلة فأنا أحق، فالقول قول الاب لانه أعرف بيته.
وبالله التوفيق (الشرح) إذا أراد أحد الابوين السفر مسافة تقصر فيها الصلاة لحاجة ثم يعود، والآخر مقيم، فالمقيم أولى بالحضانة، لان في المسافرة بالولد إضرارا به، وإن كان منتقلا إلى بلد ليقيم به وكان الطريق مخوفا، أو البلد الذي ينتقل إليه مخوفا فالمقيم أولى بالحضانة، لان في السفر به خطرا عليه، ولو اختار الولد السفر في هذه الحالة لم يجب إليه لان فيه تعزيرا به.
وإن كان البلد الذي ينتقل إليه آمنا وطريقه أمنا فالاب أحق به، سواء كان هو المقيم أو المنتقل، لان في كون الولد مع الاب حفظ النسب والتأديب.
وإن كان السفر دون مسافة قصر الصلاة كانا كالمقيمين.
وبهذا قال بعض أصحاب أحمد، والمنصوص عن أحمد سريان ما قررنا من الحكم على اطلاق السفر، سواء كان دون القصر أم لا.
لان البعد الذي يمنعه من رؤيته يمنعه من تأديبه وتعليمه ومراعاة حاله.
فأشبه مسافة القصر، وبما ذكرناه من تقديم الاب عند افتراق الدار بهما.
قال شريح ومالك وأحمد.
وقال أصحاب الرأى: إن انتقل الاب فالام أحق به، وإن انتقلت
الام إلى البلد الذي كان فيه أصل النكاح فهى أحق، وإن انتقلت إلى غيره فالاب أحق.
وحكى عن أبى حنيفة إن انتقلت من بلد إلى قرية فالاب أحق، وإن انتقلت إلى بلد آخر فهي أحق، لان في المدينة يمكن تعليمه وتخريجه
[ ١٨ / ٣٤٢ ]
(فرع)
إذا اختلف الاب والام في أمر السفر فقالت الام: يسافر مشغولا بمصالحه وحاجياته فلن يلتفت إلى رعاية الولد فأنا أحق به، وقال الاب: أسافر للنقلة والاستيطان فأنا أحق كان القول قول الاب لانه أعلم بقصده والله تعالى أعلم بالصواب وهو حسبي ونعم الوكيل
قال المصنف رحمه الله تعالى: